← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18569

الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي

التوربشتي

Полный текст (1 323 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

[٣٢٥٦] ومنه قوله ﷺ في حديث عائشة- ﵂: (قد علم أني من أتقاهم لله وآداهم للأمانة) يقال: هو آدى منك للأمانة، بمد الألف. [٣٢٥٧] ومنه حديث عبد الله بن عمرو- ﵁ في حديثه (وعلى ثوب مصبوغ بعصفر موردا) أي: صبغا موردا أقام الوصف مقام المصدر الموصوف. والمورد: ما صنع على لون الورد، وهو دون المضرج. [٣٢٥٨] ومنه حديث عامر بن عمرو المزني- ﵁ (رأيت النبي ﷺ بمنى يخطب على بغلة وعليه برد أحمر وعلى يعبر عنه) معنى قوله: (يعبر عنه) أي: يبلغ؛ وذلك ان القول لم يكن ليبلغ أهل الموسم ويسمع سائرهم الصوت الواحد، لما فيهم من الكثرة، ولما يعلوهم من الجلبة والدوى، فافتقر أن يقيم من كل صقع مبلغا حتى ينتهي إليهم كلامه، وكان المبلغ يسمعه عن النبي ﷺ ثم يؤديه بأعلى صوته إلى من وراءه، فيحتمل أن عليا- ﵁ تفرد يوم خطب بمنى لضيق المكان وتقارب الصدفين، ويحتمل أن قد كان معه غيره فلم يذكره الراوي، وأما يوم الحج الأكبر فقد أقيم لهذا الأمر جماعة، وكانوا يصرخون صراخا. وأما قوله ﷺ : (ولا يؤدي منى إلا علي) فإن ذلك حين [١٣٥/أ] بعثه إلى مكة ليقرأ سورة براءة على أهل الموسم، وكان من مذهب العرب أن لا يبلغ عنهم إلا من يعد في جملتهم ويختص بهم قرابة ورحما. وهذا الحديث مما يزعم فيه طائفة من أهل النقل أن أبا معاوية الضرير أخطأ فيه؛ لأن يعلي بن عبيد قال فيه: عن هلال بن عامر عن رافع بن عمرو. وقال أبو معاوية: عن هلال بن عامر عن أبيه.

стр. 947

[٣٢٦١] ومنه حديث دحية بن خليفة الكلبي- ﵁ (أتى النبي ﷺ بقباطي) الحديث. قباطي بفتح القاف جمع قبطية وهي ثياب بيض رقاق تتخذ من كتان بمصر، وقد تضم القاف؛ لأنهم يغيرون في النسبة كما قالوا: سهلى ودهرى. [٣٢٦٢] ومنه قوله ﷺ في حديث أم سلمة- ﵂ (لية لا ليتين) أمرها أ، تلوى الخمار على رأسها وما تحت الحنك عطفة واحدة ولا تجعلها ليتين فتكون مشتبهة بالمتعممين.

стр. 948

ومن باب الخاتم (ومن الصحاح) [٣٢٦٨] حديث أنس-﵁ أن رسول الله ﷺ (لبس خاتم فضة في يمينه ... الحديث) قلت: قد خالف هذا الحديث حديثه الآخر الذي يتلو هذا الحديث، ولا أرى القول برد أحدهما بالآخر؛ لأنهما صحيحان، ولا الذهاب في أحدهما إلى النسخ؛ لأنه حدث بهما بعد ارتفاع النسخ بوفاة الرسول ﷺ ولم يكنا لصحابي ليتحدث بالناسخ مع المنسوخ من غير بيان، مع علمه بذلك، أو يذكر السنة المتروكة وقد عرف أن نبي الله ﷺ عدل عنها، ولا أن يقدر في أحدهما النسيان عليه عند كبر سنه؛ لثبوت كل واحد من الأمرين برواية غيره، فإن حديث اليمين رواه أيضا عبد الله ب جعفر وابن عمر وابن عباس وعائشة، وحديث اليسار روي عن ابن عمر، كما روي عن أنس، فعلمنا أنه صنع الأمرين، ولم يحط علما بالمتقدم والمتأخر، إلا فيما يقوله الفقهاء: أنه كان يتختم في يمينه، ثم تحول إلى يساره، ويروون فيه حديثا، وواها لها من حجة لو استبان لنا غي من رشده، فالوجه فيه أن يقال: إنه ارتضى كل واحدة من الخصلتين التختم في اليمين فلكرامة اليمين واستحقاقها للتقديم على صاحبتها في المعاني المحمودة [١٣٥/ب] وأما اليسار فلأنه جعل العبرة فيه للفعل لا للمحل، وذلك أنه إذا تختم في يساره يصير الفعل منسوبا إلى اليمين؛ لأن التختم والنزع يصدران من قبل اليمين، فلم يخل إذا أحد الأمرين من معنى التيمن هذا هو الوجه في التوفيق بين الروايتين. وأما القول فيه من حيث الرواية، فإن أحاديث اليمين أكثر وأسلم من الاختلاف؛ وذلك لأن الذي يروي حديث اليسار يروي حديث اليمين، وقد تفرد بحديث اليمين جماعة قد سبق

стр. 949

ذكرهم، والعجب من الفئة المتشيعة وتشددهم في اختصاص اليمين، حتى يجعلوه شعارا لمذهبهم. والصحيح من السبطين الحسن والحسين- ﵄ أنهما كانا يتختمان في اليسار [والله أعلم]؟ (ومن الحسان) [٣٢٧٤] قول معاوية- ﵁ في حديثه عن النبي ﷺ (وعن لبس الذهب إلا مقطعا) أوله أبو سليمان الخطابي وأحله محل التنزيه والكراهة فجعل النهي مع الاستثناء مصروفا إلى النساء. وقال: أراد بالمقطع: الشيء اليسير نحو الشنف والخاتم. كره من ذلك الكثير الذي هو عادة أهل السرف وزينة أهل الخيلاء والكبر. واليسير ما لا تجب الزكاة فيه. وهذا تقدير جيد يشير إلى معناه قوله ﷺ : (يا معشر النساء أما لكن في الفضة ما تحلين به) غير أن لفظ حديث معاوية ما هو بمنبئ عن ذلك، ولا مميز في صيغة النهي بين الرجال والنساء، ثم إنه رتب النهي عن لبس الذهب على النهي من ركوب النمور، وذلك عام في حق الرجال والنساء، فيحتمل أن معاوية روى النهي عن لبس الذهب كما رواه غيره، ثم رأى أن اليسير التافه منه إذا ركب على الفضة التي أبيحت للرجال فيحلى به قبيعة السيف أو حلقة المنطقة أو يشد به فص الخاتم غير داخل في النهي، قياسا على اليسير من الحرير، فاستدرك ذلك بالاستثناء من كلامه، والله أعلم بحقيقة ذلك. [٣٢٧٥] ومنه قوله ﷺ في حديث بريدة- ﵁ (ما لي أرى عليك حلية أهل النار) قلت: أظهر له بالنكير وشدة القول فيه شدة كراهيته لذلك [١٣٦/أ] والحديث الذي أورده المؤلف بعد هذا الحديث عن سهل بن سعد على سبيل المدافعة ورد الأول بالآخر فليس على ما توهمه، وليس من الاحتياط أن يعطل من الأحاديث التي لم يتفق أهل النقل على أنها ساقطة الاعتبار من غير أن يتحقق فيه النسخ، بل يوفق بينه وبين ما يخالفه ما أمكن، وقد نظرنا في هذين الحديثين فاستبان لنا في التوفيق بينهما أن نقول: معنى قوله: (ولو خاتما من حديد) هو المبالغة في بذل ما يمكنه تقدمه للنكاح، وإن كان شيئا يسيرا على ما بيناه في بابه، كقول الرجل: أعطني ولو كفا من تراب. وخاتم الحديد- وإن نهى عن التختم به- فإنه لم يدخل بذلك في جملة ما لا قيمة له، فإن الحديد من العروض التي لا تسقط قيمتها وإن قلت.

стр. 950

هذا [ويحتمل] أن يكون النكير على التختم بخاتم الحديد بعد قوله في حديث سهل بن سعد: (التمس ولو خاتما من حديد) فنقول: إن حديث سهل بن سعد كان قبل استقرار السنن واستحكام الشرائع، وما في حديث بريدة بعد ذلك. ويقال: إنما قال: (حلية أهل النار)؛ لأنه زي بعض الكفار وهم أهل النار. قلت: ويحتمل أنه ذهب فيه إلى السلاسل والأغلال التي يعذبون بها في جهنم، وتلك في المتعارف بيننا متخذة من الحديد [والله أعلم]. [٣٢٧٦] ومنه حديث عبد الله بن مسعود- ﵁ (كان النبي ﷺ يكره عشر خلال: الصفرة ... الحديث) الصفرة: فسرت في الحديث. وقد عرفنا من غير هذا الحديث أنه كره ذلك للرجال دون النساء، وإنما أهل الحصابي بيانه اعتمادا على اشتهار الأمر فيه. وفيه (تغييب الشيب) يريد التغيير الذي يبلغ به إلى السواد فيتشبه بالشبان إخفاء لشيبه وتعمية على أعين الناظرين، دون الخضاب بالحناء، وما يضاهيه، فإنه تغير لا تلتبس معه حقيقة الشيب. وفيه: (والتبرج بالزينة في غير محلها) التبرج: إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال، فكأنهم شبهوها في إظهار ذلك بالثوب المبرج وهو المعين من الحلل. وقيل: هو الثوب الذي صور عليه البروج، أو سمي تبرجا لخروج المرأة من برجها أي: قصرها [١٣٦/أ] ومحلها- بكسر الحاء- حيث يحل لها إظهار الزينة. ويبينه قوله تعالى ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن﴾ الآية. ومحل الهدى: حيث يحل فيه نحرها. وفيه (والضرب بالكعاب) وهو النرد وما كانفي معناه. وفيه (والرقي إلا بالمعوذات) يريد بالمعوذات: الدعوات المأثورة، وأسماء الله الحسنى، وما يجري مجرى ذلك. وفيه تنبيه على الترقي عن أباطيل أهل الجاهلية فيما كانوا يتعاهدونه في الرقي من أسماء الشياطين، والإتيان فيها بما يخل بالعقائد، واستعمال ألفاظ لا يعرف معناها. ولهذه المعاني أمر رسول الله ﷺ بعرض الرقي عليه. وفيه (وعقد التمائم) يريد بها التمائم التي تحتوي على ما ذكرناه من رقي أهل الجاهلية. وفيه: (وعزل الماء لغير محله) أي: صبه في غير الموضع الذ يحل. قال الخطابي: وسمعت في هذا الحديث (وعزل الماء

стр. 951

عن محله) قلت: وأكثر الروايات فيه بفتح الحاء. والكسر أعرفه صحيحا من حيث المعنى، ولا أحققه رواية. ومحل [الماء هي] المرأة، كره عزل الماء عنه؛ لأن فيه قطع النسل. وفيه (وفساد الصبي) وهو أن يطأ المرأة المرضع، فمن الناس من يرى فساده من قبل الحبل، فإنه يستضر بذلك، ومنهم من يرى وطأ المرأة حين ترضع مضرا بالرضيع، مخلا بقوة اللبن. [٣٢٧٩] ومنه حديث عرفجة بن أسعد التيمي- ﵁ (أن أنفه قطع يوم الكلاب) الكلاب بالضم والتخفيف ماء عن يمين جبلة وشمام، وهما جبلان، وللعرب به يومان مشهوران في أيام أكثم بن صيف، يقال لهما: الكلاب الأول، والكلاب الثاني. [٣٢٨٠] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من أحب أن يحلق حبيبه ... الحديث) حبيبه- بالحاء المهملة، وأرد ابه: من يحبه من ولد أو زوجة. ولا يحمل هذا النكير على التهديد بل على النظر له. والمعنى: أن ذلك يضر بحبيبه مضرة النار. ويحمل الحديث الذي يتلوه على أن المراد منه ما لا يؤدي زكاته، لتتفق الأحاديث التي وردت في هذا الباب [١٣٧/أ] فلا يضرب بعضها ببعض، والتحليق في هذا الحديث راجع إلى معنى قولهم: إبل محلقة: إذا كان وسمها الحلق.

стр. 952

ومن باب النعل (من الصحاح) [٣٢٨٣] حديث أنس- ﵁ (أن نعل النبي ﷺ كان لها قبالان) أي: زمامان يجعلان بين أصابع الرجلين. والقبال- بالكسر: الزمام الذي يكون بين الأصبع الوسطى والتي تليها.

стр. 953

ومن باب الترجل (من الصحاح) [٣٢٩٤] حديث أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الفطرة خمس) الحديث. قد ذكرنا فيما تقدم من الكتاب معنى الفطرة، والوجوه التي تتصرف عليها، والكل راجع إلى معنى الابتداء بالشيء وإبداعه. وقد فسرت في هذا الحديث، وفيما يجري مجراه من الأحاديث بالسنة؛ نظرا إلى أنها من سنن الأنبياء المعزبة إليهم في أول الوضع. فإن قيل: فكيف [التوفيق] بين هذا الحديث وبين حديث عائشة (شعر من الفطرة) قلنا: هو أن نقول: يحتمل أنه أشار بهذا الحديث إلى معظمها، ويحتمل أنه أراد به حصر ما يختص بالتناول في سنة الأنبياء من الفضولات والزوائد المتصلة بالبدن، فإنها لا تتعدى عن هذه الخمس. [٣٢٩٥] ومنه قوله ﷺ في حديث ابن عمر- ﵁ (واحفوا الشوارب): أحفوا مقطوعة الألف أي: بالغوا في أخذها حتى تلزقوا الجز بالشفة. والأصل في الإحفاء: الاستقصاء في الكلام. وفي معناه: (انهكوا الشوارب) في الرواية الأخرى، والنهك: يستعمل في الطعام والشتم والعقوبة والقتال وغير ذلك. ويراد منه: المبالغة في ذلك الشيء. ومنه الحديث: (انهكوا الأعقاب أو لتنهكنها النار) أي: بالغوا في غسلها. وتنظيفها في الوضوء. وفي الرواية الأخرى: (واعفوا اللحى) هو مثل قوله: (أوفروا اللحى) أي: لا تأخذوا منها حتى تكثر. يقال: عفا البنت والشعر وغيرهما أي: كثر. وعفوته أنا وأعفيته، لغتان: إذا فعلت به ذلك. وعلى هذا فللراوي أن يقطع الهمزة ويوصلها.

стр. 954

[٣٢٩٨] ومنه قول جابر- ﵁ في حديثه (كالثغامة بياضا) الثغام بالفتح: نبت يبيض إذا يبس ويشبه [١٣٨/أ] به الشيب، الواحدة ثغامة. ويقال له بالفارسية درمنه اسفند. [٣٣٠٢] ومنه حديث ابن عباس- ﵄: (لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء). قلت: وفي بعض طرق هذا الحديث: (والرجلة من النساء)] وهي: التي تشبه بهم في زيهم. وهذه الرواية أشبه بالصواب؛ لأن [الرجل] لم يستعمل في هذا المعنى فيما وجدناه من كتب أهل اللغة. ويلحق بالمكروه من تشبههن بالرجال في زيهم: رفع الصوت والمشي وما يضاهي ذلك، مما لا يحمد منهن. وأما التشبه في العلم والرأي فمحمود، ومن ذلك قولهم: (كانت عائشة-﵂ رجلة الرأي) أي: كان رأيها رأي الرجال.

стр. 955

[٣٣٠٦] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ (العين حق) الحديث. أراد بالعين: الإصابة بالعين. ومعنى أنه حق أي: كائن مقضي به في الوضع الإلهي، لا شبهة في تأثيره في النفوس والأموال. [٣٣١٠] ومنه حديث نافع- ﵁ كان ابن عمر- ﵄ إذا استجمر استجمر بألوة غير مطراة). الحديث. الألوة بفتح الهمزة وضمها: العود الذي يتبخر به. قال الأصمعي: وأراها كلمة فارسية عربت. والمطراة هي: المرباة بما يزيد في الرائحة من الطيب يقال: عود مطرى، ومطير أيضا، وهو مقلوب من مطرى. قال الشاعر: إذا ما مشيت نادى بما في ثيابها ... ذكى الشذى والمندلي المطير

стр. 956

[٣٣٢١] ومن الحسان قول أنس- ﵁ في حديثه (ويكثر القناع) قلت: لم نجد في هذا اللفظ عن أحد من أهل المعرفة بالحديث ومعانيه ما يحقق لنا المعنى المراد منه. ولم نجد هذا الحديث بزيادة لفظ يهتدى به إلى المعنى. والذي يستبين لنا منه أنه أراد بذلك أحد الشيئين إما اتخاذه القناع على رأسه شبه الطيلسان على رأسه، وإما اتخاذه ذلك عند التدهن؛ لئلا تتسخ العمامة منه. والقناع: أوسع من المقنعة، ويكون فيه حذف على التأويلين أي: يكثر اتخاذ القناع.

стр. 957

[٣٣٢٥] ومنه قول فضالة بن عبيد الليثي- ﵁ في حديثه (كان ينهانا عن كثير من الإرفاه) الإرفاه، على زنة المصدر هو: التدهن والترجيل كل يوم. وإنما أدخل فيه الكثير وهو فعل واحد لكونه مشعرا بالمواظبة على أنواع من الزينة. وأصل الكلمة من الرفه، وهو ورود الإبل الماء كل يوم، ومنه أخذت الرفاهية. كره ذلك؛ لأنه من دأب أهل الخفض والدعة. ومن الناس من يفتح الهمزة منه ظنا [١٣٨/أ] منه أنه جمع رفه، وليس كذلك، ولعل أهل اللغة جعلوا الإرفاه عبارة عن التوسع في الزينة؛ نظرا إلى أنه دخول في الرفه، كما جعلوا الإفطار تارة عبارة عن الدخول في وقت الإفطار. [٣٣٢٩] ومنه حديث ابن عمر- ﵁ (كان النبي ﷺ يلبس النعال السبتية) السبت- بالكسر: جلود البقر المدبوغة بالقرظ يحذى منها النعال السبتية. قال الأزهري: كأنها سميت سبتية؛ لأن شعرها قد سبت عنها أي: حلق وأزيل. وقيل: سميت سبتية؛ لأنها انسبتت بالدبغ أي: لانت.

стр. 958

[٣٣٣٧] ومنه حديث عبد الله بن جعفر (أن النبي ﷺ أمهل آل جعفر ثلاثا). الحديث. إنما قال: ثلاثا عناية لليالي. وقوله (ادعوا لي بني أخي) أراد عبد الله وعونا ومحمدا بني جعفر بن أبي طالب. وإنما حلق رءوسهم؛ لأنه رأى أمهم أسماء بنت عميس حقيقة بأن تشغل عن ترجيل شعورهم وغسل رءوسهم لما أصابها من الفجيعة، أو لزمها من أمر العدة، أو أهمها من القيام بمصالح نفسها، فأشفق عليهم من الشعث والوسخ والقمل فحلق رءوسهم.

стр. 959

[٣٣٣٨] ومنه قوله ﷺ في حديث أم عطية- ﵂ (لا تنهكي) أي: لا تبالغي في الخفاض حتى تستأصلي الهن المقطوع منه في الخفاض. وفي غير هذه الرواية عن أم عطية أيضا: (أشمي ولا تنهكي) أي: لا تبالغي في إسحاته. وقوله: (لا تنهكي) تفسير لقوله: أشمي. [٣٣٤٢] ومنه قوله ابن عباس- ﵁ في حديثه (والنامصة والمتنمصة) النامصة: التي تنتف الشعر من الوجه. ومنه قيل للمنقاش: المنماص. والمتنمصة: التي يفعل بها ذلك. [٣٣٤٥] ومنه قوله ﷺ في حديث ثوبان- ﵁ (اشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج) العصب- بكون الصاد: سن دابة بحرية تسمى فرس فرعون، يتخذ من الخرز، يكون أبيض،

стр. 960

ويتخذ منه أيضاً نصاب السكين وغير ذلك. وقد تخبط جمع من أهل العلم في تفسيره، حيث لم يجدوه في كتب أهل اللغة، وذلك مشهور عند أهل اليمن. قال الخطابي في المعالم: العصب في هذا الحديث، إن لم يكن هذه الثياب اليمانية، فلست أدري ما هو. ولا أرى القلادة تكون منها. وذكر الخطابي في تفسير هذا الحديث أن العاج هو الذبل، وهو عظم ظهر السلحفاة البحرية، ونقل ذلك عن الأصمعي. قلت: ومن العجب العدول عن اللغة [١٣٨/ب] المشهورة إلى ما لم يشتهر بين أهل اللسان. والمشهور أن العاج: عظم أنياب الفيل، على هذا تفسيره الناس أولهم وآخرهم. [٣٣٤٦] ومنه حديث ابن عباس- ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اكتحلوا بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر) الإثمد: هو الحجر المعدني الذي يكتحل به. وقوله: (ينبت الشعر) أي: شعر الأهداب الذي ينبت على أشفار العين. [٣٣٤٧] ومنه حديث الآخر (إن خير ما تداويتم به اللدود والسعوط) اللدود: ما سقي المريض في أحد

стр. 961

شقي فيه من الدواء. وقد سبق القول فيه. والسعوط: ما يصب منه في الأنف. والمسعط: الإناء يجعل فيه السعوط، وهو أحد ما جاء بالضم مما يعتمد عليه. (والمشي): المسهل من الدواء. يقال: شربت مشيا ومشوا يعني: دواء المشي. وفيه: (وإن رسول الله ﷺ حيث عرج به ما مر على ملأ) الحديث. لم يسند قوله هذه إلى النبي ﷺ . غير أنا نعلم أن الصحابي لا يقدم على مثل ذلك إلا بالتلقي من قبل الرسول ﷺ أو ممن سبع عنه. ووجه مبالغة الملائكة في الحجامة سوى ما عرفوا فيها من المنفعة التي تعود إلى الأبدان هو أن الدم مركب القوى النفسانية الحائلة بين العبد وبين الرقي إلى ملكوت السموات، والوصول إلى الكشوف الروحانية، وبغلبته يزداد جماح النفس وصلابتها، فإذا نزف الدم يورثها ذلك خضوعا وخمودا ولينا ورقة، وبذلك تنقطع الأدخنة المنبعثة من النفس الأمارة، وتنحسم مادتها، فتزداد البصيرة نورًا إلى نورها.

стр. 962

ومن باب التصاوير (من الصحاح) [٣٣٥٤] حديث عائشة- ﵂ (أن النبي ﷺ لم يكن يرى في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه) أخرج الراوي تصاليب مخرج تماثيل. وقد اختلفا في الأصل؛ فإن الأصل في تصاليب هو التصليب، فكأنهم سموا ما كان فيه صورة الصليب تصليبا تسمية بالمصدر، ثم جمعوه كما فعلوا في تصاوير. وهذا الحديث مخرج في كتاب أبي داود ولفظه (كان لا يترك في بيته شيئا فيه تصليب إلا قصبه) ومعنى قصبه أي: قطعه. ويحتمل أن يكون خلاف اللفظين من بعض الرواة. والحديث على ما في كتاب أبي داود أفصح وأقيس. [٣٣٥٦] ومنه حديثها الآخر (أنها اتخذت على سهوة لها سترا) قيل: السهوة كالصفة تكون بين يدي

стр. 963

البيت. ويقال: هو بيت صغير شبه المخدع [١٣٩/أ] وقال ابن الأعرابي: السهوة: الكوة بين الدارين، وهي الكندوج أيضا. وفيه (فاتخذت منه نمرقتين) النمرق والنمرقة: وسادة صغيرة، وكسر النون والراء لغة. وإنما سموا الطنفسة التي فوق الرحل نمرقة. [٣٣٦٢] ومنه حديث ابن عباس- ﵁ أنه قال: (من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل) حلم يحلم حلما: إذا رأى رؤيا. وتحلم: ادعى ذلك كذبا. والمعنى تحدثه كاذبا بما لم يره في منامه, قال أبو عبيد الله الحليمي: ليس معنى قوله: كلف أن يعقد بين شعيرتين أن ذلك يكون عذابه وجزاءه، ولكن أراد أن ذلك يكون شعاره؛ ليعلم الناس أنه تزور الأحلام في الدنيا. وذلك أن العقد بين الشعيرتين ليس مما يكون ويتأتى في اليقظة، لكن النائم يخيل إليه ذلك فيجعل اشتغاله في اليقظة بما لا يليق إلا بالنوام مما لا إمكان له ولا حقيقة. قلت: وحمله على العذاب أشبه وأولى؛ وذلك أن يعذب حتى يفعل ما كلف ولا يتأتى منه ذلك. يدل عليه بقية الحديث (ومن صور صورة كلف أن ينفخ فيها وليس بنافخ). قلت: وأري الوجه في تخصيص الشعيرتين بالذكر في هذا الموضع أن الرائي إذا رأى ذلك في منامه قضى له في تعبيرها بإدراك أمرين يعسر الجمع بينهما، ويشعر ما لم يكن ليشعر منهما، فالمتحلم لما جمع بين ما لم يكن من صيغة الرؤيا، وبين ما تقتضيه من التأويل على وجه لا يستقيم في البصيرة، كما أنه لا يتصور في البصر، كلف الجمع بين ما يضاهي فريته صورة معنى، وقلب عليه الأمر، فإن الرؤيا ترد في التأويل من الصورة إلى المعنى، وحلمه رد من المعنى إلى الصورة. [٣٣٦٣] ومنه حديث بريدة الأسلمي- ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من لعب بالنردشير) الحديث. النردشير: هو النرد الذي يلعب به، وهو من موضوعات شابور بن أردشير بن بابك. أبوه

стр. 964

أردشير أول ملوك الساسانية، شبه رقعته بوجه الأرض، والتقسيم الرباعي بالفصول الأربعة، والرقوم المجعولة ثلاثين بثلاثين يوما، والسواد والبياض بالليل والنهار، والبيوت الاثنا عشرية بالشهور، والكعاب بالأقضية [١٣٩/ب] السماوية واللعب بها بالكسب. فصار اللاعب به حقيقا بالوعيد المفهوم عن تشبيه أحد الأمرين بالآخر؛ لاجتهاده في إحياء سنة المجوس المستكبرة على الله، واقتفاء أبنتيهم الشاغلة عن حقائق الأمور. ولم يصب من جوز اللعب به من غير مخاطرة؛ فإن نبي الله ﷺ بنى الوعيد فيه والنكير عليه على اللعب فحسب، هذا وقد انتظمت الأخبار الدالة على تحريم اللعب بالنرد قمارا، ودل بعضها على تحريم من غير قمار. وقد روي في الشطرنج حديث مثلما روي في النرد، وذلك الحديث- وإن لم يبلغ رتبة حديث النرد في الصحة- فإن القياس يؤيده، وشدة النكير عن جمع الصحابة وفرقة كثيرة من علماء السلف تعضده، وقد كفانا المفهوم من كتاب الله تعالى قوله: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ فكل لهو دعا قليله إلى كثيره، وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه، وصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، فهو كشرب الخمر في التحريم، فإن الله تعالى جمع بين الخمر والميسر في التحريم، ووصفهما بما وصفهما، ومعلوم أن الخمر- وإن أسكرت- فإن الميسر لا يسكر، ثم لم يكن عند الله تعالى أن افترقهما في ذلك يمنع من التسوية بينهما في التحريم؛ لأجل ما اشتركا فيه من المعاني، فكذلك افتراق اللعب بالنرد والشطرنج وشرب الخمر في أن الشرب يسكر، واللعب لا يسكر لا يمنع عن الجمع بينهما في التحريم؛ لاتفاقهما فيما اتفقا فيه من المعاني، ثم إن ابتداء اللعب يورث الغفلة، فتقوم تلك الغفلة المستولية على القلب مقام السكر، فيغفل ويلهي، فيصد بذلك عن ذكر الله وعن الصلاة. (ومن الحسان) [٣٣٦٥] قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁ (يخرج عنق من النار) عنق أي: طائفة.

стр. 965

[٣٣٦٩] ومنه حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يتبع حمامة) الحديث. يتبع أي: يقفو أثرها لاعباً بها. وإنما سماء شيطاناً لمباعدته عن الحق، واشتغله بما لا يعنيه، وسماها شيطاناً؛ لأنها أورثته الغفلة عن ذكر الله والشغل عن الأمر [١٤٠/أ] الذي كان بصدده في دينه ودنياه.

стр. 966

ومن باب الطب والرقى (من الصحاح) [٣٣٧٣] حديث جابر ﵁ (رمي أُبَيٌّ يوم الأحزاب) الحديث. من الناس من يصحف في أبي فيظن أنه يريد أباه، وأبو جابر استشهد بأحد، وذلك قبل الأحزاب بسنتين، وإنما أراد أبي بن كعب، والأكحل: عرق في اليد يقصد، ولا يقال: عرق الأكحل. والله أعلم. [٣٣٧٧] ومنه حديث أبي سعيد الخدري ﵁: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إن أخي استطلق بطنه) الحديث. استطلاق البطن: مشيه.

стр. 967

وفيه (صدق الله وكذب بطن أخيك) أي: اخطأ الدواء فلم يصب حظه منه. وقد بيناه في باب الوتر في حديث عبادة: كذب أبو محمد. وإنما أمره بشرب العسل عن الاستطلاق لعلمه بأن الاستطلاق كان من فضله بلغمية فاحتاج معها إلى شرب العسل كرة بعد أخرى حتى يسهل ما بقي من ذلك. [٣٣٧٩] ومنه حديث أنس ﵁ (لاتعذبوا صبيانكم بالغمز من العُذرة) العُذرة: وجع يهيج في الحلق من الدم، وكانوا يعالجون منها بغمز الحلق. [٣٣٨٠] ومنه حديث أم قيس بنت مستحصن ﵂ (على ما تدغرن أولادكن). الحديث. كانت المرأة إذا أصاب ولدها العُذره عمدت إلى خرقة قتلتها قتلاً شديداً وأدخلتها في أنفه وطعنت به موضع العذرة وهو الخرم الذي بين آخر الأنف وأصل اللهاة، فينفجر منه دم أسود، وربما أقرح الطعن ذلك الموضع، وذلك الطعن كانزا يسمونه الدَّغَر. وفيه: (بهذا العلاق) كذلك رواه البخاري ومسلم وفي كتاب مسلم أيضاً (بهذا الإعلاق) وهو أولى الروايتين وأصوبها [١٤٠/ب] والإعلاق: هو الدَّغَر. يقال: أعلقت المرأة ولدها من العذرة أي: دفعتها بيدها. ومن الدليل على صحة هذه الرواية قول أم قيس في بعض طرق هذا الحديث (وقد أعلقت عليه) وفسره يونس بن يزيد وهو الراوي عن ابن شهاب أعلقت: غمزت. هذا لفظ كتاب مسلم، فأما تأويل الحديث على رواية من روي بهذا العلاق، وقد قيل: إن المرأة كانت إذا فعلت ذلك علقت عليه علاقاً. والمعنى بسبب هذا العلاق؛ وذلك لأن المعالجة كانت بغمز ثم تعلق، ولا أراه يستقيم لا لفظاً ولا معنى. وقال مصعب بن عبد الله: إنما سميت عذرة؛ لأنها تصيب الصبيان عند طلوع في أوان الحر. وفيه (عليكم بهذا العود الهندي) يريد: القسط. وقد أعرب عنه في غير هذه الرواية. وفي بعض طرقه (الكُسْت) والقاف والكاف يبدل أحدهما عن الآخر، وكذلك التاء والطاء، وفي رواية (الكط) وهو من عقاقير البحر، أمر أن يؤخذ ماؤه فيسعط به؛ لأنه يصل إلى العذرة فيقبضها. [٣٣٨١] ومنه حديث ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ (الحُمَّى من فيح جهنم فأبردوها بالماء) أي: اسقوا المحموم الماء ليقع به التبريد. وقد وجدت في كلام بعض الأطباء المتدينة أن ذلك من أنفع

стр. 968

الأدوية وأنجعها في التبريد عن الحميات الحادة؛ لأن الماء ينساغ بعفو وسهولة، فيصل إلى أماكن العلة، ويدفع حراراتها، من غير حاجة إلى معاونة الطبيعة، فلا يشغل بذلك عن مقاومة العلة. [٣٣٨٢] ومنه حديث أنس ﵁ (رخص رسول الله ﷺ في الرقية) الحديث. قلت: الرخصة إنما تكون بعد النهي، وكان ﷺ قد نهى عن الرُقي لما عسى أن يكون فيها من الألفاظ الجاهلية، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم من الكتاب، فانتهى الناس [١٤١/أ] عن الرقى، فرخص لهم فيها إذا عربت عن الكلمات التي أشرنا إليها. وفيه (والحُمة والنملة) الحمة بالتخفيف: سَمُّ الهامة كالحية والعقرب وغيرها والنمل والنملة: بثور صغار مع ورم يسير تنقرح فتسعى وتتسع ويسميها الأطباء: الذباب. [٣٣٨٤] ومنه قوله ﷺ في حديث أم سلمة ﵂ (فإن بها النظرة) يقول: بها عين أصابتها من نظر الجن. [٣٣٨٧] ومنه حديث ابن عباس ﵄ (العين حق) الحديث. أي: الإصابات بالعين من جملة ما يحقق كونه. وقوله: (ولو كان شيء سابق القدر) كالمؤكد للقول الأول. وفيه تنبيه على سرعة نفوذها وتأثيرها في الذوات.

стр. 969

وفيه (وإذا استغسلتم فاغسلوا) كانوا يرون أن يؤمر العائن فيغسل أطرافه وما تحت الإزار فتصب غسالته على المعيون فيستشفون بذلك، فأمرهم النبي ﷺ أن لا يمتنعوا عن الاغتسال إذا أريد منهم ذلك. قلت: وأدنى ما في ذلك دفع الوهم الحاصل من ذلك دفع الوهم الحاصل من ذلك، وليس لأحد أن ينكر الخواص المودعة في أمثال ذلك ويستبعدها من قدرة الله وحكمته، لاسيما وقد شهد بها الرسول ﵊ وأمر به وذلك مذكور في الحسان من هذا الباب في حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف. (ومن الحسان) [٣٣٨٩] قوله ﷺ في حديث عقبة بن عامر ﵁ (فإن الله يطعمهم ويسقيهم) أي يمدهم بما يقع موقع الطعام والشراب، فيقويهم على احتمال المكروه، ويهب لهم الصبر على ألم الجوع وسورة العطش، فوق ما كانوا عليه في حال الصحة. [٣٣٣٩٠] ومنه حديث أنس ﵁ (أن النبي ﷺ كوى سعد بن زرارة من الشوكة) الحديث. الشوكة: حمرة تعلو الوجه والجسد. ورجل مشوك: إذا أصابه ذلك. ويقال: شيك الرجل، وكذلك إذا أصابه الشوك. [٣٣٩٣] ومنه حديث أسماء بنت عميس ﵂ (أن النبي ﷺ سألها بم تستمشين قالت:

стр. 970

بالشبرم) الحديث. ورد الاستمشاء -ههنا- بمعنى طلب الإسهال. والأصل فيه شرب المشي يقال: شربت مشيا ومشوا. وفي معناه: استمشيت، ولا يستقيم ذلك في هذا الحديث. والشبرم من العقاقير المسهلة، وهو حب شبيه بالحمص. وفيه (حارٌّ حارّ وفي بعض الطرق (حار حِارّ) إتباع له. يقال (حار يار) و (حران يران) وفي بعض الكتب (جار) بالجيم وكذا هو في المصابيح وهو أيضاً إتباع وبالباء في كلامهم أكثر استعمالاً. [٣٣٩٩] ومنه حديث جابر ﵁ (أن النبي ﷺ [١٤١/ب] احتجم على وركه من وثء كان به) الوثأ: وجع يصيب العضو من غير كسر، وهو من باب الهمز، ومن الرواة من يترك همزه ويكتبه بالثاء، وكذلك هو في المصابيح، والعامة تقول ذلك، وليس بشيء. [٣٤٠١] ومنه حديث عبد الرحمن بن عثمان ﵁ (أن طبيباً سأل النبي ﷺ عن ضفدع

стр. 971

يجعلها في دواء .... الحديث) يحتمل أنه لم يستغرق الجنس؛ لأنه استفتى في فرد ضفدع كان يريدها لأجل الدواء، وفتح الدال منه غير سديد وإنما هو بالكسر، مثل الخنصر. ولم يكن النهي عن قتلها إبقاء عليها وتكرمة لها، بل لأنه لم ير التداوي بها لرجسها وقذارتها. ويحتمل أنه عرف منها من المضرة فوق ما عرف المتطيب منها المنفعة. [٣٤١٠] ومنه قوله ﷺ في حديث ابن مسعود ﵁ و (التولة شرك) التولة والثولة - بكسر الثاء وضمها شبيه بالسحر.

стр. 972

قال الأصمعي: هي ما تحبب المرأة إلى زوجها. وقال ابن الأعرابي: يقال: إن فلاناً لذو ثولات: إذا كان ذا لطف وتأن حتى كأنه يسحر صاحبه. وفبه (وكانت عيني تقذف) على بناء المجهول أي: ترمي بما يهيج الوجع. ويدل على هذا المعنى قولها: فإذا رقاها سكنت، يحتمل أن يكون على بناء الفاعل أي: ترمي بالرمص والماء من الوجع، ولا أحقق أحد اللفظين من طريق الرواية، إلا هو أكبر ظني. [٣٤١١] ومنه حديث جابر ﵁ (سئل -النبي ﷺ عن النثرة .... الحديث) النشرة: ضرب من الرقية والعلاج، يعالج بها من كان يظن به مس الجن، وسميت نشره؛ لأنهم كانوا يرون أنه ينشر بها عن الملموس ما خامره من الداء قال جرير: أدعوك دعوة ماهوف كأن به .... ما من الجن أو ريحاً من النثر قلت: وفي الحديث (فلعل طباً أصابه) يعني سحراً (ثم نشره بقل أعوذ برب الناس) أي: رقاه. ونشره أيضاً: إذا كتب له النشره، وهي كالتعويذ والرقية، فعلمنا بذلك أن النشرة التي قال فيها: إنها من عمل الشيطان، إنما أراد به النوع الذي كان أهل الجاهلية يعالجون به، ويعتقدون فيه. [٣٤١٢] ومنه حديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ : (ما بالي ما أتيت إن أنا شربت ترياقاً أو تعلقت تميمة) الترياق بكسر التاء: دواء السموم، وإنما تنزه عن شربه لما فيه من الدواء الخبيث، وأما التميمة فأنها في الأصل خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم ينفون بها العين بزعمهم. وقد اتسعوا فيها حتى سموا بها كل عوزة. وفي الحديث: (التمائم والرقى [١٤٢/أ] من الشرك) فعلمنا أن المراد به منها ما كان من تمائم الجاهلية ورقاها، على ما بين في غير موضع، فأما القسم الذي يختص بأسماء الله وكلماته، فإنه غير داخل في جملته، بل هو مستحب مرجو البركة، عرف ذلك من أصل السنة، لا ينكر فضله وفائدته.

стр. 973

[٣٤١٤] ومنه حديث عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ : (لا رقية إلا من عين أو حمة) المعنى أي: لا رقية أنفع وأجدى من الرقية للمعيون والملوع، ولم يرد نفي الرقية فيما سوى الأمرين، فقد كان ﷺ يرقي أصحاب الأوجاع وذوي الأمراض بكلمات الله التامات، وآياته المنزلات المباركات. [٣٤١٧] ومنه حديث الشفاء بنت عبد الله القرشية العدوية ﵂ أن النبي ﷺ قال لها وهي عند حفصة (آلا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتها الكتاب) يرى أكثر الناس أن المراد من النملة ههنا هي التي يسميها المتطيبون الذباب. وقد خالفهم فيه الملقب بالذكي المغربي النحوي فقال: إن الذي ذهبوا إليه من معنى هذا القول شيء كانت نساء العرب تزعم أنه رقية النملة، وهو من الخرافات التي كان ينهى عنها، فكيف يأمر بتعليمها إياها، وإنما عني برقية النملة قولاً كن يسمينها رقية النملة وهو قولهن: العروس تنتعل، وتختضب وتكتحل، وكل شيء [تنعل] غير أنها لا تعصي الرجل. فأراد النبي ﷺ بهذا المقال تأنيب حفصة والتعرض بتأديبها، حيث أشاعت السر الذي استودعه إياها، على ما شهد به التنزيل، وذلك قوله تعالى﴾ وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً ﴿الآية. على هذا المعنى نقله الحافظ أبو موسى ﵁ في كتابه. قلت: وإن يكن الرجل متحققا بهذا اللغز، عارفا به من طريق النقل، فالتأويل ما ذهب إليه. [٣٤١٨] ومنه قول عامر بن ربيعة في حديث سهل بن حنيف (ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة) المخبأة: الجارية المعصر التي لم تتزوج بعد؛ لأن صيانتها أبلغ من صيانة المتزوجة.

стр. 974

[٣٤٢٠] ومنه حديث عائشة ﵂ (قال لي رسول الله ﷺ : هل رئى فيكم المغربون) بتشديد الراء وكسرها، وهم: الذين يشترك فيهم الجن على ما في الحديث، سموا المغربين؛ لأنه دخل فيهم عرق غريب أو جاء من نسب بعيد. ومن باب الفال والطيرة (من الصحاح) [٣٤٢٢] حديث سعد بن أبي وقاس ﵁ عن النبي ﷺ (لا عدوى) الحديث. العدوى ههنا مجاوزة العلة من صاحبها إلى غيره. يقال: أعدى فلان فلاناً [١٤٢/ب] من خلقه أي: من علة به. وذلك على ما يذهب إليه المتطيبة في علل سبع: الجذام، والجرب، والجدري، والحصبة، والبخر، والرمد، والأمراض الوبائية. وقد اختلف علماء الأمة في تأويل هذا الحديث فمنهم من يقول: إن المراد منه نفي ذلك وإبطاله على ما يدل عليه ظاهر الحديث، والقرائن المنسوقة على العدوى وهم الأكثرون، ومنهم من يرى أنه لم يرد إبطالها فقد قال ﷺ : (وفر من المجذوم فرارك من الأسد) وقال: (لا يوردن ذو عاهة على مصح) وإنما أراد بذلك نفى ما كان يعتمده أصحاب الطبيعة، فإنهم كانوا يرون العلل المعدية مؤثرة لا محالة، فأعلمهم بقوله هنا أن الأمر ليس على ما يتوهمون، بل هو متعلق بالمشيئة، إن شاء كان، وإن لم يشأ لم يكن، ويشير إلى هذا المعنى قوله: (فمن أعدى الأول) أي: إن كنتم ترون أن السبب في ذلك العدوى لا غير، فمن أعدى الأول؟ وبين بقوله: (وفر من المجذوم) وبقوله: (لا بوردن ذو عاهة على مصح) أن مداناة ذلك من أسباب العلة فليتقه كما اتقاه من الجدار المائل، والسفينة المعيوبة. وقد رد الفرقة الأولى على الثانية في استدلالهم

стр. 975

بالحديثين أن النهي فيهما إنما جاء شفقاً على من باشر الأمرين، فيصيبه علة في نفسه، أو عاهة في إيله، فيعتقد أن العدوى حق. قلت: وأرى القول الثاني أولى التأويلين، لما فيه من التوفيق بين الأحاديث الواردة فيه، لأن القول الأول يفضي إلى تعطيل الأصول الطبية، ولم يرد الشرع بتعطيلها، بل بإثباته، والعبرة بها، على وجه لا يناقص أصول التوحيد، ولا يناقصه في القول بها على الوجه الذي ذكرناه، وأما استدلالهم بالقرائن المنسوقة عليها، فإنا قد وجدنا الشارع يجمع في النهي بين ما هو حرام وبين ما هو مكروه وبين ما ينهى عنه لمعنى وبين ما ينهي عنه لمعان [١٤٣/أ] كثيرة، فيدل على صحة ما ذكرنا قوله ﷺ للمجذوم المبايع: (قد بايعناك فارجع) في حديث الشريد بن سويد الثقفي، وهو مذكور فيما بعد هذا الباب. وقوله ﷺ للمجذوم الذي أخذ بيده فوضعها معه في القصعة (كل ثقة بالله وتوكلاً عليه) ولا سبيل إلى التوفيق بين هذين الحديثين إلا من هذا الوجه تبين بالأول التعرض للأسباب وهو سنته، وبالتالي ترك الأسباب وهو حاله. وفيه (ولا طيرة) الطيرة: التفائل بالطير والتشاؤم بها، كانوا يجعلون العبرة في ذلك تارة بالأسماء وتارة بالأصوات، وطوراً بالسنوح، وطوراً بالبروح، وكانوا يهيجونها من أماكنها لذلك. والطيرة تطير طيرة كما يقال: تخير خيرة. ولم يأت من المصادر على هذه الصيغة غيرهما. ولم يأت من الأسماء على وزانهما إلا التولة وسبى طيبة، والتولة بالضم أيضاً. وفيه (ولا هامة) الهامة: من طير الليل، وهو الصدى، وكانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك ثأره تصير هامة فتزقو تقول: اسقوني اسقوني، فإذا أدرك ثأره طارت. وإلى هذا المعنى يلتفت قول الشاعر: ومنا الذي أبلى صدى ابن مالك .... ونفر طيراً عن جعادة وقعا وفيه (ولا صفر) الصفر فيما كانت العرب تزعم: حية في البطن تعض الإنسان إذا جاع. واللذع الذي تجده عند الجوع يرونه من عضه. قال أعشى باهلة: ولا يعض على شرسوفه الصفر وقيل إنه تأخيرهم المحرم إلى صفر، والوجه هو الأول. وفي رواية: (ولا نوء) النوء عند العرب: سقوط نجم وطلوع نظيره من الفجر. أحدهما في المشرق والآخر في المغرب، من المنازل الثمانية والعشرين. كانوا يعتقدون أنه لا بد عند ذلك من مطر أو ريح، فمنهم من يجعله الطالع [١٤٣/ب]؛ لأنه ناء. ومنهم من ينسبه إلى الغارب، فنفى صحة ذلك، ونهى عن القول به، وكفر من يعتقد أن النجم فاعل ذلك. وفي الرواية الأخرى عن جابر (ولا غول) الغول بفتح الغين وسكون الواو المصدر، ومعناه: البعد والإهلاك: ويضم الغين الاسم، وهو من السعالي، والجمع: أغوال وغيلان. وكانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات تراءى للناس فتغول تغولاً أي تلون تلوناً فتضلهم عن الطريق فتهلكهم. وقد عارض هذا الحديث حديث أبي أيوب -رضى الله عنه- وهو قوله: كان لي نمر في سهوة وكانت الغول تجيء فتأخذ) الحديث.

стр. 976

قال الطحاوي: يحتمل أن الغول قد كان ثم دفعة الله عن عباده قلت: وفي حديث آخر: (إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذن) فيحتمل أن المراد من قوله (لا غول) أي: على ما يعتقدون من تصرفه في نفسه وتلونه باختياره، وهذا أولى الوجهين. (ومن الحسان) [٣٤٢٨] حديث قبيصة بن مخارق الهلالي ﵁ (العيافة والطرق والطيرة من الجبت) العيافة: زجر الطير والاعتبار بأسمائها وأصواتها ومساقطها وأمثال ذلك. والعائف: المتكهن، ومن أشعار العرب في هذا المعنى: وقال صحابي: هدهد فوق بانة .... هدى وبيان بالنجاح يلوح وقالوا: حمامات فحم لقاؤها .... وطلح فتيلت والمطىُّ طليح وقال جران العود: جرى يوم جئنا بالركاب [تزقها] .... عقايغ وشحاج من الطير مشيج التفت من العقاب إلى العقوبة ومن الشحاج إلى الغراب، فإنه يشير إلى الاغتراب. والمتيح: الذي يعرض في كل جهة. وقال آخر:

стр. 977

تغنى الطائران ببين سلمى .... على غصنين من غرب وبان وقال آخر: جرت سنحا فقلت لها أجيزى .... نوى مشمولة فمتى اللقاء؟ السانح مما كانوا يتمنون به. أي: قلت للنفس السانحة خلفي حال نوى. والمشمولة: المكروهة، من الشمال فإنهم يكرهونها؛ لما فيها من البرد، وذهابها بالغيم الذي فيه الخصب والحياء. وبنو أأسد يذكرون بالعياقة وأشهرهم بها بنو لهب [١٤٤/أ] بكسر اللام، وهم بطن من الأزد ويقال لهم: الأزد والأسد. والطرق: الضرب بالحصى، وهو ضرب من التكهن. والطراق: المتكهنون. والجبت: كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك. وقد فسر قوله سبحانه﴾ بالجبت والطاغوت ﴿بالكهنة والشيطين. والظاهر أن المراد منه في هذا الحديث أن تلك الأشياء من أعمال الكهنة. وعلماء العربية يقولون: إن الجبت ليس من محض العربية لاجتماع الجيم والباء في كلمة واحدة من غير حرف ذولقى. [٣٤٢٩] ومنه قول ابن مسعود في حديثه (وما منا) أي: وما منا إلا من يتعرض له الوهم من قبل الطيرة، كلاه أن يتم كلامه ذلك لما يتضمنه من الحال المكروهة، وهذا نوع من أدب الكلام يكتفي دون المكروه منه بالإشارة، فلا يضرب لنفسه مثل السوء. [٣٤٣١] ومنه قوله حديث سعد بن أبي وقاص (فإن تكن الطيرة في شيء ففي الدار والفرس والمرأة) الأصل في الطيرة هو التشاؤم بالطير على ما ذكرناه، ثم إنهم اتسعوا فيها حتى وضعوها موضع الشؤم. وفي بعض طرق هذا الحديث (إن يكن الشؤم في شيء) فقد ذهب بعض أهل العلم في تأويله إلى أن شؤم الدار الضيق فنائها وسوء جوارها، وشؤم الفرس جموحه وشموسه، وشؤم المرأة سوء خلقها. قلت: ويحتمل أنه عرف أن في هذه الأشياء ما يقع عن اليمن بمعزل فلا يبارك لصاحبه فيه. ويدل عليه قوله ﷺ في حديث أنس.

стр. 978

[٣٤٣٤] (ذروها ذميمة) ولما كان ذلك أمراً مخفياً لا اطلاع لأحد على حقيقته إلا برجم الظن دون ااوهم تاحاصل من قبل التجربة، رأى أنه يخبر عنه على صيغة للتردد؛ لئلا يجترئ أحد على القول فيه بالظن والتخمين. [٣٤٣٥] ومنه قوله ﷺ في حديث فروة بن مسيك (من القرف التلف) القرف: مداناة المرض والدخول في الأهوية الوبيثة، من مدناة المرض، ولهذا قال في الوباء (وإذا سمعتم بها بأرض فلا تقدموا عليها). ومن باب الكهانة (من الصحاح) [٣٤٣٦] حديث معاوية بن الحكم قلت: (يا رسول، أموراً كنا نصنها في الجاهلية) الحديث [١٤٤/ب] قد ذكرنا تأوله في كتاب الصلاة.

стр. 979

[٣٤٣٧] ومنه قوله في حديث عائشة ﵂ (فيقر في أذن وليه قر الدجاجة) فيقر، أي: يصوت بها في أذن صاحبه قرا كقر الدجاجة. أراد: صوتها إذا قطعته، والقر أيضا: الفروجة. ومن الناس من رواه (قر الزجاجة) بالزاي، وأرها أحوط الروايتين لما في غير هذه الرواية (فيقرها في أذن وليه قر القارورة) يقال: قررت على رأسه دلوا من الماء أي: صببته. وقر الحديث في أذنه يقره: كأنه صبه فيها: واستعمال قر الحديث في الأذن شائع مستفيض في كلامهم، وأما استعماله على الوجه الذي فسروا عليه الحديث، فإنه غير مشهور، لم نجد له شاهداً في كلامهم، وكل ذلك يدل على أن الدجاجة بالدال تصحيف أو غلط من السامع.

стр. 980

ومن كتاب الرؤيا (من الصحاح) [٣٤٤٩] حديث [أبي قتادة]﵁ الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان) الرؤيا كالؤية جعل ألف التأنيث فيها مكان تاء التأنيث للتفريق ما يراه في المنام وبين ما يراه في اليقظة، والحلم عند العرب يستعمل استعمال الرؤيا، ويدل عليه قول القائل: رأيت رؤيا ثم عبرتها .... وكنت للأحلام عبارا فعلم بهذا ونظائره من كلامهم أن التفريق بين الأمرين بهذين اللفظين إنما كان من الاصطلاحات الشرعية التي لم يقتضيها بليغ، ولم يهتد إليها حكيم، بل سنها صاحب الشرعية للفصل بين الحق والباطل، كأنه كره أن يسمي ما كان من الله وما تان من الشيطان باسم واحد، فجعل الرؤيا عبارة عن القسم الصالح؛ لما في صيغة لفظها من الدلالة على مشاهدة الشيء بالبصر أو البصيرة، وجعل الحلم عبارة عما كان من الشيطان؛ لأن أصل الكلمة لم يستعمل إلا فيما يخيل إلى الحالم في منامه، ولهذا خص الاحتلام بما يخيل إلى المحتلم في منامه من قضاء الشهوة، وذلك مما لا حقيقة له.

стр. 981

[٣٤٥١] ومنه حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ (إذا اقترب الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمن) [١٤٥/أ] ذهب بعضهم في تأويل اقتراب الزمان إلى اعتدال الليل والنهار، واعتمد فيه على ما حكى عن ذوي العبارة أن أصدق المنامات ما يرى عند اعتدال الليل والنهار، أو عند اعتدال الزمان، الشك مني، ولا خفاء بأنهم أرادوا بقولهم ذلك على كلا التقديرين فصل الربيع؛ لما فيه من اعتدال الهواء، واستقامة أحوال المزاح، ولو أرادوا به اعتدال الليل والنهار على ميزان الساعات الزمانية، لكان فصل احريف في هذا الباب كالربيع، وليس الأمر على ذلك. وقال آخرون: أراد بالاقتراب اقتراب الساعة، فإنهم يقولون للشيء إذا ولى وأدبر: تقارب. ويقال للقصير: مستقارب. وهو أولى التأويلين كما في غير هذه الرواية (إذا كان آخر الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب). وفيه (ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) قيل: معناه أن الرؤيا جزء من أجزاء علم النبوة، والنبوة غير باقية وعلمها باق، وهو معنى قوله ﷺ (ذهبت النبوة وبقيت المبشرات: رؤيا الصالحة). قلت: ونظير ذلك قوله ﷺ : (السمت الحسن، والتؤدة، والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءااً من النبوة) أي: من أخلاق أهل النبوة. وقيل: معناه أنها تجئ على موافقة النبوة، لا أنها جزء باق من النبوة. وقيل: معناها أنها تجئ على موافقة النبوة، لا أنها جزء باق من النبوة. وقيل: إنما قصر الأجزاء على ستة وأربعين؛ لأن زمان النبوة كان ثلاثاً وعشرين سنة، وكان أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة، وذلك على ستة أشهر من سنى الوحي، ونسبة ذلك إلى سائرها، نسبة جزء إلى ستة وأربعين جزءاً.

стр. 982

قلت: أما حصر سني الوحي في ثلاث وعشرين، فإنه مما ورد به الروايات المعتد بها، مع اختلاف في ذلك وأما كون زمان الرؤيا فيها ستة أشهر فشيء قدره هذا القاتل في نفسه، لم يساعده فيه النقل، وأرى الذاهبين إلى التأويلات التي ذكرناها قد هالهم القول بأن الرؤيا جزء من [١٤٥/ب] النبوة، وقد قال ﷺ : (ذهب النبوة) ولا حرج على أحد في الأخذ بظاهر هذا القول، فإن جزءاً من النبوة لا يكون نبوة، كما أن جزءاً من الصلاة على الانفراد لا يكون صلاة، وكذلك عمل من أعمال الحج، وشعبة من شعب الإيمان. وأما وجه تحديد الأجزاء بستة وأربعين، فأرى ذلك مما يتجنب القول فيه، وتلقى بالتسليم، فإن ذلك من علوم النبوة التي لا تقابل بالاستنباط، ولا يتعرض له بالقياس، وذلك مثلما قال في حديث عبد الله بن سرجس في السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد إنها (جزء من أربعة وعشرين جزءاً من النبوة) وقلما يصيب مأول في حصر هذه الأجزاء، ولئن قيض له الإصابة في بعضها؛ لما يشهد له الأحاديث المستخرج منها، لم يسلم له ذلك في البقية. [٣٤٥٦] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي موسى (فذهب وهلى) الوهل بتسكين الهاء: الوهم. يقال: وهلت إليه بالفتح أهل وهلاً: إذا ذهب وهمك إليه، وأنت تريد غيره. وليس لك أن تحرك الهاء منه، لمكان الاشتباه فإن الوهل بالتحريك الفزع. [٣٤٥٧] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة: (فأوحى إلى أن أنفخهما) أنفخهما: من النفخ بالخاء المعجمة يقال: نفخته ونفخت فيه قال الشاعر: لولا ابن جعدة لم يفتح فهندزكم .... ولا خراسان حتى ينفخ الصور نبه بالنفخ على استحقار شأن الكذابين: أسود العنسي صاحب صنعاء، ومسيلمة صاحب اليمامة، وعلى

стр. 983

أنهما يمحقان بأدنى ما يصيبهما من بأس الله، حتى يصيرا كالشيء الذي ينفخ فيه فيطير في الهواء، قال القطامي: ألم يخز التفرق آل كسرى .... ونفخوا في مدائنهم فطاروا [٣٤٥٩] ومنه قوله ﷺ في حديث سمرة بن جندب (ورجل قائم على رأسه بفهر) الفهر: حجر ملء الكف، يذكر ويؤنث، والجمع: أفهار، وكان الأصمعي يقول فهرة وفهر.

стр. 984

وفيه: (إذا ضربه تدهده الحجر) أي: تدحرج. يقال: دهدهت الصخرة ودهديتها [١٤٦/أ] وتدهدي وتدهده بمعنى. (ومن الحسان) [٣٤٦٠] قوله ﷺ في حديث أبي رزين العقيلي ﵁ (وهي على رجل طائر ما لم يحدث بها) قلت: وفي أكثر الروايات وأوثقها عن أبي رزين (ما لم تعبر) تعبر: على بناء المفعول خفيفة الباء، والتشديد فيها لم يوجد في الكتاب ولا في السنة، وهي وإن وردت في كلامهم، فإنها لغة قليلة. ومعنى الحديث: لا تستقر الرؤيا قرارها كالشيء المعلق على رجل طائر، وذلك مثل قولهم: كأنه على جناح طائر. أراد بذلك -والله أعلم- أن الرؤيا على ما يوقة التقدير إليه من التفسير، فإذا كانت في حكم الواقع قيض لك من يتكلم بتأويلها على ما قدر. وقد فسره أبو عبيدة الهووى في كتابه فقال: نقول ذلك القسم الذي قسمه الله معلق بما قدره الله له وطيره له يعني قسمه، ولا استقامة لهذا القول مع بقية الحديث، والأول هو الصحيح. وفي هذا الحيث عن النبي ﷺ (وهي لأول عابر) يريد أن العبرة فيها بعبارة أول عابر، وذلك إذا كان عارفا بمعاني التعبير. فإن قيل: كيف له التخير فيمن يعبر على ما ورد به الحديث ولا يقصها إلا على واد أو ذي رأي والأقضية لا ترد بالتوقي عن الأسباب، ولا تختلف أحكامها باختلاف الدواعي. قلنا: هو مثل السعادة والشقاوة والسلامة والآفة المقضي بكل واحدة منها لصاحبها، ومع ذلك فقد أمر العبد بالتعرض للمحمود منها، والحذر عن المكروه منها. وفيه (ولا تقصها إلا على واد أو ذي أرى) قال الزجاج: إنما أمر بذلك؛ لأن الواد لا يحب أن يستقبلك في تفسيرها إلا بما تحب؛ لأن تعبيرها يزيلها عما جعلها الله عليه، وأما ذو الرأي فمعناه: ذو العلم بعبارة الرؤيا فإنه يخبرك بحقيقة تفسيرها أو بأقرب ما يعلم منه.

стр. 985

[٣٤٦٢] ومنه قول أبي بكرة في حديثه: (فرأيت الكراهة في وجه رسول الله ﷺ ). قلت: إنما ساءه -والله أعلم- من الرؤيا التي ذكرها ما عرفه من تأويل رفع الميزان، فإن فيه احتمالاً لانحطاط رتبة الأمر في زمان القائم به بعد عمر ﵁ عما كان عليه من النفاذ [١٤٦/ب] والاستعلاء والتمكن بالتأييد. ويحتمل أن المراد من الوزن: موازنة أيامهم، لما كان يطرأ فيها من رونق الإسلام وبهجته، ثم إن الموازنة إنما تراعى في الأشياء المقاربة مع مناسبة ما، فيظهر الرجحان، فإذا تباعدت كل التباعد لم يوجد للموازنة معنى فلهذا رفع الميزان، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →