ومثل الألفاظ التي فيها التفضيل المطلق: كخير الراحمين، والغافرين، والرازقين، والناصرين؛ فكل هذه مختصة بالله , فتقول: يا خير الراحمين، ويا خير الغافرين تارة كذا , وتارة تقول: اللهم أنت خير الراحمين، واللهم أنت خير الغافرين. " أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين " [الأعراف: ١٥٥] (١).
ومن القواعد: أنه لا يشتق لله من كل صفة أو فعل اسم (٢) , فلا يقال: إنه الغاضب، أو الغضبان، أو الراضي؛ كما أنه من باب أولى: لا يشتق له من فعل المكر ماكر , لكنه خير الماكرين , وهكذا مُدَمْدِم من " فدمدم عليهم ربهم " [الشمس: ١٤]، ومدمِّر من " فدمرناها تدميرا " [الإسراء: ١٦] , فلا يشتق لله - تعالى - من هذه أسماء.
لكن بعض الأفعال يمكن أن يكون الأمر فيها أوسع مثل: المنعم؛ فقد يقال: إنه صحيح , لأنه من معنى الرب، فالرب هو المنعم، ومن معانيه المنعم، فيتضمن أنه المنعم مطلقًا بجميع النعم (٣).
стр. 37
والمحسن؛ قد ورد في بعض الأحاديث (١) , وهو من جنس المنعم , فالمحسن مطلقًا هو الله - تعالى - , فهو المنعم بجميع النعم، وهو المحسن إلى عباده بكل أنواع الإحسان.
وبهذا الاعتبار تكون الأسماء كثيرة جدًا فيدخل في ذلك الرفيق " إن الله رفيق " (٢)، والجميل (٣)، والمسعر: " إن الله هو المسعر، القابض،
стр. 38
الباسط، الرازق " (١) فهو الرازق وهو الرزّاق، وهو أسرع الحاسبين.
وللعلماء كلام كثير في الأسماء ومصنفات وشروح وتوسعات، ومنها هذا الكتاب، فإنه ضمنه سردَ الأسماء الحسنى، وسيأتي ذكرها في المتن - إن شاء الله -.
والجهمية والمعطلة: نفوا أسماءه - تعالى -، والمعتزلة: نفوا ما تدل عليه من المعاني؛ وكل ذلك تعطيل، وهو من جملة الأباطيل والقول المبني على الأوهام والظنون الكاذبة.
وقول الشيخ: (جناية في حقه تعالى) التعبير بجناية عندي فيه شيء؛ لكن يمكن أن يقال: الممتنع أن يقال: جَنَى على الله؛ فهذا لا يجوز، وهذا مثل أن يقال: هذا ظلم لله وإساءة إلى الله , لكن قوله: (جناية في حقه تعالى) يعني جناية من العبد على نفسه في حق الله , فالعبد العاصي إنما يجني على نفسه " ومن أساء فعليها " [فصلت: ٤٦].
стр. 39
القاعدة السادسة:
أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد مُعَيَّن (١):
لقوله ﷺ في الحديث المشهور: " أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ". الحديث رواه أحمد وابن حبان والحاكم (٢)، وهو صحيح.
стр. 40
وما استأثر الله - تعالى - به في علم الغيب لا يمكن لأحدٍ حصره، ولا الإحاطة به.
فأما قوله ﷺ : " إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها (١) دخل الجنة " (٢)، فلا يدل على حصر الأسماء بهذا العدد، ولو كان المراد الحصر لكانت العبارة: " إن أسماء الله تسعة وتسعون اسمًا، من أحصاها دخل الجنة " أو نحو ذلك.
إذن؛ فمعنى الحديث: أَنَّ هذا العدد من شأنه أَنَّ مَنْ أحصاه دخل الجنة، وعلى هذا فيكون قوله: " من أحصاها دخل الجنة " جملة مُكَمِّلَة لما قبلها، وليست مستقلة، ونظير هذا أن تقول: عندي مائة درهم أعددتها للصدقة، فإنه لا يمنع أن يكون عندك دراهم أخرى لم تعدها للصدقة.
ولم يصح عن النبي ﷺ تعيين هذه الأسماء، والحديث المروي عنه في تعيينها ضعيف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٦/ ٣٨٣ من مجموع ابن قاسم (٣): تعيينها ليس من كلام النبي ﷺ باتفاق أهل المعرفة بحديثه، وقال قبل ذلك (ص ٣٧٩) (٤): إن الوليد ذكرها عن بعض
стр. 41
شيوخه الشاميين، كما جاء مفسرًا في بعض طرق حديثه. اهـ.
وقال ابن حجر في فتح الباري (١١/ ٢١٥ ط السلفية): ليست العلة عند الشيخين (البخاري ومسلم)، تفرد الوليد فقط، بل الاختلاف فيه والاضطراب، وتدليسه واحتمال الإدراج. اهـ.
ولَمَّا لم يَصِحَّ تعيينها عن النبي ﷺ اختلف السلف فيه، وروي عنهم في ذلك أنواع. وقد جمعت تسعة وتسعين اسمًا مما ظهر لي من كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله ﷺ .
فمن كتاب الله - تعالى -:
الله، الأحد، الأعلى، الأكرم، الإله، الأول، والآخر، والظاهر، والباطن (١)، البارئ، البر، البصير، التواب، الجبار، الحافظ، الحسيب، الحفيظ، الحفي، الحق، المبين، الحكيم، الحليم، الحميد، الحي، القيوم، الخبير، الخالق، الخلاق، الرءوف، الرحمن، الرحيم، الرزاق، الرقيب، السلام، السميع، الشاكر، الشكور، الشهيد، الصمد، العالم، العزيز، العظيم، العليم، العلي، الغفار، الغفور، الغني، الفتاح، القادر، القاهر، القدوس، القدير، القريب، القوي، القهار، الكبير، الكريم، اللطيف، المؤمن، المتعالي، المتكبر، المتين، المجيب، المجيد، المحيط، المصور، المقتدر، المقيت، الملك، المليك، المولى، المهيمن، النصير، الواحد، الوارث، الواسع، الودود، الوكيل، الولي، الوهاب، العفو (٢).
стр. 42
ومن سنة رسول الله ﷺ :
الجميل، الجواد، الحكم، الحيي، الرب، الرفيق، السبوح، السيد، الشافي، الطيب، القابض، الباسط، المقدم، المؤخر، المحسن، المعطي، المنان، الوتر.
هذا ما اخترناه بالتتبع؛ واحد وثمانون اسمًا في كتاب الله - تعالى -، وثمانية عشر اسمًا في سنة رسول الله ﷺ ، وإن كان عندنا تردد في إدخال (الحفي)؛ لأنه إنما ورد مقيدًا في قوله تعالى عن إبراهيم: " إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً " [مريم: ٤٧].
وما اخترناه فهو حسب علمنا وفهمنا، وفوق كل ذي علم عليم حتى يصل ذلك إلى عالم الغيب والشهادة ومن هو بكل شيء عليم (١).
التعليق
هذه قاعدة يقول فيها الشيخ: إن أسماء الله ليست محصورة بعدد , كأن يقال: إن أسماء الله مائة أو ألف , لا , فأسماء الله كثيرة؛ فمنها ما اختص بعلمه وطوى علمه عن العباد , ومنها ما أنزله في بعض كتبه التي أنزلها على رسله , ومنها ما علمه لبعض عباده من الملائكة والنبيين وغيرهم , وفي كتاب الله من ذلك ما ليس في غيره من كتبه المنزلة.
والله يذكِّر بأسمائه في آيات كثيرة , يختم بها الآيات , مثل: " غفور
стр. 43
رحيم " , " العليم الحكيم " , " العزيز الحكيم " , " العزيز الرحيم " , " اللطيف الخبير " , " الغني الحميد " , ويذكر في بعض المواضع اسمًا واحدًا وفي مواضع يقرن بين اسمين , وفي بعض الآيات سرد لعدد منها كآيات آخر سورة الحشر فقد تضمنت أربعة عشر اسمًا من أسمائه , وليس لها نظير في سائر سور القرآن , والله - تعالى - كثيرًا ما يذكر أسماءه متفرقة في نهاية الآيات (١).
ثم يذكر الشيخ ما قد يظنه بعض الناس دليلًا على الحصر وهو حديث: " إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة " (٢) فقد يظن بعض الناس أنَّ أسماء الله تسعة وتسعون، وليس كذلك , فهذه الصيغة لا تدل على الحصر , لو كان الحديث: " إن لله تسعة وتسعين اسمًا " وسكت، فربما دل على الحصر , ولكن جاءت هذه الأسماء موصوفة بقوله: " من أحصاها دخل الجنة ".
وجملة (من أحصاها دخل الجنة) إما أن تكون:
١ - صفة للأسماء وهو أظهر.
٢ - وإما أن تكون خبرًا , بمعنى: إن لله تسعة وتسعين اسمًا من شأنها أن من أحصاها دخل الجنة.
ولنضرب على هذا مثلًا - وهو كلام يعقله أهل اللسان -: فإذا قال قائل: عندي مائة فرس أعددتها للجهاد , فلا يدل على أنه ليس عنده سواها , أو عندي مائة درهم جعلتها صدقة لا ينفي أن يكون عنده غيرها.
ولم يصح عن النبي ﵊ تعيين هذه الأسماء , وجاء في بعض روايات هذا الحديث: " إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا
стр. 44
واحدًا من أحصاها دخل الجنة "، وسَرَد ما في سورة الحشر وأتبعها بأسماء كثيرة حتى بلغت تسعة وتسعين اسمًا , لكن المحققين من أهل الشأن قالوا: إن هذا ليس بصحيح؛ بل هو كلام مدرج , وهي مأخوذة من القرآن , وبعضها من الحديث , وبعضها لا إشكال فيه , وبعضها فيه إشكال في عَدِّه من الأسماء , وبناء على هذا اجتهد جمع من أهل العلم في جمع أسماء الله من القرآن والحديث , وعنوا - أيضًا - بشرح الأسماء , ومن مقاصد الشيخ في هذه الرسالة - أيضًا - جمع ما ظهر له من القرآن والسنة - كما ذكر - , ومع ذلك يبقى الأمر كما هو , ومن جمع شيئًا منها لا يمكن الجزم بأن هذه هي الأسماء التي عناها النبي ﷺ , فهذا لا يجوز.
والشيخ ﵀ لم يتوجه له ذكر الأسماء المركبة مثل: أسرع الحاسبين، ورب العالمين، وخير الرازقين، وخير الناصرين، وأرحم الراحمين وما أشبه ذلك , والظاهر: أنها أظهر في الدلالة على الرب من بعض الأسماء المفردة , فتجد كثيرًا من الأسماء المفردة يسمى بها بعض المخلوقات , لكن أرحم الراحمين، ذو الجلال والإكرام، خير الغافرين هذه لا تطلق إلا على الله وحده (١).
والشيخ رتب ما ذكره من الأسماء على حروف الهجاء فبدأ بالهمزة (الله , الأحد , الأعلى ...)، وهذا المنهج الذي اختاره الشيخ قد يكون غيره أولى منه , فجمْع الأسماء المتناسبة كـ (العلي والأعلى) أولى من تفريقها من وجه.
أما اسمه (الله) فهو أخص الأسماء به وأجمع الأسماء , والصحيح: أنه مشتق أي أن له دلالة , فهو اسم وصفة , فهو ذو الألوهية
стр. 45
- كما روي عن ابن عباس (١) - , ولهذا يقال: إن أصل (الله) الإله، حذفت الهمزة وأدغمت اللام في اللام مع التفخيم فصارت الله , وهذا الاسم تنبني عليه كل الأسماء ويخبر بها عنه , فتقول: الله الرحمن , الله الرحيم , الله الكريم , وهكذا تأتي الأسماء الأخرى تابعة إما صفة وإما خبرًا.
والأحد: لم يرد إلا في سورة الإخلاص: " قل هو الله أحد " [الإخلاص] (٢).
والحفي: توقف فيه المؤلف في آخر كلامه، واسم الحفي ما جاء صفةً لله إلا في كلام إبراهيم: " إنه كان بي حفيا " [مريم: ٤٧]، والصحيح: أنه ليس اسمًا (٣).
стр. 46
والمبين: ليس واضحًا أنه اسم , فهو صفة تابعة للحق (١).
والقادر: لم يأتِ في القرآن هكذا، لكن الذي جاء: " قل هو القادر على أن يبعث عليكم " الآية [الأنعام: ٦٥] فليس واضحًا اعتباره اسمًا (٢).
وأما القابض الباسط: فاعتبارهما اسمين فيه تأمل، فقد تكون هذه من الأسماء المزدوجة مثلما عدوا الخافض الرافع، النافع الضار (٣).
والإحصاء: يكون بإحصاء ألفاظها ومعانيها والعمل بمقتضاها، هذا هو كمال الإحصاء (٤)؛ فالإحصاء مراتب , إحصاؤها بمعرفة ألفاظها
стр. 47
ومعرفة معانيها , ثم لهذه المعرفة أثر فإذا علم الإنسان أن الله سميع بصير فهذا يقتضي أن يراقب ربه في كلامه وفي حركاته لأنه يعلم أن الله سميع يسمعه وبصير يراه، فليس المقصود مجرد المعرفة، لكن المقصود من العلم العمل , فلا يكفي حفظها فقط، ولكن حفظها حسن فتعرف أنه - تعالى - السميع البصير الملك القدوس، وهو الغفور الرحيم، وهو الغني الحميد، وهو اللطيف الخبير , ولا يشرع حفظها بمعنى اتخاذها ذكرًا - كما يفعله بعض الناس - (١).
فمعرفة هذه الأسماء هي من أسباب دخول الجنة، وإذا كان كذلك، فهي من جنس أحاديث الوعد من فعل كذا دخل الجنة فهي سبب من الأسباب , لكن لا يعني هذا أنه يكفي ويجزئ الاقتصار على هذا السبب.
стр. 48
القاعدة السابعة:
الإلحاد في أسماء الله تعالى هو الميل بها عما يجب فيها (١).
وهو أنواع:
الأول: أن ينكر شيئًا منها أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام؛ كما فعل أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم، وإنما كان ذلك إلحادًا لوجوب الإيمان بها وبما دلت عليه من الأحكام والصفات اللائقة بالله، فإنكار شيء من ذلك ميل بها عما يجب فيها.
الثاني: أن يجعلها دالة على صفات تشابه صفات المخلوقين؛ كما فعل أهل التشبيه، وذلك لأن التشبيه معنى باطل لا يمكن أن تدل عليه النصوص؛ بل هي دالة على بطلانه، فَجَعْلُهَا دالةً عليه ميلٌ بها عما يجب فيها.
الثالث: أن يسمى الله تعالى بما لم يُسَمِّ به نفسه؛ كتسمية النصارى له: (الأب)، وتسمية الفلاسفة إياه (العلة الفاعلة)، وذلك لأن أسماء الله - تعالى - توقيفية، فتسمية الله - تعالى - بما لم يسم به نفسه ميل بها عما يجب فيها، كما أن هذه الأسماء التي سموه بها نفسها باطلة ينزه الله - تعالى - عنها.
стр. 49
الرابع: أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام؛ كما فعل المشركون في اشتقاق العُزَّى من العزيز، واشتقاق اللات من الإله، على أحد القولين، فسموا بها أصنامهم؛ وذلك لأن أسماء الله - تعالى - مختصة به، لقوله تعالى: " وَلِلَّهِ الأسماء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا " [الأعراف: ١٨٠]. وقوله: " اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأسماء الْحُسْنَى " [طه: ٨]. وقوله: " لَهُ الأسماء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض " [الحشر: ٢٤]. فكما اختص بالعبادة وبالألوهية الحق، وبأنه يُسَبِّحُ له ما في السموات والأرض فهو مختص بالأسماء الحسنى، فتسمية غيره بها على الوجه الذي يختص بالله ميلٌ بها عما يجب فيها.
والإلحاد بجميع أنواعه محرم؛ لأن الله - تعالى - هَدَّدَ الملحدين بقوله: " وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " [الأعراف: ١٨٠].
ومنه ما يكون شركًا أو كفرًا، حسبما تقتضيه الأدلة الشرعية.
التعليق
هذه القاعدة في تحريم الإلحاد في أسماء الله؛ فالإلحاد في أسماء الله محرم، وهو يتفاوت - كما أشار الشيخ في آخر كلامه -.
وأصل معنى الإلحاد هو: الميل، فمادة (لَ حَ دَ) تدل على الميل , قالوا: ومنه سمي اللحد - وهو: الشق الذي في جانب القبر - لأنه مائل عن سمت الحفرة , ومنه: الملتحد، وهو ما يلجأ إليه الخائف " ولن أجد من دونه ملتحدا " [الجن: ٢٢] (١).
стр. 50
وجماع معنى الإلحاد في أسماء الله: الميل بها عن الحق الذي يجب اعتقاده.
والإلحاد أنواع؛ وهذا التقسيم الذي ذكره الشيخ ﵀ موجود في كلام ابن القيم في البدائع (١) وغيرها.
فالنوع الأول من أنواع الإلحاد في أسماء الله : جحدها وإنكارها؛ كإلحاد الجهمية، ثم إنه يتجزأ:
١ - فالجهمية: نفوا جميع أسماء الله - ولاسيما الغلاة -؛ فبلغوا الغاية في الإلحاد فجحدوا معانيها وجعلوها أسماء لبعض مخلوقاته , وقالوا: إن إطلاقها على الله مجاز وهي أسماء لبعض مخلوقاته.
٢ - وقد يقع هذا النوع من الإلحاد في بعضها؛ كما قال الله - تعالى - عن المشركين: " وهم يكفرون بالرحمن " [الرعد: ٣٠].
والنوع الثاني من أنواع الإلحاد: نفي معانيها؛ كإلحاد المعتزلة فهم يثبتون الأسماء أعلامًا دالةً على ذات الرب، لكنهم يجحدون معانيها فيجعلونها ألفاظًا مترادفة , فعندهم أن أسماء الله أعلام محضة مترادفة لا تدل على معانٍ.
والنوع الثالث من أنواع الإلحاد: إلحادُ المُشَبِّهَةِ؛ حيث أثبتوا أسماء الله، وزعموا أنها تدل على صفاتٍ كصفات المخلوقين , وهذا باطل؛ فأسماء الله تدل على معان مختصة بالرب لا تماثل صفات المخلوقين.
والنوع الرابع من أنواع الإلحاد - كما ذكر الشيخ -: تسميته تعالى بما لم يسمِّ به نفسه؛ ومن ذلك: تسمية النصارى له (أبًا) أبوة ولادة , فسموا المسيح (ابنًا) وسموا الرب - تعالى - (أبًا) , وجعلوا الكُلَّ آلهة (الأب) و (الابن) و (روح القدس).
стр. 51
وكذلك الفلاسفة: يسمون الله العلة الأولى؛ يعني التي صدر عنها العالم صدورًا ذاتيًا لا صدور المفعول عن فاعله؛ بل صدور المعلول عن علته التامة , ومن أجل ذلك قالوا بقدم العالم , لأن معلول العلة التامة يكون قديما بقدمها.
والنوع الخامس من أنواع الإلحاد في أسمائه: أن يسمى بها بعض المخلوقات , أو يشتق لبعض المخلوقات منها على الوجه المختص بالله.
واللفتة الأخيرة في كلام الشيخ جيدة وهي قوله: (فتسمية غيره بها على الوجه الذي يختص بالله ميل بها عما يجب فيها) وإلا فقد جاء لفظ الاشتقاق في قول حسان (١):
وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد
ففيه التقاء في مطلق المعنى , وهكذا ما جاء في الحديث في شأن الرحم أن الله اشتق لها من اسمه الرحمن؛ فهو الرحمن وهي الرحم (٢) , ومن هذا النوع ما قيل: إن المشركين اشتقوا لآلهتهم أسماء من أسماء الله كالعزى من العزيز , العزة المقتضية للإلهية والعبادة.
فتشعبت وتنوعت طرائق الملحدين في أسماء الله , والله تعالى يقول: " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا اللذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون " [الأعراف ١٨٠]، وفي هذا تهديد للملحدين.
والتحريف يكون كفرًا، ويكون فسقًا ومعصيةً، ويكون خطًأ؛ فقد يقع بعض الناس في شيء من الإلحاد خطأ، وقد يكون ناتجًا عن شبهة , وإلا فالأصل أَنَّ جحدَ شيءٍ مما أخبر الله به ورسوله كفر.
стр. 52
قواعد في صفات الله تعالى
стр. 53
القاعدة الأولى:
صفات الله تعالى كلها صفات كمال، لا نقص فيها بوجه من الوجوه (١)؛ كالحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والرحمة، والعزة، والحكمة، والعلو، والعظمة، وغير ذلك .
وقد دل على هذا السمع، والعقل، والفطرة.
أما السمع:
فمنه قوله تعالى: " لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " [النحل: ٦٠]، والمَثَلُ الأعلى هو: الوصف الأعلى.
وأما العقل:
فوجهه أن كل موجود حقيقة، فلابد أن تكون له صفة؛ إما صفة كمال، وإما صفة نقص. والثاني باطل بالنسبة إلى الرب الكامل المستحق للعبادة؛ ولهذا أظهر الله - تعالى - بطلان ألوهية الأصنام باتصافها بالنقص والعجز. فقال تعالى: " وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ " [الأحقاف: ٥].
وقال تعالى: " وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ
стр. 54
يُخْلَقُونَ* أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ " [النحل: ٢٠، ٢١]. وقال عن إبراهيم وهو يَحْتَجُّ على أبيه: " يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً " [مريم: ٤٢]، وعلى قومه: " أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ* أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ " [الأنبياء: ٦٦، ٦٧].
ثم إنه قد ثبت بالحس والمشاهدة: أن للمخلوق صفات كمال، وهي من الله - تعالى -، فمعطي الكمال أولى به.
وأما الفطرة:
فلأن النفوس السليمة مجبولةٌ مفطورةٌ على محبة الله وتعظيمه وعبادته، وهل تحب وتعظم وتعبد إلا من علمت أنه متصف بصفات الكمال اللائقة بربوبيته وألوهيته؟!
وإذا كانت الصفة نقصًا لا كمال فيها فهي ممتنعة في حق الله - تعالى - كالموت، والجهل، والنسيان، والعجز، والعمى، والصمم ونحوها؛ لقوله تعالى: " وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ " [الفرقان: ٥٨]، وقوله عن موسى: " فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى " [طه: ٥٢]، وقوله: " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ " [فاطر: ٤٤]، وقوله: " أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ " [الزخرف: ٨٠].
وقال النبي ﷺ في الدجال: " إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور " (١).
وقال: " أيها الناس، اِرْبَعُوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَّ،
стр. 55
ولا غائبًا " (١).
وقد عاقب الله - تعالى - الواصفين له بالنقص، كما في قوله تعالى: " وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ " [المائدة: ٦٤].
وقوله: " لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ " [آل عمران: ١٨١].
ونَزَّهَ نفسه عما يصفونه به من النقائص، فقال سبحانه: " سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ* وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " [الصافات ١٨٠ - ١٨٢]، وقال تعالى: " مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ " [المؤمنون: ٩١].
وإذا كانت الصفة كمالًا في حال، ونقصًا في حال، لم تكن جائزة في حق الله ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق، فلا تُثْبَتُ له إثباتًا مطلقًا، ولا تنفى عنه نفيًا مطلقًا؛ بل لابد من التفصيل: فتجوز في الحال التي تكون كمالًا، وتمتنع في الحال التي تكون نقصًا وذلك كالمكر، والكيد، والخداع ونحوها (٢)؛ فهذه الصفات تكون كمالًا إذا كانت في مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها؛ لأنها حينئذ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بمثل فعله أو أشد، وتكون نقصًا في غير هذه الحال، ولهذا لم يذكرها الله - تعالى - من صفاته على
стр. 56
سبيل الإطلاق، وإنما ذكرها في مقابلة مَنْ يعاملونه ورسله بمثلها، كقوله تعالى: " وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ " [الأنفال: ٣٠]، وقوله: " إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً* وَأَكِيدُ كَيْداً " [الطارق: ١٥، ١٦]، وقوله: " وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ*وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ " [القلم: ٤٤، ٤٥]، وقوله: " إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ " [النساء: ١٤٢]، وقوله: " قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ* اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ " [البقرة: ١٤، ١٥].
ولهذا لم يذكر الله أنه خان من خانوه فقال تعالى: " وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ " [الأنفال: ٧١]، فقال: " فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ "، ولم يقل: فخانهم؛ لأن الخيانة خدعة في مقام الائتمان، وهي صفة ذَمٍّ مطلقًا.
وبذا عُرِفَ أَنَّ قولَ بعض العوام: " خان الله مَنْ يخون " منكرٌ فاحشٌ، يجب النهي عنه.
التعليق
لما ذكر الشيخ ﵀ القواعد المتعلقة بالأسماء الحسنى، وذكر ما رآه مِنْ عَدِّ الأسماء الحسنى = أتبعَ ذلك بذكر قواعد في الصفات، وبَيْنَ الأسماء والصفات ارتباط ظاهر؛ كما تقدم أَنَّ كل اسم متضمن لصفة من صفات الله، لكن ليس كل صفة مستلزمة لإثبات اسم (١) , فلا يشتق لله من كل صفة اسمًا يكون عَلَمًا عليه ويُدْعَا به.
والشيخ يذكر هنا: أن جميع صفات الله صفات كمال - وهذا حق -، دل على ذلك: السمع، والعقل، والفطرة.
стр. 57
والكمال: ضده النقص؛ فجميع أسماء الله حسنى، وجميع صفاته صفات كمال؛ فلا يلحقه النقص، كما جاء في دعاء الاستفتاح: " والشر ليس إليك " (١) يعني: أن الشر لا يدخل في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله (٢).
والدليل على أن صفاته - تعالى - صفات كمال:
١ - قوله تعالى: " للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى " [النحل: ٦٠]، والمثل الأعلى أي: الوصف الأطيب والأكمل.
٢ - ووَصَفَ أسماءه بأنها حسنى " ولله الأسماء الحسنى " [الأعراف: ١٨٠]، ولا تكون كذلك إلا إذا تضمنت صفات كمال , ولو كانت ألفاظًا لا تدل على معان لما كانت حسنى، ولو دلت على صفات نقص لما كانت حسنى، وحسنى أفعل تفضيل , فله - تعالى - الوصف الأكمل، وله من كل صفة غايتها , وهو منزه عن كل نقص.
٣ - والله قد أثنى على نفسه بما له من صفات الكمال في آيات كثيرة.
ثم إن صفات الكمال معروفة معقولة , فالسمع والبصر والحياة كمال , والصمم والعمى والموت نقص.
وإذا كان المخلوق يتصف بالكمال فالخالق أولى (٣) , لأن صفات الكمال للمخلوق جائزة له فيجوز أن يتصف بها أو بضدها , وأما الخالق فهي واجبة له ، فالحياة واجبة بمعنى: أنها لا تنفك عن ذاته , وكذلك كل الصفات الذاتية واجبة , وهي في حق المخلوق جائزة , فالمخلوق يجوز عليه الحياة والموت , وتجوز عليه هذه الصفات
стр. 58
- كالسمع والبصر - وأضدادها , وأما الله - تعالى - فلا تجوز عليه أضدادها , واتصافه بصفات الكمال يقتضي تأليهه وحده لا شريك له , فهو الخالق ولا خالق سواه , وهو المالك لكل شيء , وهو القادر على كل شيء , وهو العالي على كل شيء , وهو السميع الذي سَمْعُهُ وَسِعَ الأصواتَ كلها , وبصره نافذ في جميع المخلوقات , وأما ما سواه فهو مربوب مخلوقٌ مُدَبَّرٌ، عَبْدٌ فقير.
والله - تعالى - كما وصف نفسه بصفات الكمال: نَزَّهَ نفسه عن أضدادها , فنزه نفسه عن الموت والسِّنَةِ والنوم لأنها تضاد كمال حياته , ونَزَّه نفسه عن الصاحبة والولد لأن ذلك ينافي كمال غناه وصمديته وأحديته , ونَزَّهَ نفسه عن الضلال والنسيان والغفلة لأن ذلك ينافي كمال علمه , ونزه نفسه عن الظلم لأن ذلك ينافي كمال العدل.
وكل نفي في صفات الله فإنه يتضمن كمالًا , وكل إثبات فإنه يتضمن تنزيهًا.
والنفي والتنزيه جاء مجملًا ومفصلًا فقوله: " سبحان الله عما يصفون " [المؤمنون: ٩١] تنزيهٌ لله عن كل ما يصفه به الجاهلون والمفترون.
أما صفاته التي تكون نقصًا وتكون كمالًا - كما قال الشيخ - , فله - تعالى - من ذلك الكمال؛ فالمكر والخداع يكون كمالًا ومحمودًا إذا وقع على من يستحقه , يقول تعالى: " ومكروا مكرا ومكرنا مكرا " [النمل: ٥٠]، وقال تعالى: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله " [الأنفال: ٣٠]، والله - تعالى - يمكر حقيقة ليس كما يقول بعض المفسرين: إن هذا على سبيل المشاكلة اللفظية فقط (١) , فالله
стр. 59
يمكر بالكافرين والمنافقين في الدنيا والآخرة كما يمكرون , ويستهزئ بهم ويخدعهم " يخادعون الله وهو خادعهم " [النساء: ١٤٢] فما يكون من الرب من مكر واستهزاء إنما هو عقوبة , وسنة الله في الجزاء أنه من جنس العمل , فيستهزئ بالمستهزئين، ويسخر بالساخرين برسله وأوليائه , ويمكر بالماكرين بأنبيائه ورسله وأوليائه , وأما المخلوق فيكون منه المكر المحمود والمذموم , فمنه ما يكون عدلًا ومنه ما يكون ظلمًا وعدوانًا، والله أعلم.
стр. 60
القاعدة الثانية:
باب الصفات أوسع من باب الأسماء (١).
وذلك:
١ - لأنَّ كُلَّ اسمٍ متضمن لصفة - كما سبق في القاعدة الثالثة من قواعد الأسماء -.
٢ - ولأن من الصفات ما يتعلق بأفعال الله - تعالى -، وأفعاله لا منتهى لها، كما أن أقواله لا منتهى لها، قال الله - تعالى -: " وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " [لقمان: ٢٧].
ومن أمثلة ذلك: أن من صفات الله - تعالى -: المجيء، والإتيان، والأخذ، والإمساك، والبطش إلى غير ذلك من الصفات التي لا تحصى , كما قال تعالى: " وَجَاءَ رَبُّك " [الفجر: ٢٢].
وقال: " هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَاتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ " [البقرة: ٢١٠].
وقال: " فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ " [آل عمران: ١١].
وقال: " وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ " [الحج: ٦٥].
وقال: " إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ " [البروج: ١٢].
стр. 61
وقال: " يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ " [البقرة: ١٨٥].
وقال النبي ﷺ : " ينزل ربنا إلى السماء الدنيا " (١).
فَنَصِفُ اللهَ - تعالى - بهذه الصفات على الوجه الوارد، ولا نسميه بها، فلا نقول: إن من أسمائه: الجائي، والآتي، والآخذ، والممسك، والباطش، والمريد، والنازل، ونحو ذلك، وإِنْ كُنَّا نخبر بذلك عنه ونصفه به.
التعليق
من قواعد الصفات: أنها أوسع من الأسماء؛ فكل اسم متضمن لصفة , فتقول: إن الله عليم وسميع وبصير هذه صفات , وهي أسماء.
ولا يشتق له - تعالى - من كل صفة اسم , كالغضب والرضى والمجيء والنزول والإستواء , وبعض الأفعال مشتقة من الأسماء مثل: الخلق فهو الخالق والخلاق، ومثل الرَّزق فهو الرازق والرزَّاق وهو خير الرازقين.
فباب الصفات أوسع , فكل اسم متضمن لصفة , وليس كل صفة تكون اسمًا لله أو يشتق له - تعالى - منها اسم , تقول: الله مستوٍ على عرشه، لكن لا تقول: يا مستوي , فلا تدعوه بهذا لكن تخبر فتقول: الله مستوٍ على عرشه.
والناس عندهم بعض الغلط في هذا:
١ - فبعضهم يقول: الله المُهْدي، ويقولون: عبد المُهْدي.
٢ - ويقولون: عبد العاطي؛ لأنه المعطي.
стр. 62
٣ - وكذلك عَدُّ المُعِزِّ والمُذِلِّ من الأسماء , وهي ما ثبتت بهذه الصيغة، وإنما وردت بالفعل: " تعز من تشاء وتذل من تشاء " [آل عمران: ٢٦].
وبعض الأسماء وردت مثل: المحسن (١) , والإحسان المطلق لله - تعالى - , وكذلك الإنعام ولهذا اشتهر: عبد المحسن، وعبد المنعم (٢)؛ فإنه - تعالى - المُنْعِمُ بجميع النعم " وما بكم من نعمة فمن الله " [النحل: ٥٣].
وأفعاله - تعالى - لا حدَّ لها؛ لأنه لم يزل ولا يزال فعالًا لما يريد، وكذلك كلامه لا نهاية له - كما في الآية التي ذكرها الشيخ -.
وهناك قاعدة أخرى قريبةٌ من هذه، وهي: أنَّ باب الإخبار عن الله - تعالى - أوسع من باب الأسماء والصفات، مثل: الموجود، القائم بنفسه، وغيرها؛ فهذه يُخْبَرُ عن الله بها، ولا تدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العُلَى (٣).
стр. 63
القاعدة الثالثة:
صفات الله تعالى تنقسم إلى قسمين: ثبوتية، وسلبية
فالثبوتية: ما أثبته الله - تعالى - لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ ، وكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه؛ كالحياة، والعلم، والقدرة، والاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والوجه، واليدين، ونحو ذلك.
فيجب إثباتها لله - تعالى - حقيقة على الوجه اللائق به بدليل السمع والعقل.
أما السمع:
فمنه قوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً " [النساء: ١٣٦].
فالإيمان بالله يتضمن: الإيمان بصفاته.
والإيمان بالكتاب الذي نَزَّلَ على رسوله يتضمن: الإيمان بكل ما جاء فيه من صفات الله.
وكون محمد ﷺ رسوله يتضمن: الإيمان بكل ما أخبر به عن مُرْسِلِهِ، وهو الله .
وأما العقل:
فلأن الله - تعالى - أخبر بها عن نفسه، وهو أعلم بها من
стр. 64
غيره، وأصدق قيلًا، وأحسن حديثًا من غيره، فوجب إثباتها له كما أخبر بها من غير تردد، فإن التردد في الخبر إنما يتأتى حين يكون الخبر صادرًا ممن يجوز عليه الجهل، أو الكذب، أو العي بحيث لا يفصح بما يريد، وكل هذه العيوب الثلاثة ممتنعة في حق الله فوجب قبول خبره على ما أخبر به.
وهكذا نقول فيما أخبر به النبي ﷺ عن الله - تعالى -؛ فإن النبي ﷺ أعلم الناس بربه، وأصدقهم خبرًا، وأنصحهم إرادة، وأفصحهم بيانًا، فوجب قبول ما أخبر به على ما هو عليه.
والصفات السلبية: ما نفاها الله - سبحانه - عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ ، وكلها صفات نقص في حقه كالموت، والنوم، والجهل، والنسيان، والعجز، والتعب؛ فيجب نفيها عن الله تعالى - لما سبق - مع إثبات ضدها على الوجه الأكمل (١)، وذلك:
١ - لأن ما نفاه الله - تعالى - عن نفسه؛ فالمراد به بيان انتفائه لثبوت كمال ضده، لا لمجرد نفيه؛ لأن النفي ليس بكمال، إلا أن يتضمن ما يدل على الكمال؛ وذلك لأن النفي عدم، والعدم ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون كمالًا (٢).
٢ - ولأن النفي قد يكون:
стр. 65
أ - لعدم قابلية المحل له، فلا يكون كمالًا كما لو قلت: الجدار لا يَظْلِمْ.
ب - وقد يكون للعجز عن القيام به فيكون نقصًا، كما في قول الشاعر:
قُبَيِّلَةٌ لا يغدرون بذمة * ولا يظلمون الناس حبة خَرْدَلِ (١)
وقول الآخر:
لكن قومي وإن كانوا ذوي حسب * ليسوا من الشر في شيء وإن هانا (٢)
* مثال ذلك: قوله تعالى: " وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت " [الفرقان: ٥٨]. فَنَفْيُ الموت عنه يتضمن كمال حياته.
* مثال آخر: قوله تعالى: " وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً " [الكهف: ٤٩] نفي الظلم عنه يتضمن كمال عدله.
* مثال ثالث: قوله تعالى: " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ " [فاطر: ٤٤] فنفي العجز عنه يتضمن كمال علمه وقدرته، ولهذا قال بعده: " إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً " [فاطر: ٤٤]، لأن العجز سببه إما الجهل بأسباب الإيجاد، وإما قصور القدرة عنه؛ فلكمال علم الله - تعالى - وقدرته لم يكن ليعجزه شيء في السموات ولا في الأرض.
стр. 66
وبهذا المثال علمنا أَنَّ الصفةَ السلبية قد تتضمن أكثر من كمال.
التعليق
يقول الشيخ ﵀: إن صفات الله ثبوتية؛ يعني صفات يجب إثباتها له , وسَلبية وهي سلب النقائص والعيوب , وهذا صحيح.
وهذه صاغها شيخ الإسلام بعبارة أخرى بقوله في التدمرية: (القاعدة الأولى: أنَّ الله - تعالى - موصوف بالإثبات والنفي , فالإثبات كإخباره أنه بكل شيءٍ عليم، وعلى كل شيءٍ قدير، وأنه سميع بصير ونحو ذلك؛ والنفي كقوله: " لا تأخذه سنة ولا نوم " [البقرة: ٢٥٥]) (١).
ونجد هذا في الآيات:
فقوله تعالى: " قل هو الله أحد * الله الصمد " [الإخلاص] هذا إثبات.
وقوله: " لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد " [الإخلاص] هذا نفي.
والنفي يسمى سلبًا , فالله موصوف بإثبات الكمالات وموصوف بسلب النقائص , فالنوم والسِّنَة والولد والظلم ليست هي الصفات السلبية التي نقول: إن الله موصوف بصفات سلبية؛ بل الصفات السلبية هي نفيها؛ فالله موصوف بسلب هذه النقائص , فالصفة هي النفي , فنفي النقائص مما يوصف الله به.
والنفي الذي يوصف الله به هو: النفي المتضمن لإثبات كمال - كما قال الشيخ - , أما النفي المحض الذي لا إثبات فيه فهذا ليس بمدح
стр. 67
ولا كمال (١).
وقد ذكر شيخ الإسلام هذا المعنى في القاعدة الأولى من القواعد التي ذكرها في التدمرية فقال: (وينبغي أن يُعْلَم أنَّ النفي ليس فيه مدحٌ ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدحٌ ولا كمال؛ لأنَّ النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء - هو كما قيل - ليس بشيء؛ فضلًا عن أنْ يكون مدحًا أو كمالًا) (٢). وقالوا تمثيلًا لهذا: وصف العاجز بأنه لا يظلم , فنفي الظلم عنه لعجزه لا لعدله، ومثل كون الشيء لا يُرى مطلقًا فهذا ليس بمدح , يقول شيخ الإسلام: (لأن المعدوم لا يُرى، وليس في كونه لا يُرى مدح) (٣).
فكل نفي في صفات الله فإنه متضمن لإثبات كمال , فنفي الظلم يتضمن إثبات كمال العدل، ونفي النوم والسنة والموت يتضمن كمال الحياة، ونفي الضلال والنسيان يتضمن كمال العلم إلى آخره.
стр. 68
القاعدة الرابعة:
الصفات الثبوتية صفات مدح وكمال؛ فكلما كثرت وتنوعت دلالتها ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر (١).
ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر بكثير من الصفات السلبية (٢)، كما هو معلوم.
أما الصفات السلبية فلم تذكر غالبًا إلا في الأحوال التالية:
الأولى: بيان عموم كماله؛ كما في قوله تعالى: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " [الشورى: ١١]، " وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ " [الإخلاص].
الثانية: نفي ما ادعاه في حقه الكاذبون؛ كما في قوله: " أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً* وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً " [مريم: ٩١، ٩٢].
الثالثة: دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعين؛ كما في قوله: " وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ " [الأنبياء: ١٦]. وقوله: " وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ " [ق: ٣٨].
стр. 69
التعليق
تقدم في القاعدة السابقة: أن الله موصوف بالإثبات والنفي , أو أن صفاته نوعان: ثبوتية وسلبية؛ والسلبية نسبة إلى السَّلب , وهو معنى النفي , فسواءً قلنا: إن الله موصوف بالإثبات والنفي، أو موصوف بصفات ثبوتية وسلبية؛ فالمعنى واحد.
فهو موصوف بإثبات صفات الكمال، وكل ما وصف الله به نفسه فهو صفة كمال بما في ذلك الصفات السلبية أيضًا , أما الثبوتية فأمرها ظاهر , وأما الصفات السلبية فإنها متضمنة للكمال , لأنها متضمنة لإثبات أضدادها , فكل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله من النفي فإنه متضمن لإثبات كمال ضد ما نفاه - كما تقدم هذا المعنى -.
لكن الإثبات في الغالب يأتي مفصلًا، يعني فيه تعداد وتفصيل في الأسماء الحسنى والصفات لأنه إثبات محامد وكمالات، وأما في النفي فالغالب فيه الإجمال كقوله: " ليس كمثله شيء " [الشورى: ١١] , وقد يأتي مفصلًا:
١ - للرد على المفترين - كما قال الشيخ -.
٢ - أو يأتي من أجل دفع توهم نقص في مقام من المقامات كقوله: " وما مسنا من لغوب" [ق: ٣٨] لما ذكر خلقه للسماوات والأرض في ستة أيام , ففي ذلك تأكيد لكمال قدرته ، وأنه لا يلحقه كلال ولا إعياء مع عظيم فعله , ومثله: " الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم " [البقرة: ٢٥٥] فنفي السنة والنوم متضمن لكمال الحياة والقيام.
стр. 70
القاعدة الخامسة:
الصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: ذاتية، وفعلية (١).
فالذاتية: هي التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها كالعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والعزة، والحكمة، والعلو، والعظمة؛ ومنها الصفات الخبرية كالوجه، واليدين، والعينين.
والفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها؛ كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا.
وقد تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين كالكلام (٢)؛ فإنه باعتبار أصله صفة ذاتية، لأن الله - تعالى - لم يزل ولا يزال متكلمًا، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية، لأن الكلام يتعلق بمشيئته، يتكلم متى شاء بما شاء كما في قوله تعالى: " إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ " [يس: ٨٢].
وكل صفة تعلقت بمشيئته - تعالى - فإنها تابعة لحكمته، وقد تكون الحكمة معلومة لنا، وقد نعجز عن إدراكها لكننا نعلم علم اليقين أنه - سبحانه - لا يشاء شيئًا إلا وهو موافق للحكمة، كما
стр. 71
يشير إليه قوله تعالى: " وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً " [الإنسان: ٣٠].
التعليق
أهل العلم يقسمون الصفات إلى: ذاتية وفعلية، وذاتية فعلية , وهذا التقسيم كغيره مما نبه إليه أهل العلم لدعاء الحاجة إلى ذلك , وإلا فالسلف والصحابة يدركون هذه المعاني دون أن يتكلموا بهذه المصطلحات , لكن لما جاءت البدع ووقع الناس في التخبط نبه العلماء إلى المسائل , وقسَّموا وفصَّلوا مثل تقسيم التوحيد، ومثل تقسيم أفعال العبادات إلى أركان وواجبات وسنن.
فهنا قالوا: إن الصفات منها صفات ذاتية نسبة إلى ذات الله، وهي الصفات الملازمة لذاته التي لا تنفك عنها ذات الرب.
فيمكن أنْ تَضْبِطَ الفرق بين الذاتية والفعلية:
إما أن تقول: الصفات الذاتية هي التي لا تنفك عنها ذات الرب.
أو تقول: إنَّ الصفات الذاتية هي التي لا تتعلق بها المشيئة، والفعلية هي التي تتعلق بها المشيئة , أو تكون بمشيئته (١).
والفرق ظاهر: فالحياة صفة ذاتية لا تتعلق بها المشيئة , ولا تنفك عنها ذات الرب , فلا تقول: إنه حي إذا شاء , هذا لا يجوز , أو عليم أو يعلم إذا شاء , أو ذو عزة إذا شاء , فهذا لا يستقيم؛ بل هذه صفات لازمة لذاته لا تتعلق بها المشيئة.
أما الصفات الفعلية - وتسمى الصفات الاختيارية، أو الأفعال
стр. 72
الاختيارية -: فهذه تابعة لمشيئته , مثل: النزول , فتقول: ينزل إذا شاء. ومثل: الاستواء على العرش، والمجيء يوم القيامة، وكذلك الغضب والرضى فهذه الصفات فعلية.
يقول الشيخ: ومن الصفات ما يصدق عليها أنها ذاتية فعلية باعتبارين , مثل: الكلام، والخلق، والرَّزق؛ فهذه باعتبار أن الله لم يزل موصوفًا بها، فتقول: الله لم يزل فعالًا لما يريد , ولم يزل خالقًا , ولم يزل غفورًا , ولم يزل رحيمًا , فهذه صفات ذاتية؛ وباعتبار أفراد أو آحاد هذه الأفعال هي تابعة للمشيئة , فهو يرحم من شاء إذا شاء , ويرزق من شاء إذا شاء , ويتكلم إذا شاء , فالكلام قديم النوع حادث الآحاد , فالكلام صفة ذاتية , والخلق صفة ذاتية فعلية , والمغفرة وكونه - تعالى - غفور صفة ذاتية فعلية وما أشبه ذلك.
يقول الشيخ: ومن الصفات الذاتية: الصفات الخبرية , والحقيقة أن الصفات الخبرية منها ذاتية ومنها فعلية أيضًا , فالصفات الخبرية تقابل بالصفات العقلية , فالصفات الخبرية هي: التي طريق العلم بها الخبر والنقل , والعقلية هي: التي طريق العلم بها السمع والعقل؛ فالعلم والسمع والبصر والحياة صفات خبرية سمعية عقلية , والوجه واليدين والقدمين والعينين صفات خبرية.
والصفات الخبرية منها صفات ذاتية كالوجه واليدين , ومنها صفات فعلية كالضحك والفرح والمجيء فهذه صفات خبرية فعلية.
فالصفات الذاتية يقابلها الفعلية، والصفات الخبرية يقابلها العقلية , وكلٌ من الخبرية أو العقلية ينقسم إلى ذاتية وفعلية , والله أعلم.
لكن قد يشكل كون الصفات منها صفات عقلية مع أن الصفات
стр. 73
توقيفية؛ والجواب (١): أنَّ الصفات العقلية توقيفية , لكن العقل يدركها , فيتظافر ويجتمع فيها دلالتان , مثل: الحياة صفة كمال؛ وطريق العلم بها: السمع والعقل، والعلم كذلك.
أفيقول قائل: لو لم يأتِ في النصوص ذكر العلم نقول: لا ندري أيوصف بالعلم أو لا يوصف؟! , ولو لم تأتِ النصوص بذكر الحياة نقول: لا ندري أيوصف الله بالحياة أو لا؟! لأنَّ العقل لا يدل على إثبات شيء من ذلك!؛ بل نقول: هذه الصفات تظافرت عليها الدلالات السمعية والعقلية لأن انتفاءها نقص , ومعلوم بضرورة العقل تنزيه الله عن النقص.
стр. 74
القاعدة السادسة:
يلزم في إثبات الصفات التخلي عن محذورين عظيمين:
أحدهما: التمثيل.
والثاني: التكييف (١).
فأما التمثيل فهو: اعتقاد المثبت أن ما أثبته من صفات الله - تعالى - مماثل لصفات المخلوقين، وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل.
أما السمع: فمنه قوله تعالى: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " [الشورى: ١١]، وقوله: " أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ " [النحل: ١٧]، وقوله: " هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً " [مريم: ٦٥]، وقوله: " وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ " [الإخلاص].
وأما العقل فمن وجوه:
الأول: أنه قد علم بالضرورة أن بين الخالق والمخلوق تباينًا في الذات؛ وهذا يستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات؛ لأن صفة كل موصوف تليق به، كما هو ظاهر في صفات المخلوقات المتباينة في الذوات، فقوة البعير - مثلًا - غير قوة الذَّرَّة، فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكها في الإمكان
стр. 75
والحدوث، فظهور التباين بينها وبين الخالق أجلى وأقوى.
الثاني: أَنْ يُقَال: كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابهًا في صفاته للمخلوق المربوب الناقص المفتقر إلى مَنْ يكمله؟! وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق؟! فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا.
الثالث: أننا نشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية؛ فنشاهد أن للإنسان يدًا ليست كيد الفيل، وله قوة ليست كقوة الجمل، مع الاتفاق في الاسم، فهذه يد وهذه يد، وهذه قوة وهذه قوة، وبينهما تباين في الكيفية والوصف، فعلم بذلك أن الاتفاق في الاسم لا يلزم منه الاتفاقُ في الحقيقة.
والتشبيه كالتمثيل؛ وقد يفرق بينهما بأن التمثيل التسوية في كل الصفات، والتشبيه التسوية في أكثر الصفات، لكن التعبير بنفي التمثيل أولى لموافقة القرآن: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " [الشورى: ١١].
وأما التكييف: فهو أن يعتقد المثبت أن كيفية صفات الله - تعالى - كذا وكذا، من غير أن يقيدها بمماثل؛ وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل.
أما السمع: فمنه قوله تعالى: " وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً " [طه: ١١٠]، وقوله: " وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً " [الإسراء: ٣٦]، ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفات ربنا؛ لأنه تعالى أخبرنا عنها ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون