تيمية في الفتوى الحموية (ص ٨٧ - ٨٩ جـ ٥) من مجموع الفتاوى لابن القاسم.
وهذا هو المذهب الصحيح، والطريق القويم الحكيم، وذلك لوجهين:
الأول: أنه تطبيق تام لما دل عليه الكتاب والسنة من وجوب الأخذ بما جاء فيهما من أسماء الله وصفاته، كما يعلم ذلك من تتبعه بعلم وإنصاف.
الثاني: أَنْ يُقَال: إن الحق إما أن يكون فيما قاله السلف أو فيما قاله غيرهم؛ والثاني باطل، لأنه يلزم منه أن يكون السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان تكلموا بالباطل تصريحًا أو ظاهرًا، ولم يتكلموا مرة واحدة لا تصريحًا ولا ظاهرًا بالحق الذي يجب اعتقاده.
وهذا يستلزم أن يكونوا إما جاهلين بالحق وإما عالمين به لكن كتموه؛ وكلاهما باطل، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، فتعين أن يكون الحق فيما قاله السلف دون غيرهم.
القسم الثاني: مَنْ جعلوا الظاهر المتبادر من نصوص الصفات معنى باطلًا لا يليق بالله، وهو التشبيه، وأبقوا دلالتها على ذلك، وهؤلاء هم المشبهة ومذهبهم باطل محرم من عدة أوجه:
الأول: أنه جناية على النصوص وتعطيل لها عن المراد بها، فكيف يكون المراد بها التشبيه وقد قال الله تعالى: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " [الشورى: ١١]؟.
الثاني: أن العقل دل على مباينة الخالق للمخلوق في الذات والصفات، فكيف يُحْكَمُ بدلالة النصوص على التشابه بينهما؟
стр. 107
الثالث: أن هذا المفهوم الذي فهمه المشبه من النصوص مخالف لما فهمه السلف منها فيكون باطلًا.
فإنْ قالَ المُشَبِّهُ: أنا لا أعقل مِنْ نزولِ اللهِ ويده إلا مثل ما للمخلوق من ذلك، والله - تعالى - لم يخاطبنا إلا بما نعرفه ونعقله؛ فجوابه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الذي خاطبنا بذلك هو الذي قال عن نفسه: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " [الشورى: ١١]، ونهى عباده أن يضربوا له الأمثال، أو يجعلوا له أندادًا فقال: " فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ " [النحل: ٧٤]، وقال: " فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " [البقرة: ٢٢]، وكلامه - تعالى - كُلُّهُ حق يُصَدِّقُ بعضه بعضًا، ولا يتناقض.
ثانيها: أن يقال له: ألست تعقل لله ذاتًا لا تشبه الذوات؟
فسيقول: بلى!
فيقال له: فلتعقل له صفات لا تشبه الصفات؛ فإن القول في الصفات كالقول في الذات، ومَنْ فَرَّقَ بينهما فقد تناقض!.
ثالثها: أن يقال: ألست تشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية؟
فسيقول: بلى!
فيقال له: إذا عقلت التباين بين المخلوقات في هذا؛ فلماذا لا تعقله بين الخالق والمخلوق؟!، مع أن التباين بين الخالق والمخلوق أظهر وأعظم؛ بل التماثل مستحيل بين الخالق والمخلوق - كما سبق في القاعدة السادسة من قواعد الصفات - (١).
стр. 108
القسم الثالث: مَنْ جعلوا المعنى المتبادر من نصوص الصفات معنى باطلًا، لا يليق بالله وهو التشبيه، ثم إنهم من أجل ذلك أنكروا ما دلت عليه من المعنى اللائق بالله، وهم أهل التعطيل سواء كان تعطيلهم عامًا في الأسماء والصفات، أم خاصًا فيهما، أو في أحدهما، فهؤلاء صرفوا النصوص عن ظاهرها إلى معانٍ عينوها بعقولهم , واضطربوا في تعيينها اضطرابًا كثيرًا، وسموا ذلك تأويلًا، وهو في الحقيقة تحريف.
ومذهبهم باطل من وجوه:
أحدها: أنه جناية على النصوص حيث جعلوها دالة على معنى باطل غير لائق بالله ولا مراد له.
الثاني: أنه صرف لكلام الله - تعالى - وكلام رسوله ﷺ عن ظاهره، والله - تعالى - خاطب الناس بلسان عربي مبين، ليعقلوا الكلام ويفهموه على ما يقتضيه هذا اللسان العربي، والنبي ﷺ خاطبهم بأفصح لسان البشر؛ فوجب حمل كلام الله ورسوله على ظاهره المفهوم بذلك اللسان العربي؛ غير أنه يجب أن يصان عن التكييف والتمثيل في حق الله .
الثالث: أن صرف كلام الله ورسوله عن ظاهره إلى معنى يخالفه، قول على الله بلا علم وهو محرم؛ لقوله - تعالى -: " قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ " [الأعراف: ٣٣]. ولقوله - سبحانه -: " وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً " [الإسراء: ٣٦].
فالصارف لكلام الله - تعالى - ورسوله عن ظاهره إلى معنى
стр. 109
يخالفه قد قَفَا ما ليس له به علم، وقال على الله ما لا يعلم من وجهين:
الأول: أنه زعم أنه ليس المراد بكلام الله - تعالى - ورسوله كذا، مع أنه ظاهر الكلام.
الثاني: أنه زعم أن المراد به كذا لمعنى آخر لا يدل عليه ظاهر الكلام.
وإذا كان من المعلوم أن تعيين أحد المعنيين المتساويين في الاحتمال قول بلا علم؛ فما ظنك بتعيين المعنى المرجوح المخالف لظاهر الكلام؟!
مثال ذلك: قوله - تعالى - لإبليس: " مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي " [ص: ٧٥]، فإذا صرف الكلام عن ظاهره، وقال: لم يرد باليدين اليدين الحقيقيتين وإنما أراد كذا وكذا.
قلنا له: ما دليلك على ما نفيت؟! وما دليلك على ما أثبت؟! فإن أتى بدليل - وأَنَّى له ذلك - وإلا كان قائلًا على الله بلا علم في نفيه وإثباته.
الوجه الرابع في إبطال مذهب أهل التعطيل: أن صرف نصوص الصفات عن ظاهرها مخالف لما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها؛ فيكون باطلًا، لأن الحق بلا ريب فيما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وسلف الأمة وأئمتها.
الوجه الخامس: أن يقال للمعطل:
هل أنت أعلم بالله من نفسه؟
فسيقول: لا.
ثم يُقَالُ له: هل ما أخبر الله به عن نفسه صدق وحق؟
стр. 110
فسيقول: نعم.
ثم يقال له: هل تعلم كلامًا أفصح وأبين من كلام الله - تعالى -؟
فسيقول: لا.
ثم يقال له: هل تظن أن الله أراد أن يعمي الحق على الخلق في هذه النصوص ليستخرجوه بعقولهم؟
فسيقول: لا.
هذا ما يقال له باعتبار ما جاء في القرآن.
أما باعتبار ما جاء في السنة؛ فيقال له:
هل أنت أعلم بالله من رسوله ﷺ ؟
فسيقول: لا.
ثم يقال له: هل ما أخبر به رسول الله ﷺ عن الحق صدق وحق؟
فسيقول: نعم.
ثم يقال له: هل تعلم أن أحدًا من الناس أفصح كلامًا، وأبين من رسول الله ﷺ ؟
فسيقول: لا.
ثم يقال له: هل تعلم أن أحدًا من الناس أنصح لعباد الله من رسول الله؟
فسيقول: لا.
فيقال له: إذا كنت تقر بذلك؛ فلماذا لا يكون عندك الإقدام والشجاعة في إثبات ما أثبته الله - تعالى - لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ على حقيقته وظاهره اللائق بالله؟ وكيف يكون عندك الإقدام والشجاعة
стр. 111
في نفي حقيقته تلك، وصرفه إلى معنى يخالف ظاهره بغير علم؟
وماذا يضيرك إذا أَثْبَتَّ لله - تعالى - ما أثبته لنفسه في كتابه، أو سنة نبيه على الوجه اللائق به، فأخذتَ بما جاء في الكتاب والسنة إثباتًا ونفيًا؟
أليس هذا أسلم لك وأقوم لجوابك إذا سئلت يوم القيامة: " مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ " [القصص: ٦٥].
أفليس صرفك لهذه النصوص عن ظاهرها، وتعيين معنى آخر مخاطرة منك؟! فلعل المراد يكون - على تقدير جواز صرفها - غير ما صرفتها إليه.
الوجه السادس في إبطال مذهب أهل التعطيل: أنه يلزم عليه لوازم باطلة؛ وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم.
فمن هذه اللوازم:
أولًا: أن أهل التعطيل لم يصرفوا نصوص الصفات عن ظاهرها إلا حيث اعتقدوا أنه مستلزم أو موهم لتشبيه الله - تعالى - بخلقه، وتشبيه الله - تعالى - بخلقه كفر؛ لأنه تكذيب لقوله - تعالى -: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " [الشورى: ١١]. قال نعيم بن حماد الخزاعي أحد مشايخ البخاري - رحمهما الله -: من شَبَّهَ الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهًا. اهـ.
ومن المعلوم أَنَّ مِنْ أَبْطَلِ الباطلِ أَنْ يُجْعَلَ ظاهرُ كلامِ اللهِ - تعالى - وكلامِ رسوله ﷺ تشبيهًا وكفرًا أو موهمًا لذلك.
ثانيًا: أن كتاب الله - تعالى - الذي أنزله تِبْيَانًا لكل شيء، وهدى للناس، وشفاءً لما في الصدور، ونورًا مبينًا، وفرقانًا بين
стр. 112
الحق والباطل لم يبين الله - تعالى - فيه ما يجب على العباد اعتقاده في أسمائه وصفاته، وإنما جعل ذلك موكلًا إلى عقولهم، يثبتون لله ما يشاءون، وينكرون ما لا يريدون؛ وهذا ظاهر البطلان.
ثالثًا: أن النبي ﷺ وخلفاءه الراشدين وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها، كانوا قاصرين أو مقصرين في معرفة وتبيين ما يجب لله - تعالى - من الصفات أو يمتنع عليه أو يجوز؛ إذ لم يرد عنهم حرف واحد فيما ذهب إليه أهل التعطيل في صفات الله - تعالى - وسموه تأويلًا.
وحينئذٍ؛ إما أن يكون النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون وسلف الأمة وأئمتها قاصرين لجهلهم بذلك وعجزهم عن معرفته، أو مقصرين لعدم بيانهم للأمة، وكلا الأمرين باطل!!
رابعًا: أن كلام الله ورسوله ليس مرجعًا للناس فيما يعتقدونه في ربهم وإلاههم الذي معرفتهم به من أهم ما جاءت به الشرائع؛ بل هو زبدة الرسالات، وإنما المرجع تلك العقول المضطربة المتناقضة، وما خالفها فسبيله التكذيب إن وجدوا إلى ذلك سبيلًا، أو التحريف الذي يسمونه تأويلًا إن لم يتمكنوا من تكذيبه.
خامسًا: أنه يلزم منه جواز نفي ما أثبته الله ورسوله، فيقال في قوله - تعالى -: " وَجَاءَ رَبُّكَ " [الفجر: ٢٢] إنه لا يجيء؛ وفي قوله ﷺ : " ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا " (١) إنه لا ينزل؛ لأن إسناد المجيء والنزول إلى الله مجاز عندهم، وأظهر علامات المجاز عند القائلين به صحة نفيه، ونفي ما أثبته الله ورسوله من أبطل الباطل، ولا يمكن الانفكاك عنه بتأويله إلى أمره؛ لأنه ليس في السياق ما يدل عليه.
стр. 113
ثم إن من أهل التعطيل من طرد قاعدته في جميع الصفات، أو تعدى إلى الأسماء - أيضًا -.
ومنهم من تناقض فأثبت بعض الصفات دون بعض؛ كالأشعرية والماتريدية: أثبتوا ما أثبتوه بحجة أن العقل يدل عليه، ونفوا ما نفوه بحجة أن العقل ينفيه أو لا يدل عليه.
فنقول لهم: نَفْيُكُم لما نفيتموه بحجة أن العقل لا يدل عليه يمكن إثباته بالطريق العقلي الذي أثبتم به ما أثبتموه كما هو ثابت بالدليل السمعي.
مثال ذلك: أنهم أثبتوا صفة الإرادة، ونفوا صفة الرحمة.
أثبتوا صفة الإرادة لدلالة السمع والعقل عليها.
أما السمع:
فمنه قوله تعالى: " وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ " [البقرة: ٢٥٣].
وأما العقل:
فإن اختلاف المخلوقات وتخصيص بعضها بما يختص به من ذات أو وصف دليل على الإرادة.
ونفوا الرحمة؛ لأنها تستلزم لِيْنَ الراحمِ وَرِقَّته للمرحوم، وهذا محال في حَقِّ الله - تعالى -.
وَأَوَّلُوا الأدلة السمعية المثبتة للرحمة إلى الفعل أو إرادة الفعل ففسروا الرحيم بالمنعم أو مريد الإنعام.
فنقول لهم: الرحمة ثابتة لله - تعالى - بالأدلة السمعية، وأدلة ثبوتها أكثر عددًا وتنوعًا من أدلة الإرادة.
فقد وردت بالاسم مثل: " الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " [الفاتحة: ٣].
стр. 114
والصفة مثل: " وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ " [الكهف: ٥٨].
والفعل مثل: " وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ " [العنكبوت: ٢١].
ويمكن إثباتها بالعقل: فإنَّ النِّعم التي تترى على العباد من كل وجه، والنِّقم التي تدفع عنهم في كل حين دالة على ثبوت الرحمة لله ، ودلالتها على ذلك أبين وأجلى من دلالة التخصيص على الإرادة، لظهور ذلك للخاصة والعامة، بخلاف دلالة التخصيص على الإرادة، فإنه لا يظهر إلا لأفراد من الناس.
وأما نفيها بحجة أنها تستلزم اللين والرِّقَّة؛
فجوابه: أن هذه الحجة لو كانت مستقيمة لأمكن نفي الإرادة بمثلها؛ فيقال: الإرادة ميل المريد إلى ما يرجو به حصول منفعة أو دفع مضرة، وهذا يستلزم الحاجة، والله - تعالى - مُنَزَّه عن ذلك.
فَإِنْ أُجِيْبَ: بأن هذه إرادة المخلوق أمكن الجواب بمثله في الرحمة بأن الرحمة المستلزمة للنقص هي رحمة المخلوق.
وبهذا تبين بطلان مذهب أهل التعطيل سواء كانت تعطيلًا عامًا أو خاصًا.
وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ طريقَ الأشاعرةِ والماتريديةِ في أسماء الله وصفاته وما احتجوا به لذلك لا تندفع به شبه المعتزلة والجهمية، وذلك من وجهين:
أحدهما: أنه طريق مبتدع لم يكن عليه النبي ﷺ ولا سلف الأمة وأئمتها، والبدعة لا تُدْفَعُ بالبدعةِ وإنما تدفع بالسنة.
الثاني: أن المعتزلة والجهمية يمكنهم أن يحتجوا لما نفوه على الأشاعرة والماتريدية بمثل ما احتج به الأشاعرة والماتريدية لما نفوه على أهل السنة؛ فيقولون: لقد أبحتم لأنفسكم نفي ما نفيتم من
стр. 115
الصفات بما زعمتموه دليلًا عقليًا وَأَوَّلْتُم دليله السمعي، فلماذا تحرمون علينا نفي ما نفيناه بما نراه دليلًا عقليًا، ونأوِّل دليله السمعي؟! فلنا عقول كما أن لكم عقولًا، فإن كانت عقولنا خاطئة فكيف كانت عقولكم صائبة؟!، وإن كانت عقولكم صائبة فكيف كانت عقولنا خاطئة؟! وليس لكم حجة في الإنكار علينا سوى مجرد التحكم واتباع الهوى.
وهذه حجة دامغة وإلزام صحيح من الجهمية والمعتزلة للأشعرية والماتريدية، ولا مدفع لذلك ولا محيص عنه إلا بالرجوع لمذهب السلف الذين يطردون هذا الباب، ويثبتون لله - تعالى - من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ إثباتًا لا تمثيل فيه ولا تكييف، وتنزيهًا لا تعطيل فيه ولا تحريف " وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ " [النور: ٤٠].
تنبيه: عُلِمَ مما سبق؛ أن كل معطل ممثل، وكل ممثل معطل.
أما تعطيل المعطل فظاهر، وأما تمثيله فلأنه إنما عطل لاعتقاده أن إثبات الصفات يستلزم التشبيهَ فَمَثَّلَ أولًا، وعَطَّلَ ثانيًا، كما أنه بتعطيله مثله بالناقص (١).
стр. 116
وأما تمثيل الممثل فظاهر، وأما تعطيله فمن ثلاثة أوجه:
الأول: أنه عطل نفس النص الذي أثبت به الصفة، حيث جعله دالًا على التمثيل مع أنه لا دلالة فيه عليه، وإنما يدل على صفة تليق بالله .
الثاني: أَنَّهُ عَطَّلَ كُلَّ نَصٍّ يدل على نفي مماثلة الله لخلقه.
الثالث: أنه عَطَّلَ الله - تعالى - عن كماله الواجب حيث مَثَّلَهُ بالمخلوق الناقص.
التعليق
ما ذكره المؤلف ﵀ في هذه القاعدة هو شرحٌ وتفصيلٌ لما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في القاعدة الثالثة من العقيدة التدمرية، وحاصل القول: إن الناس اختلفوا في ظاهر نصوص الصفات، وهل هو مرادٌ أو ليس بمرادٍ؟ على ثلاث طوائف.
وقبل ذكرها ينبغي أنْ يُعرف المراد بظاهر النصوص وظاهر الكلام؛ فإذا قيل: ظاهر الكلام كذا؛ فالمراد منه: ما يتبادر إلى ذهن سليم الفهم بلغة المتكلم وحاله.
فإذا قيل ما ظاهر نصوص الصفات؟ فالمراد: المعنى المتبادر منها، وهنا محلُّ النزاع.
فمذهب أهل السنة والجماعة: أنَّ ظاهر نصوص الصفات إثبات ما دلت عليه من المعاني صفاتٍ لله على ما يليق به ويختص به لا يشبه في ذلك صفات خلقه ولا يشبهه أحد من خلقه في شيءٍ من صفاته.
فظاهر النصوص عند أهل السنة والجماعة حقٌ يجب الإيمان به، وهو مراد الله من كلامه ومراد رسوله ﷺ ؛ وأما المعطلة من الجهمية
стр. 117
والمعتزلة ومن وافقهم فظاهر نصوص الصفات عندهم وَصْفُهُ - تعالى - بما دلت عليه، وهذا عندهم تجسيم وتشبيه وتركيب، فظاهرها عندهم باطل لا يجوز اعتقاده، لأنه غير مرادٍ لله - تعالى - ولا لرسوله ﷺ ، ثم منهم مَنْ لا يفسر هذه النصوص؛ بل يمرها ألفاظ من غير فهمٍ لمعناها؛ بل يقول: إنه لا معنى لها، أو لا يعلم معناها إلا الله، وهذه طريقة أهل التفويض من المعطلة.
ومنهم من يفسر هذه النصوص بخلاف ظاهرها للشُّبَهِ التي بنوا عليها نفيهم للصفات، فقالوا: يجب صرف هذه النصوص عن ظاهرها، لأنَّ ظاهرها كفرٌ وباطل، ويسمون صرف النصوص عن ظاهرها تأويلًا، ولذلك سُمُّوا أهل التأويل؛ والحق: أنه تحريف للكلم عن مواضعه.
وأما الطائفة الثالثة: وهم المشبهة فيقولون: إنَّ ظاهر نصوص الصفات، وصفه - تعالى - بصفاتٍ مثل صفاتنا، ويجب اعتقاد هذا المعنى، فيقول أحدهم: لله سمعٌ كسمعي، وبصرٌ كبصري، ويدٌ كيدي، وعلمٌ كعلمي، وقدرةٌ كقدرتي، ونحو ذلك.
فظاهر النصوص عندهم هو التشبيه وهو مراد، وظاهرها عند المعطلة التشبيه وليس بمراد؛ بناءً على اعتقادهم أنَّ إثبات الصفات لله تشبيه.
فمذهب أهل السنة حق محض، وهم وسط بين أهل التعطيل وأهل التمثيل؛ وأما مذهب المشبهة والمعطلة، فكل منهما فيه حق وباطل؛ فإثبات المشبهة للصفات حقٌ وتشبيه صفاته - تعالى - بصفات خلقه باطل؛ فلزم من قولهم تعطيل الرب من صفاته اللائقة به.
ونفي المعطلة التشبيه عن الله حقٌ ونفيهم للصفات باطل، وهو مستلزم لتشبيهٍ أقبح، فنفروا من تشبيهه - تعالى - بالموجودات فشبهوه بالمعدومات والناقصات والممتنعات؛ فكلٌ من المعطلة والمشبهة جمعوا بين التشبيه والتعطيل.
стр. 118
فالمعطلة شبهوا أولًا، ثم عطلوا ثانيًا، ثمَّ شبهوا ثالثًا؛ والمشبهة شبهوا أولًا، وعطلوا ثانيًا.
وقد أوضح المصنف ﵀ هذه المذاهب، وميز الحق منها من الباطل بالأدلة العقلية والنقلية مما فيه إحقاق الحق وإبطال الباطل؛ فجزاه الله خيرًا، وأثابه على ما بَيَّن.
ومما جاء في كلامه ﵀ أنَّ التعطيل: (جناية على النصوص حيث جعلوها دالة على معنى باطل غير لائق بالله ولا مراد له) يعني: جعلوها دالة على إثبات الصفات وإثبات الصفات تشبيه عندهم , فجعلوها دالة على الكفر لأن تشبيه الله بخلقه كفر , فيقولون: إن ظاهرها معنى باطل، وهو كفر فيجب تأويلها ولا يجوز اعتقاد ظاهرها.
ولاشك أن المذاهب الباطلة تستلزم أمورًا باطلة في العقل , فذكر الشيخ قاعدة مهمة وهي: (إن بطلان اللازم يستلزم بطلان الملزوم)، فنفي الصفات عن الله وتحريف النصوص يستلزم هذه اللوازم الباطلة:
١ - يستلزم تجهيل الرسول والصحابة والأئمة , أو كتمانهم للحق.
٢ - ويستلزم الطعن في حكمة الله والطعن في كلامه.
٣ - ويستلزم أن ترك الناس بلا رسالة أهدى لهم.
فكل هذه معان باطلة؛ فإذا بطل اللازم بطل الملزوم.
وما ذكره الشيخ من هذه اللوازم ذكرها شيخ الإسلام في العقيدة الحموية (١) , فقد ذكر الأدلة العقلية على أن الرسول ﵊ قد بيَّن للناس، وبلغ ما يجب عليهم اعتقاده في ربهم , مما يجب له أو يجوز عليه أو يمتنع عليه , وبين ما يستلزمه قول المعطلة النفاة من اللوازم الباطلة.
стр. 119
وما مستند مذاهب المعطلة؟!
لا مستند لهم من شرع , إنما يعولون على ما يزعمونه من قولهم: إن إثبات الصفات يستلزم التشبيه ويستلزم التجسيم والتركيب , فكأنهم يعترضون على الله ورسوله؛ فالله يخبر بهذه الصفات ثم يقولون: لا نثبت هذه الصفات.
وهذا المذهب كما ذكر شيخ الإسلام في العقيدة الحموية أن أصله مستمد من اليهود والصابئة والمجوس (١)؛ فهذا المذهب مستمد من أمم الكفر والإلحاد , وليس لهم أي مستند من الشرع.
فما ذكره الشيخ هنا من هذا التفصيل وهذا البيان كثير منه معناه مبين في الفتوى الحموية للإمام ابن تيمية , والشيخ محمد بن عثيمين ﵀ قد كان له عناية بالحموية حيث لخصها قديمًا في كتاب أسماه: (فتح رب البرية في تلخيص الحموية) (٢).
ومما تضمنه كلام الشيخ ﵀: أن المعطلة طوائف وفرق متفاوتون في التعطيل , فبعضهم أشد مبالغة في التعطيل , ففيهم الغلاة، وغلاة الغلاة.
فالمعطلة المحضة هم: الذين ينفون الأسماء والصفات مطلقًا؛ وهذا مذهب الجهمية , فالجهمية هم الأصل في هذا الباب , فإنهم ينفون الأسماء والصفات، ويقولون عما جاء في النصوص كلها مجاز , فالأسماء أسماء لبعض مخلوقاته، والصفات يتأولونها بشتى المعان التي تخرجها عن مراد الله ورسوله.
стр. 120
وشَرٌّ منهم: الجهمية الباطنية فهم غلاة الغلاة؛ فإنهم ينفون النقيضين , ينفون الصفات ونقائضها , يقولون: ليس بسميع ولا أصم , ولا بصير ولا أعمى , ولا موجود ولا معدوم , ذكر هذا شيخ الإسلام في مواضع من التدمرية وغيرها (١).
ودون هؤلاء وأولئك: المعتزلة؛ فإن المشهور من مذهبهم أنهم يثبتون الأسماء , لكنهم يجعلونها أسماء محضة , لا تدل على
معانٍ , إنما هي أعلام محضة (٢) , وينفون سائر الصفات , ولا يثبتون هم والجهمية إلا ذاتًا مجردة عن جميع الصفات.
ودون هؤلاء: الأشاعرة والماتريدية؛ فهم أقرب إلى أهل السنة حيث يثبتون بعض الصفات على ما في إثباتهم من انحراف ومن فساد , كما أنهم يثبتون - مثلا - صفة الكلام، لكنه ليس على الوجه المعقول والمشروع (٣).
فكل من نفى شيئًا يسمي من أثبته مشبهًا , فالغلاة يسمون الجهمية مشبهة , والجهمية يسمون المعتزلة مشبهة لإثباتهم الأسماء , والمعتزلة يجعلون الأشاعرة بناءً على مذهبهم مشبهة لأنهم يثبتون بعض الصفات , والجميع يجعلون أهل السنة مشبهة.
وبهذا يتبين أنَّ فِرَقَ التعطيل متناقضون , ومن طريقة شيخ الإسلام ﵀ أن يضرب بعضهم ببعض (٤) , وهذا هو المعنى الذي نقله الشيخ بعباراته لكن مضمونه قد قرره شيخ الإسلام ابن تيمية , فالأشاعرة قد فرقوا بين المتماثلات , حيث أثبتوا بعض الصفات زاعمين أن العقل يدل عليها , ونفوا بعض الصفات زاعمين أن العقل
стр. 121
دل على نفيها أو لم يدل عليها , والحق أنه لا فرق فالقول في بعض الصفات كالقول في بعض , لا فرق بين الصفات (١) , فإما إثبات الجميع أو نفي الجميع , وبسبب هذا التناقض كل طائفة ترد على الأخرى.
فيمكن الرد على الأشاعرة فيما نفوه بما يردون به هم على المعتزلة فيما أثبتوه , فما يحتجون به على المعتزلة يحتج به أهل السنة عليهم.
وكذلك المعتزلة مع الجهمية؛ فما يرد به المعتزلة على الجهمية يرد به الأشاعرة وأهل السنة على المعتزلة.
وهذا الأسلوب من الاحتجاج والرد قرره شيخ الإسلام في التدمرية في تقريره الأصل الأول (٢) , في قوله: (القول في بعض الصفات كالقول في بعض) , وذكر الأشاعرة لا باسمهم لكن بمذهبهم , وأتبعهم بذكر المعتزلة ثم الجهمية , ثم الجهمية مع من بعدهم من الغلاة , وذكر هذا المعنى الذي ذكره الشيخ هنا في الرد على الأشاعرة ونحوهم في التناقض , حيث لا فرق بين ما نفوا وبين ما أثبتوا. فيرد عليهم في الصفات التي أثبتوها زاعمين أن العقل يدل عليها , بأن يقال: يمكن إثبات ما نفيتم بمثل ما أثبتم به تلك الصفات , فشيخ الإسلام ابن تيمية هناك طبقها على الصفات السبع , والشيخ محمد هنا طبقها على واحدة من الصفات السبع وهي الإرادة؛ فمن الصفات التي يثبتونها الإرادة ومن الصفات التي ينفونها الرحمة , فيقال: لا فرق بين إثبات الإرادة والرحمة , فإذا قلتم: إن الإرادة دل العقل عليها , قلنا: يمكن إثبات الرحمة بالعقل؛ فإنعام الله على العباد ونفعهم بالإحسان يدل
стр. 122
على الرحمة , كدلالة التخصيص على الإرادة , فيحسن أن يرجع طالب العلم إلى هذا في التدمرية، فإنه هو الأصل في تقرير هذا الاحتجاج.
والشيخ محمد هنا - أخيرًا - نَبَّهَ إلى أن المعطلة مشبهة , والمشبهة معطلة؛ فكل معطل مشبه، وكل مشبه معطل , وقد تقدم بيانه (١)؛ والله أعلم.
стр. 123
فصلٌ
اعلم أن بعض أهل التأويل أورد على أهل السنة شبهةً في نصوصٍ من الكتاب والسنة في الصفات، اِدَّعَى أن أهل السنة صرفوها عن ظاهرها؛ ليُلْزِمَ أهل السنة بالموافقة على التأويل أو المداهنة فيه، وقال: كيف تنكرون علينا تأويل ما أولناه مع ارتكابكم لمثله فيما أولتموه؟
ونحن نجيب - بعون الله - عن هذه الشبهة بجوابين: مجمل، ومفصل.
أما المجمل؛ فيتلخص في شيئين (١):
أحدهما: أَنْ لا نُسَلِّمَ أَنَّ تفسيرَ السلفِ لها صرفٌ عن ظاهرها، فإن ظاهر الكلام ما يتبادر منه من المعنى، وهو يختلف بحسب السياق، وما يضاف إليه الكلام، فإن الكلمات يختلف معناها بحسب تركيب الكلام، والكلام مُرَكَّبٌ من كلمات وجُمَل، يظهر معناها ويتعينُ بِضَمِّ بعضها إلى بعض.
ثانيهما: أننا لو سَلَّمْنَا أن تفسيرهم صرف لها عن ظاهرها، فإن لهم في ذلك دليلًا من الكتاب والسنة، إما متصلًا وإما منفصلًا، وليس لمجرد شبهات يزعمها الصارف براهين وقطعيات يتوصل بها
стр. 124
إلى نفي ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ .
وأما المُفَصَّل: فعلى كل نص اُدُّعِيَ أن السلف صرفوه عن ظاهره.
ولنمثل بالأمثلة التالية:
فنبدأ بما حكاه أبو حامد الغزالي عن بعض الحنبلية أنه قال: إن أحمد لم يتأول إلا في ثلاثة أشياء: " الحجر الأسود يمين الله في الأرض " (١)، و " قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن " (٢)، و " إني أجد نَفَسَ الرحمن من قبل اليمن " (٣). نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٣٩٨ / جـ ٥ من مجموع الفتاوى)؛ وقال: هذه الحكاية كذب على أحمد.
المثال الأول: " الحجر الأسود يمين الله في الأرض " (٤).
والجواب عنه: أنه حديث باطل، لا يثبت عن النبي ﷺ .
قال ابن الجوزي في العلل المتناهية (٥): هذا حديث لا يصح.
стр. 125
وقال ابن العربي: حديث باطل؛ فلا يلتفت إليه (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: روي عن النبي ﷺ بإسناد لا يثبت اهـ (٢).
وعلى هذا فلا حاجة للخوض في معناه.
لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والمشهور - يعني في هذا الأثر - إنما هو عن ابن عباس قال: " الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقَبَّلَهُ، فكأنما صافح الله وقَبَّلَ يمينه " (٣)؛ ومن تدبر اللفظ المنقول تبين له أنه لا إشكال فيه، فإنه قال: " يمين الله في الأرض " ولم يطلق فيقول: يمين الله، وحكم اللفظ المقيد يخالف حكم المطلق، ثم قال: " فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه " وهذا صريح في أَنَّ المُصَافِح لم يصافح يمين الله أصلًا، ولكن شُبِّه بمن يصافح الله، فأول الحديث وآخره يبين أن الحجر ليس من صفات الله - تعالى - كما هو معلوم لكل عاقل. اهـ. (ص ٣٩٨ / جـ ٦) مجموع الفتاوى.
المثال الثاني: " قلوب العباد بين أصبعين (٤) من أصابع الرحمن " (٥).
стр. 126
والجواب: أن هذا الحديث صحيح؛ رواه مسلم في الباب الثاني من كتاب القدر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول: " إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء "، ثم قال رسول الله ﷺ : " اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك " (١).
وقد أخذ السلف أهل السنة بظاهر الحديث وقالوا: إن لله - تعالى - أصابع حقيقة نثبتها له كما أثبتها له رسوله ﷺ ، ولا يلزم من كون قلوب بني آدم بين أصبعين منها أن تكون مماسة لها حتى يقال: إن الحديث موهم للحلول فيجب صرفه عن ظاهره. فهذا السحاب مُسَخَّر بين السماء والأرض وهو لا يمس السماء ولا الأرض. ويقال: بدر بين مكة والمدينة مع تباعد ما بينها وبينهما، فقلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن حقيقة، ولا يلزم من ذلك مماسة ولا حلول.
المثال الثالث: " إني أجد نَفَسَ الرحمن مِنْ قِبَلِ اليمن " (٢).
والجواب: أن هذا الحديث رواه الإمام أحمد في المسند من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " ألا إن الإيمان يمان، والحكمة يمانية، وأجد نفس ربكم من قبل اليمن ".
قال في مجمع الزوائد: (رجاله رجال الصحيح غير شبيب وهو ثقة).
قلت: وكذا قال في التقريب (٣) عن شبيب ثقة من الثالثة، وقد
стр. 127
روى البخاري نحوه في التاريخ الكبير (١).
وهذا الحديث على ظاهره، والنَفَسُ فيه اسم مصدر نَفَّسَ يُنَفِّسُ تَنْفِيسًا، مثل: فَرَّجَ يُفَرِّجُ تَفْرِيجًا وفَرَجًا، هكذا قال أهل اللغة كما في النهاية والقاموس ومقاييس اللغة (٢). قال في مقاييس اللغة: النَّفَسُ كل شيء يفرج به عن مكروب. فيكون معنى الحديث: أن تنفيس الله - تعالى - عن المؤمنين يكون من أهل اليمن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الردة، وفتحوا الأمصار، فبهم نَفَّسَ الرحمنُ عَنِ المؤمنين الكربات). اهـ. (ص ٣٩٨ / جـ ٦ مجموع فتاوى شيخ الإسلام لابن قاسم).
المثال الرابع: قوله تعالى: " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ " [البقرة: ٢٩] (٣).
والجواب: أن لأهل السنة في تفسيرها قولين:
أحدهما: أنها بمعنى ارتفع إلى السماء، وهو الذي رَجَّحَهُ ابن جرير، قال في تفسيره بعد أن ذكر الخلاف: (وأولى المعاني بقول الله - جل ثناؤه -: " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُن " [البقرة: ٢٩]. علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته، وخلقهن سبع سموات) (٤). اهـ. وذكره البغوي في تفسيره: قول ابن عباس وأكثر مفسري السلف (٥). وذلك تمسكاً بظاهر لفظ (اسْتَوَى). وتفويضًا لعلم كيفية هذا الارتفاع إلى الله .
القول الثاني: إن الاستواء هنا بمعنى القصد التام؛ وإلى هذا
стр. 128
القول ذهب ابن كثير في تفسير سورة (البقرة)، والبغوي في تفسير سورة (فصلت).
قال ابن كثير: (أي: قصد إلى السماء، والاستواء هاهنا ضُمِّنَ معنى القصد والإقبال، لأنه عُدِّيَ بإلى) (١).
وقال البغوي: (أي: عمد إلى خلق السماء) (٢).
وهذا القول ليس صرفًا للكلام عن ظاهره، وذلك لأن الفعل (اسْتَوَى) اقترن بحرف يدل على الغاية والانتهاء، فانتقل إلى معنى يناسب الحرف المقترن به، ألا ترى إلى قوله - تعالى - " عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً " [الإنسان: ٦] حيث كان معناها: يُرْوَى بها عباد الله، لأن الفعل " يَشْرَبُ " اقترن بالباء، فانتقل إلى معنى يناسبها وهو يروى، فالفعل يضمن معنى يناسب معنى الحرف المتعلق به ليلتئم الكلام.
المثال الخامس، والسادس: قوله - تعالى - في سورة الحديد: " وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم " [الحديد: ٤]، وقوله في سورة المجادلة: " وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا " [المجادلة: ٧] (٣).
والجواب: أن الكلام في هاتين الآيتين حَقٌّ على حقيقته وظاهره، ولكن ما حقيقته وظاهره؟
стр. 129
هل يقال: إن ظاهره وحقيقته أن لله – تعالى – مع خلقه معية تقتضي أن يكون مختلطًا بهم، أو حالًا في أمكنتهم؟
أو يقال: إن ظاهره وحقيقته أن الله – تعالى – مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطًا بهم: علمًا وقدرة، وسمعًا وبصرًا، وتدبيرًا، وسلطانًا، وغير ذلك من معاني ربوبيته مع علوه على عرشه فوق جميع خلقه؟
ولا ريب أن القول الأول لا يقتضيه السياق، ولا يدل عليه بوجه من الوجوه، وذلك لأن المعية هنا أضيفت إلى الله – – وهو أعظم وأَجَلُّ مِنْ أَنْ يحيط به شيء من مخلوقاته! ولأن المعية في اللغة العربية – التي نزل بها القرآن – لا تستلزم الاختلاط أو المصاحبة في المكان، وإنما تدل على مطلق مصاحبة، ثم تفسر في كل موضعٍ بحسبه.
وتفسير معية الله – تعالى – لخلقه بما يقتضي الحلول والاختلاط باطل من وجوه:
الأول: أنه مخالف لإجماع السلف، فما فسرها أحد منهم بذلك؛ بل كانوا مجمعين على إنكاره.
الثاني: أنه منافٍ لعلو الله – تعالى – الثابت بالكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة، وإجماع السلف، وما كان منافيًا لما ثبت بدليل كان باطلًا بما ثبت به ذلك المنافي، وعلى هذا فيكون تفسير معية الله لخلقه بالحلول والاختلاط باطلًا بالكتاب والسنة، والعقل، والفطرة، وإجماع السلف.
الثالث: أنه مستلزم للوازم باطلة لا تليق بالله – –.
ولا يمكن لمن عَرَفَ اللهَ – تعالى – وقَدَّرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ، وعرف
стр. 130
مدلول المعية في اللغة العربية – التي نزل بها القرآن – أَنْ يقول: إن حقيقة معية الله لخلقه تقتضي أن يكون مختلطًا بهم أو حالًا في أمكنتهم، فضلًا عن أن تستلزم ذلك، ولا يقول ذلك إلا جاهل باللغة، جاهل بعظمة الرب – جل وعلا –.
فإذا تَبين بطلان هذا القول تَعين أن يكون الحق هو القول الثاني، وهو أن لله – تعالى – مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطًا بهم، علمًا وقدرة، وسمعًا وبصرًا، وتدبيرًا وسلطانًا، وغير ذلك مما تقتضيه ربوبيته مع علوه على عرشه فوق جميع خلقه.
وهذا هو ظاهر الآيتين بلا ريب، لأنهما حَقٌّ، ولا يكون ظاهر الحق إلا حقًا، ولا يمكن أن يكون الباطل ظاهر القرآن أبدًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية (ص ١٠٣ / جـ ٥ من مجموع الفتاوى لابن قاسم): (ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد، فلما قال: " يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا " إلى قوله: " وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ " [الحديد: ٤] دَلَّ ظاهر الخطاب على أَنَّ حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مُطَّلِعٌ عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن عالم بكم، هذا معنى قول السلف: إنه معهم بعلمه (١)، وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته، وكذلك في قوله: " مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ " إلى قوله: " هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا " [المجادلة: ٧] الآية.
ولما قال النبي – ﷺ – لصاحبه في الغار: " لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ
стр. 131
مَعَنَا" [التوبة: ٤٠] كان هذا – أيضًا – حقًا على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا: معية الاطلاع والنصر والتأييد.
ثم قال: فلفظ المعية قد اسْتُعْمِلَ في الكتاب والسنة في مواضع، يقتضي في كل موضع أمورًا لا يقتضيها في الموضع الآخر. فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع، أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها، وإن امتاز كل موضع بخاصية، فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب – – مختلطة بالخلق حتى يقال قد صرفت عن ظاهرها. اهـ.
ويدل على أنه ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب – – مختلطة بالخلق أن الله – تعالى – ذكرها في آية المجادلة بين ذكر عموم علمه في أول الآية وآخرها فقال: " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " [المجادلة: ٧].
فيكون ظاهر الآية أن مقتضى هذه المعية علمه بعباده، وأنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، لا أنه – سبحانه – مختلط بهم، ولا أنه معهم في الأرض.
أما في آية الحديد: فقد ذكرها الله – تعالى – مسبوقة بذكر استوائه على عرشه، وعموم علمه، متلوة ببيان أنه بصير بما يعمل العباد فقال: " هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " [الحديد: ٤].
فيكون ظاهر الآية: أن مقتضى هذه المعية علمه بعباده، وبصره
стр. 132
بأعمالهم مع علوه عليهم واستوائه على عرشه؛ لا أنه – سبحانه – مختلط بهم، ولا أنه معهم في الأرض، وإلا لكان آخر الآية مناقضًا لأولها الدالِّ على علوه واستوائه على عرشه.
فإذا تبين ذلك؛ علمنا أن مقتضى كونه – تعالى – مع عباده أنه يعلم أحوالهم، ويسمع أقوالهم، ويرى أفعالهم، وَيُدَبِّرُ شئونهم، فيحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء إلى غير ذلك مما تقتضيه ربوبيته وكمال سلطانه لا يحجبه عن خلقه شيء، ومن كان هذا شأنه فهو مع خلقه حقيقة، ولو كان فوقهم على عرشه حقيقة (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية (ص ١٤٢ / جـ ٣ من مجموع الفتاوى لابن قاسم) في فصل الكلام على المعية قال: (وكل هذا الكلام الذي ذكره الله – سبحانه – من أنه فوق العرش، وأنه معنا حق على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف ولكن يصان عن الظنون الكاذبة). اهـ.
وقال في الفتوى الحموية (ص ١٠٢، ١٠٣ / جـ ٥ من المجموع المذكور): (وَجِمَاعُ الأمرِ في ذلك أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله وسنة نبيه، وقصد اتباع الحق، وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في أسماء الله وآياته.
ولا يحسب الحاسب أن شيئًا من ذلك يناقض بعضه بعضًا ألبتة مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش
стр. 133
يخالفه الظاهر من قوله: " وَهُوَ مَعَكُمْ " [الحديد: ٤]، وقوله – ﷺ –: " إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن الله قِبَلَ وجهه " (١)، ونحو ذلك فإن هذا غلط.
وذلك أن الله معنا حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة، كما جمع الله بينهما في قوله – –: " هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " [الحديد: ٤].
فأخبر أنه فوق العرش، يعلم كل شيء، وهو معنا أينما كنا؛ كما قال النبي – ﷺ – في حديث الأوعال: " والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه ". اهـ.
واعلم أن تفسير المعية بظاهرها على الحقيقة اللائقة بالله – تعالى – لا يناقض ما ثبت من علو الله – تعالى – بذاته على عرشه، وذلك من وجوه ثلاثة:
الأول: أن الله – تعالى – جَمَعَ بينهما لنفسه في كتابه المبين المُنَزَّهِ عن التناقض، وما جَمَعَ الله بينهما في كتابه فلا تناقض بينهما.
وكل شيء في القرآن تظن فيه التناقض فيما يبدو لك فَتَدَبَّرْهُ حتى يتبين لك، لقوله تعالى: " أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً" [النساء: ٨٢]، فإن لم يتبين لك فعليك بطريق الراسخين في العلم الذين يقولون: " آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ
стр. 134
عِنْدِ رَبِّنَا " [آل عمران: ٧]، وَكِلِ الأمرَ إلى مُنْزِلِهِ الذي يعلمه، واعلم أن القصور في علمك أو في فهمك، وأن القرآن لا تناقض فيه (١).
وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام في قوله فيما سبق: (كما جمع الله بينهما).
وكذلك ابن القيم كما في مختصر الصواعق لابن الموصلي (ص ٤١٠ ط الإمام) في سياق كلامه على المثال التاسع مما قيل: إنه مجاز، قال: (وقد أخبر الله أنه مع خلقه مع كونه مستويًا على عرشه، وَقَرَنَ بين الأمرين كما قال تعالى - وذكر آية سورة الحديد - ثم قال: فأخبر أنه خلق السموات والأرض، وأنه استوى على عرشه، وأنه مع خلقه يبصر أعمالهم من فوق عرشه؛ كما في حديث الأوعال: " والله فوق العرش يرى ما أنتم عليه " فَعُلُوُّهُ لا يُنَاقِضُ معيتَهُ، ومعيتُهُ لا تبطل علوه؛ بل كلاهما حق). اهـ.
الوجه الثاني: أن حقيقة معنى المعية لا يناقض العلو، فالاجتماع بينهما ممكن في حق المخلوق فإنه يقال: (مازلنا نسير والقمر معنا)، ولا يعد ذلك تناقضًا، ولا يفهم منه أحد أن القمر نَزَلَ في الأرض، فإذا كان هذا ممكنًا في حق المخلوق، ففي حق
стр. 135
الخالق المحيط بكل شيء مع علوه – سبحانه – من باب أولى، وذلك لأن حقيقة المعية لا تستلزم الاجتماع في المكان.
وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية (ص ١٠٣ المجلد الخامس من مجموع الفتاوى لابن قاسم) حيث قال: (وذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دَلَّت على المقارنة في ذلك المعنى، فإنه يقال: (مازلنا نسير والقمر معنا، أو والنجم معنا)، ويقال: (هذا المتاع معي) لمجامعته لك، وإن كان فوق رأسك، فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة). اهـ.
وصدق – رحمه الله تعالى – فإنَّ من كان عالمًا بك مطلعًا عليك، مهيمنًا عليك، يَسمع ما تقول، ويرى ما تفعل، ويدبر جميع أمورك، فهو معك حقيقة، وإن كان فوق عرشه حقيقة؛ لأن المعية لا تستلزم الاجتماع في المكان.
الوجه الثالث: أنه لو فرض امتناع اجتماع المعية والعلو في حق المخلوق لم يلزم أن يكون ذلك ممتنعًا في حق الخالق الذي جمع لنفسه بينهما؛ لأن الله – تعالى – لا يماثله شي من مخلوقاته، كما قال تعالى: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ " [الشورى: ١١].
وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية (ص ١٤٣ / جـ ٣ من مجموع الفتاوى) حيث قال: (وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه – سبحانه – ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو عَليٌّ في دنوه، قريبٌ في عُلوه). اهـ.
стр. 136
التعليق
هذا الفصل يقصد به الشيخ – ﵀ – دفع شبهةٍ يوردها بعض أهل الأهواء على أهل السنة في نصوص الصفات؛ فإنَّ مذهب أهل السنة هو إمرار نصوص الصفات بلا كيف، وذلك بإجرائها على ظاهرها، والإيمان بما دلت عليه من صفاته – –.
قال المعارضون: إنَّ أهل السنة قد خالفوا ذلك في بعض الآيات والأحاديث فصرفوها عن ظاهرها وهذا تأويل؛ فلماذا ينكر علينا التأويل؟!
وقد أجاب أهل السنة عمَّا أوردوه من ذلك، وقد ذكر الشيخ في هذا الفصل الجواب مجملًا ومفصلًا؛ فأما المجمل فمن وجهين:
أحدهما: الجواب بالمنع؛ فيقال: لا نُسَلِّم أنَّ هذا تأويل؛ بل الكلام على ظاهره حسب دلالة اللغة ودلالة السياق.
الثاني: لو سلمنا جدلًا أنَّ ما قاله أهل السنة تأويل، فإنهم إنما صاروا إليه لدليل يوجب ذلك.
وأما الجواب المفصَّل: فببيان دلالة كل مثال على حدته، وقد أوضح الشيخ ذلك في ستة أمثلة، فلا نطيل بذكر الجواب عنها؛ فكلام الشيخ واضح.
فمن ذلك ما جاء عن ابن عباس – ﵄ –: " الحجر الأسود يمين الله في الأرض ... " زعم المعترض: أنَّ ظاهره أن الحجر صفةٌ لله، وأنَّ من استلمه فقد صافح الله؛ فَأَوَّلَهُ أهل السنة وصرفوه عن ظاهره.
والجواب:
أولًا: أن الحديث جاء مرفوعًا وموقوفًا، ولم يثبت المرفوع؛ وكأن ابن تيمية يصحح الموقوف , وعلى كل حال الأمر سهل , فإن صح موقوفًا
стр. 137
عن ابن عباس، فيمكن أن يقال: إن له حكم الرفع لهذا الكلام " الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله، فكأنما صافح الله وقبل يمينه "، وشيخ الإسلام ذكر هذا في التدمرية وقال عنه: (وفي الأثر الآخر) وذكره ووجهه، ثم قال: (مع أنَّ هذا الحديث إنما يُعرف عن ابن عباس) (١).
ثانيًا: أجاب عن زعم المعترض بجوابين مضمونهما:
أولًا: أنه على فرض صحته؛ قال: " يمين الله في الأرض " فلم يقل الحجر الأسود يمين الله؛ بل قال: " في الأرض ".
ثانيًا: أنه قال: " من استلمه وقبله فكأنما " والمشبه غير المشبه به , لم يقل من استلمه وقبله فقد صافح الله وقبله , إنما قال: " فكأنما " والمشبه غير المشبه به؛ فعلم أن مستلم الحجر ليس مصافحًا لله، ولا مُقَبِّلًا ليمينه.
ومن ذلك: قوله تعالى: " ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات " الآية [البقرة: ٢٩]، فقيل: استوى: ارتفع، وقيل: قصد؛ والثاني هو الذي ذكره ابن كثير وهو أولى، وليس ذلك من التأويل؛ بل اقتضاه تعدية الفعل بِـ (إلى) فتكون الآية دالة على المعنيين حيث ضمن لفظ (استوى) معنى: قصد؛ وبذا يظهر الفرق بين: " استوى إلى السماء " [البقرة: ٢٩] و " استوى على العرش " [يونس: ٣].
وعلى كل حال هذا الكلام الذي ذكره الشيخ فيه الكفاية، والمنازعون والمخالفون وأهل الأهواء والمتعصبون يتتبعون المتشابه من كلام الله وكلام رسوله وكلام العلماء , كثير من الكلام تجد لهم فيه شبهة ويمكن أن يكون مؤيدًا , وهم ينسبون للإمام أحمد وغيره أنه تأول بعض النصوص وهو إذا تأول بعض النصوص جاز لنا أن نتأول ما سواها , والشيخ أجاب بما أجاب به ابن تيمية – ﵀ – , فهذا الجواب مستمد من كلام شيخ الإسلام – ﵀ –.
стр. 138
فما ادعوه على الإمام أحمد: فمنه ما لم يصح، ومنه ما لا يصح أن يسمى تأويلًا , لأن التأويل الصحيح هو: صرف الكلام عن ظاهره إلى غيره بدليل , فإذا كان التأويل مبنيًا على حجة لم يكن مذمومًا ولا ممنوعًا , كحمل العام على الخاص والمطلق على المقيد.
وقد يكون الدليل - كما قال الشيخ - متصلًا في نفس الكلام؛ مثل ما أوضح في الأثر: " الحجر الأسود يمين الله " (١) , وذكر ابن تيمية حديثًا آخر في التدمرية (٢) وهو قوله في الحديث الصحيح: " إن الله يقول يوم القيامة: عبدي مرضت فلم تعدني , عبدي جعت فلم تطعمني " (٣) يقول بعض الغالطين: إن هذا الحديث يجب تأويله! لأن الله يمتنع أن يحتاج إلى الإطعام ويمتنع أن يمرض؛ فالحديث لابد من تأويله، فظاهر الحديث معنى باطل , فأجاب شيخ الإسلام عن هذا بأنه غير صحيح , لأن الحديث ليس هكذا مبتورًا؛ بل الحديث مفسر واضح ما فيه أيُّ إشكال , فإن الحديث فيه: " يا ابن آدم مرضت فلم تعدني. قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أنَّ عبدي فلانًا مرض فلم تعده؛ أمَا علمتَ أنك لو عدته لوجدتني عنده " فجعل مرض العبد مرضًا لله , تعظيمًا لشأن ذلك العبد وتأكيدًا لحقه وعيادته , وهكذا الثاني " عبدي جعت فلم تطعمني. فيقول: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! فيقول: بل جاع عبدي فلان فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي " الحديث، يقول الشيخ: فلم يبق في الحديث ما يحتاج إلى تأويل , بل الحديث مفسر واضح، ومن زعم أن ظاهر الحديث: أن الله يجوع ويمرض فهو مبطل , كمن قال: إن ظاهر قوله تعالى: " فويل للمصلين " [الماعون]
стр. 139
تهديد ووعيد للمصلين , والآية ليست هكذا , الآية موصولة: " الذين هم عن صلاتهم ساهون " [الماعون] فَصِلِ الآيةَ ترتفعُ الشبهةُ ويزولُ الإشكال.
ومما ادعى فيه المعترض على أهل السنة: أنهم أولوا نصوص المعية، وهذا مبنيٌ على أنَّ حقيقة المعية تقتضي الاتصال والمخالطة وهذا ممنوع؛ بل يختلف مدلولها باختلاف ما تضاف إليه (مع)؛ فلهذا كان الأئمة يكتفون بقولهم: إنَّ الله معهم بعلمه , أخذًا من الآية (١) , فإن الآية بدأت بالعلم وختمت بالعلم , وهذا لا ينافي أن نقول: إنه معهم بعلمه وبسمعه، لأنه يسمع أصواتهم " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم " [المجادلة: ٧] فهو معهم بعلمه، يسمعهم ويعلم حالهم وما يسرون ما يعلنون , ويرى مكانهم ويسمع كلامهم , هو معهم وهو فوق سماواته محيط بهم علمًا وسمعًا وبصرًا – كما قال الشيخ – , لكن الأئمة تجد المأثور عنهم الاقتصار على العلم , ولا يريدون أن هذا المعنى مقصور على العلم , فالله مع عباده يراهم وهو فوق سماواته , ولهذا جاء في الحديث: " لا يخفى عليه شيء من أعمالكم " (٢) يراهم، يسمعهم، يعلمهم، ومشيئته نافذة فيهم، وقدرته شاملة لهم.
والحمد لله أنَّ الحق واضحٌ سهلٌ ميسرٌ , ولكن الذي صَعَّبَهُ هو بدع
стр. 140
المبتدعين، وفهم الجاهلين، وتحريف المبطلين , وإلا – ولله الحمد – من تكون عنده الفطرة السليمة لا يشكل عليه , فمن حيث العقل ومن حيث اللغة لا تنافي بين العلو والمعية , ولكن إنما أُتِيَ المعطلة من تأصيلهم الباطل , لما أَصَّلُوا نفي العلو استدلوا بنصوص المعية لتصحيح مذهبهم , لأن المذهب الذي توصلوا إليه بشبهاتهم هو نفي العلو، وأنه تعالى في كل مكان , فراحوا يصححون ما قالوه محتجين بنصوص المعية , فنصوص المعية ليست هي الدليل عندهم , لكن أهل الزيغ وأهل الأهواء يتبعون المتشابه , ويأخذون من الأدلة ما يوافق أهواءهم وأصولهم ومذاهبهم , وإلا فلماذا تتأولون نصوص العلو وتتعلقون بنصوص المعية زاعمين أنها تدل على الحلول وأنه تعالى في كل مكان؟ لماذا لم يكن التأويل لنصوص المعية؟ لماذا لم تقولوا إن نصوص العلو على ظاهرها وأنه تعالى في العلو ونصوص المعية لا تدل على الحلول؟
وهذا الإشكال والاشتباه ما جاء للمسلمين إلا لما أحدث المبتدعون مذهب التعطيل , نفي صفات الرب ونفي علو الرب – تعالى –، وقالوا بالحلول , فهنالك جاء الاضطراب والتحريف لكلام الله وكلام رسوله – ﵊ – , وإلا فكلٌ من العلو والمعية – كما قال أهل العلم – حق على حقيقته , فالله فوق عرشه عال على خلقه , حق , وهو مع عباده , حق , كل منهما حق على حقيقته , لا تناقض , وكما ذكر الشيخ – ﵀ – في هذه الوجوه أنه لا تناقض بين العلو والمعية في حق المخلوقين , فالمخلوق يكون عاليًا على غيره , ويقال إنه مع غيره , كما ضُرِبَ المثل بالقمر , فالقمر في مداره وفي مساره ومع ذلك يقول القائل: سرنا والقمر معنا , بل مثَّل العلماء بقول الرجل لولده وهو يَطَّلِعُ عليه من علو ويقول: لا تخف أنا معك , وهو بعيد عنه , ويقول الأمير للجيش: سيروا وأنا معكم , أسير معكم , بإحاطته بمتابعة وتدبير أمورهم , فالحق – ولله الحمد – مشرق وسهل وواضح ما فيه هذا التعقيد.
стр. 141
والمعية في اللغة العربية لا تستلزم مماسة فضلًا أن تستلزم اختلاطًا , فهي في كل مقام بحسبه , إذا قيل: الرجل معه امرأته , أحيانًا سافر بها معه في صحبته , وأحيانًا معه يعني أنه لم يطلقها , معية الاقتران الحكمي , أنها زوجته , يقال: فلان زوجته معه أو طلقها؟ فيقال: زوجته معه , وإن كان هو في المشرق وهي في المغرب , هي معه , وتقول: سافرت مع فلان، فقد تكون أنت في سيارة وهو في سيارة لكن يجمعكما السفر والاتفاق على أنكما مسافران معًا , ولا يلزم من ذلك أن تكونوا في سيارة واحدة وما إلى ذلك , فتقول: سافرنا مع فلان، وإن كان كل واحد في سيارة , لكن معية الاقتران في هذا الوجه وفي هذا السفر , ففيه اتفاق على الصحبة في السفر , فهذه معية خاصة بين المتصاحبين , لكن إذا ذهب كل واحد في طريقه ليس بينهما علاقة لا تقول: (أنا سافرت مع فلان).
والحمد لله رب العالمين ما ذكره الشيخ ونقله فيه الوفاء والغناء، وفيه ما يبرهن على الحق وبطلان ما يزعمه الجهمية ومن سلك سبيلهم , فإن القول بالحلول هذا قول الجهمية خصوصًا قدماءهم - لأنه هو المشهور في أيام الإمام أحمد- والمعتزلة , وبه يقول الأشاعرة , لأن الأشاعرة هم ممن يقول بنفي العلو , والذين ينفون العلو فريق منهم يقول إنه تعالى حالٌّ في كل مكان , سبحانك هذا بهتان عظيم , ومنهم من يقول: إنه لا داخلَ العالم ولا خارجه , وهذا أبعد في الفطر والعقول , ما الشيء الذي لا داخل العالم ولا خارجه إلا المعدوم , فإذا زعموا أن الله موجود وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، فقد جمعوا بين النقيضين , فكأنهم قالوا: إنه تعالى موجود معدوم، والحمد لله الذي عافانا من هذه الفهوم الفاسدة والعقول المظلمة.
стр. 142
تتمة
انقسم الناس في معية الله - تعالى - لخلقه ثلاثة أقسام:
القسم الأول: يقولون: إن معية الله - تعالى - لخلقه مقتضاها العلم والإحاطة في المعية العامة، ومع النصر والتأييد في المعية الخاصة، مع ثبوت علوه بذاته واستوائه على عرشه؛ وهؤلاء هم السلف، ومذهبهم هو الحق - كما سبق تقريره -.
القسم الثاني: يقولون: إن معية الله لخلقه مقتضاها أن يكون معهم في الأرض مع نفي علوه واستوائه على عرشه؛ وهؤلاء هم الحلولية من قدماء الجهمية وغيرهم، ومذهبهم باطل مُنْكَر، أجمع السلف على بطلانه وإنكاره - كما سبق -.
القسم الثالث: يقولون: إن معية الله لخلقه مقتضاها أن يكون معهم في الأرض مع ثبوت عُلُوَّهِ فوق عرشه؛ ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٢٢٩ / جـ ٥ من مجموع الفتاوى).
وقد زعم هؤلاء: أنهم أخذوا بظاهر النصوص في المعية والعلو، وكذبوا في ذلك فضلوا، فإن نصوص المعية لا تقتضي ما ادعوه من الحلول؛ لأنه باطل، ولا يمكن أن يكون ظاهر كلام الله ورسوله باطلًا.
стр. 143
التعليق
هذا حاصل ما استنتجه الشيخ مما تقدم من المذاهب في العلو والمعية، فذكر أنَّ المذاهب ثلاثة:
١ - مذهب أهل السنة والجماعة أنه تعالى معهم، وهو عالٍ على خلقه مستو على عرشه - كما تقدم - , وأن معيته لا تنافي علوه، فهو معهم بعلمه وسمعه وبصره.
٢ - قول الجهمية وهو: أنه معهم بذاته حال في المخلوقات، وقال به بعض من ينفي العلو من الأشاعرة.
٣ - أنَّ معيةَ الله لخلقه مقتضاها أن يكون معهم في الأرض مع ثبوت علوه فوق عرشه، وهذا قولٌ لم يُسَمِّ قائله.
٤ - وهناك قول رابع وهو قول مشهور قال به متأخروا الجهمية وبعض متأخري الأشاعرة، وهو: نفي العلو ونفي الحلول؛ فيقولون - تعالى الله عن قولهم -: إنه - تعالى - لا داخل العالم ولا خارجه، مع قولهم: إنه موجود؛ وهذا يتضمن وصفُهُ بسلب النقيضين؛ بل وبجمع النقيضين.
стр. 144
تنبيه
اعلم أن تفسير السلف لمعية الله - تعالى - لخلقه بأنه معهم بعلمه لا يقتضي الاقتصار على العلم؛ بل المعية تقتضي - أيضًا - إحاطته بهم سمعًا وبصرًا وقدرة وتدبيرًا ونحو ذلك من معاني ربوبيته.
تنبيه آخر: أشرت - فيما سبق - إلى أن علو الله - تعالى - ثابت بالكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة، والإجماع.
أما الكتاب؛ فقد تنوعت دلالته على ذلك:
فتارة بلفظ العلو، والفوقية، والاستواء على العرش، وكونه في السماء؛ كقوله تعالى: " وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ " [البقرة: ٢٥٥] " وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ " [الأنعام: ١٨] " الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى " [طه: ٥] " أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْض " [الملك: ١٦].
وتارة بلفظ صعود الأشياء وعروجها ورفعها إليه؛ كقوله: " إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب " [فاطر: ١٠] " تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ " [المعارج: ٤] " إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ " [آل عمران: ٥٥].
وتارة بلفظ نزول الأشياء منه ونحو ذلك؛ كقوله تعالى: " قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّك " [النحل: ١٠٢] " يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْض " [السجدة: ٥].
وأما السنة؛ فقد دلت عليه بأنواعها القولية، والفعلية،
стр. 145
والإقرارية، في أحاديث كثيرة تبلغ حد التواتر، وعلى وجوه متنوعة؛ كقوله ﷺ في سجوده: " سبحان ربي الأعلى " (١)، وقوله: " إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي " (٢)، وقوله: " ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء " (٣)، وثبت عنه أنه رفع يديه وهو على المنبر يوم الجمعة يقول: " اللهم أغثنا " (٤)، وأنه رفع يده على السماء وهو يخطب الناس يوم عرفة حين قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال: " اللهم اشهد " (٥)، وأنه قال للجارية: " أين الله؟ " قالت: في السماء. فأقرها وقال لسيدها: " أعتقها فإنها مؤمنة " (٦).
وأما العقل: فقد دل على وجوب صفة الكمال لله - تعالى - وتنزيهه عن النقص. والعلو صفة كمال والسفل نقص، فوجب لله - تعالى - صفة العلو وتنزيهه عن ضده.
وأما الفطرة: فقد دلت على علو الله - تعالى - دلالة ضرورية فطرية فما من داع أو خائف فزع إلى ربه - تعالى - إلا وجد في قلبه ضرورة الاتجاه نحو العلو لا يلتفت عن ذلك يمنة ولا يسرة.
واسأل المصلين، يقول الواحد منهم في سجوده: " سبحان ربي الأعلى " أين تتجه قلوبهم حينذاك؟