Полный текст (514 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
قيل: ذلك كان كفره ظاهرا، فرجع إلى أمر ظاهر.
ويقال له: أرأيت قول النبي ﵇: من غير دينه فاقتلوه، عام أم خاص، أم له معنى خلاف ظاهره؟
فإن قلت: معناه بعد الاستتابة، سئلت الدليل.
فإن قلت لقول الله سبحانه: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾. قيل لك: هذه الآية معناها ظاهر [] (فدل بذلك أنهم ينتقلون عن أمر ظاهر علمناه إلى امر ظاهر) [والأية] لا تطالب بالتكليف لأن ينتهوا عن ما في سرائرهم.
فدل ذلك أنهم ينتهون عما سلف مما ظاهرونا به، إلى ما سواه، مما نعلمه عنهم، والزنديق بخلاف ذلك.
هذا وقد اختلف الناس فيمن يعلم منه [الإيـ]ـمان فارتد مظهرا لردته، فقيل:
يقتل ولا يستتاب، وتأولوا أن [ذ] لك حده القتل والحد لا تزيله التو [بة] [كما أن حد الزنى] لا تزيله توبة الزاني عند الحد، وتأولوا هذه الاية ﴿قل للذين كفروا
стр. 282
إن ينتهـ[ـوا] يغفر لهم ما قد سلف﴾ ممن لم يتقدم لهم إيمان قط، وأما من آمن ثم كـ[ـفر] فلم يدخلوه في الاية.
وقد قال نحو هذا معاذ، وأشار به على [أبي] موسى في رجل ارتد، فقال: لا اقعد حتى يقتل فقتله أبو موسى، [وقد] تقلد ذلك عبد العزيز بن أبي سلمة.
وقال مالك في الاستتابة من ظاهر إلى ظاهر بقول الصديق في استبقائه من تاب من أهل الردة، وبقول عمر وعلي وعبد الله وغيرهم.
стр. 283
وقالت طائفة بقول عبد العزيز هذا، واتبعه على ذلك من المتأخرين سعيد بن محمد بن الحداد، وأنت لا تقول بذلك.
ولكن عجبت من تحامل هذا الرجل، في دعواه لإجماع الصحابة والتابعين على استتابة الزنديق، وهم لم يجمعوا على استتابة المرتد فضلا عن الزنديق، ولكن كلامه خرج عن حمية ونقص من العلـ[ـماء] شديد.
ويقال له: أرأيت الذي علمناه بالإيمان، ثم ظاهرنا بالكفر مرتدا، أليس إنما نستتيبه مما أظهر إلينا من الكفر، ليرجع إلى الإيمان الذ [ي] كان يظهر إلينا فلابد من: نعم.
فيقال له: فهذا الزنديق الذي ظاهرنا بالإيمان، ثم اطلع عليه رجلان أنه يسر الكفر، فهل نستتيبه مـ[ما] أظهر، أو مما يسره ويخفيه؟
فإن قلت: مما يسره، قيل لك: فكيف تطالبه بالانتقال عن سريرته ولا وصول لك إلى ذلك.
فإن قلت: أصل إلى ذلك بقوله: إني مؤمن في سريرتي وعلانيتي.
قيل لك: مازال قائل ذلك قبل ظهورك عليه وبعده، فما الذي تغير من حاله بعد شهادة البينة عليه بما يسر؟
أرأيت إن قال: كذبت البنية، وما أنا إلا مؤمن [في] السر والعلانية، أتجعل ذلك توبته وتبقيه على حاله، وتصير الـ[ـبينة] لا تغير منه معنى، ولا توجب عليه
стр. 284
حكما، فلما كانت التوبة مما يسر من الكفر لا يتوصل إليها معنى يساوي ما أسر، لم يكن لاستتابته وجه، وكان حده القتل، وكذلك فعل علي بن أبي طالب.
نا الحسن بن بدر نا النسائي، نا محمد بن المثنى، نا عبد الصمد، نا هشام، عن قتادة عن أنس، أن عليا، أتي بناس من الزط، يعبدون وثنا، فأحرقهم، فقال ابن عباس: إنما قال رسول الله ﵇: من بدل دينه فاقتلوه.
وهؤلاء إنما [ظهر] عليهم التستر بذلك، وإظهار الإيمان، فلذلك قال ابن عباس هذا في قبول توبة الزنديق وقتله، كالذي دل عليه الكتاب من قتل الساحر، لأنه كفر مستتر به، ويدل على ذلك، قول الله تعالى: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾، وبقوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الاخرة من خلاق﴾ وبقوله ﴿ولبئس ما شروا به أنفسهم﴾ يقول: باعوا ومن خسر نفسه حتى لا يرى لها في الآخرة نجاة، فلا حظ له في الإيمان.
فلا تقبل توبة الساحر إذ لا يظهر على أمره، ولا يعرف ما تاب منه، وقد قال النبي ﵇: حد الساحر ضربة بالسيف، فسماه حدا، والحد لا توجب دفعه التوبة.
стр. 285
[نا] محمد بن عثمان، نا محمد بن الجهم، نا ابو مسلم، نا سليمان بن داود، نا معاوية عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جندب الخير أن النبي ﵇ قال: حد [السـ]ـاحر ضربة بالسيف.
قال ابن الجهم: ومن قال في إسماعيل بن مسلم في [حديثه] يضعف، فإن إسماعيل ثقة مأمون، ولا يدفع بهذا حديث تشهد [عـ]ـليه الأصول.
وحديث جندب مشهور من غير طريق، وروينا حديث [] [خبر] مشهور. [] إبراهيم [نا] أبي نا إسماعيل القاضي، نا حجاج بن المنهال، نا حماد بن سلمة، عن سعيد الجزيري، عن ابي العلاء، أن النبي ﵇، ارتجز ذات ليلة، فقال: جندب وما جندب، والأقطع الخير، فسئل عن ذلك بعد أن أصبح، [فقال: أما] جندب
стр. 286
فرجل من أمتي يضر ضربة، يبعث بها أمة وحدة يوم [القيامة]، وأما الأقطع فرجل تقطع يده فتدخل الجنة قبل جسده ببرهة من الزمن، [فكـ]ـانوا يرون الأقطع زيد بن صوحان، قطعت يده يوم اليرموك، وقتل يوم [الجمل]، وأما جندب فهو الذي قتل الساحر.
وفي الأصول أن كل مستتيب، في [أمر] يوجب عليه حدا فإن توبته لا تزيل حده، من ذلك السارق والزاني، وأما المحارب المجاهر فإذا جاء تائبا سقط عنه ما كان [عليه من] حد الحرابة التي ظاهر بها ولا يسقط عنه حق الآدميين، وهذا [كسائر] ما ذكرنا.
وهذا الذي قال مالك في الزنديق والساحر قول علي بن ابي طالب، قال يجالد وابو موسى كتب إليه [عمر] أن اقتلوا كل كاهن وساحر.
أنا محمد بن عثمان: قال: أنا [محمد] [بن الجهم] نا عبد الله بن أحمد، نا أبي نا هشيم، نا إسماعيل بن [أبي خالد،] عن ابن إدريس، قال: أتي بناس من الزنادقة
стр. 287
قد ارتدوا عن الإسلام وجحدوا فقامت عليهم البنية العدول فقتلهم ولم يستتبهم، [وأتي] برجل كان نصرانيا فأسلم، ثم رجع، فاستتابه فتركه.
قال: نا [ابن الجهم] نا عبد الله، نا سفيان عن أيوب، عن عكرمة أن ابن عباس بلغه أن عليا [أخـ]ـذ زنادق فأحرقهم، قال: أما أنا [فلو كنت لم أعذبهم] بعذاب الله، ولو كنت لقتلتهم، بقول النبي ﵇: من غير دينه فاقتلوه، وقد [أقـ]ـتلهم ثم أحرقهم.
نا أبو بكر بن محمد، نا يحيى بن عمر، نا الحارث بن مسكين، [نا ابن] وهب، نا الحارث بن نبهان، عن محمد بن عبيد الله، عن عون بن أبي جحيفة، [عن] علي بن أبي طالب أنه أتى بزنادقة يعبدون رأسا بالكوفة، فحفر [لهم] وأمر بضرب أعناقهم.
فهذا يدل أنه بعد القتل أحرقهم، وذلك ليستفيض أمرهم، وتعظيما لجرمهم.
فهذا قول أمير المؤمنين علي وعبد الله بن عباس وتأويلهما، وقد تأول ابن عباس قول النبي ﵇: من غير دينه فاقتلوه، أن ذلك في الزنادقة، فهذا الذي قال مالك.
стр. 288
قال محمد بن الجهم، نا يوسف بن يعقوب، نا ابن أبي بكر، نا موسى بن إسماعيل قال: سألت [إبراهيم] بن سعد بن إبراهيم: أيستتاب الزنديق؟ قال: علينا بالمدينة والٍ [قتل] زنديقا ولم يستتبه، فأسقط في يديه، فقال له أبي: لا يهيدنك ذلك، فإنه قول الله في كتابه: ﴿فلما رأوا بأسنا قالوا أمنا﴾، قال السيف: ﴿قالوا أمنا بالله وحده﴾ وصل إلى قوله: ﴿فلما يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾.
والآثار في هذا كثيرةن وأكره التطويل، وفيما ذكرنا كفاية.
وهو قول ابن شهاب وابن المسيب وربيعة وابي الزناد، وغيرهم من تابعي أهل المدينة، وقاله مالك وعبد العزيز والليث بن سعد فيمن اتبعهم.
والعجب في جرأة هذا الرجل بقوله: إن هذا القول لمالك لم يسبقه إليه أحد وإنه قاله برأيه، وإنه خلاف الكتاب والسنة وما أجمع عليه الصحابة والتابعون.
وانت ترى ما في ذلك عن الصحابة والتابعين، وظاهر القرآن وحديث الرسول وكلام السلف.
فهذا رجل هانت عليه نفسه، واستهان بمنطقه وهوي دينه، وأعوذ بالله من الجرأة على الأ [ئمة] والقول بغير علم في دين الله.
стр. 289
وأما الساحر فممن قال يقتل بغير ا [ستتابة] عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وجندب الخير وحفصة وعبد [الرحمن] بن زيد وقيس ابن سعد بن عبادة، وابن المسيب والزهري وعـ[ـمر بن] عبد العزيز وربيعة والحسن وخالد بن المهاجر، وأبو الزناد وعـ[ـثمان بن] الحكم وسنان بن سلمة وغيرهم.
وهو قول أهل المدينة، وقاله ما [لك] وعبد العزيز فيمن اتبعهما، وهو قول الشافعي.
стр. 290
ويقال لهذا الر [جل على] معنى أصوله: أرأيت استتابتك للزنديق، أبنص قلته، أم [بقياس]؟ والقياس عندك باطل، ولا نص معك، والأحاديث بخلاف قولك، [لقول] النبي ﵇: من بدل دينه فاقتلوه، وقوله: حد الساحر [ضربة] بالسيف، وحديث جندب.
وقول النبي ﵇ في ذكره للعلة الـ[ـتي بها] أبى المنافقين، الذين ظننت أنت أنهم يشبهون من ظرهان نحن علـ[ـي كفرهم] فصار لهم أمرا خاصا، هذا والنبي ﵇ لم يستتبهم.
فبمـ[ـاذا] تعلقت – أيها الرجل- في استتابة الزنديق وجعلته إجماعًا ونـ[ـصا] من نصوص القرآن والسنة، وهذا كلام من ينطق عن الهوى؟ فإن قلـ[ـت: فإن في] ظاهر القرآن قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم [ما قد] سلف﴾.
стр. 291
فقد عرفناك أن ظاهر الآية أنهم إنما ينتهوا عما كانوا [له] مظهرين، ولا خلاف بين الناس أن هذه الاية لم تنزل في المنا [فقين].
فإن قست المنافقين على الكفار – الذين فيهم نزلة الآية – أ [خطأت] من وجهين:
أحدهما: أن القياس باطل عندك، ووجه آخر لمن قاس: [إنـ]ـما يقيس على اصل يشبه الفرع، ويكون في الفرع علة الأصل، وهذان [يفتـ]ـرقان في العلة والمعنى، هذا مظهر غير مستتر، وهذا مستتر لما يظهر [علـ]ـيه فبقي حكم الزنديق منفردًا، لا دليل معك على قولك فيه، من كتاب [وسنة] وقياس.
وأما حجتك بقول الله تعالى: ﴿إن الذين كفروا [ثم آمنوا ثم كفـ]ـروا﴾ فلا حجة لك بذلك؛ لأن الله سبحانه وصف انتقالهم [من ظاهر] إلى ظاهر، وليس هذا مما اختلفنا فيه، واختلافنا فيمن أظهر [إيما] نا وأخفى كفرا.
وهذا وقد قال قتادة في هذه الآية: هم اليهود والنصارى، آمنت اليهود بالتوراة، ثم كفرت، وآمنت النصاري بالإنجيل، [ثم] كفرت، وكفرهم به تركهم إياه. ثم ازدادوا كفرًا، بالقرآن وبمحمد.
стр. 292
[نا إبراهيـ]ـم بن محمد بن المنذر، نا أبي، نا محمد بن عليى، نا محمد بن سليم، [نا] يزيد، نا سعيد عن قتادة.
وقال نحوه الضحاك وأبو العالية، وقال مجاهد: [هـ]ـم المنافقون.
فهذا تأويل السلف فيهم، ثم لم يذكر الله سبحانه من ما [صـ]ـرت إليه شيئا من قتل ولا استتابة، وإن غيرك ممن يرى قتل المرتد ولا يقبل توبته أشبه قولا منك، فيما أشكل عليه من معاني التعلق بظاهر الحديث، أو ما اشتبه من باب القياس، وإن كان [أكـ]ـثر، العلماء على ما قلنا، ودلائل ذلك ظاهرة.
فقد انكشف لمن أنصف عدولك عن الإنصاف ودعواك لما لا يدعيه من تحري الصدقة وآثر القول بالحق، والقصد في القول، [] الجنف والله المستعان.
стр. 293
باب في الأب يتزوج من مال ولده، وذكر الاعتصار
وأنكر هذا الرجل قول مالك، في الأب يتزوج من مال ولده، بخادم أو ز [وجة]، فقبضت ذلك الزوجة، ثم بلغ الابن: إنه ليس له أخذ ذلك من المرأة، كان الأب مليا أو معدما، وليتبع الأب بذلك في عدمه.
قال هذا الرجل: وهذا خلاف ظاهر القرآن، لقوله سبحانه: ﴿ولا تأكلـ[ـوا] أموالكم بينكم بالباطل﴾، وخلاف السنة، من قول الرسول ﵇: ألا إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام.
قال: ولا يعدو المال [أن يكون] لابنه، ولا يجوز أن يكون للأب، وهو يضمنه للابن، وليسا بشريكين، [فما] الذي أوجب هذا، ولو كان الابن يوم النكاح كبيرًا، لأخذ ذلك من الزوجة، ورجعت هي بقيمته على الأب، فما الذي فرق بين صغير وكبير؟
стр. 294
قال: ومن احتج بما روي: ﴿أنت ومالك لأبيك﴾ فإنه لم يثبت، ولو ثبت فـ[ـما] فرق فـ[ـيه] بين كبير وصغير.
قال: ومن قول مالك: إن وهب من مال ابنه الصغير، أ [و] تصدق، فذلك مردود، إلا التافه الذي لا بال له، كان الأب مليا أو عـ[ـديما]، أو إن أعتق عبدا لابنه الصغير، فذلك نافذ، وعليه القيمة في ماله، وإن كـ[ـان] عديما لم يجز عتقه.
قال: وهذا فاسد متناقض، وليس له أن يزيل ابنه عن ذلك إلا بكتاب أو سنة أو اتفاق، وفرق بين التافه [وغيره وهذا] تحكم في دين الله، وفرق بين العتق والصدقة، ولا فرق بين ذلك، وزعم [أنه] يعتصر ما وهب لابنه ما لم ينكح، أو يحدث دنيا وهذا تناقض، فإ [ما] أن يرجع على كل حال، أو لا يرجع بحال، وقد قال النبي عليه السـ[ـلام]: العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه.
стр. 295
والحديث: ليس لأحـ[ـد] أن يرجع فيما أعطى، إلا الوالد. مرسل، لا يحتج به.
هذا منتهى [كلا] م هذا الرجل، إلا ما اختصرت من تكرير وتكثير، وكل ما أنكر من ذلك [تدل] على صحته دلائل واضحة، ولله الحمد، وما تناقض عنده فليس بمتناقض.
و [من سأل] عن علل مذاهب مالك أهل العناية بها وقف على كثير مما أنكر.
ويدل عـ[ـلى] غفلته أنه أقام الأب في مال ابنه الصغير كالأجنبيين، حتى [استدل] بقول الله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ وقول
стр. 296
الرسول ﵇: "ألا إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام" ولا خلاف أنه بخلاف الأجنبيين في ماله، وأنه تخصه منه خاصة الولاية عليه.
وما الذي حرم عليه أن ينقل مال ولده إلى ملكه، بمبايعة أو معاوضة، يوجبها له قبله، أو يأكل منه إن كان فقيرا، والأجنبي لا مدخل له في هذا.
فكيف أدخل الأب مد [خل] العموم في الآية وفي الحديث الذي ذكر.
وقد أجمع علماء الأمصار- لا يختلفون – أن للأب الملي أن يشتري عبد ابنه الصغير لنفسه من نفسه، بحق ولايته، من غير غبن ولا سوء نظر، فيجوز له ذلك في الصغير، لا خلاف في ذلك، ولا يجوز له ذلك في الكبير، لزوال الولاية عنه.
فما الذي استبعدت من تفريق مالك بين الصغير والكبير، وهذا نكير البدية قبل التأمل.
أرأيت الأب، أليس له أن يبيع عبد ولده الصغير من رجل، بدين، يجعله له [في] ذمته؟
فإذا جاز ذلك، جاز له أن يبيعه من نفسه لولده بدين يكون ذمته، كذلك هو حين تزوج بهذا العبد فقد نقل ملك العبد إلى ملكه، أن أصرفه في مصالحه، وأعطا في بضـ[ـع] [] [مـ]ـن عقد [] غبن علـ[ـيه] فيه، وهذا كالذي أجمعوا عليه من شرائه لمال ولده، ثم إذا حدث على الأب عد [م] بعد كبر الصبي، لم يكن
стр. 297
حادث العدم يبطل ما جرى أولاً على الصحة، كما [لو أن] اجنبيا حدث عليه عدم بعد أن باع منه لابنه بيعا، فليس له إن كبر أخذ العبد من مبتاع ابتاعه من ذلك المشتري، الذي حدث عليه العدم، فكذلك الزوجة مبتاعة ببضعها لعبد أدخله الأب في ملكه با [بتياعها] له.
فما الذي استبعدت من هذا؟ أو هو أقرب إلى أحكام الكتاب والسنة مما احتججت به، لإقامتك الأب في مقام الأجنبيين، ممن لا مدخل له في [ذلـ]ـك أولا بوجه ولا سبب، ولا يجري له عليه حكم في نفسه ولا في ماله ولا في عقد شيء عليه، وهذا كلام لا يقوله من ألقى السمع وهو شهيد.
وقد جرى في باب الأب يطأ أمة ابنه دلائل تدل عى خصائص خص بها الأب في ولده، من الكتاب والسنة وقول السلف فليتأملها الناظر فيـ[ـما] [سلف] لبابين.
ومع ذلك فإن الأب في هذا معاوض لولده ليس له [أن] يبيح ماله دونه؛ لأنه أشغل ذمة لولده بعوض ما أخذ من ماله، وهذا كالمبايعة، فليس في هذا فساد ولا تعد.
ومساواتك للأب [في] ابنه الصغير بالأجنبيين عدول عن الحق، وجهل بالأصول، ومن خصائصه أن يده في مال ولده حاكمة بالمبايعة، والمعاوضة وغير ذلك، ويزوجه قبل بلوغه، ويعتصر ما وهب له، على حديث النعمان بن بشير
стр. 298
وغيره، ويكون مسلما بإسلامه، ويرميه بحديدة فيقتله فلا يقتل به، حتى [يضجعه] ويذبحه، ويأكل من ماله في عدمه، ويدرأ عنه الحد في وطئه أمته، [كما ذكرنا] في الباب الذي قبل هذا.
وقوله فيما روى " أنت ومالك لأبيك": إنه لا يثبت، فليس كذلك، وقد ذكرناه في باب وطيء الأب أمة ابنه، [وهو حديث] ثابت من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال ابن معين: رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حجة.
стр. 299
وقد ذكرنا ما أخرجناه [من أحكام] هذا الحديث بإجماع، وما بقي من معانيه، بما يظهر لمتأمله أن [رأينا بين].
وقوله: لم فرق بين صغير وكبير؟
فأما في الأكل عند الحاجة من ماله [ودرء الحد عنه] في وطيء إمائه، ومن أخذه مستترا من ماله فذلك فيهما سواء، وأما البيع عليه والشراء، ونقله ما يملك إلى الأجنبيين أو إلى نفسه مما ينتهي إلى العاوضة، فهذا جائز فيمن يلي عليه من ولده لأن الولاية عـ[ـليـ]ـه أوجبت ذلك.
ولا يجوز فيمن لا يلي عليه منهم، لأنه فيه متعد مضار، [ولا يحكم] [في ذلك] بحد، فيدرأ بشبهة قامت، ولا نفقة وجبت، فيعذر بها.
وقولك: [إذا كان المال] للأب، فلم جعلتموه للابن؟ وإن كان للابن فلم جاز فعل الأب فيه؟
وأنت في هذا غائب عن المعنى، وذلك أن الملك – كما عرفناك – للولد، وإنما أخذه أبوه لمنافعه بمعنى المعاوضة لا على الفساد فألزمناه العوض [لما بيده] وأجزنا فعله عليه فيما عاوضه فيه، لأنه ممن لا تدركه ظنة في خاصة ولايته عليه، فهو يبتاع لنفسه من مال ولده، كما يبيع له من غيره.
فإن قلت: أرأيت إن كان الأب غريمًا.
стр. 300
قيل لك: إن كان العدم حدث به، فهذه [] لا حجة لك بها، وإن كان [] واجبة مع ما فيه من الاختـ[ـلاف] [] [كان] مالك يذهب إلى أن على الابن – مع النفقة على والده – أن يزوجه وينفـ[ـق] على زوجته، ويتأول أن الزوجة من قوام أمره.
ففي هذا التأويل لا ر [جوع] للولد فيما يزوج به الأب إذا كان نكاح مثله من غير سرف.
والقو [ل] الآخر: أنه ليس عليه ان يزوجه.
فمخرج هذا القول أن له أن يبتا [ع] من ماله بغير نقد، ويجعل ذلك له في ذمته، كما له أن يبيـ[ـع] له من الأجنبيين بغير نقد.
стр. 301
ولا يكون أسوأ حالا من الأجنبي، مع قوة أمره في ولده في غير شيء فلذلك لم يساو به الأجنبي في هذا.
وقد روى عن مالك أنه إن تزوج به وهو عديم يومئذ، فللابن أخذه من الزوجة ما لم يدخل الأب [بها]، فلا يكون له ذلك، لأنه ها هنا قبض العوض فيه، فكأنه باع عبد ابنه بعوض أفاته وأتلفه بعد أن قبضه، فهو المتبع بذلك، دون المبتاع، هذا مخرج هذا القول، والله أعلم.
وقد قال بعض أصحاب مالك وهو ا [بن] الماجشون: إذا كان الأب يوم تزوج به عديما، فالولد إذا بلـ[ـلغ يرجع] به دخل بها أو لم يدخل.
فهذا ما في ذلك من اختلاف القول عن مالك وأصحا [به]، فيما علمنا، لما يتصرف به التاويل، من أمور الأب، وخصائصه التي ذكرنـ[ـا].
وأنت غير خبير بأقاويل مالك وأصحابه، وعلى ما بنوا [عليه]، أصولهم.
стр. 302
وقولك: إن أعتق عبدا لولده الصغير عن نفسه لم جاز ذلك، ولزمـ[ـته] قيمته، وإن كان كبيرا لم يلزمه؟
فهذا أيضا من باب البيع عليه من نفسه، لأن عتقه إياه عن نفسه إدخال له في ملك الأب ليملك ولاءه، وهـ[ـو] جائز أن ينقل من ملك ولده، إلى ملكه بعوض، لا خلاف في معاوضته ابـ[ـنه] [على ما] نقل إلى ملكه من هذا العبد بالعتق، الذي [عتق، فصار] إليه ولاؤه، ولزمته قيمته، لجواز بيعه وشرائه عليه وله.
ولما لم يجز له ذلك [في ابنه الكبير] من بيعه عليه وشرائه لا لنفسه ولا لغيره، فكذلك عتقه لعبده لم نر ذلك له، فافترق الصغير من الكبير لهذه الوجوه.
وأما قولك: ما الفرق بين عتق عبد ولده الصغير عن نفسه وصدقته ماله وهبته إياه للناس؟
فالفرق في هذا واضح إن شاء الله، وذلك أن العتق أدخل به الأب على نفسه تمليك شيء تعجله، وهو ملك الولاء وإنفاذه العتق عن نفسه، فذلك مثل [بيعه لنفسه] من مال ولده، وله أن يملك مال ولده الصغير بالمعاوضة، فأجزنا ذلك وألزمناه القيمة.
وأما الهبة والصدقة، فإنما أخرج ذلك من ملك ولده إلى ملك غيره بغير عوَ، لولده ولا لنفسه عاجل ولا آجل [و] لا يستوي نقله لشيء إلى ملكه ومنافعه، فيكون عليه عوضه، وأن يهب شيئا من مال ولده لغيره، ممن لم يأخذ ذلك على عوض ولا رضية به، ولا هو اختار المعاوضة فيلزمه، ولا الأب ناقل له إلى ملك نفسه باختياره، فتلزمه القيمة.
وقولك: إن جاز العتق لأنه يضمن عوضه، فضمنوه الصدقة وأجيزوها، وإن بطلت الصدقة لأنها ليس بشيء تافه فأبطلوا العتق، لأنه ليس بشيء تافه.
стр. 303
فقد عرفناك علة إلزامنا إياه العتق، لأنه تعجل تمليك شيء لنفسه من مال ولده، وقد دللناك أن للولد أن يدخل في ملكه من مال ولده ما يكون عليه عوضه.
وأما ما تصدق به، فلم يتملك به شيئا فيشبه ذلك المبايعة [فيجب] عليه عوضه، وإنما أخرج شيئا من ملك ولده إلى ملك غيره [دون عوض]، والعبد ملك نفسه، فيملك منه رقه أو ولاؤه.
فلا يتقارب ما ساويت بينه، فضلا عن أن يتساوي [معه].
وقولك في التفريق بين التافه وغيره: ولم جاز العتق وليس بتافه؟ فقد عرفناك عن العتق، والفرق بينه وبين الصدقة.
وفي لحن قولك أن مالكا لا يرى على الأب شيئا في صدقته بالتافه من ماله.
فالذي عندنا من قول مالك أنه روى عنه ابن القاسم، أنه قال: الذي أعرف من قول مالك، أن يجوز عقته من مال ولده إن كان موسرا، يريد عتقه عن نفسه، ويضمن القيمة، ويجوز بيعه وشراؤه عليه موسرا كان أو معسرا، ولا يجوز [هبته في] ماله كان معسرا أو موسرًا.
стр. 304
ولم يفرق في روايته بين تافه وغير تافه، ولم يرو ابن القاسم ما ذكر في الصدقة غير هذا، وقد ذكر عن مالك أنه قال في التافه: إنه يمضى في الصدقة ويتبع به الأب، وهذا يدخل مدخل الاستحسان في يسير ذلك.
وأما على أن الأب لا يضمن ذلك، لا علم لنا بهذا الذي نسبت إليه.
ولو صح ذلك لكان نحو ما يتصدق الوصي عنه لا عن نفسه، بالتمرة والكسرة، وهذا من باب الاستحسان، وقد استخف شربه للبن من غنمه و [صدقه] في أكله من ماله، إن كان الوصي فقيرا، وللأب والوصي في ماله خدمة وعنا [ية] غير قليلة.
وبقي - من الإدخال علينا – سؤال لم يقع لك، ونحن نقيمه لك، فنقول:
فإن قلت: ما الفرق بين ان يتزوج بعبد ابنه الصغير – والأب عديم – فيمضي ذلك، وبين أن يعتق عبد ابنه – وهو عديم – فيرد، والعتق آكد في الأحكام؟
قلنا: لأن من أصولنا أن من أعتق وعليه دين لا وفاء له أن عتقه رد.
فالأب لما أدخل العبد في ملكه، وأعتقه عن نفسه، صارت ذمته بقيمته مشغولة، فقد وقع عقته، وعليه دين ولا وفاء له، فلذلك ردد [نا] العتق.
стр. 305
والمديان الذي أحاط به الدين يجوز له النكاح وإن أحاط به الدين، ولا يرد ما أمهر زوجته، لا أعلم في ذلك خلافا، [لأ] نه من قوام أمره، ولا حاجة به إلى العتق.
وهذا وقد ذكرنا ما جرى من اختلاف أصحابنا في تزويجه بمال ولده، والأب عديم. وأما الاعتصار في هبة الأب وما تقدم من نكير هذا الرجل إياه، فهو قول مالك والشافعي معه، وإن كنت ترجمت كتابك بـ: " مسائل اختلف فيها مالك والشافعي".
وقد جرى لك مثل هذا كثيرا، كأنك لم تدر ما اتفقا فيه واختلفا، وإن كنت رجلا يرهب الشافعي عن المواجهة بالرد، وخف عليك ذلك في مالك أن تجعله غرضا لتجاوزك في لفظك وبلوغ شهوة نفسك.
فليتك تحريت الصدق في ألا تذكر أنهما مختلفان فيما هما في كثير منه متفقان، فقد جمعت إلى هذا عيب الجور والحيف في صيانة الشافعي عن ردك، بل عن المحذور من
стр. 306
قبيح لفظك، وقابلت مالكا بكل ما كرهته للشافعي، فجمعت معرتين ضارتين، لا نعلم من أهل العقول والإنصاف من يرضى بهما.
وذكر الاعتصار مما جاءت به الآثار عن النبي ﵇، وقاله الخلفاء وكثير من الصحابة والتابعين وتابعيهم.
أنا محمد بن عثمان، أنا محمد بن أحمد المالكي، نا إبراهيم الحربي، نا مسدد، نا يزيد بن زريع، نا حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن طاووس، عن ابن عباس وابن عمر، عن النبي ﵇، قال: لا يحل لأحد يعطي عطية ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي لولده.
قال [مسدد] [نا عبـ]ـد الوارث، نا عامر الأحول، عمن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵇ نحوه، إلا أنه قال: يهب.
قال ابن معين: ورواية عمرو بن شعيب، عن ابيه عن جده حجة.
وقد ذكر [نا] روايته إياه، عن طاووس، عن ابن عباس وابن عمر، وأخذ بهذا مع الشافعي أبـ[ـو] ثور، واحتج بهذا الحديث، وهو حديث صحيح ليس بمرسل كما ذكر هذا الرجل.
وفي الحديث الآخر، الذي رواه مالك وغيره، من قول النبي ﵇ لأبي النعمان بن بشير، حين نحل بعض ولده دون بعض، فقال له ﵇: أكل ولدك نحلته مثل
стр. 307
هذا؟ قال: لا، قال: فارجعه، فقد أباحه الرجوع فيما وهب له، وهذا هو الاعتصار نفسه.
أنا محمد بن عثمان، أنا محمد بن أحمد المالكي، نا إبراهيم الحربي، نا محمد بن عبد الملك، نا عبد الرزاق، نا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: كتب عمر بن الخطاب: يعتصر الرجل من ولده ما أعطاه، ما لم يمت أو يستهلك أو يقع فيه دين.
نا أبو بكر بن محمد، نا يحيى بن عمر، [نا] سحنون، عن ابن وهب، نا ابن لهيعة، نا يزيد بن أبي حبيب، أن موسى بن سعيد حدثه أن سعدا مولى آل الزبير نحل ابنته جارية، فلما تزوجت أراد ارتجاعها، فقضى عمر: أن الوالد يعتصر ما دام يرى ماله ما لم يمت صاحبها، فتقع في ميراث، او تكون امرأة فتنكح.
ومثل ذلك عن عثمان بن عفان.
نا محمد بن عثمان نا محمد بن أحمد نا الحربي نا مؤمل بن هشام، قال/ نا إسماعيل عن إبراهيم بن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، أن أباهم حيدة كان له بنون لعلات أصاغر [وكان له مال كثير]، فجعله لبني علة واحدة، فقدم ابنه معاوية [عثمان]،
стр. 308
فأخبره، فخيره عثمان بين أن يرد إليه ماله، وبين أن يوزعه، بينهم فارتجع ماله، فلما مات تركه [الأكابر لإخوتهم].
وكذلك قضى عمر بن عبد العزيز، وعبد الملك بن مروان، وعليه الأمر والقضاء بالمدينة.
وهو قول كثير من التابعين بالأسانيد المرضية، وأكره التطويل فيما في بعضه مقنع، وقد ذكرنا أنه ثابت للنبي ﵇ وأنه قول عمر وعثمان.
وقاله من التابعين ابن المسيب وعروة وسليمان بن يسار و [] بن حبيب وعمر بن عبد العزيز وأبو الزناد وأبان بن عثمان والزهري وعبد الملك بن مروان والقاسم وسالم وعطاء ومجاهد وابن أبي مليكة ومسروق والشعبي وإبراهيم والحسن ومحمد – يعني ابن سيرين – وخالد بن معدان وابن شبرمة.
стр. 309
هؤلاء وغيرهم يرون الاعتصار، ويفتون به.
فهذه السنة الثابتة، وأقاويل الصحابة وتابعي الحرمين والعراقين، فأين المذهب عن هذا؟
واحتجاجك بحديث ابن عباس: العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه "، فهو الراوي لحديث الاعتصار كما ذكرنا مع حديث النعمان بن البشير.
وهذا لا يتعارض، ويصير الأب مخصوصا من سائر الواهبين، كما خص في ولده بأمور كثيرة، لا يساويه فيها أحد، قد ذكرنا كثيرا منها.
وقولك: لم كان له أن يعتصر ما لم ينكح الابن على الهبة، أو يستحدث دينا؟ فإن كان له الرجوع، فذلك في كل حال، وإن لم يكن ذلك له، فلا رجوع له في كل حال.
فقد أعلمناك أنه قول عمر بن الخطاب - كما رويناه لك – وكثير من السلف، وكتب بمثله عمر بن عبد العزيز، وقضى به مروان، وقاله عطاء ومكحول، إلا أن ينكح أو يموت، وقاله كثير من أهل المدينة.
والاعتبار فيه بين، لأن الناس – في الأغلب – إنما يداينون ليسارهم، ويناكحون لذلك، ولو علنا [له] [الاعتصار بعد] أن اغتر به الناس في مداينة الابـ[ـن] ومناكحته، []ـق الخلابة في تلـ[ـف] أموال الناس، وفي ترك الأب للاعتصار حتى وقعت المداينة والمناكحة، كالتسليم للاعتصار، وإلا فهو من الخديعة، وقد نهي عن ذلك الرسول ﵇.
стр. 310
وهذا مما يحكم فيه بالعلامات الادلة [في] الأغلب على مقاسد الناس.
وبمثل ذلك قضى عمر في تفصيل ما يراد به الثواب من الهبات من غيرها بالأغلب من أحوال الناس، في قوله: من وهب هبة يرى أنها للثواب، فهو على هبته ما لم يرض منها، ومن وهب هبة لصلة رحم أو على وجه الصدقة لله، فلا يرجع فيها.
وكذلك قاله علي بن أبي طالب وابن عمر وغيرهم من الصحابة والتابعين.
وقاله عطاء والنخعي وابن المسيب وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبيب والحسن والزهري وربيعة وبكير والحسن بن صالح والمشيخة السبعة من فقهاء تابعي أهل المدينة في نظرائهم.
وهذا المعروف من أقاويل العلماء، والأصول تشهد له، وهو قول الشافعي والعجب من قولك: وهذا غير مفهوم ولا معقول.
ولعمري لو فهمت استنباط هؤلاء السلف للمعاني، وتكلمت في العلم بمعانيهم ما دفعته، ولكن سلكت في تلقي الأمور والاستخراج فيها غير طريقهم.
والحكم بالأظهر من المعاني عليه جرت الأصول.
منها أن من قتل وارثه لا يقبل منه أنه لم يرد ميراثه.
وكذلك من جمع بين مفترق وفرق بين مجتمع بقرب مجيء الساعي، لا يصدق أنه لم يفعل ذلك خشية الصدقة.
стр. 311
وكذلك من وهب لولده هبة وأبقاها بيده إلى موته، لا يصدق أنه لم يرد الإزواء عن باقي ورثته. ومنه المطلق في المرض. وكذلك من قال لرجل: أعطني درهمين وخذ مني درهما على أن أحد الدرهمين يتجه بدلا والآ [خر] هبة منك لي، لا يقبل منهما انهما قصدا لغير الربي.
وكذلك ما قلنا من بيوع الآجا [ل] من هذا المعنى.
ومن الحكم بالأغلب الحكم بالقمط في الجدار، وبالعـ[ـفاس] في اللقطة وإن أمكن غير ذلك.
ونحو هذا أجرنا الحكم بالأغلب في متاع [البـ]ـيت، في تداعي الزوجين فيه عند الطلاق.
ومن ذلك شراء الصدقة، جعلها [عمـ]ـر كالرجوع فيها، وإن كانت شراء.
وإن خالفتنا في غير شيء من هذا، فإن هذه أصول السلف، وما دلت عليه السنن وشواهد الكتاب.
ولا وحشة علينا بشذوذ من شذ عن هذه الأصول، والمتعلق بالشواذ يتفاحش عند التأمل، والله المستعان على القصد والاتباع، ولا قوة إلا به.
стр. 312
في المسلم يطلق النصرانية ثلاثا، هل يحلها الزوج النصراني، وفي طلاق أهل الكفر، ونكاحهم وإحصانهم
وأنكر هذا الرجل قول مالك في النصرانية، يطلقها المسلم ثلاثا، ثم تتزوج نصرانيا، فيطؤها ثم يطلقها، إنه لا يحلها للمسلم.
قال: وهذا خلاف ظاهر القرآن، لقوله سبحانه: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾، قال: وهو عنده زوج في حال دون حال، إذا أسلم أو أسلما ابقاه على نكاحه، فجعل نكاحهم نكاحا ولم يجعل طلاقهم طلاقا، وهما فرضان، أحل بها وحرم، فما بال أحدهما يلزم في حال الشرك والآخر لا يلزم؟
في فضول من الكلام وما لا يرضى أن ينطق به ذوو الأحلام، وربما تركت حكاية كثير منه.
قال: لو أن قائلا جسر على ما جسر عليه مالك، فقال: إن عقد نكاح الشرك غير جائز وطلاقهم جائز، هل الحجة عليه إلا كهي عليه.
وهذا كلام تجرأ به، يعبر به وبمثل هذا من نطقه، عن مكانه من التحفظ في دينه، ومن نسب مالكا إلى التجاسر في دين الله فقد خان نفسه في دينه.
стр. 313
ومالك مشهور في الأمة أنه أشد أهل زمانه ورعا في الفتيا، قال البهلول: لقد رأيت الرجال الذين يتمسكو [ن، سفيان] فدونه، فما رأيت أورع في فـ[ـتياه] من مالك، وقال مالك: ما تكلمت برأيي إلا ثلاث مسائل ذكرها.
وهذا رجل يتكلم كلام من لا يراقب في منطقه.
والذي قال مالك لا [يخالف] ظاهر القرآن والسنة، فأول ذلك أن في نفس الاية دليلا على ذلـ[ـك] في قول الله سبحانه: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾.
فلا يعدو أشار بذلك إلى زوج بنكاح جائز مباح، أو أشار إلى كل نكاح، جائز أو غير جائز.
فإن قلت: إلى كل نكاح، لزمك أن تحلها بنكاح المتعة، ونكاح المحرم، والنكاح [في] العدة، وكل نكاح ووطء قد نهي عنه، وكذلك نكاح المحلل، وهذا كله خروج من قول العلماء.
стр. 314
هذا ونكاح المحلل وغير شيء مما لا يقرا [ن] عليه يقوم مقام الشبهة، فيلحق فيه الولد، ويسقط الحد، ويجب الصداق للوطء فيه.
فإن قلت: بل أشار سبحانه بالتحليل بما رضي وأحل من النكاح، سئلت عن النصراني، هل يستحل في نكاحه ما حرم الله، من النكاح بالخمر أو الخنزير أو بالغرر وغيره، وسفاحا غير نكاح، وفي العدة والأخت على الأخت، والخامسة، وغير شيء مما لا يرضاه الله ورسوله.؟
فإن قلت: إن الرسول ﵇ أبقاهم – بعد إسلامهم – على النكاح الأول، فدل أن نكاحهم جائز.
قلنا: هذا موضع الغلط منك ونكتة ما به تحيرت.
وذلك أنا إنما اختلفنا في نكاحهم قبل إسلامهم، فأقمت أنت ذلك كمقامه بعد الإسلام، وهذا فاحش من الغلط، لأنك مقر أنهما قد عقدوه على عقود فاسدة، ثم حدث الإسلام، وأصلح الله لهم بالإسلام ما تقدم من الفساد، وعفا عنه بحادث الإسلام، فالإسلام به صلحت [أنكحتهم التي كانت فا] سدة.
فأنت قست حكم نكاحهم بعد الإسلام [على نكاحهم] قبل الإسلام، وذلك أنك لا [تعثر] على نص بصحة نكاحهم قبل الإسلام وإنما النص في نكاحهم بعد حادث الإسلام.
стр. 315
فبعد عنك النص وتعلقت بالقياس، والقياس عندك باطل وقد قست علي ما لا يشبه ما قسته عليه.
ومما يزيد ذلك بيانا أن النبي ﵇ أمر غيلان الثقفي – حين أسلم عن عشر نسوة – أن يختار أربعة، وهو حديث ثابت رواه الزهري عن سالم عن أبيه، وهو من غير رطيق ثابت.
وأمر فيروز الديلمي، حين أسلم عن أختين، أن يختار واحدة.
فلو كان نكاحهم عند الرسول ﵇ بمحل النكاح الجائز قبل أن يسلموا كما ظن هذا الرجل لكان الرسول ﵇ يأمر غيلان الا يختار إلا اربعة الأوائل، لأنهن الجائزات النكاح، والذين بعدهم غير جائز نكاحهن.
فقد جعل له ﵇ الخيار في الأوائل والأواخر وهذا يكشف كل ريب.
стр. 316
فإما أن تقول: إن نكاحه قبل الإسلام فاسد، وإنما صح بالإسلام، فترجع عن قولك في إيجاب الطلاق فيه، والحصانة به.
أو تقول بقول أبي حنيفة، الذي قال: لايختار الخامسة، فهو أقود لقياسه وغلطه منك. والله سبحانه إنما غفر لهم بالإسلام ما قد سلف، من تلك العقود الفاسدة وغيرها، فكيف تكون تلك العقود الفاسدة – التي إنما غفرت بالإسلام – توجب أحكام الإسلام، قبل أن يكون الإسلام الذي به غفرت وصلحت وصحت؟
وإذا كانت قبل الإسلام غير موصوفة بصحة العقود، فأحكامها يومئذ ساقطة.
стр. 317
وقد أجمعوا أن الله سبحانه إنما اشار إلى ان تحل المتبوتة بالنكاح الصحيح الذي يرضاه.
فكذلك ينبغي ان تكون إشارة الرسول في قوله: حتى تذوق العسلية، أنه الوطء الصحيح الجائز.
ولا يجوز [أن يكون النبي عليه] السلام أشار إلا إلى الوطء الصحيح [لا الفاسد] [والصـ]ـحيح، [وصار] [منه عليه] السلام بيان عن مراد الله تعالى في قوله: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ أنه النهاية فيه بالوطء بعد العقد.
стр. 318
فكذلك تتكامل النهاية مع صحة العقد والوطء الصحيح، فلما قامت الدلالة بفساد نكاح المشركين، وهذا إنما يصح بالإسلام، فكذلك الوطء فيه، لأن الوطء فرع من فروع النكاح، وإذا لم يجب للأصل حكم فالفرع أبعد ان يجب به حكم التحليل.
وكذلك الطلاق، لا يصح في النكاح الفاسد.
ويقال له: أرأيت إن قيل لك – على معنى اصولك – هذه المرأة محرمة على الذي أبتها، حتى تنكح زوجا غيره؟ والآية ظاهرها أن الإشارة إلى زوج بعقد جائز، فهي على أصل التحريم حتى يُجتمع على إباحتها، أو يقول دليل لا إشكال فيه ولا ريب، ولا إشكال أقوى مما دفعته الأصول بظاهر القرآن والسنة.
والدليل الذي لا ريب فيه يوجب ما قلنا، على ما شرحنا قبل هذا.
ويقال له: أرأيت إن تزوج نصراني نصرانية في عدتها ثم أسلما – وعدتها بعد لم تنقض – فلا خلاف أنهما لا يقران على ذلك.
فلو كان نكاحهما من يوم عقد جائزا لأقرا الآن على هذا النكاح، فهذا يدل [أنه] إنما أجبر بالإسلام.
стр. 319
فهذان لما أخذهما الإسلام على أمر فاسد، يبقى بعضه بعد الإسلام وليس مما هو جائز في الإسلام فسد.
ولو كانت العدة قد انقضت قبل الإسلام لمضى النكاح، إذ لم يدرك الإسلام منه بقية مما فسد به النكاح.
وكذلك لا خلاف أنه لو أسلـ[ـم] وقد تزوج خمسة في عقدة، أو أختين في عقدة، أنه لا يقر نكاحهـ[ـن] كلهن، ولا [] لا يدفعن عقد الشرك بما يبقى [] الإسلام.
فهذا كله يكشف ما ذكرنا.
وكذلك لو أسلم المتبايعان بالربا وقد تقابضا الربا لمضي ذلك وصح بالإسلام، ولو أسلما وقد بقي لم يتقابضاه لرد ذلك، ولم يجز أن يتمما بقيته بالتقابض بعد الإسلام. أو اشترى خمرا وقبضها قبل الإسلام.
ولا يجوز أن يقال: إن عملهما فيما عقدا من الربا وبيع الخمر أنه كان جائزا قبل أن يسلما وإنما جوز بالإسلام.
فأين أنت أيها الرجل عن تأمل هذا من استحراج السلف والافتقار إلى سعة علمهم، ولا ترضى نفسك للنكير عليهم، ثم تقنع بأول خاطر من بدية الفكر، قبل تأمل ما تسلك من الطرق ومن لم يستجد المسالك وقع في المهاوي.
ولو سلكت سبيل من اتبع سلفه بإحسان حذرت من الزلل، واقتصدت في المنطق، وأنزلت الأئمة منازلهم.
стр. 320
والتحريم آكد في الأصـ[ـول] من التحليل، لأن الله سبحانه لما قال: ﴿ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم﴾ حرم علينا ما نكح الآباء بأقل ما لزمه الإسم، وهو عقد النكاح دون الوطء.
وقال في المبتوتة: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾، فلم يبح ذلك الرسول إلا بنهاية الأمر، وهو العقد والطء.
فكذلك لا يستباح إلا بالنهاية من عقد صحيح ووطء صحيح، لو لم يكن في ذلك بيان شاف لكان أدنى منازل ذلك الشبهة والإشكال.
ولا يستباح المحرم بيقين إلا بيقين من الإباحة، وليس من يقف عن الشيء بالشبهة كم يواقعه بالشبهة، في يقين السلامة، فلا تستمريء مراتع الشبهات إن لو كانت شبهات فكيف وذلك كالصريح المحض.
وأما قولك: النكاح والطلاق فرضان أحل بهما وحرم.
فهذه عبارة قبيحة في قولك: فرضان، ولا يجوز هذا، إنما يقال: النكاح والطلاق مباح، وليس فرض على الرجل أن يتزوج، ولا إذا تزوج فرض عليه أن يطلق، ولا يجوز أن تكون أفعال النصراني لفعلها، بغير شريعة صحيحة، فتقيم بها للمسلم ما يحل له ويحرم من شريعة الإسلام.
وقد قامت الدلالة بفساد نكاحهم، فلا يصح فيه طلاقهم، ولا تتم به الحصانة، وهو غير صحيح.
следующие страницы →