Полный текст (1 323 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
ومن باب العقيقة
(من الصحاح)
[٣٠٦٧] حديث سلمان بن عامر الضبي ﵁ سمعت رسول الله ? يقول: (مع الغلام عقيقة) أي: مع ولادته مسنونة أو مشروعة، والعقيقة - هاهنا - الشاة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، وهي في الأصل صوف الجذع وشعر كل مولود من الناس والبهائم الذي يولد عليه، ومنه سمي ما يذبح عن المولود عقيقة؛ لأنها تذبح يوم حلق عقيقته؛ وقيل: بل لأن حلقومها شق، والعق في الأصل: الشق والقطع، وذكر الهروي أبو عبيد: أن الشعر الذي يخرج المولود من بطن أمه وهو عليه، إنما سميت عقيقة، لأنها إن كانت على إنسي حلقت، وإن كانت على بهيمة نسلتها.
وفيه (وأميطوا عنه الأذى) قيل: أراد به حلق شعر المولود، وقيل: أراد به تطهيره عن الأوساخ والأوضار التي تلطخ بها حالة الولادة. وذهب بعضهم فيه إلى الختان، وليس ذلك بشيء؛ لأن الأذى إنما يستعمل فيما يؤذى أو يكره لقذره ورجسه، وليس الختان من أحد المعنيين في شيء، ثم إن الصحيح من طريقة العرب في الختان وسنتهم في الإسلام أنهم كانوا يختنون أولادهم من السبع إلى العشر، وربما انتهى إلى ما فوقها حتى يقرب سن الاحتلام. ويدل عليه حديث ابن عباس ﵁ (كنت مختونا وكنت قد ناهزت الاحتلام).
стр. 912
(ومن الحسان)
[٣٠٧٠] حديث أم كزر الخزاعية الكعبية ﵂ سمعت رسول الله ? يقول: (اقروا الطير عل مكناتها) مكناتها بفتح الميم [١٢٦/أ] وكسر الكاف جمع مكنة وهي بيضة الضب، ويضم الحرفان منها أيضا، والمعنى: لا تنفروها، ولا تتعرضوا لها، وقال بعض الفصحاء: إنما هي وكناتها جمع وكنة، وهي عش الطائر، فأما المكنات فإنما هي للضباب.
قال أبو عبيد: ويجوز أن يجعل للطير تشبيها بمكنات الضب، قال زهير يصف الأسد:
له لبد أظفاره لم تقلم
وإنما له المخالب. قال: ويجوز أن يراد به على أمكنتها أي: على مواضعها التي جعلها الله لها فلا يزجروها ولا يلتفتوا إليها فإنها لا تضر ولا تنفع. يقال: الناس على مكناتهم أي: على استقامتهم.
وقال شمر: الصحيح فيها أنها جمع المكنة، وهي التمكن تقول العرب: إن فلانا لذو مكنة من السلطان. أي: ذو تمكن، فيقول: أقروها على كل مكنة ترونها عليها، ودعوا التطير بها. وهذا مثل التبعة: من التتبع، والطلبة: من التطلب. قلت: وقد روى أيضا (على وكناتها) قال أبو عمرو: الوكنة والأكنة بالضم: مواقع الطير، حيثما وقعت. وقال الأصمعي: الوكن: مأوى الطير في غير عش، والوكد ما كان في عش، وقد وكن الطائر بيضه يكنه وكنا: حضنه.
وفيه (ولا يضركم ذكرانا كن أو إناثا) الضمير للشياه التي تعق بها عن المولودين.
[٣٠٧٢] ومنه حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ? (الغلام مرتهن بعقيقته) الحديث.
نقل عن بعض علماء السلف أنه قال: شفاعته للأبوين مرتهن بعقيقته. يريد أنه لا يشفع إذا لم يعق عنه.
قلت: ولا أدري بأي سبب تمسك ولفظ الحديث لا يساعد المعنى [الذي] أتى به، بل بينهما من
стр. 913
المباينة ما لا يخفى على عموم الناس فضلا عن خصوصهم. والمعنى إنما يؤخذ عن اللفظ، وعند اشتراك اللفظ عن القرينة التي يستدل بها عليه، والحديث إذا استبهم معناه فأقرب السبل إلى إيضاحه استيفاء طرقه، فإنها قلما تخلو عن زيادة أو نقصان أو إشارة بالألفاظ المختلف فيها رواية فيستكشف بها ما أبهم منه.
وفي بعض طرق هذا الحديث (كل غلام رهينة بعقيقته) أي: مرهون، يقال: مرهون ورهين، والهاء - هاهنا - لم تدخل للتأنيث، وإنما هي للمبالغة كقولهم: فلان كريمة قومه، والمعنى أنه [١٢٦/ب] كالشيء المرهون لا يتم الانتفاع والاستمتاع به دون فكه، والنعمة إنما تتم على المنعم عليه بقيامه بالشكر، ووظيفة الشكر في هذه النعمة ما سنه نبي الله ? وهو أن يعق عن المولود شكرا لله تعالى، وطلبا لسلامة المولود، ويحتمل أنه أراد بذلك [أن] سلامة المولود، ونشوءه عل النعت المحبوب رهينة بالعقيقة، هذا هو المعنى، اللهم إلا أن يكون التفسير الذي سبق ذكره متلقى من قبل الصحابي، ويكون الصحابي قد اطلع على ذلك من مفهوم الخطااب أو قضية الحال، ويكون التقدير: شفاعة الغلام لأبويه مرتهن بعقيقته، وفي لفظ هذا الحديث نظر وهو أن المرتهن هو الذي يأخذ الرهن، والشيء مرهون ورهين، ولم نجد فيما يعتمد عليه من كلامهم بناء المفعول من الارتهان، فلعل الراوي أتى به مكان الرهينة من طريق القياس.
وفيه (ويدمى) مكان (ويسمى) قلت: قد ذهب بعضهم في معناه إلى تدمية المولود بدم العقيقة المذبوحة عنه، وليس بشيء، فإن السنة في المولود يوم الذبح عنه أن يماط عنه الأذى، فكيف يؤمر بازدياده؟! وذهب بعضهم في تأويله إلى الختان، وليس ذلك أيضا مما يتبع؛ لما ذكرناه من السنة في الختان، مع أنه أقرب التأويلين، لو صحت الرواية فيه.
[٣٠٧٥] ومنه حديث عبد الله بن عمر ﵁ سئل رسول الله ? عن العقيقة فقال: (لا يحب الله العقوق) كأنه كره الاسم.
стр. 914
قلت: (كأنه كره الاسم) كلام أدرج في الحديث من قول بعض الرواة، ولا يدرى من القائل منهم، وعلى الجملة، فإنه قول صدر عن ظن، والظن يخطئ ويصيب، فالظاهر أنه وقع هاهنا في القسم الأول؛ لأن النبي ? ذكر العقيقة في عدة أحاديث، ولو كان يكره الاسم لعدل عنه إلى غيره، ومن سنته تغيير الاسم إذا كرهه، وكذلك عدوله عن اللفظ المكروه إلى ما عداه، وكان يشير إلى كراهة الشيء بالنهي عنه، كقوله: (لا تقولوا للعنب الكرم).
وإنما الوجه فيه أن يقال: يحتمل أن السائل إنما سأله عنها لاشتباه تداخله من الكراهة والاستحباب والوجوب والندب، أو أحب أن يعرف الفضيلة فيها، ولما كانت العقيقة من الفضيلة بمكان لم يخف على الأمة موقعه من الله أجابه بما ذكر تنبيها على أن [١٢٧/أ] الذي يبغضه الله من هذا الباب هو العقوق لا العقيقة، ويحتمل أن يكون السائل ظن أن اشتراك العقيقة مع العقوق في الاشتقاق مما يوهن أمرها، فأعلمه أن الأمر بخلاف ذلك، ويحتمل أن يكون العقيقة في هذا الحديث مستعارا للوالد، كما هو حقيقة في حق المولود، وذلك أن المولود إذا لم يعرف حق أبويه وأبى عن أدائه صار عاقا، فجعل إباء الوالد عن أداء حق المولود عقوقا على الاتساع، فقال: (لا يحب الله العقوق) أي: ترك ذلك من الولد مع قدرته عليه يشبه إضاعة المولود حق أبويه، ولا يحب الله ذلك، والله أعلم.
стр. 915
ومن كتاب الأطعمة
(من الصحاح)
[٣٠٧٩] حديث أبي حذيفة بن عقبة القرشي البشمي- ﵁ ﷺ : (إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه). المعنى: أنه يجد سبيلا إلى تطيير بركة الطعام بترك التسمية عليه في أول ما يتناوله المتناولون، وذلك حظه من ذلك الطعام. ومعنى الاستحلال هو: أن تسمية الله تمنعه من الطعام، كما أن التحريم يمنع المؤمن عن تناول ما حرم عليه، والاستحلال: استنزال الشيء المحرم محل الحلال، وهو في الأصل مستعار من حل العقدة.
[٣٠٨٠] ومنه حديث جابر- ﵁ عن النبي ﷺ : (إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه) الحديث.
قلت: فيه تنبيه على أن الشيطان لا يستطيع أن يأوى إلى بيت ذكر صاحبه [اسم] الله عند دخوله، ولا ينتفع من طعام ذكر اسم الله عليه، وذلك أن انتهازه الفرصة من الإنسان دون الغفلة ونسيان الذكر يقع منه موقع الغذاء من الإنسان لتلذذه بذلك وتقويه، ويحتمل أن يكون إصابته من الطعام التقوى برائحته، والذكر هو المانع له عن حضور الطعام.
[٣٠٨٢] ومنه حديث ابن عمر- ﵁ عن النبي ﷺ (لا يأكلن أحدكم بشماله) الحديث.
стр. 916
المعنى أنه يحمل أولياؤه من الإنس على ذلك الصنيع ليضاد به عباد الله الصالحين، ثم إن من حق نعم الله، والقيام بشكره أن يكرم، ولا يستهان بها، ومن حق الكرامة أن تتناول باليمين، ويميز بها بين ما كان من النعمة وبين ما كان من الأذى.
[٣٠٨٦] ومنه قوله ﷺ في حديث جابر- ﵁ (ولا يدعها للشيطان) إنما صار تركها للشيطان؛ لأن فيه إضاعة نعمة الله والاستحقار لها من غير ما بأس، ثم إنه من أخلاق المتكبرين، والمانع عن تناول تلك اللقمة في الغالب هو الكبر، وذلك من عمل الشيطان.
[٣٠٨٨] ومنه حديث أنس- ﵁[١٢٧/ب] (ما أكل النبي ﷺ على خوان قط، ولا في سكرجة) الحديث.
الخوان: الذي يؤكل عليه، معرب. والأكل عليه لم يزل من دأب المترفين، وصنيع الجبارين لئلا يفتقروا إلى التطأطؤ، عند الأكل. (ولا في سكرجة) الرواة يضمون الأحرف الثلاثة من أولها، وقيل: إن الصواب فتح الراء منها.
قلت: وهو الأشبه؛ لأنه فارسي معرب، والراء في الأصل منه مفتوحة، والعجم كانت تستعملها في الكواميخ وما أشبهها من الجوارشنات على الموائد حول الأطعمة للتشهي والهضم، فأخبر أن النبي ﷺ لم يأكل على هذه الصفة قط.
стр. 917
[٣٠٩٠] ومنه حديث سهل بن سعد- ﵁ (ما رأى رسول الله النقى) المراد بالنقى: الخبز الحواري، قال الشاعر:
من نقى فوقه أدمه
ومنه الحديث في صفة أرض المحشر: (كقرصة النقى).
[٣٠٩٣] ومنه حديث أبي موسى (أن المؤمن يأكل في معي واحد) الحديث. أراد بذلك أن المؤمن يقل شرهه على الطعام ويبارك له في مطعمه ومشربه حتى تقع النسبة بينه وبين الكافر، كنسبه من يأكل في معي واحد مع من يأكل في سبعة أمعاء. فإن قيل: فقد يوجد في المؤمنين من تزداد نهمته على الكافر.
قلنا: الأوضاع مختلفة والناس يتفاوتون في التناول على حسب الأوضاع، فليس إلى المعنى الذي أراده رسول الله ﷺ من هذا الوجه سبيل. وإنما يتحقق ذلك المعنى إذا قدرت ذلك في شخص واحد أو في مؤمن، وكذلك في الأشخاص. وقد قيل في تأويله: إنه مثل؛ لأن المؤمن لا يأكل إلا من الحلال ويتوقى الحرام والشبهة، والكافر لا يبالي ما أكل، ومن أين أكل، وكيف أكل. وهذا تأويل حسن غير أن في الحديث قصة تنقض هذا التأويل على قائله، وهي: ما ذكر أبو هريرة- ﵁ في حديثه أن رسول الله ﷺ ضافه ضيف كافر، فأمر رسول الله ﷺ بشاة فحلبت فشرب حلابها، ثم أخرى فشربه، ثم أخرى فشربه، حتى شرب حلاب سبع شاه [١٢٨/أ] ثم أصبح من الغد فأسلم، فأمر رسول الله ﷺ بشاة فحلبت فشرب حلابها، ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها، فقال رسول الله ﷺ : (المؤمن يشرب في معي واحد) الحديث. وهو حديث حسن.
وقد اختلف في الرجل من هو فقيل: هو نضلة بن عمرو الغفاري. وقيل: هو أبو نضرة جميل بن بصرة الغفاري، وقد اختلف في جميل، فمنهم من قال بالحاء المهملة المضمومة، ومنهم من [قاله] بالجيم المفتوحة، وهو جد عزة التي يشبب بها كثير، أبو أبيها.
стр. 918
[٣٠٩٥] ومنه حديث عائشة- ﵂ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (التلبينة مجمة لفؤاد المريض) الحديث. التلبينة: حساء يتخذ من دقيق أو نخالة، وربما جعل فيها عسل، سميت بذلك تشبيها باللبن لبياضها ورقتها، ويقال لها بالفارسية: سبوساب.
ومعنى مجمة أي: مريحة إذا ضمت ميمها، وقيل: تسرو عنه همه. وفي معناه: الحساء يرو عن فؤاد السقيم. وقيل: يجمعه ويكمل صلاحه ونشاطه، ومنهم من يفتح الميم، والضم أكثر وأجود.
[٣٠٩٨] ومنه قول عمرو بن أمية- ﵁ في حديثه (يحتز من كتف شاة) بالحاء المهملة أي: يقطع.
[٣١٠١] ومنه حديث سعيد بن زيد- ﵁ (الكمأة من المن) الكمأة: واحدها (كمء) على غير قياس، وهو من النوادر، تقول: هذا كمء، وهذان كمآن، وهؤلاء أكمؤ ثلاثة، فإذا كثرت فهي الكمأة.
стр. 919
وقد فسر المن في الرواية الأخرى، وقال أبو عبيد: إنما شبهها بالمن الذي كان يسقط على بني إسرائيل عفوا بلا علاج، كذلك الكمأة لا مؤنة فيها ببذر ولا بسقى.
قلت: ويستعمل المن في النعمة، ويستعمل بمعنى القطع، والذهاب فيه إلى كلا المعنيين صحيح أما النعمة فظاهر، وأما القطع فلأنه يسقط كالشيء المقطوع، ولهذا يقال للترنجبين.
[٣١٠٣] ومنه قول جابر- ﵁ في حديثه (نجني الكباث) الكباث: بالفتح: النضيج من ثمر الأراك، وما لم يونع منه فهو برير.
[٣١٠٧] ومنه حديث سعد بن أبي وقاص- رشي الله عنه- (من تصبح بسبع تمرات عجوة) الحديث.
قيل: هو تفعل، من: صبحت القوم أي: سقيتهم الصبوح، وصبحت لغة في صبحت، والأصل في الصبوح شرب الغداة، وقد يستعمل في الأكل أيضا؛ لأن شرب اللبن عند العرب بمنزلة [١٢٨/ب] الأكل.
стр. 920
والعجوة: شرب من أجود التمر بالمدينة، ونخلتها تسمى اللينة. والخاصية التي ذكرها فيها إنما كانت بدعائه؛ وذلك أن القوم تبرموا عن الاجتراء بالتمر حتى قالوا: أحرق بطوننا التمر، وكان قد دعا في طعام المدينة غير مرة، وأعلمه الله بما جعل فيه من البركة، ووضع فيه من المنفعة، لاسيما في التمر الذي كان أكثر طعامهم، أعلمهم بما أعلمه الله ليعرفوا مواقع نعمة الله عليهم، ويشكروها ولا يزدروها.
[٣١١٢] ومنه قول عائشة- ﵂ في حديثها (توفى رسول الله ﷺ وما شبعنا من الأسودين) الأسودان: التمر والماء، والسواد للتمر دون الماء، فنعتا بنعت واحد، والعرب تفعل ذلك في الشيئين يصطحبان فيسميان معا باسم الأشهر منهما. هذا قول أصحاب الغريب.
قلت: وقد بقى عليهم بقية، وذلك أنهم لم يبينوا وجه التسوية بين التمر والماء في العوز، ومن المعلوم أنهم كانوا في سعة من الماء، قلت: إنما قالت ذلك؛ لأن الري من الماء لم يكن ليحصل لهم من دون الشبع من الطعام، فإن أكثر الأمم لاسيما العرب يرون شرب الماء على الريق بالغا في المضرة، فقرنت بينهما لعوز التمتع بأحدهما بدون الإصابة من الآخر، وعبرت عن الأمرين: أعني الشبع والري بفعل واحد كما عبرت عن التمر والماء بوصف واحد.
[٣١١٦] ومنه حديث جابر- ﵁ أن النبي ﷺ (أتى بقدر فيه خضروات ... الحديث). كذا رواه البخاري في كتابه بالقاف، وقد قيل: إن الصواب فيه (أتى ببدر) بالباء، وهو طبق يتخذ من الخوص، ولعله سمي بذلك لاستدارته استدارة بالبدر، وخضروات بفتح الخاء وكسر الضاد جمع خضرة أي: بقول خضرات، ورواه بعضهم بضم الخاء وفتح الضاد.
стр. 921
[٣١١٨] ومن قوله ﷺ في حديث أبي أمامة- ﵁ (غير مكفي، ولا مودع، ولا مستغني عنه ربنا).
قال الخطابي في معناه: غير محتاج إلى الطعام؛ فيكفى لكنه يطعم فيكفى، (ولا مودع): ولا متروك الطلب إليه والرغبة فيما عنده، فإن كل من استغنى عن الشيء تركه.
قلت: وعلى هذا فالضمير من بناء المفعول في الألفاظ الثلاثة راجع إلى الله تعالى، (ربنا) خبر [١٢٩/أ] للمبتدأ وهو (غير).
قلت: وأكثر ظني أني وجدت الرواية فيهما بالنصب. وعلى هذا (فغير) منصوب صفة للمصدر الذي هو الحمد. وربنا على النداء، ويكون غير مكفي في معنى غير كاف أي: نحمدك حمدا لا نكتفي به بل نعود فيه كرة بعد أخرى.
وكذلك المعنى فيما بعده. وقد روى في بعض طرق هذا الحديث (غير مكفور) وهو مستقيم على الروايتين. والله أعلم.
(ومن الحسان)
[٣١٢٢] قوله ﷺ في حديث أمية بن مخشي الخزاعي- ﵁ (فلما ذكر اسم الله استقاء ما
стр. 922
في بطنه) أي: صار ما كان له وبالا عليه مستلبا عنه بالتسمية. وهذا تأويل على سبيل الاحتمال غير موثوق به، فإن نبي الله ﷺ يطلع من أمر الله في بريته على ما لا سبيل لأحد إلى معرفته إلا بالتوقيف من جهته.
[٣١٢٦] ومنه حديث سلمان- ﵁ (قرأت في التوراة ... الحديث) المراد من الوضوء- ها هنا- غسل اليد وتنظيفها لا غير. ولو ذهب ذاهب إلى أن المراد منه الطهارة الكاملة) التي نؤتي بها للصلاة رد قوله بحديث ابن عباس الذي يتلو هذا الحديث. فإن قيل: فما يمنعك أن تذهب في حديث سلمان إلى تأسيس العزيمة وفي حديث ابن عباس إلى تشريع الرخصة.
стр. 923
قلنا: يمنعنا قوله: (والوضوء بعده)؛ لأن الوضوء بعده على نعت الكمال لا معنى له في حصول البركة بعد الفراغ منه، كما أن أحدا لو ذكر الله سبحانه على غير طهر ثم تطهر لينال فضل الذكر على طهارة فيما سبق منه لم يقع ذلك موقعه. ومعنى البركة في الوضوء بعده: عظم فائدة الطعام باستعمال النظافة، فإنه إذا ترك ذلك أضر به الغمر الذي حصل في يده من الطعام وعاقه عن استمرائه، فيعود ترك ذلك إليه بالنقصان في قلة النماء ووجدان المنفعة.
قلت: والإتيان بالوضوء عند التناول والفراغ إنما يستحب في طعام تتلوث عنه اليد ويتولد منه الوضر.
[٣١٣٢] ومنه حديث أم المنذر بنة قيس الأنصارية- ﵂ (دخل على رسول الله ﷺ ومعه على، ولنا دول معلقة ... الحديث). الدوالي: عذوق بسر تعلق فإذا أرطب أكل، واحدها في القياس دالية. قال أبو عبيد الهروي: ولم أسمع به.
[٣١٣٣] ومنه حديث أنس- ﵁ (كان رسول الله ﷺ يعجبه الثفل) [١٣٠/ب] الثفل في الأصل: ما سفل من كل شيء [وقولهم]: (تركت بني فلان مثافلين) أي: ليس لهم لبن فهم يأكلون الحب، وذلك عند البدوي من أشد الأحوال، وقد فسر بعض العلماء الثفل بما يقتات. وفسره إبراهيم الحربي في هذا الحديث بالثريد، وأنشد:
يحلف بالله وإن لم يسأل ... ما ذاق ثفلا منذ عام أول
قلت: [وصيغة] القول في الحديث تشهد له بالإصابة.
[٣١٣٤] ومنه حديث نبيشة الخير الهذلي- ﵁ عن رسول الله ﷺ (من أكل في قصعة
стр. 924
فلحسها ... الحديث) استغفار القصعة عبارة عما صودف فيها من أمارة التواضع ممن أكل فيها وبرائته من الكبر، وذلك مما يوجب له المغفرة، فأضاف إلى القصعة؛ لأنها كالسبب لذلك.
[٣١٣٦] ومنه قول ابن عباس- ﵁ في حديثه: (والثريد من الحيس). الحيس: تمر يخلط بأقط وسمن. والأصل فيه الخلط، ومنه قول الراجز:
التمر والسمن جميعا والأقط ... الحيس إلا أنه لم يختلط
[٣١٤٠] ومنه قوله ﷺ في حديث سعد بن أبي وقاص- ﵁ إنك رجل مفؤود، وآت الحارث بن كلدة) الحديث. المفؤد: الذي أصابه داء في فؤاده. وفأدته فهو مفؤود: أصبت فؤاده. ويقال: رجل مفؤد وفئيد أي: لا فؤاد له. وأهل اللغة يقولون: الفؤاد هو القلب، وقيل: الفؤاد غشاء القلب. وقد قيل: يشبه أن سعدا كان مصدورا فكنى بالفؤاد عنه؛ لأنه كان محله.
ويشكل من هذا الحديث: أنه نعت العلاج، ثم أحاله إلى الطبيب، ثم أمر الطيب باستعمال ما نعته.
والوجه في ذلك أن نقول: إنما صنع ذلك لتحققه بان رأي الطبيب يوافق قوله، فأحب أن يصدقه ويشهد له بالإصابة، أو كان إحالته إلى الطبيب لعلمه باتخاذ الدواء والصنعة فيه وحذقه بكيفية الاستعمال، وذلك من الأبواب العملية، وقلما يوجد ذلك إلا من كثرة الممارسة منه. وإنما قال: (من عجوة المدينة) لما عرف فيها من البركة والخاصية التي جعلها الله فيها بدعائه، ثم لموافقتها مزاج من تعودها. وكان سعد قد مرض مرضه ذلك بمكة عام الفتح، ولهذا قال: (من عجوة المدينة) وكان مرضه هذا قبل الهجرة (فليجأهن) أي: فليدقهن [١٣١/أ] وفي غير هذه الرواية أنه وصف له الوجئة وهي المدقوقة، حتى يلزم بعضها بعضاً،
стр. 925
وتبل عند الدق بسمن ولبن ليكون أشد لزوما. وإنما قال: (ليلدك) وهو سقي الإنسان الدواء في أحد شقي فيه؛ لأنه وجده على حالة من المرض لم يكن يسهل له تناوله الدواء إلا على تلك الهيئة، أو علم أن تناوله على تلك الهيئة أنجع. والحارث بن كلدة الثقفي مات في أول الإسلام، ولم يصح إسلامه. ويستدل بهذا الحديث على جواز مشاورة أهل الكفر في الطب إذا كانوا من أهله، وابنه الحارث بن الحارث بن كلدة يعد في المؤلفة قلوبهم.
[٣١٤٣] ومنه حديث سلمان- ﵁ (سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء) قلت: إنما سئل عنها توقيا عن الشبهات، فإن العرب يومئذ كانوا مسلمين وكفارا، فتداخلهم الشبهة لذلك، وقد غلط بعضهم في الفراء فرأى أنه جمع الفرا وهو الحمار الوحشي، وإنما هي جمع الفرو الذي يلبس. وإنما سألوا عنها حذرا من صنيع أهل الكفر في اتخاذهم الفراء من جلود الميتة من غير دباغ، ومما يبين صحة ما ذكرنا أن علماء الحديث أوردوا هذا الحديث في اللباس، ولو أورده مورد في باب الطعام لم يكن ذلك حجة على الاختلاف فيها؛ فإن الحديث مشتمل على السؤال مما هو طعام ومما هو لباس؛ فصح الاستدلال بهذا الحديث في كل واحد من الجنسين.
[٣١٤٤] ومنه قوله ﷺ في حديث ابن عمر- ﵁ (من برة سمراء ملبقة بسمن) السمراء:
стр. 926
الحنطة. وقيل: هي حنطة فيها سواد خفي، وعلى هذا يصح أن يكون سمراء صفة لبرة. ولعل هذا النوع كان أحمد الأنواع عندهم. وإن لم يثبت هذا، فإن سمراء بدل من برة. و (ملبقة) ملخوطة به خلطا شديدا. يقال: ثريدة ملبقة: إذا خلطت خلطا شديدا.
[٣١٤٨] ومنه قول عكراش بن ذؤيب المزني- ﵁ في حديثه (أتينا بجنفة كثيرة الثريد والوذر) الوذر: جمع وذرة مثل تمر وتمرة: وهي القطعة من اللحم.
[٣١٤٩] ومنه حديث عائشة- ﵂ (كان رسول الله ﷺ إذا أخذ أهله الوعك ... الحديث). الوعك: الحمى وشدة مراسها. والحساء- بالفتح والمد- طعام معروف، وكذلك الحسو على فعول.
وفيه (وإنه ليرتو) أي: يقوى ويشد.
[٣١٥٠] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (العجوة من الجنة) يريد بذلك (١٣١/ب) المبالغة في الاختصاص بالمنفعة والبركة.
стр. 927
ومن باب الضيافة
(من الصحاح)
[٣١٥٥] حديث أبي هريرة- ﵁ في حديثه (فأتى رجلا من الأنصار) الرجل: هو أبو الهيثم بن التيهان الأنصاري الخزرجي- ﵁.
وفيه: (يستعذب لنا الماء) أي: يطلب لنا الماء العذب، وذلك لأن أكثر مياه المدينة كانت مالحة. وفي الحديث (كان يستعذب له الماء) وفي حديث آخر أن الجماعة الذين كانوا يسمون القراء كانوا يستعذبون بالأسحار الماء لرسول الله ﷺ .
وفيه (فجاءهم بعذق) العذق ههنا بكسر العين وهو الكباسة والله أعلم.
стр. 928
(ومن الحسان)
[٣١٥٦] حديث المقدام بن معد يكرب- ﵁ عن النبي ﷺ (أيما مسلم ضاف قوما ... الحديث). ضفت الرجل ضيافة وتضيفه: إذا نزلت عليه ضيفا. وأضفت الرجل وضيفته: إذا أنزلته بك ضيفا وقربته، وحكم الحديث قد ذكر في أول الكتاب.
[٣١٥٩] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي سعيد (كمثل الفرس في آخيته) الآخية- بالمد والتشديد- واحدة الأواخي: وهي أن يدفن طرفا قطعة من الحبل في الأرض وفيه عصية أو حجير، فيظهر منه مثل عروة تشد إليه الدابة. والآخية أيضا: الذمة والحرمة. وقيل: الآخية: البقية من الناس أيضا.
ومنه قول عمر للعباس- ﵄ (أنت آخية آباء رسول الله ﷺ -
стр. 929
ومن الفصل الذي يليه
(من الحسان)
[٣١٦٢] حديث فجيع العامري- ﵁ أنه أتى النبي ﷺ (فقال: ما يحل لنا من الميتة؟) الحديث.
قلت: هذا لفظ أبي داود في كتابه، وقد وجدت في كتاب الطبراني وغيره (ما يحل لنا الميتة) وهذا أشبه بنسق الكلام؛ لأن السؤال لم يقع عن المقدار الذي يباح، وإنما وقع عن الحالة التي تفضى به إلى الإباحة، وقد تمسك بهذا الحديث من يرى تناول الميتة مع أدنى شبع، والتناول منه عند الاضطرار إلى حد الشبع. وقد خالف في هذا الحديث حديث أبي واقد الليثي، وقد أورده المؤلف بعد هذا الحديث. والأمر الذي يبيح له الميتة هو الاضطرار، ولا يتحقق ذلك مع ما يتبلغ به من الغبوق والصبوح فيمسك الرمق، فإن ثبت الحديث فالوجه فيه أن يقال: الاغتباق بقدح والاصطباح بآخر إنما كانا على سبيل الاشتراك بين القوم كلهم، ومن الدليل عليه قول السائل: (ما يحل لنا) كأنه كان وافد قومه، فلم يسأل لنفسه خاصة. وقول النبي ﷺ [١٣٢/أ]: (طعامكم) فلما تبين له أن القوم مضطرون إلى أكل الميتة لعدم الغناء في إمساك الرمق بما وصفه من الطعام أباح لهم تناول الميتة على تلك الحالة. هذا وجه التوفيق بين الحديثين. والتفسير الذي ذكره بعد الحديث مدرج في الحديث من قول عقبة بن وهب بن عقبة العامري الراوي هذا الحديث [من] أبيه. وأبوه هو الراوي عن فجيع العامري.
ومن الغصص التي لا أراها توغ: أني وجدت بعض مشيخة فارس- وكان الناس يرونه المرجوع إليه في مشكل هذا الكتاب- قد كتب هذا الحديث فحرف قوول المؤلف: (فسروا) فجعل الضمة على السين والتشديد على الراء، ذهابا إلى أنه من المسرة، وجعله من تمام الحديث، ثم جعل فاصلة بين الكلمتين. أعني: فروا قوله- بصفر وأعلم (قوله) بالرفع؛ تنبيها على أنه مبتدأ. وإنما ذكرت ذلك تشديدا لرغبة الراغبين، وتسديدا لقصد القاصدين في تناول هذا العلم عن رجاله، والتوقي عن التخوض فيه بمجرد التقليد. [والله أعلم].
стр. 930
[٣١٦٣] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي واقد الليثي- ﵁: (أو تحتفئوا بها بقلا) أكثر الرواة يروونه بالهمز. قال أبو عبيد: هو من الحفاء وهو أصل البردي الأبيض الرطب منه وهو يؤكل. يقول: ما لم يقتلعوا الحفاء فيأكلوه. وأبي أبو سعيد بن الأعرابي الهمز وقال: هو باطل، والبردي ليس من البقل، والبقول لا عرق لها، وإنما تنبت من العشب على وجه الأرض، ولا بردي في بلاد العرب، وإنما الصواب فيه ترك الهمز من الاحتفاء يقال: احتفى الرجل: غذا أخذ من وجه الأرض بأطراف أصابعه. وكل شيء احتفى فقد استؤصل، ومنه إحفاء الشعر.
ومن باب الأشربة
(من الصحاح)
[٣١٦٧] حديث أنس- رضي الله عن- (أنه نهى أن يشرب الرجل قائما) قد اختلف الأحاديث في
стр. 931
هذا الباب وحديث النهي أكثر وأبعد من التعليل والتأويل. وحديث أبي هريرة الذي يتلو هذا الحديث- مع النهي الذي فيه- ينبئ عن شدة النكير، حيث أمره بالتكلف للقيء فإن الاستقاء والتقيء: هو أن يتكلف الرجل القيء. وحديث ابن عباس: (أتيت النبي ﷺ بدلو من ماء زمزم) يأول على أنه شرب قائما؛ لأنه لم يجد موضع القعود لازدحام الناس على زمزم، وابتلال المكان مع احتمال النسخ، فقد روي عن جابر أنه لما سمع رواية من روى أنه شرب قائما [١٣٢/ب] قال: قد رأيته صنع ذلك، ثم سمعته بعد ذلك ينهي عنه. على هذا الوجه يمكن التوفيق بين تلك الأحاديث.
[٣١٧٠] ومنه حديث جابر- ﵁ (أن النبي ﷺ دخل على رجل من الأنصار ومعه صاحب له فسلم فرد الرجل وهو يحول الماء) الحديث. يحول الماء أي: ينقله من عمق البئر إلى ظاهرها.
وفيه: (إن كان عندك ماء بات في شنة وإلا كرعنا) لشن والشنة: القربة الخلق، وكأن الشنة هي الصغيرة من الشنان. وكانوا يردون الماء من الليل في الشنان؛ لأنها أبلغ في التبريد. وكرع في الماء يكرع كروعا: إذا تناوله بفيه [من] موضعه من غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء.
وفيه: (ثم حلب فيه من داجن) قال ابن السكيت: شاة داجن إذا ألفت [البيوت] واستأنسن. قال: ومن العرب من يقولها بالهاء.
[٣١٧١] ومنه حديث أم سلمة- ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (الذي يشرب في إناء
стр. 932
الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) قال أبو منصور الأزهري: يجرجر أي: يحدر فيه، فجعل للشرب والجرع جرجرة. وهي: صوت وقوع الماء في الجوف. وقال الزجاج: يجرجر في جوفه أي: يردده فيه.
قلت: كأنه ذهب في ذلك إلى جرجرة البعير وهو: صوت يردده في حنجرته. وقيل: الجرجرة صب الماء في الحلق. وعلى كلا الوجهين يروى الحديث فترفع الراء من (نار جهنم) بالفعل اللازم وتنصب بالمعتدى منه.
(ومن الحسان)
[٣١٨٠] حديث أبي سعيد الخدري (أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الشراب) قلت: إنما نهى عن
стр. 933
النفخ والتنفس فيه؛ لأن الماء للطفه ورقته تسرع إليه الاستحالة بالرائحة الكريهة، فإذا تنفس فيه الإنسان أثر فيه النكهة التي تتولد من خلوف الفم، فيتأذى به الشارب ولا يستمرئه، ويدخل في معنى ذلك الأشربة.
ومن باب النقيع والأنبذة
(من الصحاح)
[٣١٨٧] قول عائشة- ﵄ في حديثها-: (وله عزلاء) العزلاء: فم المزادة الأسفل والجمع العزالي بكسر اللام، ولك أن تفتحها مثل الصحارى والصحاري.
стр. 934
(ومن الحسان)
[٣١٩٢] حديث أبي مالك الأشعري- ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ليشربن ناس من أمتي الخمر) الحديث. المراد منه- والله أعلم-[١٣٣/أ] أنهم يتسترون في شربها بأسماء الأنبذة المباحة.
ومن باب تغطية الأواني
(من الصحاح)
[٣١٩٣] حديث جابر- ﵁ عن رسول الله ﷺ : (إذا كان جنح الليل ... الحديث). جنح الليل بالفتح وجنحه بالكسر: طائفة من الليل. وأراد به- ههنا- الطائفة الأولى منه عند امتداد فحمة العشاء.
стр. 935
وفيه: (كفوا صبيانكم) أي: امنعوهم عن التردد. وفي رواية (اكفتوا صبيانكم) أي: ضموهم غلى أنفسكم وفيه: (ولو أن تعرضوا) تعرضوا بالكسر والضم أي: ولو أن تضعوا عليه شيئا من خشبة أو غيرها بالعرض.
وفيه (فأجيفوا الأبواب) أي: ردوها. يقال: أجفت الباب أي: رددته.
[٣١٩٤] ومنه حديث جابر- ﵁ عن النبي ﷺ (لا ترسلوا فواشيكم) الحديث. الفواشي: كل شيء منتشر من الأموال: كالغنم السائمة والإبل وغيرها. يقال: أفشى الرجل: إذا كثرت فواشيه. وفي بعض نسخ المصابيح (مواشيكم) بالميم، وهو خلاف الرواية.
وفيه: (حتى تذهب فحمة العشاء) فحمة العشاء: ظلمته. يقال: أفحموا عن العشاء وفحموا أي: لا تيسروا في أول فحمته [حتى] تفور الظلمة، وهو أشد الليل سوادا.
[٣١٩٦] ومنه حديثه الآخر (جاء أبو حميد- رجل من الأنصار- من النقيع ... الحديث). النقيع- بالنون: موضع بالمدينة ينحدر إليه السيل فيستنقعه، ثم ينبت منه الكلأ والعشب والكثير، وهو المرعى الذي حماه عمر بن الخطاب- ﵁ لإبل الصدقة.
стр. 936
=====
стр. 937
ومن كتاب اللباس
(من الصحاح)
[٣٢٠٢] حديث عائشة- ﵂ (خرج النبي ﷺ ذات غداة وعليه مرط مرحل ... الحديث). ذات الشيء: نفسه، وإذا استعمل في نحو: ذات يوم، وذات ليلة، وذات غداة، فغنها إشارة إلى حقيقة المشار إليه نفسه. والمرحل بالحاء المهملة هو: الموشي سمي مرحلا؛ لأن عليه تصاوير الرحال. هذا قول أصحاب الغريب. وذكر الجوهري: أنه إزار خز فيه علم.
قلت: ولعلهم ذهبوا في هذه التسمية إلى اختلاف الألوان والخطوط التي فيه، فإن الأرحل من الخيل هو الأبيض الظهر، ومن الغنم الأسود الظهر، ويسمون [الطنافس] الحيرية: الرحال، فالأشبه فيه أن يفسر بأنه كان كالموشي للخطوط التي فيه ليوافق النظائر التي ذكرناها، وهو الأولى أن يقدر في لباس لبسه رسول الله ﷺ .
[٣٢٠٤] ومنه قول أبي بردة- ﵁ (أخرجت إلينا عائشة- ﵂ كساء مبلدا) المبلد: المرقع. يقال: لبدت الثوب ولبدته وألبدته. ومنه قيل للرقعة التي يرقع بها قب القميص: اللبدة.
[٣٢٠٧] ومنه قولها في حديثها الآخر: (مقبلا متقنعا) أي: مغطيا رأسه بردائه شبه القناع، يقال: تقنعت المرأة: إذا لبست القناع، وهو من عادة العرب عند الظهائر.
стр. 938
[٣٢٠٨] ومنه قوله ﷺ في حديث جابر- ﵁ (والرابع للشيطان) يشير بذلك إلى أن الرغبة في عرض الدنيا ومتاع البيت فوق الحاجة، مما يستدعي إلى التوسع في زخارفها، وذلك مما يرتضيه الشيطان ويستحسنه، فيقع الفراش الرابع من الشطان موقع الوطاء من الإنسان.
[٣٢١١] ومنه قوله ﷺ في حديث ابن عمر- ﵁ (فهو يتجلجل في الأرض) أي: يسوخ فيها أبدا. قال ابن شميل: يتحرك فيها، والجلجلة: الحركة مع صوت، ومنها الجلاجل.
[٣٢١٣] ومنه حديث جابر- ﵁ (نهى رسول الله ﷺ أن يأكل الرجل بشماله وأن يمشي في نعل واحدة). سبق القول في هذا الحديث في باب الصلاة.
ومنه قول المؤلف أو غيره.
стр. 939
[٣٢١٩] روي عن عمر- ﵁ (أنه خطب بالجابية) الجابية، مدينة بالشام.
[٣٢٢٠] ومنه حديث أسماء بنت أبي بكر- ﵂ (أنها أخرجت جبة طيالسة) الحديث. الجبة: ثوبان يطارفان ويجعل بينهما فصل، فإن كانت من صوف جازت أن تكون واحدة غير محشوة (وجبة طيالسة) يروى على الإضافة، [وفسر] بالخلق. ومنهم من يقول: جبة طيالسة، على النعت وفيه بعد. وقد فتشت عن بيان ذلك من حيث الوضع اللغوي فلم أجد له ذكرا في كتب اللغة على هذا الوجه، ولا فيما اطلعت عليه من كلام الشارحين وأصحاب الغريب، وأرى في تقريره وجوها ثلاثة:
أحدها: أن يقال: إنهم كنوا بالإضافة إلى الطيالسة عن الخلق؛ لأن صاحب الخلق لم يكن ليلبسه إلا بطيلسان ليواري به ما تخرق منه.
والثاني: أن تكون الجبة منسوبة إلى الباعة الذين يبيعون الخلقان ويكون بناء الطيالسة من الطلس، مثل بناء الصيارفة من الصرف، والهاء فيه للنسبة يقال: ثوب أطلس أي: خلق، وكذلك الطلس بالكسر، وجمعه أطلاس. ويقال أيضا للأسود الموسخ من طول ما لبس: أطلس.
والثالث: أن يكون الصواب فيها جبة أطلاسا.
كقولهم: ثوب أخلاق، إذا كانت [١٣٤/أ] الخلوقة فيه كله كقولهم: برمة أعشار. ويكون الخطأ من بعض الرواة. وكسروانية: منسوبة إلى كسرى.
وفيه: (لها لبنة ديباج) أرادت بها ما يرقع به القب (ولبنة القميص): جربانه.
стр. 940
وفيه: (وفرجيها مكفوفين بالديباج) كذا هو في المصابيح. والصواب: (وفرجاه مكفوفان) الفرج: المشقق، وهو موضع الشق من الجبة والقباء. والكف: عطف أطراف الثوب.
فإن قيل: كيف التوفيق بين هذا الحديث، وبين حديث عمران بن حصين- وهو في الحسان من هذا الباب: (ولا ألبس القميص المكفف بالحرير)؟ قلنا: لعله رأى الكراهة في القميص، ولم يراها في الجبة؛ لأن ذلك من أعمال أهل التوضيع، أو كان قوله في حديث عمران متأخرا عن لبس الجبة، وكان قد وهبها لعائشة- ﵂ فبقيت عندها إلى أن ورثتها أسماء- ﵂.
[٣٢٢٢] ومنه قوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو- ﵁ (أحرقها) أراد بالإحراق الإفناء ببيع أو هبة أو إهلاك صبغهما بغسل، فقد ورد الإحراق بمعنى الإفناء والإهلاك وذلك؛ لأنه لم يكن ليأمر بإضاعة المال، وصدر عنه بلفظ الإحراق تنبيها على شدة النكير. وقد روي عن عبد الله بن عمرو من غير هذا الوجه أنه لما عرف كراهته لذلك أتى أهله وهم يسجرون التنور فقذفها فيه، وأتاه من الغد فقال: (يا عبد الله، ما فعلت الريطة)؟ فأخبره فقال: (أفلا كسوتها بعض أهله، فإنه لا بأس بها للنساء).
ولو صح الأمر بالإحراق لكان له أن يقول: أمرتني بذلك، فالوجه فيه ما ذكرنا، ويكون الصحابي قد فهم المعنى المراد منه، إلا أ، هـ قد فعل ذلك كراهة لها أو حسب أنها يكره للنساء كما يكره للرجال.
(ومن الحسان)
[٣٢٢٦] قوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري- ﵁: (إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه)
стр. 941
أي: الحالة التي ترتضى منه في الائتزار هي أن يكون على هذه الصفة. والإزرة بكسر الهمزة: كالجلسة والركبة يقال: ائتزر إزرة حسنة.
[٣٢٢٨] ومنه حديث أبي كبشة الأنماري- ﵁ (كانت كمام أصحاب رسول الله ﷺ ). الكمام جمع كمة وهي القلنسوة المدورة؛ لأنها تغطي الرأس. وقوله [١٣٤/ب] (بطحا) بسكون الحاء أي: لازقة غير ذاهبة في الهواء. وأصحاب الحديث رووه بغير ألف. وكذلك لفظ المصابيح بغير ألف بالتنوين وهو خطأ، فلعل بعضهم رواه من كتاب كذلك فاتبع الرواة رسم خطه، وهذا دأبهم، ولا يتخطون اللفظ المروى عنه وإن كان خطا. وهذا الحديث رواه عن أبي كبشة عبد الله بن بشر أبو سعيد وقد تكلم فيه الجمهور. وحديثه هذا من جملة المناكير، وهو مما تكلفنا بإيضاحه في [عنوان الكتاب].
стр. 942
[٣٢٣٩] ومنه قوله ﷺ في حديث عائشة- ﵂ (ولا تستخلقي ثوبا حتى ترقعيه). تستخلقي بالقاف أي: لا تعديه خلقا، واستخلق نقيض استجد، ومن الناس من يرويه بالفاء من الخلف، وهو العوض، ولفظ الحديث يشهد بفساده، وهو أن استعمال الاستخلاف على هذا المعنى إنما يصح مع (من) الجارة. تقول: استخلفت منه، وأما قولك: استخلفته أي: جعلته خلفيتي، فلا يستقيم هنالك. وهذا حديث فيه مقال عند أهل النقل من قبل صالح بن حسان، فإنه منكر الحديث.
[٣٢٤٠] ومنه حديث أبي أمامة-﵁ عن النبي ﷺ : (إن البذاذة من الإيمان) البذاذة:
стр. 943
رثاثة الهيئة، وترك ما يدخل في باب الزينة. يقال: رجل بذ الهيئة وباذ الهيئة، أي: رث اللبسة وفي هيئته بذاذة. والمراد من الحديث: أن التواضع في اللباس والتوقي عن التأنق في الزينة من أخلاق أهل الإيمان، والإيمان هو الباعث عليه.
[٣٢٤١] ومنه حديث ابن عمر- ﵁ عن النبي ﷺ (من لبس ثوب شهرة ... الحديث). الشهرة: ظهور الشيء في شنعة حتى يشهره الناس ويشتهر هو به، ويكون ذلك فيما لا يحل لبسه من الثياب، فإن الوعيد على المباح غير جائز، اللهم إلا أن يدخله فساد القصد، كالذي يلبس لباسا يريد به ليشهر نفسه في الناس والزهد والتقشف، أو الذي يتخذ لباسا لا يشاكل لباس أهل الدين وذوي المروءة؛ ليجعل نفسه به ضحكة بين الناس [كالمساخرة] وإن ذهب فيه مأول إلى الاشتهار بالعمل الذي يراد به المراءاة، فله محمل؛ فإن الكناية بالثوب عن العمل شائع في كلامهم.
стр. 944
[٣٢٥٠] ومنه حديث أبي ريحانة- ﵁ (نهى رسول الله ﷺ عن عشر: عن الوشر والوشم ... الحديث). الوشر: أن تحدد المرأة أسنانها وترققها تشبها بحديثات الأسنان، وهي الواشرة. و (المؤشرة): التي تسأل أن يفعل بها ذلك. وقد استحقا اللعن على صنيعها لما في ذلك من التغرير، وتغيير خلق الله.
وفيه: (وعن مكامعة الرجل الرجل) المكامعة: المضاجعة، والكميع: الضجيع. وفيه: (لبس الخاتم إلا لذي سلطان).
قلت: قد ذهب إلى هذا الحديث بعض السلف، والأكثرون لم يروا به بأسا؛ لما في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ كان يلبس خاتما من ذهب ثم قام فنبذه، وقال: لا ألبسه) [وفيه: فنبذ] الناس خواتيمهم) وهذا يدل على أن الصحابة كانوا يلبسون الخواتيم. قال أبو جعفر الطحاوي: فإن قيل: كيف يحتج بهذا الحديث، وهو منسوخ. قلنا: إن الذي احتججنا به من الحديث ليس بمنسوخ، وإنما المنسوخ منه لبس خاتم الذهب للنبي ﷺ ولغيره من أمته، ولما كان هو وغيره في ذلك سواء قبل النسخ، [فإن] النبي ﷺ لم يمنعه النسخ عن التختم بالفضة، دل ان الحكم أول في التختم باق على حاله بعد ما نسخ من التختم بالذهب وأن حكم غيره بعد النسخ كحكمهم فيه قبل النسخ).
وهذا الذي قاله صحيح، غير أنه لا يحكم بكون الأمر ثابتا على ما كان عليه احتمال أن يكون حديث أبي ريحانة متأخرا فيقال إذاك: إن تختم من تختم من الصحابة، ومن بعدهم من التابعين، وأعلام الأمة ممن لم يكن بذي سلطان، قد دل على نقل الحكم على ما كان عليه من الإباحة.
قلت: وأرى الوجه فيه أن يحمل النهي على أنه كره التختم للزينة المحضة التي لا يشوبها أمر من باب المصلحة، ورأى ذلك لذي سلطان؛ لأنه يحتاج إليه في حفظ الأموال، [وجنس] الحقوق، وختم الكتب ونحوها. ويدخل في معناه من شاركه في معنى من تلك المعاني، واحتاج إليه لحفظ مال أو ضبط بضاعة أو صيانة أمانة أو نحو ذلك؛ لئلا يعطل شيء من الأحاديث التي وردت في هذا الباب، ولا يعلل بعضها ببعض، بل يسلك بها سبيل التوفيق.
стр. 945
[٣٢٥١] ومنه حديث علي- ﵁ (نهاني رسول الله ﷺ عن خاتم الذهب وعن لبس القسي والمياثر) تفسير القسي والمياثر قد مضى فيما تقدم من الكتاب.
[٣٢٥٢] ومنه حديث معاوية- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (لا تركبوا الخز ولا النمار) يعني بالنمار: جلود النمور. والصواب فيه: النمور، وقد روي كذلك، وإنما نهي عنهما لما فيهما من الزينة والخيلاء. وقد قيل: إنما نهي عن جلود النمور؛ لأنها من زي العجم. وفي الحديث (أن أبا أيوب أتى بدابة سرجها نمور فنزع الصفة فقيل: الجديان نمور، فقال: إنما نهي عن الصفة.
[٣٢٥٤] ومنه قول أبي رمثة التيمي- ﵁ في حديثه (وبها ردغ من حناء): أي: لطخ. يقال به ردغ من زعفران. أي: لطخ وأثر. وأبو رمثة هذا من تيم الرباب. ومنهم من قال: التيمي، مكان التيمي.
[٣٢٥٥] ومنه قول أنس- ﵁ في حديث (وعليه ثوب قطر قد توشح به) القطر بكسر القاف: ضرب من [برود] اليمن فيه حمرة يقال لجمعها القطرية. وقطر بتحريك الطاء: موضع. قال أبو منصور الأزهري: أظن القطرية نسبت إليه، والأصل: قطري. قال جرير:
لدي قطريات إذا ما تغولت
أراد نجائب. نسبها إلى قطر. وعنه أيضا القطرية: ثياب حمر لها أعلام فيه بعض الخشونة منسوبة إلى قطر موضع بين عمان وسيف البحر. وأنشد:
كساك الحنظلي كساء خز ... وقطريا فأنت به ثقيل
قلت: والأظهر أن القول الأول من أبي منصور كان قبل التحقق والمتحقق فيه هو الثاني.
стр. 946
[٣٢٥٦] ومنه قوله ﷺ في حديث عائشة- ﵂: (قد علم أني من أتقاهم لله وآداهم للأمانة) يقال: هو آدى منك للأمانة، بمد الألف.
[٣٢٥٧] ومنه حديث عبد الله بن عمرو- ﵁ في حديثه (وعلى ثوب مصبوغ بعصفر موردا) أي: صبغا موردا أقام الوصف مقام المصدر الموصوف. والمورد: ما صنع على لون الورد، وهو دون المضرج.
[٣٢٥٨] ومنه حديث عامر بن عمرو المزني- ﵁ (رأيت النبي ﷺ بمنى يخطب على بغلة وعليه برد أحمر وعلى يعبر عنه) معنى قوله: (يعبر عنه) أي: يبلغ؛ وذلك ان القول لم يكن ليبلغ أهل الموسم ويسمع سائرهم الصوت الواحد، لما فيهم من الكثرة، ولما يعلوهم من الجلبة والدوى، فافتقر أن يقيم من كل صقع مبلغا حتى ينتهي إليهم كلامه، وكان المبلغ يسمعه عن النبي ﷺ ثم يؤديه بأعلى صوته إلى من وراءه، فيحتمل أن عليا- ﵁ تفرد يوم خطب بمنى لضيق المكان وتقارب الصدفين، ويحتمل أن قد كان معه غيره فلم يذكره الراوي، وأما يوم الحج الأكبر فقد أقيم لهذا الأمر جماعة، وكانوا يصرخون صراخا. وأما قوله ﷺ : (ولا يؤدي منى إلا علي) فإن ذلك حين [١٣٥/أ] بعثه إلى مكة ليقرأ سورة براءة على أهل الموسم، وكان من مذهب العرب أن لا يبلغ عنهم إلا من يعد في جملتهم ويختص بهم قرابة ورحما. وهذا الحديث مما يزعم فيه طائفة من أهل النقل أن أبا معاوية الضرير أخطأ فيه؛ لأن يعلي بن عبيد قال فيه: عن هلال بن عامر عن رافع بن عمرو. وقال أبو معاوية: عن هلال بن عامر عن أبيه.
стр. 947
[٣٢٦١] ومنه حديث دحية بن خليفة الكلبي- ﵁ (أتى النبي ﷺ بقباطي) الحديث. قباطي بفتح القاف جمع قبطية وهي ثياب بيض رقاق تتخذ من كتان بمصر، وقد تضم القاف؛ لأنهم يغيرون في النسبة كما قالوا: سهلى ودهرى.
[٣٢٦٢] ومنه قوله ﷺ في حديث أم سلمة- ﵂ (لية لا ليتين) أمرها أ، تلوى الخمار على رأسها وما تحت الحنك عطفة واحدة ولا تجعلها ليتين فتكون مشتبهة بالمتعممين.
стр. 948
ومن باب الخاتم
(ومن الصحاح)
[٣٢٦٨] حديث أنس-﵁ أن رسول الله ﷺ (لبس خاتم فضة في يمينه ... الحديث) قلت: قد خالف هذا الحديث حديثه الآخر الذي يتلو هذا الحديث، ولا أرى القول برد أحدهما بالآخر؛ لأنهما صحيحان، ولا الذهاب في أحدهما إلى النسخ؛ لأنه حدث بهما بعد ارتفاع النسخ بوفاة الرسول ﷺ ولم يكنا لصحابي ليتحدث بالناسخ مع المنسوخ من غير بيان، مع علمه بذلك، أو يذكر السنة المتروكة وقد عرف أن نبي الله ﷺ عدل عنها، ولا أن يقدر في أحدهما النسيان عليه عند كبر سنه؛ لثبوت كل واحد من الأمرين برواية غيره، فإن حديث اليمين رواه أيضا عبد الله ب جعفر وابن عمر وابن عباس وعائشة، وحديث اليسار روي عن ابن عمر، كما روي عن أنس، فعلمنا أنه صنع الأمرين، ولم يحط علما بالمتقدم والمتأخر، إلا فيما يقوله الفقهاء: أنه كان يتختم في يمينه، ثم تحول إلى يساره، ويروون فيه حديثا، وواها لها من حجة لو استبان لنا غي من رشده، فالوجه فيه أن يقال: إنه ارتضى كل واحدة من الخصلتين التختم في اليمين فلكرامة اليمين واستحقاقها للتقديم على صاحبتها في المعاني المحمودة [١٣٥/ب] وأما اليسار فلأنه جعل العبرة فيه للفعل لا للمحل، وذلك أنه إذا تختم في يساره يصير الفعل منسوبا إلى اليمين؛ لأن التختم والنزع يصدران من قبل اليمين، فلم يخل إذا أحد الأمرين من معنى التيمن هذا هو الوجه في التوفيق بين الروايتين. وأما القول فيه من حيث الرواية، فإن أحاديث اليمين أكثر وأسلم من الاختلاف؛ وذلك لأن الذي يروي حديث اليسار يروي حديث اليمين، وقد تفرد بحديث اليمين جماعة قد سبق
стр. 949
ذكرهم، والعجب من الفئة المتشيعة وتشددهم في اختصاص اليمين، حتى يجعلوه شعارا لمذهبهم. والصحيح من السبطين الحسن والحسين- ﵄ أنهما كانا يتختمان في اليسار [والله أعلم]؟
(ومن الحسان)
[٣٢٧٤] قول معاوية- ﵁ في حديثه عن النبي ﷺ (وعن لبس الذهب إلا مقطعا) أوله أبو سليمان الخطابي وأحله محل التنزيه والكراهة فجعل النهي مع الاستثناء مصروفا إلى النساء. وقال: أراد بالمقطع: الشيء اليسير نحو الشنف والخاتم. كره من ذلك الكثير الذي هو عادة أهل السرف وزينة أهل الخيلاء والكبر. واليسير ما لا تجب الزكاة فيه.
وهذا تقدير جيد يشير إلى معناه قوله ﷺ : (يا معشر النساء أما لكن في الفضة ما تحلين به) غير أن لفظ حديث معاوية ما هو بمنبئ عن ذلك، ولا مميز في صيغة النهي بين الرجال والنساء، ثم إنه رتب النهي عن لبس الذهب على النهي من ركوب النمور، وذلك عام في حق الرجال والنساء، فيحتمل أن معاوية روى النهي عن لبس الذهب كما رواه غيره، ثم رأى أن اليسير التافه منه إذا ركب على الفضة التي أبيحت للرجال فيحلى به قبيعة السيف أو حلقة المنطقة أو يشد به فص الخاتم غير داخل في النهي، قياسا على اليسير من الحرير، فاستدرك ذلك بالاستثناء من كلامه، والله أعلم بحقيقة ذلك.
[٣٢٧٥] ومنه قوله ﷺ في حديث بريدة- ﵁ (ما لي أرى عليك حلية أهل النار) قلت: أظهر له بالنكير وشدة القول فيه شدة كراهيته لذلك [١٣٦/أ] والحديث الذي أورده المؤلف بعد هذا الحديث عن سهل بن سعد على سبيل المدافعة ورد الأول بالآخر فليس على ما توهمه، وليس من الاحتياط أن يعطل من الأحاديث التي لم يتفق أهل النقل على أنها ساقطة الاعتبار من غير أن يتحقق فيه النسخ، بل يوفق بينه وبين ما يخالفه ما أمكن، وقد نظرنا في هذين الحديثين فاستبان لنا في التوفيق بينهما أن نقول: معنى قوله: (ولو خاتما من حديد) هو المبالغة في بذل ما يمكنه تقدمه للنكاح، وإن كان شيئا يسيرا على ما بيناه في بابه، كقول الرجل: أعطني ولو كفا من تراب. وخاتم الحديد- وإن نهى عن التختم به- فإنه لم يدخل بذلك في جملة ما لا قيمة له، فإن الحديد من العروض التي لا تسقط قيمتها وإن قلت.
стр. 950
هذا [ويحتمل] أن يكون النكير على التختم بخاتم الحديد بعد قوله في حديث سهل بن سعد: (التمس ولو خاتما من حديد) فنقول: إن حديث سهل بن سعد كان قبل استقرار السنن واستحكام الشرائع، وما في حديث بريدة بعد ذلك. ويقال: إنما قال: (حلية أهل النار)؛ لأنه زي بعض الكفار وهم أهل النار.
قلت: ويحتمل أنه ذهب فيه إلى السلاسل والأغلال التي يعذبون بها في جهنم، وتلك في المتعارف بيننا متخذة من الحديد [والله أعلم].
[٣٢٧٦] ومنه حديث عبد الله بن مسعود- ﵁ (كان النبي ﷺ يكره عشر خلال: الصفرة ... الحديث) الصفرة: فسرت في الحديث. وقد عرفنا من غير هذا الحديث أنه كره ذلك للرجال دون النساء، وإنما أهل الحصابي بيانه اعتمادا على اشتهار الأمر فيه.
وفيه (تغييب الشيب) يريد التغيير الذي يبلغ به إلى السواد فيتشبه بالشبان إخفاء لشيبه وتعمية على أعين الناظرين، دون الخضاب بالحناء، وما يضاهيه، فإنه تغير لا تلتبس معه حقيقة الشيب.
وفيه: (والتبرج بالزينة في غير محلها) التبرج: إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال، فكأنهم شبهوها في إظهار ذلك بالثوب المبرج وهو المعين من الحلل. وقيل: هو الثوب الذي صور عليه البروج، أو سمي تبرجا لخروج المرأة من برجها أي: قصرها [١٣٦/أ] ومحلها- بكسر الحاء- حيث يحل لها إظهار الزينة. ويبينه قوله تعالى ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن﴾ الآية. ومحل الهدى: حيث يحل فيه نحرها.
وفيه (والضرب بالكعاب) وهو النرد وما كانفي معناه. وفيه (والرقي إلا بالمعوذات) يريد بالمعوذات: الدعوات المأثورة، وأسماء الله الحسنى، وما يجري مجرى ذلك. وفيه تنبيه على الترقي عن أباطيل أهل الجاهلية فيما كانوا يتعاهدونه في الرقي من أسماء الشياطين، والإتيان فيها بما يخل بالعقائد، واستعمال ألفاظ لا يعرف معناها. ولهذه المعاني أمر رسول الله ﷺ بعرض الرقي عليه.
وفيه (وعقد التمائم) يريد بها التمائم التي تحتوي على ما ذكرناه من رقي أهل الجاهلية. وفيه: (وعزل الماء لغير محله) أي: صبه في غير الموضع الذ يحل. قال الخطابي: وسمعت في هذا الحديث (وعزل الماء
следующие страницы →