Полный текст (683 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
مسألة:
ما له مسمى لغوي وشرعي ليس بمجمل وقيل به. والغزالي: إن كان في الإثبات فالشرعي، وفي النهي فمجمل، وقيل وفي النهي فلغوي، والإثبات كقوله لما سأل "هل عندكم شيء؟ فقالوا: لا. إني إذا صائم" والنهي كنهيه عن صوم يوم النحر. لنا: أن العرف الشرعي قاض بظهوره فيه فلا إجمال. قالوا: يطلق عليهما فلم يتضح. ورد بما قلنا. قالوا: الإثبات واضح وفي النهي يضعف حمله عليه ظاهرا وإلا لزم صحته. قلنا نعم وجبت صحته أصلا لا وصفا وقد حقق. وأجيب على أصله بأن الشرعي لا يستلزم الصحيح، بل معناه الهيئات المخصوصة وإلا لزم أن يكون "دعي الصلاة" مجملا وهو باطل. قالوا: في الإثبات واضح، وفي النهي الإجماع على تعذر حمله على الصحيح كبيع الملاقيح والمضامين والحر. قلنا: ليس لأنه منهي، بل لعدم تصور ركن البيع وهو الإضافة إلى المال وإلا يلزم في البيع وقت النداء والصلاة في الأرض
стр. 492
المغصوبة، و"دعي الصلاة" أي اللغوية وهو باطل إجماعا.
ومنه البيان:
وهو الإظهار وينقسم إلى مقرر ومفسر ومغير ومبدل وضروري لأنه إما بلفظي أو غيره، والأول إما بمنطوقه أو لا. والأول إما موافق لمدلول اللفظ أو مخالف. والأول إما مع إجمال أو غيره. والثاني إما مقارن أو متأخر. فغير المنطوق ضروري، والمنطوق الموافق بغير إجمال تقرير، ومعه تفسير، والمخالف المقارن مغير والمتأخر ناسخ.
стр. 493
وغير اللفظي كالفعل إما التقرير: فمثل تأكيد الحقيقة والعام بما يرفع احتمال المجاز والتخصيص وهذا يصح مفصولا وموصولا. وأما التفسير فمثل ما يرفع إبهام المجمل والمشترك ومنه تفسير الكنايات. ولفلان علي عشرة دراهم وفي البلد نقود مختلفة فبين فهو تفسير. ويصح مفصولا أيضا، وأما التغيير فلا يصح إلا موصولا كالشرط والاستثناء، وسمي بيانا من جهة أن اللفظ علة شرعية كطالق مثلا ويتبين بالشرط أن المراد عدم انعقادها في الحال والنطق بالعلة من دون حكم سائغ كالبيع بالخيار وهو مع ذلك تغير من التنجيز إلى التعليق وكذلك الاستثناء. فإن العشرة مثلا اسم لعدد خاص، فإذا قال: إلا ثلاثة غيره وتبين أن مراده سبعة، فكان كالاستثناء مانعا من انعقاد الكلام موجبا لحكمه في البعض كما منع الشرط انعقاد العلة لحكمها فهو كلام واحد حكما وكلامان صورة، والتخصيص من بيان التغيير كما مر، وسيأتي تقرير الشرط. وهذه مسائل الاستثناء.
стр. 494
مسألة:
الاستثناء المتصل إخراج بإلا وأخواتها يبين أن المراد الباقي. والمنقطع مجا، وقيل حقيقة فقيل بالتواطؤ والاشتراك. القائل بالمجازية: يفهم المتصل من غير قرينة وهو دليل المجاز في غيره، وقيل لأنه مأخوذ من ثنيت العنان: نقضته، ولا
стр. 495
نقض إلا في المتصل، فيقال هو مشتق من التثنية كأنه ثنى الكلام به. وهو متحقق فيهما ولا يلزم من الاشتقاق لمعنى أن لا يكون حقيقة في معنى آخر كالعين. القائل بالتواطؤ: بوب العلماء له وقسسوه [؟]. قلنا: كما بوبوا اسم الفاعل وهو مجاز في المستقبل باتفاق. قالوا: الأصل عدم الاشتراك والمجاز فتعين التواطؤ. قلنا: لا تثبت اللغة بلوازم الماهيات. وعرف على التواطؤ: ما دل على مخالفة بين المستثنى والمستثنى منه بإلا غير الصفة وأخواتها. وما دل على مخالفة جنس لأن مخالفة حكم المستثنى للمستثنى منه إما بنفيه أو بأنه حكم آخر غيره ضروري، وقيد بغير الصفة لتخرج التي بمعناه. وعرف المنفصل على الاشتراك أو المجاز: ما دل على مخالفة بإلا غير الصفة أو أخواتها من غير إخراج. والمتصل: قول ذو صيغ مخصوصة دال على أن المذكور به لم يرد بالقول الأول، والقول فصل عن الفعل والقرينة، وذو صيغ عن مثل رأيت المؤمنين ولم أر زيدا، فإن المراد بالصيغ آلات الاستثناء، وأورد على طرده الشرط والوصف بالذين والغاية كأكرم بني تميم إن دخلوا داري والذين وإلى أن يدخلوا. وأجيب بأن المذكور بها مراد. وعلى عكسه كقام القوم إلا زيدا، فإنه ليس بذي صيغ، وأجيب بأن المراد صيغة منها. وفي الأحكام: لفظ
стр. 496
متصل بجملة لا يستقل بنفسه دال على أن مدلوله غير مراد مما اتصل به ليس بشرط ولا صفة ولا غاية. ويرد على طرده: قام القوم لا زيد وما قام القوم بل زيد، ولكن وعلى عكسه ما جاء إلا زيد لعدم الاتصال بالجملة بناء على أن زيدا فاعل.
مسألة:
الاستثناء تكلم بالباقي بعد المستثنى فهو بيان معنوي أن المستثنى لم يكن مرادا واستخراج صوري. وقال الشافعي: إخراج
стр. 497
للبعض عما دل عليه صدر الجملة بالمعارضة كالتخصيص فمعنى علي عشرة إلا ثلاثة سبعة. وعنده إلا ثلاثة فإنها ليست علي. لنا (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) ولولا أنه تكلم بالباقي للزم نفي حكم الخبر الصادق بعد ثبوته وهو محال. وأيضا لو رفع الحكم بالمعارضة لصح المستغرق لاستواء البعض والكل في جواز المنع بالمعارضة، كالناسخ، وأيضا لو كان معارضا كالتخصيص لزم بقاء الحكم في الباقي بصيغته كانطباق اسم المشركين بعد تخصيص أهل الذمة على الباقي. وليس فإن اسم العشرة لا يصدق على السبعة بعد إخراج الثلاثة. قالوا: الإجماع أن الاستثناء من النفي إثبات وبالعكس وإلا لم تكن كلمة التوحيد توحيدا للسكوت عن إثبات الألوهية في الله ولا يتم التوحيد إلا بهما فوجب أن يكون معارضا لصدر الجملة في البعض. قلنا: معارض بقولهم تكلم بالباقي
стр. 498
بعد الثنيا. والجمع أن يجعل استخراجا وتكلما بالباقي بوضعه، ونفيا وإثباتا بإشارته، وتحقيقه: أن الاستثناء كالغاية من الصدر لكونه بيانا أنه ليس بمراد منه، وبالغاية ينتهي الحكم السابق إلى خلافه فيجب إثبات الغاية ليتم الصدر، لكن لما لم يكن المقصود إلا الصدر جعل إثبات الثاني إشارة، ولذلك اختير في كلمة التوحيد لكون المقصود نفي الألوهية عن غير الله تعالى نفيا ينتهي بإثباتها فيه تعالى فنحن قائلون بالموجَب.
تنبيه:
مثل: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء" أي بيعوه كذلك. عند الشافعي فيبقى الصدر عاما في القليل والكثير. لأن المعارض أخرج المكيل خاصة. وعلي مائة درهم إلا ثوبا أي قيمته لوجوب العمل بالمعارض عنده، وقد أمكن بذلك. وعندنا استثناء حال فيعم الصدر الأحوال فيتعين المقدر والاستثناء في الثانية منقطع فلم يؤثر في الصدر. ومنه آية القذف. قيل: هو منقطع وقيل عام في الأحوال.
تنبيه:
ومن المغير: علي ألف وديعة أو أسلمتها إلي في كذا ولم أقبضها
стр. 499
صدق إن وصل وكذا أعطيتني وأقرضتني. وأما نقدتني أو دفعت إلي فكذا عند محمد مجازا عن العقد، وأبو يوسف هو حقيقة في التسليم فتناقض ولو وصل في قرض أو ثمن: هي زيوف صدقاه لأنها نوع، وأبو حنيفة: الزيافة عيب ومطلق الاسم لا يتناوله فكان رجوعا. وبعتك هذا العبد بألف إلا نصفه، بيع للنصف بالألف وعلى أن لي نصفه بيع للنصف بخمسمائة لدخول الاستثناء على البيع وهو تكلم بالباقي منه والثمن لحاله والصدر عارض الصدر وجعل الإيجاب منقسما عليهما. وفي بيعه من نفسه فائدة قسمة الثمن فجعل داخلا ثم خارجا لتحصيل القسمة كمن باع عبدين أحدهما ملك المشتري.
مسألة:
شرط الاستثناء الاتصال لفظا أو حكما كانقطاعه بتنفس أو سعال وشبهه.
стр. 500
وعن ابن عباس ﵄: يصح وإن طال الزمان شهرا، وقيل يصح اتصاله بالنية وانفصاله لفظا ويديَّن المضمر، وحمل بعضهم مذهب ابن عباس ﵄ عليه. لنا: أن الأصل ترتب حكم الكلام عليه تنجيزا، وإنما توقف إذا وجد مغير لتنزله كالجزء منه، فإذا انفصل ثبت حكم الصدر لوجود المقتضي وعدم المانع وأيضا لو صح لما قاله "فليكفر عن يمينه" ولخيره بين الاستثناء وبينه مع أن الاستثناء أولى لعدم الحنث، وأيضا لما تم إقرار ولا طلاق ولا عتاق، لإمكان الاستثناء.
стр. 501
ولما علم صدق ولا كذب. قالوا: لو لم يصح لم يفعله ﵇ في "لأغزون قريشا" وسكت، وقال: "إن شاء الله" ملحقا، ولما سئل عن أهل الكهف قال: "غدا أجيبكم" فتأخر الوحي ونزل ﴿ولا تقولن لشيء﴾ فقال: إن شاء الله، قلنا: لم يلحق لجواز التقدير بأفعل إن شاء الله. قالوا: لولا صحته لم يقل به ابن عباس، قلنا: مؤول بما تقدم.
مسألة:
المستغرق باطل. وجوز الأكثرون الأكثر، والمساوي كعشرة إلا تسعة
стр. 502
وخمسة، ومنعته الحنابلة والقاضي في أول قوليه. وقيل: هو ثانيهما: إن صرح بهما منع وإلا جاز كخذ ما في الكيس إلا الزيوف وهي الأكثر. لنا: لو لم يجز لم يقع في قوله: ﴿إلا من اتبعك من الغاوين﴾ وهم الأكثرون لقوله ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ فالمساوي أولى. ولما وقع في العرف كـ"كلكم جائع إلا من أطعمته" وهم الأكثرون وللإجماع على أن المقر بعشرة إلا تسعة يلزمه درهم. قالوا: الاستثناء خلاف الأصل لأنه إنكار بعد إقرار
стр. 503
خولف في الأقل لأنه قد يوفي المقر بعضه ثم ينساه فيستثنيه فلو لم يجز لتضرر. قلنا: ممنوع فإنه تكلم بالباقي، ولو سلم قلنا في الأكثر بعينه لإمكان صدق المستثنى فلو لم يجز لتضرر. قالوا: لو جاز لجاز عشرة إلا تسعة ونصف وثلث وإنه قبيح. قلنا: لا يدل على عدم جوازه لغة مع قبحه.
مسألة:
الجمل المتعاقبة بالواو العاطفة إذا تعقبها استثناء رجع إلى الأخيرة. والشافعية إلى الكل. عبد الجبار وأبو الحسين: إن تبين إضراب عن الأولى اقتصر بأن يختلفا نوعا كالأمر والخبر، أو اسما وحكما لا نوعا كأكرم بني تميم واضرب ربيعة الطوال. أو اسما فقط كأكرم وأكرم، أو حكما فقط كأكرم واستأجر. وإن تعلقت فللجميع بأن يتحدا نوعا واسما وغرضا كأكرم بني تميم وسلم على بني تميم إلا الطوال. أو نوعا وفي الثانية ضمير الأول كأكرم واستأجرهم، أو اسما، وحكم الأولى مضمر في الثانية كأكرم بني تميم وربيعة. أو في الأخيرة ضمير إما تقدم أو اتحد الغرض كآية القذف للضمير واتحاد غرض الانتقام.
стр. 504
وتوقف القاضي والغزالي ومختار الأحكام: إن كانت الواو ابتدائية اقتصر أو عاطفة رجع إلى الكل أو أمكنا فالوقف. لنا: المقتضي لرجوعه عدم استقلاله فيكفي فيه جملة يتم بها، والأخيرة أقرب فتعينت. وأيضا آية القذف على القول باتصال الاستثناء لا يعود إلى الكل لأنه لا يعود إلى الجلد إجماعا. الشافعية: العاطفة تجعل الجمل المتعددة كالمفردة. وأجيبوا بالمنع، وإنما ذلك في المفردات. قالوا: وجب العود إلى الكل كالشرط والمشيئة. قلنا: الشرط مقدم تقديرا والاستثناء مؤخر، ولو سلم أنه استثناء فلتوقف الكلام على آخره إذا غير بشرط الاتصال بقرينة اليمين حتى لو فرق اقتصر. قالوا تدعو الحاجة إلى العود إلى الكل وتعقب كل جملة باستثناء مستهجن. قلنا: عند اتصالها خاصة. ولو سلم فلما فيه من الطول مع إمكام [إمكان] إلا كذا من الجميع. قالوا: صالح للعود إلى الكل فكان ظاهرا كالعام لأن تخصيص البعض تحكم. قلنا: لا تستلزم الصلاحية الظهور والعام حقيقة في الكل بخلاف الاستثناء.
وأما بيان الضرورة:
فمنه ما هو في حكم المنطوق مثل ﴿وورثه أبواه فلأمه
стр. 505
الثلث﴾ بيان أن الباقي للأب. ومثله إذا بين نصيب المضارب كان بيانا لنصيب رب المال. وأما العكس فالقياس يأباه؛ لأن نصيب رب المال ليس مستحقا بالشرط فلا يتعين الباقي للمضارب ضرورة لجواز اشتراك عاملين فيه بخلاف الأول لاستحقاق المضارب بالشرط. والاستحسان أنه بيان لتضمن صدر الكلام الشركة ظاهرا، وكذلك لو أوصى بالثلث على أن لفلان منه كذا. ومنه سكوته ﵇ عن تغيير ما يعاينه وعند الحاجة إلى البيان كسكوت الصحابة ﵃ عن تقويم منفعة البدن في ولد المغرور. وكسكوت البكر في النكاح. وكقولنا في أمة أتت بثلاثة في بطون فادعى المولى أكبرهم. كان نفيا للباقين. ومنه لدفع الغرر كسكوت المولى عن عبده وهو يبيع ويشتري وسكوت الشفيع.
стр. 506
مسألة:
مثل مائة ودرهم بيان ضرورة بواسطة العطف. وظهوره في أن المراد الجنس في المقدر عرفا. والشافعي أبقى المائة على إجمالها، قال: ليس العطف موضوعا للبيان وإلا يلزم في مائة وثوب وشاة وعبد. قلنا: ليس البيان من جهة الوضع، بل من العادة في المقدرات التي يثبت مثلها في الذمم عند كثرة العدد كمائة وعشرة دراهم فيجعل بيانا عند قيام العرف.
مسألة:
الفعل بيان. لنا: أنه ﵇ عرف الصلاة والحج بالفعل. قالوا: بقوله: صلوا وخذوا عني. قلنا: دليل على أن المبين الفعل، وأيضا نقطع (على) أن مشاهدة الفعل أدل في بيانه من الإخبار عنه "وليس الخبر كالمعاينة" قالوا: لو كان بيانا لتأخر البيان مع إمكانه قبله بالقول. قلنا: تأخره إلى وقت الحاجة جائز.
стр. 507
مسألة:
لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة اتفاقا إلا على القول بجواز تكليف ما لا يطاق. وأما تأخره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فالجمهور على جوازه، والصيرفي على امتناعه، وأصحابنا على الجواز في المجمل والامتناع في التخصيص، وأبو الحسين في المجمل أيضا. وأما غيره فيجوز تأخير بيانه التفصيلي لا الإجمالي مثل هذا العموم مخصوص والمطلق مقيد والحكم سينسخ. والجبائي وابنه على تأخير النسخ لا غير.
стр. 508
لنا ﴿فأن لله خمسه﴾ ثم بين أن السلب للقاتل إما عموما أو برأي الإمام وأن ذوي القربى بنو هاشم، دون بني أمية وبني نوفل وهذا تأخير التفصيل والإجمال إذ لم ينقل اقتران إجمالي وإلا لنقل ظاهرا مع أن الأصل عدمه. وأيضا تأخر بيان الصلاة إلى بيان جبريل والرسول لذلك. والزكاة والسارق ثم بين الصفة والمقدار والحرز على تدريج. واعترض بأن المؤخر التفصيل، وبأن الأمر إن كان على الفور لم يجز تأخيره، أو التراخي فتأخير عن وقت الحاجة. وأجيب بما سبق وبأن الأمر قبل البيان لا يجب به الفعل مطلقا، واستدل على جواز تأخير المخصص بقوله ﴿أن تذبحوا بقرة﴾ وكانت معينة بدليل ﴿يبين لنا ما هي﴾ ﴿ما لونها﴾ ﴿إنها بقرة﴾ إنها إنها وهو ضمير المأمور بها وبدليل (أنه) لم يؤمر بمتجدد قلنا: غير معينة فإن الصيغة مطلقة ولو ذبحوا أي بقرة شاءوا أجزأتهم،
стр. 509
ولكنهم شددوا فشدد عليهم بدليل: ﴿وما كادوا يفعلون﴾ فقيد المطلق وذاك نسخ يجوز تراخيه كما نبين. واستدل ﴿إنكم وما تعبدون﴾ وخص بـ ﴿إن الذين سبقت لهم﴾ قلنا (ما) لما لا يعقل فهو مبين ونزول الثانية زيادة بيان لدفع التعنت. وأيضا ﴿إنا مهلكوا أهل هذه القرية﴾ وخصه بعد سؤال إبراهيم ﴿لننجينه﴾ قلنا هو مبين بقوله ﴿إن أهلها كانوا ظالمين﴾ فهو كالاستثناء في الأخرى ﴿إلا آل لوط﴾ والفرق أن بيان المجمل تفسير والعام تغيير قالوا: تأخير بيان المجمل تأخير صفة العبادة وذلك مخل بها في وقتها للجهل بصفتها. بخلاف النسخ. قلنا: وقتها وقت بيانها لا قبله. قالوا: لو جاز كان خطابا بما لا يفيد. قلنا: فائدته التكليف باعتقاد أن المراد منه حق مع انتظار بيانه والعزم على الفعل فيطيع، أو الترك فيعصي. المانع مطلقا: لو جاز
стр. 510
تأخير بيان الظاهر في غير ظاهره؛ فإما إلى مدة معينة وهو تحكم، أو إلى الأبد فيلزم المخالفة للمراد. وأجيب: إلى معين عند الله وهو الوقت الذي يكون مكلفا فيه، أي وقت الحاجة إلى البيان، قالوا: لو جاز لكان مفهما بخطابه في الحال، لأن الخطاب يستلزم التفهيم وليس ظاهر الخطاب ولا باطنه لعدم البيان معه. وأجيب: لو صح امتنع الخطاب بما سينسخ لظهور الخطاب في الدوام وهو غير مراد وهو صحيح بالاتفاق. قالوا: لو جاز لجاز الخطاب بالمهمل وتأخير بيانه. قلنا: المجمل يفيد معنى فيعتقد على إجماله. والمهمل غير مفيد أصلا.
وأما التبديل وهو النسخ:
فهو بيان انتهاء حكم شرعي مطلق عن التأبيد والتوقيت بنص متأخر عن مورده. واحترزنا بالشرعي عن غيره، وبالمطلق عن الحكم الموقت بوقت خاص فإنه لا يصح نسخه قبل انتهائه، وكذلك المقيد بالتأبيد
стр. 511
وبنص عن الإجماع والقياس وغيرهما. وبمتأخر عن التخصيص وعن الاستثناء بالغاية والشرط والوصف. قال فخر الإسلام: هو بيان بالنسبة إلى الشارع تبديل بالنسبة إلينا، على مثال القتل فإنه بيان انتهاء أجل القتيل عند الله وتبديل لحياته المظنون استمرارها عندنا. أقول: فإذا كانت له جهتان فيجوز أن يحدد أيضا بأنه رفع حكم شرعي بعد ثبوته بنص متأخر عنه وليس التحرز عن الرفع بطائل لأنه إن علل بأن الحكم وتعلقه قديمان فغير مفيد لأن انتهاء أمد الحكم على المكلف ينافي بقاءه عليه وهو معنى الرفع، فإنا لا نعني بالمرفوع الخطاب القديم ولا تعلقه، بل الحكم الحاصل على المكلف المتعلق به تعلق التنجيز لقطعنا بأن الوجوب المشروط بالعقل منتف بانتفائه، وبأن تحريم شيء بعد وجوبه منتف لاستحالة اجتماعهما
стр. 512
وإن علل بأنه يرتفع تعلقه بفعل مستقبل لزم منع النسخ قبل الفعل أو بأنه بيان أمد التعلق بالمستقبل المظنون استمراره فلا خلاف في المعنى، وقد احترز في هذا الحد بقوله: بعد ثبوته عن رفع الإباحة الأصلية فإنه ليس بنسخ، ومن أجاز النسخ بالفعل يقول بدليل شرعي.
مسألة:
أهل الشرائع على جوازه عقلا ووقوعه شرعا، وخالفت اليهود في الجواز وأبو مسلم الأصفهاني في الوقوع.
стр. 513
لنا القطع بعدم استحالة تكليف في وقت ورفعه. وإن اعتبرنا المصالح كالمعتزلة فالمصلحة قد تختلف باختلاف الأوقات، وفي التوراة: أمر الله آدم ﵇ بتزويج بناته من بنيه وقد حرم ذلك. وقوله لنوح ﵇ بعد الطوفان: جعلت لك كل دابة مأكلا لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه. وقد حرم كثير منها. واستدل بتحريم السبت وكان مباحا وبجواز الختان مطلقا ووجوبه في ثامن الولادة عندهم، وبإباحة الأختين في شرع يعقوب ﵇ وتحريمه عندهم. وأجيب بأنها رفع إباحات كانت ثابتة عقلا والنسخ لحكم شرعي. قالوا: لو صح بطل قول موسى ﵇ المتواتر أن شريعته مؤبدة قلنا مختلف ولأنا نقطع عادة بأنه لو صح عارضوا به محمد ﵇. قالوا: إن نسخ لحكمة ظهرت بعد أن لم تكن لزم البداء وإلا فالعبث. وأجيب بعدم تسليم اعتبار المصلحة
стр. 514
أنه لحكمة علم أزلا أنها تكون عند نسخه لاختلاف الأزمان والأحوال فلا يلزم الظهور بعد أن لم يكن. قالوا: إن قيد الأول بوقت فليس بنسخ لانتهائه بانتهاء وقته، وإن دل على التأبيد لم يقبل النسخ لاجتماع الإخبار بالتأبيد ونفيه، وهو تناقض، ولأنه يؤدي إلى تعذر الاجتهاد بالتأبيد لاحتمال النسخ، وإلى نفي الوثوق بتأبيد حكم ما وللزوم نسخ شريعتكم مع التصريح بالتأبيد. قلنا: مطلق فيدل على تعلق الوجوب. وأما البقاء وعدمه فلا يستفاد من الصيغة، ولو سلم دلالته على التأبيد صريحا منع التناقض على قول من يجيز النسخ فإن الأمر بشيء في المستقبل أبدا لا يستلزم استمراره وإنما يستلزم أن الفعل في المستقبل أبدا متعلق الوجوب فإذا تبين زوال التعلق به لناسخ لم يكن مناقضا. كالموت، وإنما التناقض في الإخبار ببقاء الوجوب أبدا مع نسخه. ونسخ شريعتنا محال لثبوت الأخبار المتواترة ببقائها بأن محمدا عليه السلام
стр. 515
خاتم النبيين. قالوا: لو جاز لكان إما قبل الفعل ولا ارتفاع لما (لم) يوجد ولا بعده لأنه معدوم ولا معه وإلا ارتفع حال وجوده. قلنا المراد أن التكليف الثابت بعد أن لم يكن زال كما يزول بالموت، لا الفعل. قالوا: إن علم استمراره أبدا فلا نسخ وكذا إن كان مغيا بمدة معينة لأن ارتفاع الحكم بوجود ايته ليس بنسخ. قلنا يعلم مستمرا إلى وقت ارتفاعه بالنسخ وذلك يحققه ولا يمنعه. والحجة على الأصفهاني: إجماع الأمة أن شريعتنا ناسخة للشرائع وأن التوجه إلى الكعبة ناسخ لبيت المقدس
стр. 516
وآية المواريث ناسخة لآية الوصية للوالدين والأقربين.
مسألة:
شرط النسخ التمكن من الاعتقاد
стр. 517
فيجوز قبل الفعل خلافا للمعتزلة والصيرفي. لنا: إذا ثبت التكليف قبله وجب جواز رفعه اعتبارا بجواز رفع التكليف بالموت، والجامع قطع تعلق التكليف، ولأن كل نسخ قبل الفعل، لأنه محال بعده لتحصيل الحاصل ومعه لاجتماع الفعل ونفيه، وأيضا لو لم يجز لم يقع وقد وقع، فإنه نسخ فرض خمسين صلاة ليلة المعراج بخمس قبل التمكن
стр. 518
من الفعل ويستدل بأن إبراهيم أمر بذبح الولد (افعل ما تؤمر) ولإقدامه عليه، ولولاه لم يقدم ونسخ قبل التمكن. وأجيب: بأنه لم ينسخ فإن الأمر قائم غير منته وإنما لم يتصل بمحله للفداء، لا للنسخ. واعترض بعد تسليمه إنما يكون قبل التمكن لو اقتضى الأمر الفورية أو تضيق وقت الوجوب. وأجيب: لو كان موسعا حكمت العادة بالتأخير رجاء النسخ أو الموت. لعظم الأمر ولأنه لو كان موسعا لم يمتنع رفع تعلق الوجوب بالمستقبل لبقاء الأمر حيث لم يفعله بعد، وبقاء الأمر هو المانع من الجواز عند الخصم حذرا من توارد النفي والإثبات مع اتحاد الوقت والمحل، قالوا: لم يؤمر ولهذا نسبه إلى المنام، ولجواز أنه أمر بمقدماته، ولذلك قيل (قد صدقت الرؤيا) فلو كان المأمور به الذبح ولم يحصل لم يصدقه. قلنا: منام النبي ﵇ وحي، ولو كان وهما لما أقدم على الحرام، والأمر بالمقدمات خلاف الظاهر. قالوا: وجد، وكلما ذبح التحم. وروي أنه صفح
стр. 519
عنقه بنحاس فمنعه منه فلا يكون نسخا. قلنا: لو التحم اشتهر لأنه معجز باهر ولو صفح كان تكليفا بما لا يطاق ولاشتهر فكان نسخا قبل الفعل. قالوا: لو جاز فإما أن يؤمر بالفعل وقت نسخه وفيه توارد النفي والإثبات، أو لا يؤمر لم ينسخ لعدم ارتفاع شيء. قلنا: لم يكن مأمورا به (في) ذلك الوقت بل قبله.
مسألة:
إذا قيد المأمور به بالتأبيد لا يجوز نسخه خلافا للجمهور، ولو كان التأبيد لبيان مدة بقاء الوجوب نصا لم يقبل الناسخ وفاقا. لنا: أنه حكم مقيد بالتأبيد فكان نصا على عدم انتهائه بمدة والناسخ بيان انتهائه فيتناقض وأيضا
стр. 520
التأبيد للدوام والنسخ يقطعه فيتناقض. قالوا: لا منافاة بين تأبيد الفعل الذي تعلق به التكليف وبين انقطاع التكليف كانقطاعه بالموت. قلنا: ثابتة بين تكليفين بالضرورة بخلاف الموت.
مسألة:
الجمهور على جواز النسخ بأثقل خلافا لبعض الشافعية. وأما الأخف والمساوي فاتفاق. لنا: إن لم نقل برعاية الأصلح فلا إشكال، وإن قيل
стр. 521
بها فلا امتناع عقلا في أن ينسخ حكم بأثقل. وأيضا فلو لم يجز لم يقع وقد نسخ التخيير في صوم رمضان والفدية بتحتمه، وعاشوراء برمضان والحبس في البيوت
стр. 522
بالحد والصفح عن الكفار بقتال مقاتلهم ثم بقتالهم كافة. قالوا: نقلهم إلى الأثقل أشق وأبعد من المصلحة. قلنا: لازم في ابتداء التكليف وبتقدير المصلحة فلا يبعد أن يكون في الانتقال إلى الأثقل قالوا (نأت بخير منها أو مثلها) أي بخير لكم وإلا فالقرآن لا ٣ تفاضل فيه والأشق ليس بخير للملف. قلنا: خير له باعتبار جزيل الثواب في العاقبة (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ) الآية.
مسألة:
يجوز نسخ التلاوة والحكم معا، والتلاوة وحدها والحكم وحده خلافا لبعض المعتزلة. لنا: أن جواز التلاوة حكم، وما يتعلق بها من الأحكام
стр. 523
حكم آخر فتغايرا فجاز نسخهما ونسخ أحدهما كغيرهما، وأيضا الوقوع أما فيهما فما روت عائشة ﵂ "كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات" وأما نسخ التلاوة فما روى عمر "كان فيما أنزل الشيخ والشيخة" إلى آخره. وتلاوة ابن مسعود في كفارة اليمين (متتابعات). وأما الحكم فكنسخ
стр. 524
(آية) الاعتداد بالحوث وحبس الزواني والأذى باللسان بالحد. قالوا: التلاوة مع حكمها كالعلم مع العالمية ولا ينفكان. قلنا: لا تغاير، فإن العالمية قيام العلم بالذات بخلاف التلاوة جاز بقاؤها لترتب حكم الإعجاز وجواز الصلاة عليها وهما مقصودان كالمتشابه فجاز الانفكاك. وأيضا فالتلاوة أمارة الحكم في ابتدائها دون دوامها، فإذا انتفى دوامها لم يلزم انتفاء مدلولها، وبالعكس. قالوا: لو نسخ الحكم وحده كانت التلاوة موهمة ببقائه فيؤدي إلى التجهيل وإبطال فائدة القرآن. قلنا: لا جهل مع الدليل للمجتهد، والمقلد فرضه التقليد والفائدة الإعجاز وجواز الصلاة.
مسألة:
الزيادة على النص نسخ كقيد الإيمان في كفارة
стр. 525
اليمين والنفي على الجلد خلافا للشافعي. لنا: أن المطلق لا تعرض له بقيد فيتساوى الأفراد بالنسبة إليه، والتقييد ينافيه،
стр. 526
فإذا ورد متأخرا كان رافعا لما اقتضاه الأول من الإطلاق وبيانا لمدة انتهاء حكمه وهو معنى النسخ. قالوا: تخصيص قلنا: التخصيص بيان أن بعض الأفراد ليس بمراد مع التناول، والمطلق من حيث هو لا دلالة له إلا على الماهية من حيث هي. من غير دلالة على المشخصات من حيث خصوصها، وإن كانت لوازم الوجود فالمأمور به في المطلق ليس إلا الماهية من حيث هي، والمكلف يأتي به في ضمن مقيد هو من لوازم الوجود (لا من حيث دلالة) الأمر عليه، وإذا لم يتناولها اللفظ لا يكون تخصيصا ولأن ما وراء المخصوص ثابت بنظم العام والحكم بعد زيادة القيد ثابت به لا بالمطلق، فالتخصيص إخراج وهذا إثبات وعلى هذا فالنفي إذا ألحق بالجلد لم يبق حدا، بل بعضه، وبعض الشيء ليس له حكم كله. ولذلك لم نزد فرضية الفاتحة ولا اشتراط الطهارة للطواف، ومثله كثير.
مسألة:
الإجماع لا ينسخ به لأنه إن كان عن نص فهو الناسخ، ولأن النسخ لا يكون إلا في حياته ﷺ . ولا إجماع حينئذ، ومن أطلق من أصحابنا ذلك فمراده أنه دليل وجود الناسخ. وكذلك القياس ولما تبين.
مسألة:
فيجوز نسخ الكتاب بالكتاب كالعدتين. والسنة المتواترة بمثلها والآحاد
стр. 527
بمثلها اتفاقا "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" "وعن ادخار الأضاحي فادخروا"
стр. 528
وفي العكسين خلاف الشافعي. لنا: أن التوجه إلى بيت المقدس ثبت بالسنة ونسخ (بالكتاب) ومصالحته ﵇ أهل مكة عام الحديبية بالسنة على أن من جاءه مسلما رده فجاءت امرأة فنزلت (فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن). ومباشرة الصائم ليلا كانت حراما بالسنة فأطلقت
стр. 529
بالكتاب، وكذا صوم عاشوراء، وفي العكس: نسي ﵇ آية فلما أخبر قال: ألم يكن فيكم أبي، فقال: بلى لكني ظننت أنها نسخت، فقال: لو نسخت لأخبرتكم. فأقره، وعن عائشة ﵂: "ما قبض رسول الله ﷺ حتى أحل له من النساء ما شاء" وأيضا فالنسخ بيان.
стр. 530
فللرسول بيان الكتاب (لتبين للناس ما نزل) ولله بيان ما أجرى على لسان رسوله، ولأن الكتاب فوق السنة بنظمه والسنة تنسخ حكم الكتاب فهما متساويان. واستدل بآية الوصية، نسخت بقوله ﵇ "لا وصية لوارث" وأجيب: بل بآية المواريث. وأيضا بأن الإمساك في البيوت نسخ بالرجم الثابت بالسنة وأجيب: بأن في الصحيح عن عمر ﵁:
следующие страницы →