يشير إليه قوله تعالى: " وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً " [الإنسان: ٣٠].
التعليق
أهل العلم يقسمون الصفات إلى: ذاتية وفعلية، وذاتية فعلية , وهذا التقسيم كغيره مما نبه إليه أهل العلم لدعاء الحاجة إلى ذلك , وإلا فالسلف والصحابة يدركون هذه المعاني دون أن يتكلموا بهذه المصطلحات , لكن لما جاءت البدع ووقع الناس في التخبط نبه العلماء إلى المسائل , وقسَّموا وفصَّلوا مثل تقسيم التوحيد، ومثل تقسيم أفعال العبادات إلى أركان وواجبات وسنن.
فهنا قالوا: إن الصفات منها صفات ذاتية نسبة إلى ذات الله، وهي الصفات الملازمة لذاته التي لا تنفك عنها ذات الرب.
فيمكن أنْ تَضْبِطَ الفرق بين الذاتية والفعلية:
إما أن تقول: الصفات الذاتية هي التي لا تنفك عنها ذات الرب.
أو تقول: إنَّ الصفات الذاتية هي التي لا تتعلق بها المشيئة، والفعلية هي التي تتعلق بها المشيئة , أو تكون بمشيئته (١).
والفرق ظاهر: فالحياة صفة ذاتية لا تتعلق بها المشيئة , ولا تنفك عنها ذات الرب , فلا تقول: إنه حي إذا شاء , هذا لا يجوز , أو عليم أو يعلم إذا شاء , أو ذو عزة إذا شاء , فهذا لا يستقيم؛ بل هذه صفات لازمة لذاته لا تتعلق بها المشيئة.
أما الصفات الفعلية - وتسمى الصفات الاختيارية، أو الأفعال
стр. 72
الاختيارية -: فهذه تابعة لمشيئته , مثل: النزول , فتقول: ينزل إذا شاء. ومثل: الاستواء على العرش، والمجيء يوم القيامة، وكذلك الغضب والرضى فهذه الصفات فعلية.
يقول الشيخ: ومن الصفات ما يصدق عليها أنها ذاتية فعلية باعتبارين , مثل: الكلام، والخلق، والرَّزق؛ فهذه باعتبار أن الله لم يزل موصوفًا بها، فتقول: الله لم يزل فعالًا لما يريد , ولم يزل خالقًا , ولم يزل غفورًا , ولم يزل رحيمًا , فهذه صفات ذاتية؛ وباعتبار أفراد أو آحاد هذه الأفعال هي تابعة للمشيئة , فهو يرحم من شاء إذا شاء , ويرزق من شاء إذا شاء , ويتكلم إذا شاء , فالكلام قديم النوع حادث الآحاد , فالكلام صفة ذاتية , والخلق صفة ذاتية فعلية , والمغفرة وكونه - تعالى - غفور صفة ذاتية فعلية وما أشبه ذلك.
يقول الشيخ: ومن الصفات الذاتية: الصفات الخبرية , والحقيقة أن الصفات الخبرية منها ذاتية ومنها فعلية أيضًا , فالصفات الخبرية تقابل بالصفات العقلية , فالصفات الخبرية هي: التي طريق العلم بها الخبر والنقل , والعقلية هي: التي طريق العلم بها السمع والعقل؛ فالعلم والسمع والبصر والحياة صفات خبرية سمعية عقلية , والوجه واليدين والقدمين والعينين صفات خبرية.
والصفات الخبرية منها صفات ذاتية كالوجه واليدين , ومنها صفات فعلية كالضحك والفرح والمجيء فهذه صفات خبرية فعلية.
فالصفات الذاتية يقابلها الفعلية، والصفات الخبرية يقابلها العقلية , وكلٌ من الخبرية أو العقلية ينقسم إلى ذاتية وفعلية , والله أعلم.
لكن قد يشكل كون الصفات منها صفات عقلية مع أن الصفات
стр. 73
توقيفية؛ والجواب (١): أنَّ الصفات العقلية توقيفية , لكن العقل يدركها , فيتظافر ويجتمع فيها دلالتان , مثل: الحياة صفة كمال؛ وطريق العلم بها: السمع والعقل، والعلم كذلك.
أفيقول قائل: لو لم يأتِ في النصوص ذكر العلم نقول: لا ندري أيوصف بالعلم أو لا يوصف؟! , ولو لم تأتِ النصوص بذكر الحياة نقول: لا ندري أيوصف الله بالحياة أو لا؟! لأنَّ العقل لا يدل على إثبات شيء من ذلك!؛ بل نقول: هذه الصفات تظافرت عليها الدلالات السمعية والعقلية لأن انتفاءها نقص , ومعلوم بضرورة العقل تنزيه الله عن النقص.
стр. 74
القاعدة السادسة:
يلزم في إثبات الصفات التخلي عن محذورين عظيمين:
أحدهما: التمثيل.
والثاني: التكييف (١).
فأما التمثيل فهو: اعتقاد المثبت أن ما أثبته من صفات الله - تعالى - مماثل لصفات المخلوقين، وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل.
أما السمع: فمنه قوله تعالى: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " [الشورى: ١١]، وقوله: " أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ " [النحل: ١٧]، وقوله: " هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً " [مريم: ٦٥]، وقوله: " وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ " [الإخلاص].
وأما العقل فمن وجوه:
الأول: أنه قد علم بالضرورة أن بين الخالق والمخلوق تباينًا في الذات؛ وهذا يستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات؛ لأن صفة كل موصوف تليق به، كما هو ظاهر في صفات المخلوقات المتباينة في الذوات، فقوة البعير - مثلًا - غير قوة الذَّرَّة، فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكها في الإمكان
стр. 75
والحدوث، فظهور التباين بينها وبين الخالق أجلى وأقوى.
الثاني: أَنْ يُقَال: كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابهًا في صفاته للمخلوق المربوب الناقص المفتقر إلى مَنْ يكمله؟! وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق؟! فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا.
الثالث: أننا نشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية؛ فنشاهد أن للإنسان يدًا ليست كيد الفيل، وله قوة ليست كقوة الجمل، مع الاتفاق في الاسم، فهذه يد وهذه يد، وهذه قوة وهذه قوة، وبينهما تباين في الكيفية والوصف، فعلم بذلك أن الاتفاق في الاسم لا يلزم منه الاتفاقُ في الحقيقة.
والتشبيه كالتمثيل؛ وقد يفرق بينهما بأن التمثيل التسوية في كل الصفات، والتشبيه التسوية في أكثر الصفات، لكن التعبير بنفي التمثيل أولى لموافقة القرآن: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " [الشورى: ١١].
وأما التكييف: فهو أن يعتقد المثبت أن كيفية صفات الله - تعالى - كذا وكذا، من غير أن يقيدها بمماثل؛ وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل.
أما السمع: فمنه قوله تعالى: " وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً " [طه: ١١٠]، وقوله: " وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً " [الإسراء: ٣٦]، ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفات ربنا؛ لأنه تعالى أخبرنا عنها ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون
стр. 76
تكييفنا قفوًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به.
وأما العقل:
١ - فلأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته، أو العلم بنظيره المساوي له، أو بالخبر الصادق عنه، وكل هذه الطرق منتفية في كيفية صفات الله فوجب بطلان تكييفها.
٢ - وأيضًا فإننا نقول: أَيُّ كيفيةٍ تقدرها لصفات الله - تعالى -؟ إِنَّ أَيَّ كيفيةٍ تقدرها في ذهنك، فالله أعظم وأجل من ذلك. وأي كيفية تقدرها لصفات الله - تعالى - فإنك ستكون كاذبًا فيها؛ لأنه لا علم لك بذلك.
وحينئذ يجب الكف عن التكييف تقديرًا بالجنان، أو تقريرًا باللسان، أو تحريرًا بالبنان.
ولهذا لما سئل مالك - رحمه الله تعالى - عن قوله تعالى: " الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى " [طه: ٥] كيف استوى؟ أطرق ﵀ برأسه حتى علاه الرُحَضاء (العرق) ثم قال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) (١)، وروي عن شيخه ربيعة أيضًا: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول) (٢).
стр. 77
وقد مشى أهل العلم بعدهما على هذا الميزان. وإذا كان الكيف غير معقول ولم يرد به الشرع فقد انتفى عنه الدليلان العقلي والشرعي فوجب الكف عنه.
فالحذر الحذر من التكييف أو محاولته، فإنك إن فعلت وقعت في مفاوز لا تستطيع الخلاص منها، وإن ألقاه الشيطان في قلبك فاعلم أنه من نزغاته، فالجأ إلى ربك فإنه معاذك، وافعل ما أمرك به فإنه طبيبك، قال الله تعالى: " وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " [فصلت: ٣٦].
التعليق
معلوم أن مذهب أهل السنة وسط بين أهل التشبيه وأهل التعطيل، لأنهم يقولون: الواجب وصفه - تعالى - بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله إثباتًا بلا تشبيه وتنزيها بلا تعطيل.
فالمثبت للصفات يجب عليه الحذر من مذهب أهل التشبيه وأهل التكييف؛ حتى يكون مذهبه بريئًا من التشبيه والتكييف.
والتشبيه هو اعتقاد الشيءِ شبيهًا للشيء الآخر , فيقول: هذا مثل هذا , ولأن المشبهة يقولون: له سمع كسمعي، وبصر كبصري، ويد كيدي , وهؤلاء ومن سلك هذا المسلك لم يكن مثبتًا على الحقيقة فإنه لم يثبت لله صفاته التي تليق به , فوقع في الأمرين في التعطيل والتشبيه , فعطل الرب عن صفات كماله التي تليق به , ووصفه بما يجب تنزيهه عنه , ولهذا يقول أهل العلم: إن كل مشبهٍ معطل، وكل معطل مشبه (١)؛
стр. 78
يعني فيه تلازم بين التشبيه والتعطيل , لكن المشبه أصل مذهبه الإثبات مع التشبيه ولكن لازم قوله التعطيل.
والتكييف هو: بيان كيفية الصفة , وفي الحقيقة أن التكييف يستلزم التشبيه، لأن الإنسان لم يكيف شيئًا إلا في حدود معلوم يتخيله على نحو ما يَعرف , المشبه يقول: سمعه كسمعي، وبصره كبصري , لكن المكيف يقول: إنه يسمع هكذا، وينزل هكذا؛ فيصف الهيئة والكيفية , فالتكييف يستلزم التشبيه , ولهذا النصوص الدالة على نفي التشبيه تتضمن نفي التكييف كقوله: " ولم يكن له كفوا أحد" [الإخلاص]، وقوله: " ليس كمثله شيء " [الشورى: ١١].
والتشبيه نوعان: تشبيه الخالق بالمخلوق، وتشبيه المخلوق بالخالق؛ والتشبيه المراد هنا هو: تشبيه الخالق بالمخلوق.
وكل من التشبيهين باطل؛ فلا يجوز تشبيه الخالق بالمخلوق، وذلك بوصف الخالق بصفات وخصائص المخلوق؛ ولا تشبيه المخلوق بصفات الخالق (١).
لكن الكلام الذي ذكره الشيخ منصبٌ على تشبيه الخالق بالمخلوق؛ كقول المشبهة: له سمع كسمعي، وبصر كبصري إلى آخره؛ فمن وصف الله بخصائص المخلوق فقد شبه الخالق بالمخلوق.
ولكن أكثر ما وقعت فيه البشرية هو: تشبيه المخلوق بالخالق؛ فالمشركون كلهم مشبهون لآلهتهم بالخالق حيث أثبتوا لمعبوداتهم
стр. 79
خصائص الإلهية فجعلوها آلهة مع الله , فالمشرك مشبه لمعبوده برب العالمين , ولهذا وردت النصوص في نفي التشبيه على نفي تشبيه المخلوق بالخالق كقوله " ليس كمثله شيء " [الشورى: ١١] أي ليس شيء من الموجودات مِثلًا له , وقوله: " ولم يكن له كفوًا أحد " [الإخلاص] أي: لم يكن أحد كفؤًا له , وقوله: " هل تعلم له سميًا " أي: ليس شيء سميًا له " فلا تضربوا لله الأمثال " [النحل: ٧٤] أي لا تجعلوا له مثلا من خلقه , ولا شك أن إبطال هذا النوع يستلزم إبطال الثاني؛ فمن شبه الله بخلقه فقد لزم منه أن يكون المخلوق كالخالق.
والتشبيه والتكييف - كما قال الشيخ - باطل شرعًا وعقلًا؛ أما الشرع: فللآيات والنصوص - التي أوردها الشيخ -، وأما دلالة العقل: فعلى الوجوه التي ذكرها، وهي واضحةٌ بينةٌ، والله أعلم.
стр. 80
القاعدة السابعة:
صفات الله توقيفية لا مجال للعقل فيها (١).
فلا نثبت لله - تعالى - من الصفات إلا ما دل الكتاب والسنة على ثبوته، قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: (لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث). انظر القاعدة الخامسة في الأسماء.
ولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة ثلاثة أوجه:
الأول: التصريح بالصفة كالعزة، والقوة، والرحمة، والبطش، والوجه، واليدين، ونحوها.
الثاني: تضمن الاسم لها مثل: الغفور متضمن للمغفرة، والسميع متضمن للسمع، ونحو ذلك. انظر القاعدة الثالثة في الأسماء.
الثالث: التصريح بفعل أو وصف دال عليها كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة، والانتقام من المجرمين، الدال عليها - على الترتيب - قوله
стр. 81
تعالى: " الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى " [طه: ٥]، وقول النبي ﷺ : " ينزل ربنا إلى السماء الدنيا " (١)، وقول الله - تعالى -: " وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً " [الفجر]، وقوله: " إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ " [السجدة: ٢٢].
التعليق
يفهم مقصود هذه القاعدة من القاعدتين السابقتين اللتين أحال الشيخ ﵀ عليهما، وهما القاعدة الثالثة والخامسة، ولا ريب أنَّ المعول في إثبات الأسماء والصفات على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كما قال الإمام أحمد: (لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث) (٢)، وقوله ﵀: (لا يتجاوز القرآن والحديث) أي: لا يزاد على ما ورد فيهما؛ أي: لا يوصف بما لم يرد في كتاب ولا سنة؛ وهذا معنى: أنَّ صفاته - تعالى - توقيفية.
وهذا لا يمنع من دلالة العقل على بعض الصفات، فإنَّ من الصفات ما تتظافر عليها أنواع الأدلة؛ كالعلو لله - تعالى - فقد دلَّ عليه: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة.
ومن الصفات التي دلَّ عليها العقل مع دلالة النقل: العلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والمحبة، والرحمة، والحكمة.
ومن الصفات ما طريق العلم به هو الخبر: كالوجه، واليدين، والاستواء، والضحك، والفرح.
وقول الشيخ ﵀: (لا مجال للعقل فيها): يريد أنَّ العقل لا يستقل
стр. 82
بإثبات شيءٍ من الصفات بحيث يقال هذه الصفة ثبتت بالعقل، ولم يدلَّ عليها السمع؛ فهذا لا يكون.
وبناءً على ما تقدم؛ إذا قيل: إنَّ الصفات قسمان: عقلية وسمعية، أو خبرية؛ فالمراد بالعقلية: ما دلَّ عليه العقل مع دلالة السمع؛ والمراد بالخبرية: ما دلَّ عليه الخبر فقط؛ كما تقدم التمثيل للنوعين (١)، والله أعلم.
стр. 83
قواعد في أدلة الأسماء والصفات
стр. 84
القاعدة الأولى:
الأدلة التي تثبت بها أسماء الله تعالى وصفاته هي (١):
١ - كتاب الله - تعالى -،
٢ - وسنة رسوله ﷺ ؛
فلا تثبت أسماء الله وصفاته بغيرهما .
وعلى هذا فما ورد إثباته لله - تعالى - من ذلك في الكتاب أو السنة وجب إثباته،
وما ورد نفيه فيهما وجب نفيه، مع إثبات كمال ضده،
وما لم يرد إثباته ولا نفيه فيهما:
١ - وجب التوقف في لفظه؛ فلا يُثْبت ولا يُنفى لعدم ورود الإثبات والنفي فيه.
٢ - وأما معناه فيفصل فيه؛ فإن أريد به حق يليق بالله - تعالى - فهو مقبول، وإن أريد به معنىً لا يليق بالله وجب رده.
فمما ورد إثباته لله - تعالى -:
كل صفة دل عليها اسم من أسماء الله - تعالى - دلالة مطابقة، أو تضمن، أو التزام.
ومنه: كل صفة دل عليها فعل من أفعاله؛ كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين عباده يوم
стр. 85
القيامة، ونحو ذلك من أفعاله التي لا تحصى أنواعها فضلاً عن أفرادها " وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ " [إبراهيم: ٢٧].
ومنه: الوجه، والعينان، واليدان ونحوها.
ومنه: الكلام، والمشيئة، والإرادة بقسميها: الكوني والشرعي؛ فالكونية بمعنى المشيئة، والشرعية بمعنى المحبة.
ومنه: الرضا، والمحبة، والغضب، والكراهة ونحوها (١).
ومما ورد نفيه عن الله - سبحانه - لانتفائه وثبوت كمال ضده: الموت، والنوم، والسِّنَة، والعجز، والإعياء، والظلم، والغفلة عن أعمال العباد، وأن يكون له مثيل أو كفؤ ونحو ذلك.
ومما لم يرد إثباته ولا نفيه: لفظ (الجهة)؛ فلو سأل سائل: هل نثبت لله تعالى جهة؟
قلنا له:
١ - لفظ الجهة لم يرد في الكتاب والسنة إثباتًا ولا نفيًا، ويغني عنه ما ثبت فيهما مِنْ أَنَّ الله - تعالى - في السماء.
٢ - وأما معناه؛ فإما أن يراد به:
أ - جهة سفل.
ب - أو جهة علو تحيط بالله.
ج - أو جهة علو لا تحيط به.
стр. 86
فالأول باطل؛ لمنافاته لعلو الله - تعالى - الثابت بالكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة، والإجماع.
والثاني باطل - أيضًا -؛ لأن الله - تعالى - أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته.
والثالث حق؛ لأن الله - تعالى - العلي فوق خلقه، ولا يحيط به شيء من مخلوقاته.
ودليل هذه القاعدة: السمع، والعقل.
فأما السمع فمنه: قوله تعالى: " وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ " [الأنعام: ١٥٥]، وقوله: " فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " [الأعراف: ١٥٨]، وقوله: " وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا " [الحشر: ٧]، وقوله: " مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً " [النساء: ٨٠]، وقوله: " فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً " [النساء: ٥٩]، وقوله: " وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ " [المائدة: ٤٩]. إلى غير ذلك من النصوص الدالة على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن والسنة.
وكل نص يدل على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن فهو دال على وجوب الإيمان بما جاء في السنة؛ لأن مما جاء في القرآن الأمر باتباع النبي ﷺ والرد إليه عند التنازع، والرد إليه يكون إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته.
فأين الإيمان بالقرآن لمن استكبر عن اتباع الرسول ﷺ المأمور به في القرآن؟!
стр. 87
وأين الإيمان بالقرآن لمن لم يَرُدَّ النزاعَ إلى النبي ﷺ وقد أمر الله به في القرآن؟!
وأين الإيمان بالرسول الذي أمر به القرآن لمن لم يقبل ما جاء في سنته؟!
ولقد قال الله تعالى: " وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ " [النحل: ٨٩]، ومن المعلوم أن كثيرًا من أمور الشريعة العلمية والعملية جاء بيانها بالسنة، فيكون بيانها بالسنة من تبيان القرآن.
وأما العقل فنقول: إن تفصيل القول فيما يجب أو يمتنع أو يجوز في حق الله - تعالى - من أمور الغيب التي لا يمكن إدراكها بالعقل، فوجب الرجوع فيه إلى ما جاء في الكتاب والسنة.
التعليق
مضمون هذه القاعدة: أن المعوَّل عليه في معرفة الله بأسمائه وصفاته هو الكتاب والسنة.
فكل ما أخبر الله به عن نفسه أو أخبر به عنه رسوله وجب الإيمان به , فإن الله - تعالى - أمر بالإيمان به وبرسوله وكتابه " فامنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا " [التغابن: ٨]، فهذا يتضمن الإيمان بكل ذلك , وهذا معنى قولنا: أن أسماء الله وصفاته توقيفية , يعني: إنما يعول فيها على توقيف الشرع , ونص الشرع , ودلالة الشرع.
وصفاته تعالى إما صفات ثبوتية أو صفات سلبية , لكن الصفات السلبية هي صفات النفي , والنفي - كما تقدم - لا يكون مدحًا إلا إذا تضمن إثباتًا لكمال؛ فالله - تعالى - موصوف بإثبات صفات الكمال؛ كالحياة والسمع والبصر والفعل فهو فعال لما يريد , وموصوف بنفي النقائص.
стр. 88
والنقائص منها ما نُص على نفيه في الكتاب والسنة؛ كالنوم والسنة والموت واللغوب والأَوْدُ (١) والغفلة والضلال والنسيان، وكما في السنة: " إنكم لا تدعون أصم " (٢) فيه تنزيه الله - تعالى - عن الصمم.
ومن النقائص ما لم يصرح بنفيه، لكن إثبات أحد الضدين نفي للآخر: فإثبات العلم يتضمن نفي الجهل وكل ما ينافي العلم , وإثبات الحياة فيه نفي للموت وكل ما ينافي كمال الحياة , وإثبات القدرة يتضمن نفي العجز وكل ما ينافي كمال القدرة , وإثبات القوة يتضمن نفي الضعف وكل ما يستلزم الضعف , وإثبات السمع يتضمن نفي الصمم عن الله وكل ما ينافي كمال السمع ... وهكذا.
فالنقائص:
١ - منها ما هو منصوص على نفيه.
٢ - ومنها ما يعلم نفيه بإثبات ضده.
٣ - ومنها ما يعلم نفيه بطريق اللزوم.
فكل ما يستلزم النقص فإنه يجب نفيه عن الله , قالوا مثل: الحزن، والبكاء، والأكل، والشرب، وكذلك أدوات الأكل , وكذلك مما نزه الله نفسه عنه: الصاحبة، والولد ... وهكذا كل ما يتصل بهذا فإنه يجب تنزيهه - تعالى - عنه.
أما ما لم يدل على نفيه ولا على إثباته دليل بوجه من الوجوه , لا بالنص ولا بطريق التضمن ولا بطريق اللزوم , فإنه يجب التوقف فيه ,
стр. 89
ومن الأمثلة في هذا: (الأُذُن) لله - تعالى - فهذه مما يجب التوقف فيها، فلا تنفى ولا تثبت، لأنه ليس عندنا ما يدل على إثباتها نصًا ولا لزومًا ولا تضمنًا (١).
وأما ما أحدثه المتكلمون من العبارات المحدثة التي أضافوها لله , فهذه فيها التفصيل الذي ذكر الشيخ , مثل: الجسم، والجهة، والحيز، والمتحيز، والمركب؛ فهذه ألفاظ مبتدعة وجمهورهم يقولون: إن الله ليس بجسم، ولا في جهة، وليس بمركب , فيقال: هذه الألفاظ:
أولًا: محدثة لم يأتِ في الكتاب ولا في السنة النص على إثباتها ولا نفيها.
وثانيًا: هي ألفاظ مجملة تحتمل حقًا وباطلًا.
ولهذا الواجب أن يستفصل ممن تكلم بها ويسأل عن مراده:
١ - فإن أراد حقًا قبل.
٢ - وإن أراد باطلًا رد.
٣ - وإن أراد حقًا وباطلًا مُيَّز، فقبل الحق ورد الباطل.
فالجسم له معان , فله معنًى في اللغة ومعاني اصطلاحية كلامية , فإذا قال قائل: الله - تعالى - ليس بجسم.
قلنا: ما تريد بالجسم؟
فإن قال: الجسم هو الذي تقوم به الصفات , لأن ما قامت به الصفات فهو جسم.
نقول: هذا باطل؛ فالله - تعالى - تقوم به الصفات , فلا يجوز نفي الجسم بهذا المعنى.
стр. 90
وإذا قال: المراد بالجسم هو: المركب من الجواهر المفردة.
قلنا: هذا المعنى في نفسه باطل , ونظرية الجوهر الفرد والجواهر المفردة هي في نفسها باطلة (١).
فإذا قيل: إنه - تعالى - ليس بجسم، أي: ليس بمركب من الجواهر المفردة؛ فنقول: هذا حق.
وإذا قال: الجسم هو الذي يقبل الإشارة , فيقول: الله ليس بجسم أي لا يقبل الإشارة.
قلنا: هذا باطل , فالله - تعالى - يقبل أن يشار إليه , فالرسول ﷺ وهو أعلم الخلق به أشار إليه بأصبعه في أعظم جمع وقال: " اللهم اشهد " (٢) , وتقول: الله فوق وتشير إليه.
وإذا قال: الجسم هو القائم بنفسه.
قلنا: هذا حق لا يجوز نفيه , فالله قائم بنفسه.
فلفظ الجسم منه معان لا يجوز نفيها عن الله , وله معان يجب نفيها , ومنها معان يمكن أن يقال: يتوقف فيها.
стр. 91
ومن الألفاظ المجملة ما ذكره الشيخ: لفظ (الجهة) , وقد ذكر شيخ الإسلام هذا المعنى في القاعدة الثانية في التدمرية (١) فذكر قاعدة في الألفاظ المحدثة المجملة فذكر لفظ (الجهة) , ولفظ (التحيز) أو (المتحيز).
فلفظ (المتحيز) إن أريد به الذي تحيط به الأوعية والأمكنة؛ فالله ليس بمتحيز لأنه لا يحيط به شيء , وإن أريد بالمتحيز المنحاز المتميز عن العالم , فوق جميع العالم؛ فنعم هو - تعالى - متحيز؛ فنفي هذا المعنى باطل ونفي الأول حق.
ثم ختم الشيخ هذه القاعدة بذكر الأدلة عليها، وهو كل ما في القرآن من الأمر باتباع القرآن واتباع الرسول , وطاعة الله ورسوله , والإيمان بالله ورسوله , فكلها تتضمن الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه في كتابه أو وصفه به رسوله ﷺ ؛ والله أعلم.
стр. 92
القاعدة الثانية:
الواجب في نصوص القرآن والسنة إجراؤها على ظاهرها دون تحريف،
لاسيما نصوص الصفات حيث لا مجال للرأي فيها (١).
ودليل ذلك: السمع، والعقل.
أما السمع:
فقوله تعالى: " نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ " [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥].
وقوله: " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " [يوسف: ٢].
وقوله: " إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " [الزخرف: ٣].
وهذا يدل على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي إلا أن يمنع منه دليل شرعي.
وقد ذم الله - تعالى - اليهود على تحريفهم، وبَيَّنَ أنهم بتحريفهم من أبعد الناس عن الإيمان، فقال: " أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ
стр. 93
وَهُمْ يَعْلَمُونَ " [البقرة: ٧٥]، وقال تعالى: " مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا" [النساء: ٤٦] الآية.
وأما العقل: فلأن المتكلم بهذه النصوص أعلم بمراده من غيره، وقد خاطبنا باللسان العربي المبين؛ فوجب قبوله على ظاهره، وإلا لاختلفت الآراء وتفرقت الأمة.
التعليق
لا شك أن الواجب في كلام الله وكلام رسوله إجراؤه على ظاهره؛ بل هذا هو الأصل في حمل كلام أي مخاطب , ما لم يقم دليل يوجب صرفه عن ظاهره , وإلا لما كان الكلام بيانًا ولا دالًا على مراد المتكلم.
فالأصل أن الكلام يبين به المتكلم مراده , ولا يأتي الخلل إلا:
١ - من نقص بيانه وفصاحته؛ فقد يتكلم بكلام لا يدل على مراده بسبب عجزه وضعف بيانه وعدم فصاحته.
٢ - أو إرادة التلبيس على المخاطب؛ فيخاطبه بخلاف مراده حتى يفهم من ذلك الكلام خلاف المراد.
ولهذا ذكر شيخ الإسلام (١) أنه إذا توفرت هذه المقومات وهي: العلم، والبيان، والنصح = لزم من ذلك أن يتحقق البيان , والرسول ﷺ أعلم الخلق وأفصحهم وأنصحهم فوجب أن يدل كلامه على مراده أتم دلالة وأكمل بيان.
وخلاف ذلك حَمْلٌ لكلام المتكلم على معان قد يحتملها لكن بغير حجة وهذا هو التحريف؛ فالتحريف: صرف الكلام عن ظاهره بغير حجة , ويسميه المتأخرون تأويلًا , فيقولون التأويل: صرف اللفظ عن
стр. 94
الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل , لكن الشأن في ذلك الدليل.
فأهل التأويل من نفاة الصفات ـ لأن نفاة الصفات طائفتان مفوضة ومؤولة كما تقدم (١) ـ يفسرون نصوص الصفات بخلاف ما تدل عليه , ثم يضطربون في هذا التأويل , فيصرفون كلام الله وكلام رسوله عن ظاهره بغير حجة؛ بل بشبهات يسمونها عقليات , وهي في الحقيقة جهليات، وقد عمدوا إلى أفضل أنواع النصوص ـ وهي نصوص الأسماء والصفات ـ فصرفوها عن ظواهرها , بناء على ما أصَّلوه بالشبهات الباطلة من أنه - تعالى - لا تقوم به الصفات؛ فالجهمية والمعتزلة لما أصلوا نفي الصفات لابد أن يكون لهم موقف من هذه النصوص , كيف يصنعون بها؟ فلجؤا إلى التأويل، فصارت النصوص عندهم لا تدل على إثبات الصفات.
يقول شيخ الإسلام في التدمرية (٢): (القاعدة الرابعة: وهي أنَّ كثيرًا من الناس يتوهم في بعض الصفات، أو في كثيرٍ منها، أو أكثرها، أو كلها = أنها تماثل صفات المخلوقين؛ ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه، فيقع في أربعة أنواع من المحاذير:
أحدها: كونه مثل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظنَّ أنَّ مدلول النصوص هو التمثيل.
الثاني: إنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعَطَّله بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله، فيبقى مع جنايته على النصوص، وظنِّه السيئ الذي ظنه بالله ورسوله - حيث ظنَّ أنَّ الذي يُفهم
стр. 95
من كلامهما هو التمثيل الباطل - قد عَطَّلَ ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله، والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله - تعالى -.
الثالث: أنه ينفي تلك الصفات عن الله بغير علمٍ، فيكون معطلًا لما يستحقه الرب - تعالى -.
الرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الموات والجمادات، أو صفات المعدومات، فيكون قد عَطَّلَ صفات الكمال التي يستحقها الرب - تعالى -، ومَثَّلَهُ بالمنقوصات والمعدومات، وعَطَّلَ النصوص عما دلَّت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل؛ فيكون ملحدًا في أسمائه وآياته).
وذكر الشيخ ابن عثيمين هنا: أن التحريف سبيل اليهود , فاليهود نعتهم الله بالتحريف , فهؤلاء الجهمية والمعتزلة ومن شابههم كل بحسبه , قد شابهوا اليهود في تحريف كلام الله كما قال تعالى: " يحرفون الكلم عن مواضعه " [النساء: ٤٦]، وقال: " يحرفون الكلم من بعد مواضعه " [المائدة: ٤١]، وهذا سبيل كل مبطل , فكل مبطل تعارض النصوص مذهبه فإنه يقف منها هذا الموقف , يلتمس لها التأويلات ليتخلص منها هذا فيما لم يقدر على رده , أما ما قدر على رده دفعه , وقال: هذا كذب، هذا لم يصحَّ , هذا خبر آحاد وما أشبه ذلك , فإن لم يقدر على الرد بطريق من الطرق ذهب إلى التحريف , وحقيقة التحريف صرف الكلام عن ظاهره إلى غيره بغير حجة توجب ذلك (١).
стр. 96
والشيخ محمد ﵀ استدل على هذه القاعدة بأن الله أخبر أنه خاطب عباده بلسان عربي مبين , فوجب حمل كلام الله على ما يقتضيه اللسان العربي , وإلا لما كان بيانًا ولهذا الذين حرفوا النصوص أو فوضوا فيها لزم من قولهم: أن القرآن ليس هدى ولا بيانا ولا شفاء , فالهدى والبيان والشفاء يكون بالكلام البين الذي يدل على معان بحسب ظاهره , أما إذا قيل: إن هذا الكلام لا يدل على شيء ولا يفهم منه شيء لم يكن هدى ولا بيانا ولا شفاء , أو قيل: إنه يدل على معان هي خلاف الظاهر فكذلك يكون المتكلم ملغز بكلامه لا مبين.
وإجراء النصوص على ظاهرها هو موجب الشرع - كما قال الشيخ - للأدلة التي ذكرها , وهو موجب العقل كما قلنا: إن الواجب حمل كلام المتكلم على ظاهره دائمًا , سواء كان كلام الله أو كلام الرسول أو كلام سائر المخاطِبين إلا أن يدل دليل على وجوب حمله على خلافه؛ هذا هو الأصل وهذا هو المعروف في عرف العقلاء؛ والله أعلم.
стр. 97
القاعدة الثالثة:
ظواهر نصوص الصفات معلومة لنا باعتبار، ومجهولة لنا باعتبار آخر، فباعتبار المعنى هي معلومة، وباعتبار الكيفية التي هي عليها مجهولة .
وقد دل على ذلك: السمع، والعقل.
أما السمع:
فمنه قوله تعالى: " كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ " [ص: ٢٩].
وقوله تعالى: " ِإنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " [الزخرف: ٣].
وقوله - جل ذكره -: " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " [النحل: ٤٤].
والتدبر لا يكون إلا فيما يمكن الوصول إلى فهمه، ليتذكر الإنسان بما فهمه منه.
وكون القرآن عربيًا ليعقله من يفهم العربية يدل على أن معناه معلوم، وإلا لما كان فرق بين أن يكون باللغة العربية أو غيرها.
وبيان النبي ﷺ القرآن للناس شامل لبيان لفظه وبيان معناه.
وأما العقل:
فلأن من المحال أَنْ يُنْزِلَ الله - تعالى - كتابًا أو يتكلم
стр. 98
رسوله ﷺ بكلام يقصد بهذا الكتاب، وهذا الكلام أن يكون هداية للخلق، ويبقى في أعظم الأمور وأشدِّها ضرورة مجهول المعنى، بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يُفهم منها شيء؛ لأن ذلك من السَّفَهِ الذي تأباه حكمة الله - تعالى -، وقد قال الله - تعالى - عن كتابه: " كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ " [هود: ١].
هذه دلالة السمع والعقل على علمنا بمعاني نصوص الصفات.
وأما دلالتهما على جهلنا لها باعتبار الكيفية، فقد سبقت في القاعدة السادسة من قواعد الصفات (١).
وبهذا عُلِمَ بطلان مذهب المفوضة الذين يفوضون علم معاني نصوص الصفات، ويَدَّعون أن هذا مذهب السلف، والسلف بريئون من هذا المذهب، وقد تواترت الأقوال عنهم بإثبات المعاني لهذه النصوص إجمالًا أحيانًا وتفصيلًا أحيانًا، وتفويضهم الكيفية إلى علم الله .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه المعروف بـ (العقل والنقل) (ص ١١٦ / جـ ١) المطبوع على هامش (منهاج السنة): (وأما التفويض: فمن المعلوم أن الله أمرنا بتدبر القرآن وحَضَّنَا على عَقْلِهِ وفهمه، فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وَعَقْلِهِ - إلى أن قال (ص ١١٨): وحينئذٍ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه؛ بل يقولون كلامًا لا يعقلون معناه، قال: ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدىً
стр. 99
وبيانًا للناس، وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نُزِّلَ إليهم وأمر بتدبر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته لا يعلم أحد معناه فلا يُعْقَل ولا يُتَدبر، ولا يكون الرسول بين للناس ما نزل إليهم، ولا بلغ البلاغ المبين، وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك؛ لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة، ولا يعلم أحد معناها، وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به، فيبقى هذا الكلام سدًا لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحًا لباب من يعارضهم، ويقول: إن الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء؛ لأننا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون فضلًا عن أن يبينوا مرادهم، فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد. اهـ. كلام الشيخ؛ وهو كلام سديد من ذي رأي رشيد، وما عليه مزيد - رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجمعنا به في جنات النعيم -.
التعليق
هذه القاعدة هي مضمون القاعدة الخامسة في التدمرية؛ يقول شيخ الإسلام: (القاعدة الخامسة: أنا نعلم ما أخبرنا به من وجهٍ دون وجه، فإنَّ الله - تعالى - قال: " أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا " [النساء: ٨٢]، وقال: " أفلم يتدبروا القول " [المؤمنون: ٦٨]، وقال: " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب " [ص ٢٩]، وقال: " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها " [محمد: ٢٤]
стр. 100
فأمر بتدبر الكتاب كله) (١).
والوجهان - كما ذكرهما الشيخ محمد ﵀ نعلمهما من جهة المعنى , فنعلم معانيها ونفهمها ونتدبرها ونعرف ربنا بها ونعرف مراده من هذه الأخبار , ونعرف مراده من الإخبار عن اليوم الآخر , ولكن لا نعلمها من جهة حقائقها وكيفياتها , فلا يلزم من العلم بمعنى الشيء إجمالا الإحاطة به.
وهذا كثير , ولعله يكون حتى في المحسوسات فالشمس نعلمها ونعرفها ويراها الناس , لكن هل يحيط الناس بها؟ وهل يحيط الناس بحقيقتها وما هي عليه كما خلقها الله؟ قد يعرفون أشياء لكن هل يعرفون حقيقة الشمس على ما هي عليه كما خلقها الله ؟
والشيخ ﵀ في التدمرية (٢) ضرب مثلًا للعجز عن معرفة الكيفية بالروح؛ فهذه الروح التي في الناس وبها حياتهم ولها شأن وصفات وهي معروفة , ومع ذلك لا يدرك الناس كنهها أبدًا , والعقول عاجزة عن تكييفها , فإذا كانت العقول عاجزة عن تكييف الروح فهي عن تكييف ذات الرب وصفاته أعجز.
وذكر شيخ الإسلام في القاعدة الخامسة الدليل على الوجه الأول , وهو نفس ما ذكره الشيخ محمد فذكر آيات التدبر: " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " [محمد: ٢٤]، وقوله تعالى: " أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا " [النساء: ٨٢]، وقوله تعالى: " أفلم يدبروا القول " [المؤمنون: ٦٨]، وقوله تعالى: " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته " [ص: ٢٩]، ثم قال: (فأمر بتدبر الكتاب كله) (٣).
стр. 101
إذن؛ فالقرآن كله يمكن فهمه , وأعظم ذلك وَأَوَّلُهُ وَأَوْلَاه نصوص الصفات , فهي أشرف كلام الله , وأشرف آي القرآن , لأن أشرف العلوم الشرعية هي العلم بالله بأسمائه وصفاته , وأما الوجه الثاني الذي لا نعلمه فاستدل له بقوله تعالى: " وما يعلم تأويله إلا الله " [آل عمران: ٧]، والتأويل في هذه الآية ولاسيما على قراءة الجمهور - وهي: الوقف على لفظ الجلالة - هو الحقيقة التي يؤول إليها الشيء , فلا يعلم تأويل ما تشابه من القرآن , يعني لا يعلم حقيقته وما يؤول إليه إلا الله , فلا يعلم كنه ذات الرب وصفاته ولا كنه ما أخبر به عن اليوم الآخر إلا الله , حتى إنه سبحانه في الحديث القدسي قال: " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَرَ على قلبِ بشر " (١).
وفي آيات الأمر بالتدبر وذم المعرضين عن تدبر القرآن: الرد على أهل التفويض، وهذا هو المقصود من تقرير هذه القاعدة , وأهل التفويض هم الذين يقولون: إن نصوص الصفات لا يعلم أحد معناها ولا الرسول ﷺ , فلا يعلم معناها إلا الله؛ ولهذا سماهم الشيخ في الحموية أهل التجهيل (٢) , لأنهم بزعمهم هذا يجهلون الرسول ﷺ والصحابة بمعان كلام الله؛ بل على قولهم: إن الرسول ﷺ يتكلم بما لا يعلم معناه من حديثه , فأحاديث الصفات - أيضًا - لا يعلم معناها إلا الله , فقولهم يتضمن أن الرسول ﷺ يتكلم بما لا يعلم ويعقل معناه , وكفى بهذا فسادًا , وكفى بهذا طعنا في كلام الله , وفي حكمة الله وفي كلام الرسول وقدره ﷺ , سبحان الله ما أقبح هذا الكلام وهذا المذهب , مع أن كلمة
стр. 102
التفويض يستروح لها بعض الناس ويظنون أن مذهب التفويض حقٌ , ولا يعلمون أنه يستلزم أمورًا باطلة , منها: أن القرآن ليس هدى ولا شفاء ولا بيانًا ولا فيه تعريف بالله بما يجب له وما يجوز عليه وما يمتنع عليه.
فأهل التفويض معطلة نفاة لصفات الله , فالمعطلة لاسيما من الأشاعرة ونحوهم من الماتردية: منهم من ينحو إلى التفويض , ومنهم من ينحو إلى التأويل , أما الجهمية والمعتزلة فالغالب عليهم والأصل فيهم هو التأويل.
ولهذا يقول الشيخ ﵀ في التدمرية ينعت هؤلاء الذين يفرقون بين الصفات يقول: (الذين يوجبون فيما نفوه إما التفويض وإما التأويل) , يعني بعضهم يقول بالتفويض وبعضهم يقول بالتأويل والكل ينفي؛ فمثلا من الصفات التي ينفيها الأشاعرة الاستواء على العرش , فكلهم يتفقون على نفي حقيقة الاستواء على العرش والعلو والارتفاع على العرش , فينفون العلو , لكن ماذا يعتذرون عن الآية؟
أهل التأويل يقولون: استوى بمعنى استولى هذا نموذج من تأويلاتهم , وأهل التفويض يقولون: الله أعلم بمراده لا ندري ما معنى " الرحمن على العرش استوى " [طه: ٥] , فاتفقوا على نفي الاستواء على العرش , واختلفوا في موقفهم من الآية، وقل مثل ذلك في سائر نصوص الصفات التي ينفونها , مثل: النزول، والغضب، والرضا، وغير ذلك.
فمثلًا في آيات المحبة والرضا والغضب والسخط , فأهل التأويل منهم من يفسر هذه الصفات بالإرادة إما بإرادة الإنعام أو الانتقام أو ببعض المخلوقات من الثواب والعقاب , وأهل التفويض يقولون: الله أعلم بمراده , لا ندري ما معنى " يحبهم " [المائدة: ٥٤] , ولا ندري ما معنى " يحب الذين يقاتلون " [الصف: ٤] , ولا ندري ما معنى " غضب الله عليهم " [الممتحنة: ١٣] , فكما قال شيخ الإسلام في آخر الكلام الذي
стр. 103
نقله الشيخ محمد: هؤلاء جعلوا أشرف ما في القرآن وهي نصوص الصفات غير معلومة ولا ينتفع بها , ويلزم على قول هؤلاء إن الكتاب والسنة ليسا طريقا لمعرفة الله وإنما يعرف الله بالعقول , وعلى هذا فكل صاحب فكر يدعي أن ما أدركه بعقله هو الواقع وهو الحق , ولهذا نصَّ شيخ الإسلام في الحموية (١) على أنه يلزم على قول أهل التفويض وأهل التأويل أن ترك الناس بلا رسالة أهدى لهم , لأن هذه النصوص - على زعمهم - ما دلت على الحق في باب معرفة الله , وما دلت على الحق المطابق للواقع , فأهل التأويل والتفويض كلهم يتفقون على أن هذه النصوص لا تدل على إثبات صفات قائمة بالرب سبحانه , لا صفات ذاتية ولا فعلية - تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا -؛ والله أعلم.
стр. 104
القاعدة الرابعة:
ظاهر النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني، وهو يختلف بحسب السياق وما يضاف إليه الكلام (١)
فالكلمة الواحدة يكون لها معنى في سياق، ومعنى آخر في سياق، وتركيب الكلام يفيد معنى على وجه ومعنى آخر على وجه.
فلفظ (القرية) - مثلًا - يراد به: القوم تارة، ومساكن القوم تارة أخرى.
فمن الأول: قوله تعالى: " وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً " [الإسراء: ٥٨].
ومن الثاني: قوله تعالى عن الملائكة ضيف إبراهيم: " إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَة " [العنكبوت: ٣١].
وتقول: صنعت هذا بيدي، فلا تكون اليد كاليد في قوله تعالى: " لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ " [ص: ٧٥]؛ لأن اليد في المثال أضيفت إلى المخلوق فتكون مناسبة له، وفي الآية أضيفت إلى الخالق فتكون لائقة به، فلا أحد سليم الفطرة صريح العقل يعتقد أن يد الخالق كيد المخلوق أو بالعكس.
стр. 105
ونقول: ما عندك إلا زيد، وما زيد إلا عندك، فتفيد الجملة الثانية معنى غير ما تفيده الأولى مع اتحاد الكلمات، لكن اختلف التركيب فتغير المعنى به.
إذا تقرر هذا فظاهر نصوص الصفات ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني.
وقد انقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام (١):
القسم الأول: مَنْ جعلوا الظاهر المتبادر منها معنى حقًا يليق بالله وأبقوا دلالتها على ذلك، وهؤلاء هم السلف الذين اجتمعوا على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، والذين لا يصدق لقب أهل السنة والجماعة إلا عليهم.
وقد أجمعوا على ذلك كما نقله ابن عبد البر فقال: (أهل السنة مُجْمِعُوْنَ على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن الكريم والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة) (٢) اهـ.
وقال القاضي أبو يعلى في كتاب إبطال التأويل: (لا يجوز رَدُّ هذه الأخبار، ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله، لا تشبه صفات سائر الموصوفين بها من الخَلْق، ولا يعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن الإمام أحمد وسائر الأئمة) اهـ. نَقَلَ ذلكَ عنِ ابنِ عبدِ البر والقاضي = شيخُ الإسلامِ ابنُ
стр. 106
تيمية في الفتوى الحموية (ص ٨٧ - ٨٩ جـ ٥) من مجموع الفتاوى لابن القاسم.
وهذا هو المذهب الصحيح، والطريق القويم الحكيم، وذلك لوجهين:
الأول: أنه تطبيق تام لما دل عليه الكتاب والسنة من وجوب الأخذ بما جاء فيهما من أسماء الله وصفاته، كما يعلم ذلك من تتبعه بعلم وإنصاف.
الثاني: أَنْ يُقَال: إن الحق إما أن يكون فيما قاله السلف أو فيما قاله غيرهم؛ والثاني باطل، لأنه يلزم منه أن يكون السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان تكلموا بالباطل تصريحًا أو ظاهرًا، ولم يتكلموا مرة واحدة لا تصريحًا ولا ظاهرًا بالحق الذي يجب اعتقاده.
وهذا يستلزم أن يكونوا إما جاهلين بالحق وإما عالمين به لكن كتموه؛ وكلاهما باطل، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، فتعين أن يكون الحق فيما قاله السلف دون غيرهم.
القسم الثاني: مَنْ جعلوا الظاهر المتبادر من نصوص الصفات معنى باطلًا لا يليق بالله، وهو التشبيه، وأبقوا دلالتها على ذلك، وهؤلاء هم المشبهة ومذهبهم باطل محرم من عدة أوجه:
الأول: أنه جناية على النصوص وتعطيل لها عن المراد بها، فكيف يكون المراد بها التشبيه وقد قال الله تعالى: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " [الشورى: ١١]؟.
الثاني: أن العقل دل على مباينة الخالق للمخلوق في الذات والصفات، فكيف يُحْكَمُ بدلالة النصوص على التشابه بينهما؟
стр. 107
الثالث: أن هذا المفهوم الذي فهمه المشبه من النصوص مخالف لما فهمه السلف منها فيكون باطلًا.
فإنْ قالَ المُشَبِّهُ: أنا لا أعقل مِنْ نزولِ اللهِ ويده إلا مثل ما للمخلوق من ذلك، والله - تعالى - لم يخاطبنا إلا بما نعرفه ونعقله؛ فجوابه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الذي خاطبنا بذلك هو الذي قال عن نفسه: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " [الشورى: ١١]، ونهى عباده أن يضربوا له الأمثال، أو يجعلوا له أندادًا فقال: " فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ " [النحل: ٧٤]، وقال: " فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " [البقرة: ٢٢]، وكلامه - تعالى - كُلُّهُ حق يُصَدِّقُ بعضه بعضًا، ولا يتناقض.
ثانيها: أن يقال له: ألست تعقل لله ذاتًا لا تشبه الذوات؟
فسيقول: بلى!
فيقال له: فلتعقل له صفات لا تشبه الصفات؛ فإن القول في الصفات كالقول في الذات، ومَنْ فَرَّقَ بينهما فقد تناقض!.
ثالثها: أن يقال: ألست تشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية؟
فسيقول: بلى!
فيقال له: إذا عقلت التباين بين المخلوقات في هذا؛ فلماذا لا تعقله بين الخالق والمخلوق؟!، مع أن التباين بين الخالق والمخلوق أظهر وأعظم؛ بل التماثل مستحيل بين الخالق والمخلوق - كما سبق في القاعدة السادسة من قواعد الصفات - (١).
стр. 108
القسم الثالث: مَنْ جعلوا المعنى المتبادر من نصوص الصفات معنى باطلًا، لا يليق بالله وهو التشبيه، ثم إنهم من أجل ذلك أنكروا ما دلت عليه من المعنى اللائق بالله، وهم أهل التعطيل سواء كان تعطيلهم عامًا في الأسماء والصفات، أم خاصًا فيهما، أو في أحدهما، فهؤلاء صرفوا النصوص عن ظاهرها إلى معانٍ عينوها بعقولهم , واضطربوا في تعيينها اضطرابًا كثيرًا، وسموا ذلك تأويلًا، وهو في الحقيقة تحريف.
ومذهبهم باطل من وجوه:
أحدها: أنه جناية على النصوص حيث جعلوها دالة على معنى باطل غير لائق بالله ولا مراد له.
الثاني: أنه صرف لكلام الله - تعالى - وكلام رسوله ﷺ عن ظاهره، والله - تعالى - خاطب الناس بلسان عربي مبين، ليعقلوا الكلام ويفهموه على ما يقتضيه هذا اللسان العربي، والنبي ﷺ خاطبهم بأفصح لسان البشر؛ فوجب حمل كلام الله ورسوله على ظاهره المفهوم بذلك اللسان العربي؛ غير أنه يجب أن يصان عن التكييف والتمثيل في حق الله .
الثالث: أن صرف كلام الله ورسوله عن ظاهره إلى معنى يخالفه، قول على الله بلا علم وهو محرم؛ لقوله - تعالى -: " قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ " [الأعراف: ٣٣]. ولقوله - سبحانه -: " وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً " [الإسراء: ٣٦].
فالصارف لكلام الله - تعالى - ورسوله عن ظاهره إلى معنى
стр. 109
يخالفه قد قَفَا ما ليس له به علم، وقال على الله ما لا يعلم من وجهين:
الأول: أنه زعم أنه ليس المراد بكلام الله - تعالى - ورسوله كذا، مع أنه ظاهر الكلام.
الثاني: أنه زعم أن المراد به كذا لمعنى آخر لا يدل عليه ظاهر الكلام.
وإذا كان من المعلوم أن تعيين أحد المعنيين المتساويين في الاحتمال قول بلا علم؛ فما ظنك بتعيين المعنى المرجوح المخالف لظاهر الكلام؟!
مثال ذلك: قوله - تعالى - لإبليس: " مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي " [ص: ٧٥]، فإذا صرف الكلام عن ظاهره، وقال: لم يرد باليدين اليدين الحقيقيتين وإنما أراد كذا وكذا.
قلنا له: ما دليلك على ما نفيت؟! وما دليلك على ما أثبت؟! فإن أتى بدليل - وأَنَّى له ذلك - وإلا كان قائلًا على الله بلا علم في نفيه وإثباته.
الوجه الرابع في إبطال مذهب أهل التعطيل: أن صرف نصوص الصفات عن ظاهرها مخالف لما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها؛ فيكون باطلًا، لأن الحق بلا ريب فيما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وسلف الأمة وأئمتها.
الوجه الخامس: أن يقال للمعطل:
هل أنت أعلم بالله من نفسه؟
فسيقول: لا.
ثم يُقَالُ له: هل ما أخبر الله به عن نفسه صدق وحق؟
стр. 110
فسيقول: نعم.
ثم يقال له: هل تعلم كلامًا أفصح وأبين من كلام الله - تعالى -؟
فسيقول: لا.
ثم يقال له: هل تظن أن الله أراد أن يعمي الحق على الخلق في هذه النصوص ليستخرجوه بعقولهم؟
فسيقول: لا.
هذا ما يقال له باعتبار ما جاء في القرآن.
أما باعتبار ما جاء في السنة؛ فيقال له:
هل أنت أعلم بالله من رسوله ﷺ ؟
فسيقول: لا.
ثم يقال له: هل ما أخبر به رسول الله ﷺ عن الحق صدق وحق؟
فسيقول: نعم.
ثم يقال له: هل تعلم أن أحدًا من الناس أفصح كلامًا، وأبين من رسول الله ﷺ ؟
فسيقول: لا.
ثم يقال له: هل تعلم أن أحدًا من الناس أنصح لعباد الله من رسول الله؟
فسيقول: لا.
فيقال له: إذا كنت تقر بذلك؛ فلماذا لا يكون عندك الإقدام والشجاعة في إثبات ما أثبته الله - تعالى - لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ على حقيقته وظاهره اللائق بالله؟ وكيف يكون عندك الإقدام والشجاعة