والمعية في اللغة العربية لا تستلزم مماسة فضلًا أن تستلزم اختلاطًا , فهي في كل مقام بحسبه , إذا قيل: الرجل معه امرأته , أحيانًا سافر بها معه في صحبته , وأحيانًا معه يعني أنه لم يطلقها , معية الاقتران الحكمي , أنها زوجته , يقال: فلان زوجته معه أو طلقها؟ فيقال: زوجته معه , وإن كان هو في المشرق وهي في المغرب , هي معه , وتقول: سافرت مع فلان، فقد تكون أنت في سيارة وهو في سيارة لكن يجمعكما السفر والاتفاق على أنكما مسافران معًا , ولا يلزم من ذلك أن تكونوا في سيارة واحدة وما إلى ذلك , فتقول: سافرنا مع فلان، وإن كان كل واحد في سيارة , لكن معية الاقتران في هذا الوجه وفي هذا السفر , ففيه اتفاق على الصحبة في السفر , فهذه معية خاصة بين المتصاحبين , لكن إذا ذهب كل واحد في طريقه ليس بينهما علاقة لا تقول: (أنا سافرت مع فلان).
والحمد لله رب العالمين ما ذكره الشيخ ونقله فيه الوفاء والغناء، وفيه ما يبرهن على الحق وبطلان ما يزعمه الجهمية ومن سلك سبيلهم , فإن القول بالحلول هذا قول الجهمية خصوصًا قدماءهم - لأنه هو المشهور في أيام الإمام أحمد- والمعتزلة , وبه يقول الأشاعرة , لأن الأشاعرة هم ممن يقول بنفي العلو , والذين ينفون العلو فريق منهم يقول إنه تعالى حالٌّ في كل مكان , سبحانك هذا بهتان عظيم , ومنهم من يقول: إنه لا داخلَ العالم ولا خارجه , وهذا أبعد في الفطر والعقول , ما الشيء الذي لا داخل العالم ولا خارجه إلا المعدوم , فإذا زعموا أن الله موجود وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، فقد جمعوا بين النقيضين , فكأنهم قالوا: إنه تعالى موجود معدوم، والحمد لله الذي عافانا من هذه الفهوم الفاسدة والعقول المظلمة.
стр. 142
تتمة
انقسم الناس في معية الله - تعالى - لخلقه ثلاثة أقسام:
القسم الأول: يقولون: إن معية الله - تعالى - لخلقه مقتضاها العلم والإحاطة في المعية العامة، ومع النصر والتأييد في المعية الخاصة، مع ثبوت علوه بذاته واستوائه على عرشه؛ وهؤلاء هم السلف، ومذهبهم هو الحق - كما سبق تقريره -.
القسم الثاني: يقولون: إن معية الله لخلقه مقتضاها أن يكون معهم في الأرض مع نفي علوه واستوائه على عرشه؛ وهؤلاء هم الحلولية من قدماء الجهمية وغيرهم، ومذهبهم باطل مُنْكَر، أجمع السلف على بطلانه وإنكاره - كما سبق -.
القسم الثالث: يقولون: إن معية الله لخلقه مقتضاها أن يكون معهم في الأرض مع ثبوت عُلُوَّهِ فوق عرشه؛ ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٢٢٩ / جـ ٥ من مجموع الفتاوى).
وقد زعم هؤلاء: أنهم أخذوا بظاهر النصوص في المعية والعلو، وكذبوا في ذلك فضلوا، فإن نصوص المعية لا تقتضي ما ادعوه من الحلول؛ لأنه باطل، ولا يمكن أن يكون ظاهر كلام الله ورسوله باطلًا.
стр. 143
التعليق
هذا حاصل ما استنتجه الشيخ مما تقدم من المذاهب في العلو والمعية، فذكر أنَّ المذاهب ثلاثة:
١ - مذهب أهل السنة والجماعة أنه تعالى معهم، وهو عالٍ على خلقه مستو على عرشه - كما تقدم - , وأن معيته لا تنافي علوه، فهو معهم بعلمه وسمعه وبصره.
٢ - قول الجهمية وهو: أنه معهم بذاته حال في المخلوقات، وقال به بعض من ينفي العلو من الأشاعرة.
٣ - أنَّ معيةَ الله لخلقه مقتضاها أن يكون معهم في الأرض مع ثبوت علوه فوق عرشه، وهذا قولٌ لم يُسَمِّ قائله.
٤ - وهناك قول رابع وهو قول مشهور قال به متأخروا الجهمية وبعض متأخري الأشاعرة، وهو: نفي العلو ونفي الحلول؛ فيقولون - تعالى الله عن قولهم -: إنه - تعالى - لا داخل العالم ولا خارجه، مع قولهم: إنه موجود؛ وهذا يتضمن وصفُهُ بسلب النقيضين؛ بل وبجمع النقيضين.
стр. 144
تنبيه
اعلم أن تفسير السلف لمعية الله - تعالى - لخلقه بأنه معهم بعلمه لا يقتضي الاقتصار على العلم؛ بل المعية تقتضي - أيضًا - إحاطته بهم سمعًا وبصرًا وقدرة وتدبيرًا ونحو ذلك من معاني ربوبيته.
تنبيه آخر: أشرت - فيما سبق - إلى أن علو الله - تعالى - ثابت بالكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة، والإجماع.
أما الكتاب؛ فقد تنوعت دلالته على ذلك:
فتارة بلفظ العلو، والفوقية، والاستواء على العرش، وكونه في السماء؛ كقوله تعالى: " وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ " [البقرة: ٢٥٥] " وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ " [الأنعام: ١٨] " الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى " [طه: ٥] " أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْض " [الملك: ١٦].
وتارة بلفظ صعود الأشياء وعروجها ورفعها إليه؛ كقوله: " إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب " [فاطر: ١٠] " تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ " [المعارج: ٤] " إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ " [آل عمران: ٥٥].
وتارة بلفظ نزول الأشياء منه ونحو ذلك؛ كقوله تعالى: " قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّك " [النحل: ١٠٢] " يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْض " [السجدة: ٥].
وأما السنة؛ فقد دلت عليه بأنواعها القولية، والفعلية،
стр. 145
والإقرارية، في أحاديث كثيرة تبلغ حد التواتر، وعلى وجوه متنوعة؛ كقوله ﷺ في سجوده: " سبحان ربي الأعلى " (١)، وقوله: " إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي " (٢)، وقوله: " ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء " (٣)، وثبت عنه أنه رفع يديه وهو على المنبر يوم الجمعة يقول: " اللهم أغثنا " (٤)، وأنه رفع يده على السماء وهو يخطب الناس يوم عرفة حين قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال: " اللهم اشهد " (٥)، وأنه قال للجارية: " أين الله؟ " قالت: في السماء. فأقرها وقال لسيدها: " أعتقها فإنها مؤمنة " (٦).
وأما العقل: فقد دل على وجوب صفة الكمال لله - تعالى - وتنزيهه عن النقص. والعلو صفة كمال والسفل نقص، فوجب لله - تعالى - صفة العلو وتنزيهه عن ضده.
وأما الفطرة: فقد دلت على علو الله - تعالى - دلالة ضرورية فطرية فما من داع أو خائف فزع إلى ربه - تعالى - إلا وجد في قلبه ضرورة الاتجاه نحو العلو لا يلتفت عن ذلك يمنة ولا يسرة.
واسأل المصلين، يقول الواحد منهم في سجوده: " سبحان ربي الأعلى " أين تتجه قلوبهم حينذاك؟
стр. 146
وأما الإجماع: فقد أجمع الصحابة والتابعون والأئمة على أن الله - تعالى - فوق سمواته مستوٍ على عرشه؛ وكلامهم مشهور في ذلك نصًا وظاهرًا.
قال الأوزاعي: (كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله - تعالى ذكره - فوق عرشه، ونؤمن بما جاءت به السنة من الصفات) (١).
وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم، ومُحَالٌ أَنْ يقع في مثل ذلك خلاف، وقد تطابقت عليه هذه الأدلة العظيمة التي لا يخالفها إلا مكابر طُمِسَ على قلبه واجتالته الشياطين عن فطرته؛ نسأل الله - تعالى - السلامة والعافية.
فعلو الله تعالى بذاته وصفاته من أبين الأشياء وأظهرها دليلًا وأحق الأشياء وأثبتها واقعًا.
التعليق
نسأل الله العافية؛ هذا فكر دخل على الناس وسرى في الأمة، ودخل على كثير من أهل العلم والخير والصلاح - سبحان الله -، لأن المدرسة والنشأة والمجتمع له تأثير عظيم على نفسية الإنسان وعلى توجهه؛ فمن نعمة الله على العبد أن ينشأ في أرض سُنَّةٍ وفي أرضِ عِلْم ,
стр. 147
فهذا الكلام الذي يقوله الشيخ وينكره - وهو جديرٌ بالإنكار - , هذا كل الأشاعرة في الجملة - كما تقدم - ينفون حقيقة العلو عن الله والاستواء على العرش , والمتأخرون منهم خاصة مذهبهم في الاستواء والعلو هو مذهب الجهمية , يقولون بالحلول , أو يقولون مثل ما يقول الرازي: إنه لا داخل العالم ولا خارجه , ويتأولون النصوص , يتأولون نصوص الاستواء أو يفوضونها إذا عجزوا , يتحاشون التأويل لأنَّ فيه شناعة وبشاعة وتحريفًا، فيقولون هذه النصوص نمرها كما جاءت , يعني لا ندري معناها , وليس مقصودهم: نمرها على طريقة السلف؛ بمعنى: نجريها على ظاهرها ونؤمن بها ونثبت ما دلت عليه ولا نصرفها عن ظاهرها؛ بل هم يقولون نجريها على ظاهرها ألفاظًا ولا نتعرض لها ولا نفهمها.
стр. 148
تنبيهٌ ثالث
اعلم أيها القارئ الكريم، أنه صدر مني كتابة لبعض الطلبة تتضمن ما قتله في بعض المجالس في معية الله - تعالى - لخلقه ذكرت فيها: أن عقيدتنا أن لله - تعالى - معية حقيقة ذاتية تليق به، وتقتضي إحاطته بكل شيء علمًا وقدرة، وسمعًا وبصرًا، وسلطانًا وتدبيرًا، وأنه سبحانه مُنَزَّهٌ أن يكون مختلطًا بالخلق أو حالًا في أمكنتهم؛ بل هو العلي بذاته وصفاته، وعلوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها، وأنه مستوٍ على عرشه - كما يليق بجلاله -، وأن ذلك لا ينافي معيته؛ لأنه تعالى " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ " [الشورى: ١١].
وأردت بقولي: (ذاتية) توكيد حقيقة معيته ﵎.
وما أردت أنه مع خلقه سبحانه في الأرض، كيف وقد قلت في نفس هذه الكتابة كما ترى: إنه سبحانه مُنَزَّهٌ أن يكون مختلطًا بالخلق أو حالًا في أمكنتهم، وأنه العلي بذاته وصفاته، وأن علوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها، وقلت فيها أيضًا ما نصه بالحرف الواحد: (ونرى أن من زعم أن الله بذاته في كل مكان فهو كافر أو ضال إن اعتقده، وكاذب إِنْ نَسَبَهُ إلى غيره من سلف الأمة أو أئمتها). اهـ.
ولا يمكن لعاقل عَرَفَ الله وقدره حق قدره أن يقول: إن الله مع خلقه في الأرض، وما زلت ولا أزال أنكر هذا القول في كل
стр. 149
مجلس من مجالسي جرى فيه ذكره؛ وأسأل الله - تعالى - أن يثبتني وإخواني المسلمين بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
هذا وقد كتبت بعد ذلك مقالًا نشر في مجلة (الدعوة) (١) التي تصدر في الرياض، نُشِرَ يومَ الاثنين الرابع من شهر محرم سنة ١٤٠٤ هـ أربع وأربعمائة وألف برقم (٩١١) قررت فيه ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - من أن معية الله - تعالى - لخلقه حق على حقيقتها، وأن ذلك لا يقتضي الحلول والاختلاط بالخلق فضلًا عن أن يستلزمه، ورأيت من الواجب استبعاد كلمة (ذاتية)، وبينت أوجه الجمع بين علو الله تعالى وحقيقة المعية.
واعلم أن كل كلمة تستلزم كون الله - تعالى - في الأرض أو اختلاطه بمخلوقاته، أو نفي علوه، أو نفي استوائه على عرشه، أو غير ذلك مما لا يليق به تعالى فإنها كلمة باطلة، يجب إنكارها على قائلها كائنًا من كان وبأي لفظ كانت.
وكل كلام يوهم - ولو عند بعض الناس - ما لا يليق بالله - تعالى - فإن الواجب تجنبه؛ لئلا يظن بالله - تعالى - ظن السوء، لكن ما أثبته الله - تعالى - لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ فالواجب إثباته وبيان بطلان وهم من توهم فيه ما لا يليق بالله .
التعليق
وأصل ما ذكره الشيخ ﵀ أنه في بعضِ كلامٍ لهُ أطلقَ أنَّ الله معَ العباد بذاته، أو أنَّ معيةَ الله ذاتيةٌ فتلقفها بعض الناس ولعله بحسن نية ,
стр. 150
فَحَمَلَ على الشيخ وَبَدَّعَهُ وَشَنَّعَ عَلَيْهِ وَكَتَبَ بَعْضَ الرد عليه , والكلمة التي تكون مشتبهة أو متشابهة ترد إلى بقية كلام العالم , أما أن تقطع الكلمة عما قبلها!! فهذا لا يصلح، وهذا يجري في كلام الله وكلام رسوله وكلام العلماء , فلا بُدَّ من رَدِّ الكلام بعضه إلى بعض ورد المتشابه إلى المحكم الواضح البين؛ فالشيخ ابتلي وأوذي بالتشنيع عليه وأنه يقول بقول الجهمية ونحوهم , لكن كلامه واضح , فمن يعرف الشيخ لا يرتاب ولا يكون عنده مشكلة أبدًا.
стр. 151
المثال السابع والثامن
قوله تعالى: " وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ " [ق: ١٦]، وقوله: " وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ " [الواقعة: ٨٥] حيث فُسِّرَ القُرْبُ فيهما بقرب الملائكة.
والجواب: أن تفسير القرب فيهما بقرب الملائكة ليس صرفًا للكلام عن ظاهره لمن تدبره (١).
أما الآية الأولى: فإنَّ القرب مقيد فيها بما يدل على ذلك، حيث قال: " وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ " [ق: ١٦ - ١٨] ففي قوله: " إِذْ يَتَلَقَّى " دليل على أن المراد به قرب الملكين المتلقيين.
وأما الآية الثانية: فإن القرب فيها مقيد بحال الاحتضار، والذي يحضر الميت عند موته هم الملائكة، لقوله تعالى: " حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ " [الأنعام: ٦١] ثم إن في قوله: " وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ " [الواقعة: ٨٥] دليلًا بينًا على أنهم الملائكة، إذ يدل على أن هذا القريب في نفس المكان ولكن لا نبصره، وهذا يُعَيِّنُ أن يكون المراد قرب الملائكة، لاستحالة ذلك في حق الله - تعالى -.
стр. 152
بقي أن يقال: فلماذا أضاف الله القرب إليه؟ وهل جاء نحو هذا التعبير مرادًا به الملائكة؟
فالجواب: أضاف الله - تعالى - قرب الملائكة إليه؛ لأن قربهم بأمره، وهم جنوده ورسله.
وقد جاء نحو هذا التعبير مرادًا به الملائكة، كقوله تعالى: " فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ " [القيامة: ١٨] فإن المراد به: قراءة جبريل القرآن على رسول الله ﷺ مع أن الله - تعالى - أضاف القراءة إليه؛ لكن لما كان جبريل يقرؤه على النبي ﷺ بأمر الله - تعالى - صحت إضافة القراءة إليه تعالى.
وكذلك جاء في قوله تعالى: " فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ " [هود: ٧٤]. وإبراهيم إنما كان يجادل الملائكة الذين هم رسل الله تعالى.
التعليق
هذان المثالان واضحان بينان - ولله الحمد - , فهاتان الآيتان مما زعم الغالطون والمغالطون أن تفسير القرب: (بقرب الملائكة) تأويل لها؛ فهذا من الشبهات التي يحتج بها بعض المعطلة على أهل السنة , وأنكم بهذا قد صرفتم هذه الآيات عن ظاهرها.
والجواب كما ذكر الشيخ: أن سياق الآيتين يدل على ذلك , علمًا أن هناك من أجراهما على ظاهرهما في الجملة وأثبت القرب العام (١)؛ ولكن التحقيق أن القرب إنما جاء خاصًا ولم يأتِ عامًا , وأما الآيتان فالمراد بالقرب فيهما: قربُ الملائكة , لِما ذُكِرَ , وكثيرًا ما يذكر الله ما
стр. 153
يفعله بملائكته يضيفه إلى نفسه بصيغة الجمع , مثل الآيتين التي ذكر الشيخ " فإذا قرأناه فاتبع قرآنه " [القيامة: ١٨] فالمراد: قراءة جبريل القرآن على النبي ﵊ وقوله: " يجادلنا في قوم لوط " [هود: ٧٤] فالملائكة رسل الله والمجادِل للرسول مجادِل لمن أرسله , فالله - تعالى - يضيف إلى نفسه ما يفعله بملائكته , وشواهد هذا في القرآن كثيرة , وهو أمر معروف في خطاب الناس بعضهم لبعض , المرسَل يقوم مقام من أرسله , ولهذا يقول - مثلا - قلنا لك وفعلنا لك، وإنما قالَ أو فعلَ بواسطة الرسول , يقول القائل: كتبت , كتبنا , كتبت إلى فلان كتابًا , وقد لا يكون خطه بيده , وإنما كتبه الكاتب , بخلاف ما لو قال: كتبت بيدي؛ فإذا قال: كتبت بيدي، تَعَيَّنَّ أنه كتبه بيده؛ لكن مجرد أن يقول: كتبت أو كتبنا؛ فقد يكون بواسطة كاتب وقد يكون بيده.
стр. 154
المثال التاسع والعاشر
قوله تعالى عن سفينة نوح: " تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا " [القمر: ١٤]، وقوله لموسى: " وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي " [طه: ٣٩].
والجواب: أن المعنى في هاتين الآيتين على ظاهر الكلام وحقيقته، لكن ما ظاهر الكلام وحقيقته هنا؟ (١)
هل يقال: إِنَّ ظاهره وحقيقته أَنَّ السفينة تجري في عين الله؛ أو أن موسى ﵊ يربى فوق عين الله - تعالى -؟!!
أو يقال: إن ظاهره أن السفينة تجري وعين الله ترعاها وتكلؤها، وكذلك تربية موسى تكون على عين الله - تعالى - يرعاه ويكلؤه بها.
ولا ريب أن القول الأول باطل من وجهين:
الأول: أنه لا يقتضيه الكلام بمقتضى الخطاب العربي، والقرآن إنما نزل بلغة العرب، قال الله - تعالى -: " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " [يوسف: ٢]، وقال تعالى: " نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ " [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، ولا أحد يفهم من قول القائل: (فلان يسير بعيني) أَنَّ المعنى: أنه يسير داخل عينه، ولا من قول القائل: (فلان تخرج على عيني)، أَنَّ تخرجه كان وهو راكب على عينه، ولو اِدَّعَى مُدَّعٍ
стр. 155
أن هذا ظاهر اللفظ في هذا الخطاب لضحك منه السفهاء فضلًا عن العقلاء.
الثاني: أن هذا ممتنع غاية الامتناع، ولا يمكن لمن عرف الله وَقَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ أن يفهمه في حق الله - تعالى -؛ لأن الله - تعالى - مستو على عرشه، بائن من خلقه، لا يحل فيه شيء من مخلوقاته، ولا هو حَالٌّ في شيء من مخلوقاته، عن ذلك علوًا كبيرًا.
فإذا تبين بطلان هذا من الناحية اللفظية والمعنوية تَعَيَّنَ أن يكون ظاهر الكلام هو القول الثاني أن السفينة تجري وعين الله ترعاها وتكلؤها، وكذلك تربية موسى تكون على عين الله يرعاه ويكلؤه بها. وهذا معنى قول بعض السلف بمرأى مني، فإن الله - تعالى - إذا كان يكلؤه بعينه لزم من ذلك أن يراه، ولازم المعنى الصحيح جزء منه كما هو معلوم من دلالة اللفظ حيث تكون بالمطابقة والتضمن والالتزام.
التعليق
هذه الآية وهي قوله تعالى: " تجري بأعيننا " أوضح في الدلالة على المراد؛ فالمعنى المراد منها ظاهر فلا تحتاج إلى تأويل، وهي أظهر في معناها من سائر الأمثلة المتقدمة، فاحتجاج الخصم بها على أهل السنة مغالطةٌ ظاهرة، أو جهل فاضح.
ولولا تلبيس المبطلين وتشويش أصحاب الأهواء ما كان هناك موجب للاحتراز، وأن هذه الآية لا تحتمل أبدًا هذا المعنى المنتفي بالضرورة، فلا يخطر ببال عاقلٍ كما قال الشيخ " تجري بأعيننا " [القمر: ١٤] لا يفهم عاقل أبدًا أن المعنى أنها تجري في عينه - سبحانه وتعالى عما يظن ويقول الجاهلون علوًا كبيرًا -، فقوله تعالى: " تجري بأعيننا " [القمر: ١٤] يعني:
стр. 156
تجري بمرأى منا وبكلأتنا وحفظنا يراها , ففيها إثبات الرؤية، ولكن - أيضًا - فيها إثبات العينين لله , فإذا قال المفسرون من أهل السنة تجري بأعيننا يعني بمرأى منا , تجري والله يراها = لم يكن هذا تأويلًا , مثل: " واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا " [الطور: ٤٨] يعني: وأنت بمرأى منا , كقوله: " وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين " [الشعراء: ٢١٧ - ٢١٩] , فالآية لا تحتمل إلا هذا.
أما المعنى الآخر فليس محتملًا أبدًا؛ فلا يصح أن يقال: إِنَّ ظاهرها هو المعنى الفاسد , وإن تفسيرها بالمعنى الذي قاله أهل السنة تأويل وإخراج للفظ عن ظاهره , كلا أبدًا , اللفظ لا يحتمل إلا هذا , ولكن كما قلت: إن فيها هذا المعنى وفيها إثبات العين , وإذا قال مفسروا أهل السنة " تجري بأعيننا " يعني بكلأتنا وبمرأى منا فليس هذا تفسير للعين , هذا تفسير للجملة وبيان لمضمون الكلام , ففيها إثبات العينين لله وإثبات الرؤية , والباء في قوله: " تجري بأعيننا " للمصاحبة أي بمرأى منا؛ فالباء هنا ليست سببية , وإنما للمصاحبة يعني: تجري والله يراها.
стр. 157
المثال الحادي عشر
قوله تعالى في الحديث القدسي: " وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه " (١).
والجواب: أن هذا الحديث صحيح رواه البخاري في باب التواضع الثامن والثلاثين من كتاب الرقاق.
وقد أخذ السلف أهل السنة والجماعة بظاهر الحديث وأجروه على حقيقته.
ولكن ما ظاهر هذا الحديث؟
هل يقال: إن ظاهره أن الله - تعالى - يكون سَمْعَ الولي وبصره ويده ورجله؟
أو يقال: إن ظاهره أن الله - تعالى - يسدد الولي في سمعهِ وبصرهِ ويدهِ ورجلِهِ بحيث يكون إدراكه وعمله لله، وبالله، وفي الله؟ (٢)
стр. 158
ولا ريب أن القول الأول ليس ظاهر الكلام؛ بل ولا يقتضيه الكلام لمن تدبر الحديث، فإن في الحديث ما يمنعه من وجهين:
الوجه الأول: أن الله - تعالى - قال: " وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه "، وقال: " ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ". فأثبت عبدًا ومعبودًا، ومتقربًا ومتقربًا إليه، ومحبًا ومحبوبًا، وسائلًا ومسئولًا، ومعطيًا ومعطى، ومستعيذًا ومستعاذًا به، ومعيذًا ومعاذًا؛ فسياق الحديث يدل على اثنين متباينين كل واحد منهما غير الآخر، وهذا يمنع أن يكون أحدهما وصفًا في الآخر أو جزءًا من أجزائه.
الوجه الثاني: أن سمع الولي وبصره ويده ورجله كلها أوصاف أو أجزاء في مخلوق حادث بعد أن لم يكن، ولا يمكن لأي عاقل أن يفهم أن الخالق الأول الذي ليس قبله شيء يكون سمعًا وبصرًا ويدًا ورجلًا لمخلوق؛ بل إن هذا المعنى تشمئز منه النفس أن تتصوره، ويحسر اللسان أن ينطق به ولو على سبيل الفرض والتقدير، فكيف يسوغ أن يقال: إنه ظاهر الحديث القدسي؟! وأنه قد صرف عن هذا الظاهر، سبحانك اللهم وبحمدك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
وإذا تبين بطلان القول الأول وامتناعه = تعينَ القول الثاني، وهو أن الله - تعالى - يسدد هذا الولي في سمعه وبصره وعمله؛ بحيث يكون إدراكه بسمعه وبصره، وعمله بيده ورجله كله لله - تعالى - إخلاصًا، وبالله - تعالى - استعانةً، وفي الله - تعالى - شرعًا واتباعًا، فيتم له بذلك كمال الإخلاص والاستعانة والمتابعة، وهذا غاية التوفيق؛ وهذا ما فسره به السلف، وهو تفسير مطابق لظاهر اللفظ موافق لحقيقته متعين بسياقه، وليس فيه تأويل ولا صرف للكلام عن ظاهره؛ ولله الحمد والمنة.
стр. 159
المثال الثاني عشر: قوله ﷺ فيما يرويه عن الله - تعالى - أنه قال: " من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت من باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة " (١).
وهذا الحديث صحيح؛ رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء من حديث أبي ذر ﵁، وروى نحوه من حديث أبي هريرة - أيضًا -، وكذلك روى البخاري نحوه من حديث أبي هريرة ﵁ في كتاب التوحيد الباب الخامس عشر.
وهذا الحديث كغيره من النصوص الدالة على قيام الأفعال الاختيارية بالله - تعالى -، وأنه - سبحانه - فَعَّالٌ لما يريد كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة مثل قوله تعالى: " وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ " [البقرة: ١٨٦]، وقوله: " وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً " [الفجر: ٢٢]، وقوله: " هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَاتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَاتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَاتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ " [الأنعام: ١٥٨]، وقوله: " الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى " [طه:٥]، وقوله ﷺ : " ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر " (٢)، وقوله ﷺ : " ما تصدق أحد بصدقة من طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - إلا أخذها الرحمن بيمينه " (٣) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على قيام الأفعال الاختيارية به تعالى.
فقوله في هذا الحديث: " تقربت منه " " وأتيته هرولة " من هذا الباب.
стр. 160
والسلف - أهل السنة والجماعة - يجرون هذه النصوص على ظاهرها وحقيقة معناها اللائق بالله من غير تكييف ولا تمثيل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح حديث النزول (ص ٤٦٦ / جـ ٥ من مجموع الفتاوى): (وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده، فهذا يثبته مَنْ يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة ونزوله واستواءه على العرش، وهذا مذهب أئمة السلف وأئمة الإسلام المشهورين وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر). اهـ.
فأي مانع يمنع من القول بأنه يقرب من عبده كيف يشاء مع علوه؟
وأي مانع يمنع من إتيانه كيف يشاء بدون تكييف ولا تمثيل؟
وهل هذا إلا من كماله أن يكون فعالًا لما يريد على الوجه الذي يليق به؟
وذهب بعض الناس إلى أن قوله تعالى في هذا الحديث القدسي: " أتيته هرولة " يراد به: سرعة قبول الله - تعالى - وإقباله على عبده المتقرب إليه المتوجه بقلبه وجوارحه، وأن مجازاة الله للعامل له أكمل من عمل العامل.
وعلل ما ذهب إليه بأن الله - تعالى - قال في الحديث: " ومن أتاني يمشي " ومن المعلوم أن المتقرب إلى الله الطالب للوصول إليه لا يتقرب ويطلب الوصول إلى الله تعالى بالمشي فقط؛ بل تارة يكون بالمشي كالسير إلى المساجد ومشاعر الحج والجهاد في سبيل الله ونحوها، وتارة بالركوع والسجود ونحوهما،
стр. 161
وقد ثبت عن النبي ﷺ : " إن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد " (١)، بل قد يكون التقرب إلى الله - تعالى - وطلب الوصول إليه والعبد مضطجع على جنبه كما قال الله - تعالى -: " الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ " [آل عمران: ١٩١]، وقال النبي ﷺ لعمران بن حصين: " صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب " (٢).
قال: فإذا كان كذلك صار المراد بالحديث بيان مجازاة الله - تعالى - العبد على عمله، وَأَنَّ مَنْ صَدَقَ في الإقبال على ربه وإن كان بطيئًا جازاه الله - تعالى - بأكمل من عمله وأفضل، وصار هذا هو ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية المفهومة من سياقه.
وإذا كان هذا ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية، لم يكن تفسيره به خروجًا به عن ظاهره ولا تأويلًا كتأويل أهل التعطيل، فلا يكون حجة لهم على أهل السنة؛ ولله الحمد.
وما ذهب إليه هذا القائل له حظ من النظر؛ لكنَّ القول الأول أظهر وأسلم وأليق بمذهب السلف.
ويُجاب عما جعله قرينة من كون التقرب إلى الله - تعالى - وطلب الوصول إليه لا يختص بالمشي: بأن الحديث خرج مخرج المثال لا الحصر فيكون المعنى: مَنْ أتاني يمشي في عبادة تفتقر إلى المشي لتوقفها عليه بكونه وسيلة لها كالمشي إلى المساجد للصلاة، أو من ماهيتها كالطواف والسعي؛ والله - تعالى - أعلم.
стр. 162
التعليق
الرسول ﵊ حَدَّثَ أصحابه بهذين الحديثين، ولم يكن - ولله الحمد - عندهم فيهما إشكال , لأنهم يفهمون عن الله وعن رسوله مراده , ويفهمون دلالات الكلام , إنما جاء الاضطراب لَمَّا ظهرت البدع وغلب على أصحابها هذه البدع والأهواء، فصاروا يتبعون المتشابه؛ كما قال الله: " فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه " [آل عمران: ٧] فهذه الأحاديث إنما يُشكل فهمها أو يفهمها على غير وجهها إما جاهل لا يفهم دلالات السياق أصلا لقصور فهمه , أو أنه يكون صاحب بدعة يحمله ما يذهب إليه إلى أَنْ يُحَمِّلَ النصوصَ ما لا تحتمل، وَيَدَّعِيْ فيها ما ليس هي دالةٌ عليه؛ والحمد لله رب العالمين.
وما يتعلق بالمثال الحادي عشر - وهو حديث الولي - في قوله في الحديث القدسي: " كنت سمعه. . . بصره " كما قال الشيخ ليس ظاهره أن الله يصير عينًا للإنسان أو يدًا أو رجلًا أو أذنًا، أو أن يصير متحدًا بالمخلوق أو حالًّا فيه , هذا معنى باطل لا يسبق إلى أذهان ذوي الفطر السليمة , " كنت سمعه الذي يسمع به وبصره " يعني أصبح لا ينظر إلا بالله , لا ينظر إلا ما يحب الله منه النظر إليه , إلا ما أمره الله بالنظر إليه , ولا يسمع إلا ما أمر الله باستماعه، ولا يبطش ولا يأخذ إلا ما أمر الله به؛ فهو مطيع لربه بجوارحه كلها، وجوارحه خاضعة لله لا يتصرف فيها إلا بأمر الله استعانة وعبادة , مستعينًا بالله عابدًا لله بسمعه وبصره ويده ورجله.
وهكذا الحديث الثاني: " مَنْ تقرب إليَّ شبرًا " تقرب إليَّ بالعبادة , فالعبد يتقرب إلى ربه , ويَقْرُب من ربه , لكن ليس هو القرب المحسوس " من تقرب إليَّ شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب إليَّ ذراعًا تقربت منه باعًا " فالله يَقْرُب من عبده كيف شاء، والعبد يقرب من ربه قربًا معنويًا وروحيًا، هو في مضجعه في منامه في مكانه لكن روحه عند ربه , بتوجهه
стр. 163
إلى ربه؛ كما قال سبحانه: " واسجد واقترب " [العلق: ٧] , " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد " (١) والله يقرب من عباده كيف شاء , ولهذا التحقيق: أنَّ القرب من الله قربٌ خاص , يعني ليس هناك قرب عام , فلا نقول: إن الله قريب من جميع العباد؛ كما نقول: إنه مع جميع العباد , الأظهر: أن القرب لم يأت إلا خاصًا كما في هذا الحديث وفي قوله: " إني قريب أجيب " الآية [البقرة: ١٨٦] فهو قريب من الداعين ومن العابدين , وأما قوله: " هرولة " جاءت في مقابل " أتاني يمشي " فقوله: " أتاني يمشي " لا تعني العبادة التي فيها المشي , هذه جاءت زيادة " تقرب إليَّ شبرًا " " تقرب إليَّ ذراعًا " " ومن أتاني يمشي " يعني معناه: أنه تقرب إلى الله أكثر وأكثر؛ وعندي أنه لا يختص بالعبادات التي تقتضي مشيًا؛ بل يعم , فالعبرة بسير القلوب.
" أتيته هرولة " يعني مِثْلا بمثل , كما أنه ازداد تقربه إلى ربه فالله - تعالى - يزيده يعني أن يَقْرُب منه , ولابد من مراعاة السياق , فلا يقال: إن معنى أنه هرولة إن الله يركض , لا , هذا جاء في سياق معين يدل على أنه تعالى يقرب منه أكثر وأكثر.
" من تقرب إلي شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة " أقول: إن السلف من الصحابة والتابعين ما كان يشكل عليهم شيء من ذلك - ولله الحمد - , يعرفون دلالات الكلام ودلالات السياق ولا يتوهمون بهذه النصوص ما لا يليق به سبحانه , مثل " عبدي مرضت. . . عبدي جعت " (٢) جاء الحديث مفسرًا " قال كيف أعودك وأنت رب العلمين؟! قال: مرض عبدي فلان فلو عدته لوجدتني عنده " فجعل مرض عبده مرضه , أضاف المرض إلى
стр. 164
نفسه , وفي هذا دلالة على عنايته - تعالى - بعبده الصالح وعلى فضيلته , فجعل مرضه مرضه وجعل جوعه جوعه , مفسرًا ذلك بأنك لو عدته لوجدتني عنده ولو أطعمته لوجدت ذلك عندي (١) , والله أعلم.
والأفعال الاختيارية هي التي تكون بمشيئته؛ كل فعل تقول: (إن الله يقول أو يفعل كذا إذا شاء) فهو فعل اختياري , وهي الصفات الفعلية , فالعلم لا يصح فيه أن تقول إن الله يعلم إذا شاء , أو إنه يكون حيًا إذا شاء , أو إن له يدًا إذا شاء , لكن تقول: إنه ينزل إذا شاء، واستوى على العرش حين شاء، ويتكلم إذا شاء إلى آخره.
وحديث: " عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا " (٢) ليس هو الملل الذي هو السآمة , لكن نعلم أن الملل يدل على الكراهة , فالله - تعالى - يحب من عباده العمل الصالح إلا أن يشقوا على أنفسهم , فإذا شقوا على أنفسهم وكلَّفوا أنفسهم مالا يطيقون فإن الله يكره منهم ذلك , يكره العمل , فالملل من الشيء يتضمن كراهته , فالله - تعالى - يحب العمل الصالح من عباده ما لم يشقوا على أنفسهم , فإذا شقوا على أنفسهم وتسببوا في الملل من العمل , فإن الله يمل ولا يحب منهم ذلك العمل؛ بل يكره منهم ذلك العمل " اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا "، فإذا مَلَّ العبد فالله - تعالى - لا يحب عمله الذي يجهد به نفسه، ويشق به على نفسه، ويتجاوز فيه الحدود الشرعية , كإنسانٍ يقوم ويضع له حبلًا يتعلق فيه من أجل القيام؛ كما دخل النبي ﷺ فإذا حبلٌ ممدود بين الساريتين، فقال: " ما هذا الحبل؟! " قالوا: هذا حبلٌ لزينب، فإذا فترت تعلقت، فقال النبي ﷺ : " لا، حُلُّوه؛ لِيُصَلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فَتَرَ فليقعد " (٣).
стр. 165
المثال الثالث عشر
قوله تعالى: " أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً " [يس: ٧١].
والجواب: أن يقال: ما هو ظاهر هذه الآية وحقيقتها حتى يقال إنها صرفت عنه؟
هل يقال: إن ظاهرها أن الله - تعالى - خلق الأنعام بيده كما خلق آدم بيده؟
أو يقال: إن ظاهرها أن الله - تعالى - خلق الأنعام كما خلق غيرها، لم يخلقها بيده، لكن إضافة العمل إلى اليد والمراد صاحبها معروفٌ في اللغةِ العربيةِ التي نَزَلَ بها القرآن الكريم.
أما القول الأول فليس هو ظاهر اللفظ لوجهين:
أحدهما: أن اللفظ لا يقتضيه بمقتضى اللسان العربي الذي نزل به القرآن، ألا ترى إلى قوله تعالى: " وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ " [الشورى: ٣٠]، وقوله: " ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " [الروم: ٤١]، وقوله: " ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُم " [آل عمران: ١٨٢]، فإن المراد: ما كسبه الإنسان نفسه وما قَدَّمَهُ وإنْ عَمِلَهُ بغير يَدِهِ، بخلاف ما إذا قال: عَمِلْتُهُ بيدي؛ كما في قوله تعالى: " فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ " [البقرة: ٧٩]، فإنه يدل على مباشرة الشيء باليد.
стр. 166
الثاني: أنه لو كان المراد أن الله - تعالى - خلق هذه الأنعام بيده لكان لفظ الآية: خلقنا لهم بأيدينا أنعامًا؛ كما قال الله - تعالى - في آدم: " مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ " [ص: ٧٥]؛ لأن القرآن نزل بالبيان لا بالتعمية؛ لقوله تعالى: " وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء " [النحل: ٨٩].
وإذا ظهر بطلان القول الأول تعين أن يكون الصواب هو القول الثاني؛ وهو: أن ظاهر اللفظ أن الله - تعالى - خلق الأنعام كما خلق غيرها ولم يخلقها بيده، لكن إضافة العمل إلى اليد كإضافته إلى النفس بمقتضى اللغة العربية، بخلاف ما إذا أضيف إلى النفس وَعُدِّيَ بالباء إلى اليد، فتنبه للفرق؛ فإن التنبه للفروق بين المتشابهات من أجود أنواع العلم، وبه يزول كثيرٌ من الإشكالات.
التعليق
هذه المسألة ذكرها ابن تيمية في التدمرية في القاعدة الثالثة من القواعد النافعة (١) , ذكر أن من أغلاط بعض الناس جعل اللفظ نظيرًا لما ليس مثله، كما قالوا في قوله تعالى: " ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي " [ص: ٧٥] إنها نظير لقوله تعالى: " أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا " [يس: ٧١]، فجعل الآيتين كلاهما من قبيل واحد , ومن يقول ذلك يريد أن يتوصل إلى أن قوله تعالى: " ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي " [ص: ٧٥] مثل: " أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا " [يس: ٧١] لا تدل على المباشرة باليدين أو وقوع الفعل باليدين , وإنما تدل على أنه خلق
стр. 167
آدم بقدرته كما خلق الأنعام بقدرته , فجعل آية (ص) كآية (ياسين).
وقد فنَّد شيخ الإسلام ﵀ هذا القول ببيان الفرق بين الآيتين في الأسلوب , فقال: إنه في آية (ياسين) أضاف الفعل إلى الأيدي، وقال: " مما عملت أيدينا " [يس: ٧١] , كما قال في الآية الأخرى: " فبما كسبت أيديكم " [الشورى: ٣٠]؛ وأما في آية (ص) فأضاف الفعل إلى نفسه وعداه إلى اليد بالباء فقال: " ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي " [ص: ٧٥].
وأيضًا؛ فإنه ذكر الأيدي في آية (ياسين) بلفظ الجمع، وفي آية (ص) بلفظ التثنية؛ وأيضًا فإنه ذكر نفسه هو بصيغة الجمع في آية (ياسين) , وذكر نفسه في آية (ص) بلفظ المفرد , ثم نظَّر لهذه الآيات، فقال: إن آية (ياسين) من حيث إسناد الفعل إلى الأيدي كآية الشورى " فبما كسبت أيديكم " [الشورى: ٣٠] , وآية ياسين من حيث ذكر المثنى بصيغة الجمع كقوله: " تجري بأعيننا " [القمر: ١٤] فذكر المثنى بصيغة الجمع , وقوله تعالى: " ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي " [ص: ٧٥] نظير لقوله: " بل يداه مبسوطتان " [المائدة: ٦٤] من حيث ذكر اليدين بلفظ التثنية , فبان من ذلك بطلان من يجعل آية (ص) كآية (ياسين)؛ بل بينهما فروق.
إذن؛ فآية (ياسين) لا تدل على حصول الخلق باليدين , فلا تدل على أن الله خلق الأنعام بيديه بينما آية (ص) تدل على أن الله خلق آدم بيديه , والقول بأن آية (ياسين) تدل على خلق الأنعام باليدين يؤدي إلى أن آدم ليس له فضيلة وليس له خصوصية , وكذلك إذا قيل: إن آية (ص) كآية (ياسين) لا تدل على الخلق باليدين، فإن ذلك يقتضي نفي اختصاص آدم بهذا الشرف وهذه الفضيلة.
والحاصل: أنه يفرق في اللغة العربية بين إسناد الفعل إلى الأيدي وإسناد الفعل إلى الفاعل وتعديته إلى اليد أو اليدين بالباء , ففرق بين قول
стр. 168
القائل: (هذا ما فعلت يداك) , هذا لا يدل على أنه قد جناه بيده , فتقول لإنسان تكلمَ بكلامٍ أَضَرَّ بِهِ وَسَبَّبَ له ضررًا: (هذا ما فعلت يداك) , وهو إنما جنى بلسانه أو برجله , ولكن إذا قلت: (هذا ما فعلت بيديك) فإن هذا يدل على أن الجناية حصلت باليد , بقتلٍ أو ضربٍ أو ما أشبه ذلك , كما ذكر الشيخ من الفروق " ذلك بما قدمت أيديكم " [آل عمران: ١٨٢]، وقوله: " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم " [البقرة: ٧٩]، فإذا أسند الفعل إلى الفاعل وعُدِّيَ بالباء دل على أن الفعل حصل ووقع باليد , وإذا أسند الفعل إلى الأيدي " فبما كسبت أيديكم " [الشورى: ٣٠] " بما قدمت أيديكم " [آل عمران: ١٨٢] " بما قدمت يداك " [الحج: ١٠]، فإنه - حينئذٍ - لا يدل على خصوص ما جناه المكلف بيده؛ بل ذلك عام , فقوله " فبما كسبت أيديكم " [الشورى: ٣٠] يساوي (بما كسبتم)؛ والله أعلم.
стр. 169
المثال الرابع عشر
قوله تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ " [الفتح: ١٠] (١).
والجواب: أن يقال: هذه الآية تضمنت جملتين:
الجملة الأولى: قوله تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ " [الفتح: ١٠]، وقد أخذ السلف - أهل السنة - بظاهرها وحقيقتها، وهي صريحة في أن الصحابة ﵃ كانوا يبايعون النبي ﷺ نفسه كما في قوله تعالى: " لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ " [الفتح: ١٨].
ولا يمكن لأحد أن يفهم من قوله تعالى: " إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ " [الفتح: ١٠] أنهم يبايعون الله نفسه، ولا أَنْ يَدَّعِيَ أن ذلك ظاهر اللفظ لمنافاته لأول الآية والواقع، واستحالته في حق الله - تعالى -.
وإنما جعل الله - تعالى - مبايعة الرسول ﷺ مبايعةً له؛ لأنه رسوله وقد بايع الصحابة على الجهاد في سبيل الله - تعالى -، ومبايعة الرسول على الجهاد في سبيل مَنْ أرسله مبايعةٌ لمن أرسله؛ لأنه رسوله المبلغ عنه، كما أن طاعة الرسول طاعة لمن أرسله لقوله
стр. 170
تعالى: " مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ " [النساء: ٨٠].
وفي إضافة مبايعتهم الرسولَ ﷺ إلى اللهِ - تعالى - مِنْ تشريفِ النبي ﷺ وتأييده وتوكيد هذه المبايعة وعظمها ورفع شأن المبايعين ما هو ظاهر لا يخفى على أحد.
الجملة الثانية: قوله تعالى: " يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِم " [الفتح: ١٠] وهذه - أيضًا - على ظاهرها وحقيقتها، فإن يد الله - تعالى - فوق أيدي المبايعين؛ لأن يده من صفاته، وهو سبحانه فوقهم على عرشه، فكانت يده فوق أيديهم. وهذا ظاهر اللفظ وحقيقته وهو لتوكيد كون مبايعة النبي ﷺ مبايعة لله ، ولا يلزم منها أن تكون يد الله - جل وعلا - مباشِرَة لأيديهم، ألا ترى أنه يُقَال: (السماء فوقنا) مع أنها مباينة لنا بعيدة عنا؟! فيد الله فوق أيدي المبايعين لرسوله ﷺ مع مباينته - تعالى - لخلقه وعلوه عليهم.
ولا يمكن لأحد أن يفهم أن المراد بقوله: " يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِم " [الفتح: ١٠] يد النبي ﷺ ، ولا أن يدعي أن ذلك ظاهر اللفظ؛ لأن الله - تعالى - أضاف اليد إلى نفسه، ووصفها بأنها فوق أيديهم، ويد النبي ﷺ عند مبايعة الصحابة لم تكن فوق أيديهم؛ بل كان يبسطها إليهم، فيمسك بأيديهم كالمصافح لهم، فيده مع أيديهم لا فوق أيديهم.
التعليق
هذه الآية مما يشبه به خصوم أهل السنة، ويدعون عليهم بأنهم يأولونها بخلاف ظاهرها، فإنهم يزعمون أنَّ ظاهرها أن يد الله فوق أيدي المبايعين للرسول ﷺ وأن أيديهم مباشرة ليده - سبحانه -، وهذا زعم باطل.
стр. 171
فأول الآية وآخرها يرده.
وأيضًا؛ فإنَّ من المعلوم أنه يستحيل أن يبايعوه نفسه بأن يضعوا أيديهم في يده , لكنهم بمبايعتهم للرسول ﷺ قد بايعوا الله , مثل: " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم " [التوبة: ١١١] , هذه الآية تشبه " من يطع الرسول فقد أطاع الله " [النساء: ٨٠].
أما قوله تعالى: " يد الله فوق أيديهم " فهذه المسألة فيها بحث , والحقيقة أن هذا التوجيه الذي ذكره الشيخ ﵀ ليس بظاهر، إذ ليس لهم فيه خصوصية , فيد الله فوق أيديهم وأيدي الناس كلهم، فلا يفيد معنى يشعر بعظمة هذه البيعة.
قال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد (١): (ثم ذكر سبحانه بيعتهم لرسوله، وأكدها بكونها لله سبحانه " من يطع الرسول فقد أطاع الله " [النساء: ٨٠] , من بايع الرسول فقد بايع الله، وأن يده تعالى كانت فوق أيديهم إذ كانت يد رسول الله ﷺ كذلك وهو رسوله ونبيه، فالعقد معه عقد مع مرسله، وبيعته بيعته؛ فمن بايعه فكأنما بايع الله، ويد الله فوق يده).
وكأنه يريد أن يجعل هذا من جنس ما جاء في الأثر: " فمن استلمه وقبله، فكأنما صافح الله وقبل يمينه " (٢)، فقوله: " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم " [الفتح: ١٠] يعني: كأن يد الرسول الذي
стр. 172
هو مُبَلِّغٌ عن الله شرعَه ودينَه بايعهم , فَيَدُهُ فوق أيديهم وهو رسول الله، وبيعتهم له بيعة لله؛ فكأن يد الله فوق أيديهم، وإذا كان الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وَقَبَّلَهُ فكأنما صافح الله وَقَبَّلَ يمينه، فَيَدُ رسول الله ﷺ أولى بهذا من الحجر الأسود.
قال ابن جرير - رحمه الله تعالى -: (وفي قوله: " يد الله فوق أيديهم " [الفتح: ١٠] وجهان من التأويل:
أحدهما: يد الله فوق أيديهم عند البيعة، لأنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم نبيه ﷺ .
والآخر: قوة الله فوق قوتهم في نصرة رسوله ﷺ لأنهم إنما بايعوا رسول الله ﷺ على نصرته على العدو) (١).
والمعنى الأول الذي ذكره الطبري قريب من كلام ابن القيم، والكلام الذي قاله ابن القيم في الآية هو أقرب ما يكون.
فقوله: " يد الله فوق أيديهم " [الفتح: ١٠] ترشيح لقوله: " إنما يبايعون الله " [الفتح: ١٠] يعني: تأكيد، فلما قال: " إنما يبايعون الله " أكد ذلك بقوله: " يد الله فوق أيديهم " فمن بايع الرسول فكأنما بايع الله يعني: بيده.
стр. 173
المثال الخامس عشر
قوله تعالى في الحديث القدسي: " يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني ... " الحديث (١).
وهذا الحديث رواه مسلم في (باب فضل عيادة المريض) من (كتاب البر والصلة والآداب) (رقم ٤٣ / ص ١٩٩٠ ترتيب: محمد فؤاد عبد الباقي)، رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله - تعالى - يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عبدي فلانًا مرض فلم تعده، أَمَا علمتَ أنك لو عُدته لوجدتني عنده؟! يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب! وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟! يا ابن آدم، استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب! كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي " (٢).
والجواب: أن السلف أخذوا بهذا الحديث ولم يصرفوه عن
стр. 174
ظاهره بتحريف يتخبطون فيه بأهوائهم، وإنما فسروه بما فَسَّرَهُ به المتكلم به، فقوله تعالى في الحديث القدسي: " مرضت " " واستطعمتك " " واستسقيتك " بَيَّنَهُ الله - تعالى - بنفسه حيث قال: " أما علمت أن عبدي فلانًا مرض " " وأنه استطعمك عبدي فلان " " واستسقاك عبدي فلان " وهذا صريح في أن المراد به: مَرَضُ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، واستطعام عبد من عباد الله، واستسقاء عبد من عباد الله، والذي فسره بذلك هو الله المتكلم به وهو أعلم بمراده، فإذا فسرنا المرض المضاف إلى الله والاستطعام المضاف إليه والاستسقاء المضاف إليه، بمرض العبد واستطعامه واستسقائه = لم يكن في ذلك صرفٌ للكلام عن ظاهره؛ لأن ذلك تفسير المتكلم به فهو كما لو تكلم بهذا المعنى ابتداءً، وإنما أضاف الله ذلك إلى نفسه أولًا للترغيب والحث؛ كقوله تعالى: " مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ " [البقرة: ٢٤٥].
وهذا الحديث من أكبر الحجج الدامغة لأهل التأويل الذين يحرفون نصوص الصفات عن ظاهرها بلا دليل من كتاب الله - تعالى - ولا من سنة رسوله ﷺ ، وإنما يحرفونها بِشُبَهٍ باطلةٍ هم فيها متناقضون مضطربون. إذ لو كان المراد خلاف ظاهرها - كما يقولون - لبيَّنَه الله - تعالى - ورسوله، ولو كان ظاهرها ممتنعًا على الله - كما زعموا - لبينه الله ورسوله كما في هذا الحديث. ولو كان ظاهرها اللائق بالله ممتنعًا على الله لكان في الكتاب والسنة من وصف الله - تعالى - بما يمتنع عليه ما لا يُحصى إلا بكلفة، وهذا من أكبر المحال.
وَلْنَكْتَفِ بهذا القدر من الأمثلة لتكون نبراسًا لغيرها، وإلا
стр. 175
فالقاعدة عند أهل السنة والجماعة معروفة، وهي إجراء آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل.
وقد تقدم الكلام على هذا مستوفًى في قواعدِ نصوص الصفات؛ والحمد لله رب العالمين.
التعليق
هذا الحديث الأخير ذكره شيخ الإسلام في التدمرية وفي مواضع أخرى (١) , وبَيَّنَ أن بعض الناس يقول: إن ظاهر هذا الحديث معنى فاسد , وأنه لا بد من تأويله , وَيَرُدُّ الشيخ بقوله: إن الحديث ليس ظاهره المعنى الفاسد , الحديث مُفَسَّر وإذا كان مُفَسَّرًا لم يجز أن يقال: إن ظاهره معنى فاسد.
نعم لو جاء الحديث: "عبدي مرضت فلم تعدني، عبدي استطعمتك فلم تطعمني " وفي لفظ: " عبدي جعت فلم تطعمني " " عبدي استسقيتك فلم تسقني " لقلنا: يصح أنْ يُقال: إن ظاهره معنى فاسد , لكن الحديث ما جاء هكذا (٢) , وأنا أقول للتقريب: لو قال قائل: إن ظاهر الآية " فويل للمصلين " [الماعون] تهديد ووعيد للمصلين , لكان مبطلًا , فليس هذا هو ظاهر الآية , لأن الآية موصولة " الذين هم عن صلاتهم ساهون " [الماعون] فهذا فيه تهديد ووعيد للساهين عن صلاتهم، لا تهديد ووعيد للمصلين.
إذن؛ الآية ليس ظاهرها ذلك المعنى الفاسد؛ فكذلك الحديث ,
стр. 176
فالذي قال: " عبدي مرضت " , " عبدي استطعمتك " , " عبدي استسقيتك " , هو الذي فَسَّرَ ذلك بقوله: " مرض عبدي فلان " " استطعمك عبدي فلان " " استسقاك عبدي فلان " فالحديث واضح، ولا يصح أنْ يقال فيه: إِنَّ ظاهره معنى فاسد فيحتاج إلى تأويل؛ فرحم الله الشيخ وأثابه على ما وضَّح وبيَّن.
стр. 177
الخاتمة
إذا قال قائل: قد عرفنا بطلان مذهب أهل التأويل في باب الصفات، ومن المعلوم أن الأشاعرة من أهل التأويل؛ فكيف يكون مذهبهم باطلًا، وقد قيل: إنهم يمثلون اليوم خمسةً وتسعين بالمائة من المسلمين؟!
وكيف يكون باطلًا وقدوتهم في ذلك أبو الحسن الأشعري؟
وكيف يكون باطلًا وفيهم فلان وفلان من العلماء المعروفين بالنصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم؟
قلنا: الجواب عن السؤال الأول: إننا لا نُسَلِّم أن تكون نسبة الأشاعرة بهذا القدر بالنسبة لسائر فرق المسلمين، فإن هذه دعوى تحتاج إلى إثبات عن طريق الإحصاء الدقيق.
ثم لو سلمنا أنهم بهذا القدر أو أكثر فإنه لا يقتضي عصمتهم من الخطأ؛ لأن العصمة في إجماع المسلمين لا في الأكثر.
ثم نقول: إن إجماع المسلمين قديمًا ثابت على خلاف ما كان عليه أهل التأويل، فإن السلف الصالح من صدر هذه الأمة - وهم الصحابة - الذين هم خير القرون، والتابعون لهم بإحسان وأئمة الهدى من بعدهم كانوا مجمعين على إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له
стр. 178
رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، وإجراءُ النصوص على ظاهرها اللائق بالله - تعالى - من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
وهم خير القرون بنص الرسول ﷺ ، وإجماعُهُم حُجَّةٌ مُلْزِمَةٌ؛ لأنه مقتضى الكتاب والسنة، وقد سبق نقل الإجماع عنهم في القاعدة الرابعة من قواعد نصوص الصفات.
التعليق
ذكر الشيخ في خاتمة الكتاب بعض الأسئلة التي قد تَرِدُ في ذهن بعض الناس ثم أجاب عنها.
يقول الشيخ ﵀ في معرض رَدِّه على اعتراض المعترض القائل: (ومن المعلوم أن الأشاعرة من أهل التأويل): والصحيح أنهم ليسوا كلهم من أهل التأويل لكن يحتمل كونه غالبًا عليهم، وإلا فهم صنفان - كما يقول الشيخ - الذين يوجبون فيما نفوه إما التفويض وإما التأويل , فهم فريقان منهم من ينتحل تأويل نصوص ما نفوه , ومنهم من يذهب إلى التفويض.
وهنا - أيضًا - يجب أنْ يُفْهَم أَنَّ قول من يقول: إنَّ الأشاعرةَ يمثلون خمسة وتسعين بالمائة من المسلمين , هذا باعتبار العلماء أو باعتبار العامة؟ إنْ كانَ باعتبارِ العامةِ فهذا كَذِبٌ وليس بصحيح , عوام المسلمين على الفطرة يؤمنون بأن الله فوق؛ إلا من درس وَتَلَقَّنَ هذا المذهب؛ فالمذهب الأشعري إنما هو لنفس العلماء والدارسين , كما يقال: (للمُنَظِّرِينَ فقط)، والمنظرون قلة؟!
فكيف يقال إنَّ خمسة وتسعين بالمائة من المسلمين يعتقدون
стр. 179
المذهب الأشعري في العلو والكلام وغير ذلك مما يختص به العلماء والدارسون لهذا المذهب؟! ولهذا العوام يتوجهون إلى الله بالدعاء رافعين أيديهم، ويرفعون نظرهم إلى السماء، ويسألون الله النظر إلى وجهه الكريم إذا دَعَوا، ولا يستحضرون هذه الاعتقادات الكلامية المحدثة، ولا تخطر ببالهم ولا تقبلها فطرهم.
стр. 180
والجواب عن السؤال الثاني
أن أبا الحسن الأشعري وغيره من أئمة المسلمين لا يَدَّعُونَ لأنفسهم العصمةَ من الخطأ؛ بل لم ينالوا الإمامة في الدين إلا حين عرفوا قدر أنفسهم وَنَزَّلُوهَا منزلتها، وكان في قلوبهم من تعظيم الكتاب والسنة ما استحقوا به أن يكونوا أئمة، قال الله تعالى: " وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ " [السجدة: ٢٤]، وقال عن إبراهيم: " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* شَاكِراً لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " [النحل: ١٢٠ - ١٢١].
ثم إنَّ هؤلاء المتأخرين الذين ينتسبون إليه لم يقتدوا به الاقتداءَ الذي ينبغي أن يكونوا عليه؛ وذلك أَنَّ أبا الحسن كان له مراحل ثلاث في العقيدة:
المرحلة الأولى: مرحلة الاعتزال: اعتنق مذهب المعتزلة أربعين عامًا يقرره ويناظر عليه، ثم رجع عنه وصرح بتضليل المعتزلة وبالغ في الرد عليهم (١).
المرحلة الثانية: مرحلة بين الاعتزال المحض والسُّنَّةِ المحضةِ سلك فيها طريق أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب (٢).