← Фикх малики

Фикх малики · id 18606

الذب عن مذهب الإمام مالك

ابن أبي زيد القيرواني

Полный текст (514 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فإما أن تقول: إن نكاحه قبل الإسلام فاسد، وإنما صح بالإسلام، فترجع عن قولك في إيجاب الطلاق فيه، والحصانة به. أو تقول بقول أبي حنيفة، الذي قال: لايختار الخامسة، فهو أقود لقياسه وغلطه منك. والله سبحانه إنما غفر لهم بالإسلام ما قد سلف، من تلك العقود الفاسدة وغيرها، فكيف تكون تلك العقود الفاسدة – التي إنما غفرت بالإسلام – توجب أحكام الإسلام، قبل أن يكون الإسلام الذي به غفرت وصلحت وصحت؟ وإذا كانت قبل الإسلام غير موصوفة بصحة العقود، فأحكامها يومئذ ساقطة.

стр. 317

وقد أجمعوا أن الله سبحانه إنما اشار إلى ان تحل المتبوتة بالنكاح الصحيح الذي يرضاه. فكذلك ينبغي ان تكون إشارة الرسول في قوله: حتى تذوق العسلية، أنه الوطء الصحيح الجائز. ولا يجوز [أن يكون النبي عليه] السلام أشار إلا إلى الوطء الصحيح [لا الفاسد] [والصـ]ـحيح، [وصار] [منه عليه] السلام بيان عن مراد الله تعالى في قوله: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ أنه النهاية فيه بالوطء بعد العقد.

стр. 318

فكذلك تتكامل النهاية مع صحة العقد والوطء الصحيح، فلما قامت الدلالة بفساد نكاح المشركين، وهذا إنما يصح بالإسلام، فكذلك الوطء فيه، لأن الوطء فرع من فروع النكاح، وإذا لم يجب للأصل حكم فالفرع أبعد ان يجب به حكم التحليل. وكذلك الطلاق، لا يصح في النكاح الفاسد. ويقال له: أرأيت إن قيل لك – على معنى اصولك – هذه المرأة محرمة على الذي أبتها، حتى تنكح زوجا غيره؟ والآية ظاهرها أن الإشارة إلى زوج بعقد جائز، فهي على أصل التحريم حتى يُجتمع على إباحتها، أو يقول دليل لا إشكال فيه ولا ريب، ولا إشكال أقوى مما دفعته الأصول بظاهر القرآن والسنة. والدليل الذي لا ريب فيه يوجب ما قلنا، على ما شرحنا قبل هذا. ويقال له: أرأيت إن تزوج نصراني نصرانية في عدتها ثم أسلما – وعدتها بعد لم تنقض – فلا خلاف أنهما لا يقران على ذلك. فلو كان نكاحهما من يوم عقد جائزا لأقرا الآن على هذا النكاح، فهذا يدل [أنه] إنما أجبر بالإسلام.

стр. 319

فهذان لما أخذهما الإسلام على أمر فاسد، يبقى بعضه بعد الإسلام وليس مما هو جائز في الإسلام فسد. ولو كانت العدة قد انقضت قبل الإسلام لمضى النكاح، إذ لم يدرك الإسلام منه بقية مما فسد به النكاح. وكذلك لا خلاف أنه لو أسلـ[ـم] وقد تزوج خمسة في عقدة، أو أختين في عقدة، أنه لا يقر نكاحهـ[ـن] كلهن، ولا [] لا يدفعن عقد الشرك بما يبقى [] الإسلام. فهذا كله يكشف ما ذكرنا. وكذلك لو أسلم المتبايعان بالربا وقد تقابضا الربا لمضي ذلك وصح بالإسلام، ولو أسلما وقد بقي لم يتقابضاه لرد ذلك، ولم يجز أن يتمما بقيته بالتقابض بعد الإسلام. أو اشترى خمرا وقبضها قبل الإسلام. ولا يجوز أن يقال: إن عملهما فيما عقدا من الربا وبيع الخمر أنه كان جائزا قبل أن يسلما وإنما جوز بالإسلام. فأين أنت أيها الرجل عن تأمل هذا من استحراج السلف والافتقار إلى سعة علمهم، ولا ترضى نفسك للنكير عليهم، ثم تقنع بأول خاطر من بدية الفكر، قبل تأمل ما تسلك من الطرق ومن لم يستجد المسالك وقع في المهاوي. ولو سلكت سبيل من اتبع سلفه بإحسان حذرت من الزلل، واقتصدت في المنطق، وأنزلت الأئمة منازلهم.

стр. 320

والتحريم آكد في الأصـ[ـول] من التحليل، لأن الله سبحانه لما قال: ﴿ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم﴾ حرم علينا ما نكح الآباء بأقل ما لزمه الإسم، وهو عقد النكاح دون الوطء. وقال في المبتوتة: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾، فلم يبح ذلك الرسول إلا بنهاية الأمر، وهو العقد والطء. فكذلك لا يستباح إلا بالنهاية من عقد صحيح ووطء صحيح، لو لم يكن في ذلك بيان شاف لكان أدنى منازل ذلك الشبهة والإشكال. ولا يستباح المحرم بيقين إلا بيقين من الإباحة، وليس من يقف عن الشيء بالشبهة كم يواقعه بالشبهة، في يقين السلامة، فلا تستمريء مراتع الشبهات إن لو كانت شبهات فكيف وذلك كالصريح المحض. وأما قولك: النكاح والطلاق فرضان أحل بهما وحرم. فهذه عبارة قبيحة في قولك: فرضان، ولا يجوز هذا، إنما يقال: النكاح والطلاق مباح، وليس فرض على الرجل أن يتزوج، ولا إذا تزوج فرض عليه أن يطلق، ولا يجوز أن تكون أفعال النصراني لفعلها، بغير شريعة صحيحة، فتقيم بها للمسلم ما يحل له ويحرم من شريعة الإسلام. وقد قامت الدلالة بفساد نكاحهم، فلا يصح فيه طلاقهم، ولا تتم به الحصانة، وهو غير صحيح.

стр. 321

ولا يصح طلاق قبل صحة النكاح، ولا يصح إلا بالإسلام فتكون فيه بعد صحته، بالإسلام أحكام النكاح بالطلاق والحصانة به. ومن شرائط الحصانة الإسلام والوطء الصحيح في النكاح الصحيح، وما لزم في ارتفاع الإحلال بنكاحهم لزم مثله في الإحصان. وتجاسر هذا الرجل فقال: يقع بينهما الإحصان بمتقدم الوطء قبل الإسلام غير أن يحدثا وطئا بعد الإسلام، ونرجمهما بذلك إن زنيا. والنكاح إنما صح بالإسلام، فبه صح النكاح، وبقي عليهما أن يكون منهما وطء في نكاح صحيح، فلابد من الوطء بعد الإسلام لتكامل الوطء الصحيح بعد صحة النكاح، على ما تقدم من دليلنا. واحتج هذا الرجل برجم النبي لليهوديين، ونحن نجيبه عن ذلك. والذي ذكرنا من إبطال طلاق أهل الشرك، وأن أحكام نكاحهم لا تصح إلا بعد الإسلام وهو قول عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله. نا أبو بكر بن محمد، نا يحيى، نا الحارث بن مسكين، نا ابن وهب، نا شيب بن سعيد عن يحيى بن أبي أنيسة الجذري عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبيد الله بن جابر

стр. 322

عن عمر ﵀، وجاءه سائل، فقال: يا أمير المؤمنين إني طلقت امرأتي في الجاهلية ثنتين، ثم طلقتها منذ أسلمت تطليقة فماذا ترى؟ فقال عمر: ما سمعت في هذا بشيء [وسيدخل عليك رجلان فسلهما فدخل عـ]ـبد الرحمن بن عوف، فقال عمر: قص عليه قصتك، فقص عليه فقال عبد الرحمن: هدم الإسلام ما قبله، فهي عندك على [طلقتين] ثم دخل علي بن أبي طالب، فقص عليه، فقال علي مثل قول عبد الرحمن: هي عندك على تطليقتين بقيتا. نا محمد بن عثمان، نا ابن الجهم، نا محمد يعني ابن شاذان، نا المعلي نا ابن لهيعة، نا أبو الزبير، أنه سأل جابرًا عن ذلك بعينه، فذكر مثله. وقاله الحسن وربيعة: ليس طلاق الشرك بشيء. قال ربيعة: ولا يحل المبتوتة النصرانية وطء الكافر بنكاح. وهذا أمر قائم مشهور من قول التابعين بالمدينة، ومن أخذوه عنه من الصحابة، وما ذكرنا من دلائل الكتاب السنة عليه. ومن ذلك نهي النبي ﵇ عن نكاح الملل. أنا محمد بن عثمان نا محمد بن الجهم، نا محمد بن شاذان، نا معلى، نا عبد الله بن جعفر المسوري، نا عثمان بن محمد، عن المقبري، عن ابي هريرة، قال قال رسول الله ﷺ : لعن الله المحلل والمحلل له.

стр. 323

قال معلى: نا عبيد الله بن عمرو، نا عبد الكريم الجزري، عن أبي واصل، عن ابن مسعود، أن النبي ﵇ لعن المحلل والمحلل له. ورواه أيضا عن النبي ﵇ علي وابن عباس وأبو سعيد مولي ابن سباع وعقبة بن عامر، وأكره التكثير بالأسانيد. نا أبو بكر، نا يحيى، نا الحارث عن ابن وهب نا يونس، عن ابن شهاب أنا عبد الملك بن المغيرة، عن ابن عمر، ذلك السفاح. وقاله علي بن أبي طالب وعمر وابن عباس وابن مسعود وأبو هريرة، وعقبة بن عامر، وغيرهم من الصحابة.

стр. 324

وأما من التابعين فما لا أحصيهم كثرة من تابعي الحرمين والعراقيين. فهذا على أنه نكاح شبهة، يدرأ فيه الحد، لا تحل به المبتوتة. فلو كان ما يكون له أدنى أحكام النكاح يوجب الإحلال وجب الإحلال بهذا وهذا دليل أنها لا تحل إلا بالنهاية والكامل، من صحة العقد والوطء وأما قولك: هل هو زوج أم لا؟ فقد عرفناه معنى تلك الزوجية، وأنها إنما صححها الإسلام والمحلل قد وقع عليه اسم زوج قام به شبهة، من دراءة الحد، إلحاق الولد، وإيجاب الصداق وليس بأمر متكامل من الزوجي وأيـ[ـضا] ما يدخل فيه من نقص الزوجية لدى الطفل يزوج، أن به الاسم من النكاح والوطء، وهذا الصبي زوج ولا تحل بوطئه، وليس بمتكا [مل] الوطء. وكذلك النكاح الفاسد صار به للزوج اسم الزوجية ولا [يقع به] التحليل عند العلماء، فلا معنى لقولك: هل هو زوج أو غير ذلك. وشيء آخـ[ـر] لو كان نكاح الشرك نكاحا صحيحا قبل أن يسلموا، يجب به التحليل، ويجب الحصانة بعد الإسلام لوجب في الحربي يقتل أو يموت، ثم تسبي بعد ذلك زوجته أنه لا يجزيء في استبرائها حيضة.

стр. 325

وكذلك إن سبيت وهو حي، لأن السبي فسخ نكاح صحيح عندك، كما ذكرنا، فلا يجزيء فيها حيضة، والنبي ﵇ قد أباحها بحيضة، وهذا من الدليل أنه لا يجب له أحكام النكاح. ولو كان كذلك، وجب فيه ما يجب في الطلاق من العدة لأن فسخه بالسبي كالطلاق عندك. ولا حجة لك بأنها انتقلت من النكاح إلى ملك، لأن انتقالها إلى ذلك الملك أوجب فسخ ذلك النكاح، فأقل ما يلزمها عدة الأمة من الطلاق على أصلك. ولو كان ما ذكرت له معنى لكانت، إذا خرجت من ملك إلى حرية، عليها ثلاث حيض. وتجاسر هذا الرجل، فقال يكونان محصنين بعقد الشرك والوطء فيه، واحتج بأن النبي ﵇ رجم اليهوديين، قال: فكان ذلك منهما إحصان. وهذا منه ظن، والأمر على خلاف ظنه، وإنام أقام النبي ﵇ بينهم حكم التوراة، حين رضوا بها، وكتموا ما فيها من آية الرجم، فاستخرج ما كتماو منها من الرجم، تقريعا لهم بما جحدوا، وقال: اللهم إني أول من أحيى أمرك إذ أماتوه.، وأقام عليهم ما رضوا بالتحاكم إليه فيه.

стр. 326

وكذلك روى مالك في الموطأ، والحد يومئذ عـ[ـلى المسلمين الجلد] قبل أن يفرض الرجم كذلك قال ابن عمر، وهو ناقل القصة، []. نا محمد بن عثمان، نا محمد بن أحمد المالكي، نا إسماعيل نا أبو الخطاب، نا حاتـ[ـم بن وردان نا] أيوب عن نافع، عن ابن عمر، أن اليهود جاؤوا برجل وامرأة إلى النبي ﵇ فقالوا إن هذين زنيا [] وكانت الحدود بين المسلمين الجلد، فقال لهم: كيف تجدون التوراة؟ قالوا: نجد أن نفضحهم وكلمه [] ونجلد فقال النبي ﵇: إن فيها الرجم، ثم ذكر نحو حديث مالك. وفي حديث آخر: فقال ﵇: اللهم إني أول من أحيى أمرك إذ أماتوه، فدل أنه رجمهم توبيخا لهم، لجحدهم، وبان بما ذكرنا أن الرجم لم يكن يومئذ مفروضا. قال محمد بن الجهم: وما روى عن ابن عباس [بأنه رجمهما] وقد زنيا بعد إحصانهما، حديث لا يثبت.

стр. 327

وقد نا موسى بن إسحاق نا عبد الله نا وكيع عن شعبة عن عمرو يعني ابن دينار عن ابن عباس، قال: ليس على أهل الكتاب حد. وبعد، فإنما خوطب بتحريم الزنا المؤمنون، ولا يخاطب الكافر بتحليل ولا تحريم يكون قبل الدعاء إلى التوحيد، وأمرنا أن نقرهم على كفرهم، مع أخذ الجزية على بقائهم على الكفر، مع استحلال ما يستحلون بقوله تعالى: ﴿ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله﴾ إلى آخر الاية. فهذا آخر ما نزل من حكم الكفار في غزوة تبوك، فلو كان شيء يشكل على أحد لكان هدانا [نسخ] كل شبيء أنهم أعطوا الجزية على إبقائهم على استحلال ما يستحلون، من ما حرم الله ورسوله، مما يعملونه بينهم، لا يصل به إلينا أذاهم، فليس لنا ردهم إلى حدودنا في ذلك.

стр. 328

وأما السرقة، فمن الحرابة العام ضررها، فليس كالذي يخصهم في أنفسهم والقطع خزي ونكال، قال سبحانه في المحاربين، ﴿ذلك لهم خزي في الدنيا﴾. ولما لم يعترض عليهم في نكاح الأم والبنت وجمع الأختين، فكذلك الزنا، وكل ذلك لم يبحه الله لهم. ومعنى آخر، أن الحد جعل تطهيرا للمؤمن، والكافر لا يطهره الحد في الزنا ونحوه، وليس لك حجة بإ [قامـ]ـة القذف عليهم، لأنه حق للأذى [للمقذوف، وكذلك] حد السرقة لأنه من الفساد في الأرَض فيقام للتناهي وللصلاح العام. وقال ابن الجهم: نا ابو معشر الدارمي، نا عبد الواحد، نا حماد بن سلمة، عن سماك، عن قابوس، عن أبيه، قال كتب محمد بن أبي بكر إلى علي بن أبي طالب أن نصرانية فجر بها مسلم، فكتب إليه، أن أقم الحد على المسلم، وادفع النصرانية إلى النصارى يقضون فيها ما شاؤوا. وروينا نحوه عن ابن مسعود، نا غيـ[ـر] واحد عن إسماعيل بن إسحاق، قال: قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: لم يكن ظهـ[ـر] على بني قريظة والنضير، فكيف يتوهم أن يأمره الله تعالى أن يحكم بين قو [م] لم يظهر عليهم وإنما السبب أنهم تحاكموا إليه طائعين وكان بينهم وبينه ﵇ عهد الا يظاهروا عليه، فلما غدروا اجلاهم، ولم تكن في أيامهم جزية، وإنما نزلت الجزية بعد ذلك حين نزلت: ﴿قاتلوا

стр. 329

الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ الآية، وهذا حين خرج إلى تبوك آخر الأمر، فنسخ هذا كل ما قبله، وهذا يكشف كل ريب. وإذا ظهرنا منهم على ما سـ[ـتر] عنا من الزنى بينهم، كيف نحدهم عليه، من غير رضاهم.؟ وإنما رضوا بالجزية [على] شرط الله، على أن يبقوا على ألا يحرموا ما حرم الله ورسوله، ولا يد [ينون] دين الحق. ولو كان هذا لكان من أسلم وهو مع امرأته على زنى ألا يقـ[ـبل] وذلك حتى يفسخوه. وهو تارة يراه نكاحا صحيحا وإن كان زنى، ولا يحدهم عليه، وهذا تناقض، ويلزمه أن يفسخه إذا اسلما، وهـ[ـو] من لم يدر مخارج السنن ومعاني الكتاب. واحتج في باب آ [خر] كرره، بأن الذمي إذا سب النبي ﵇، أنه يقتل، فأقام هذ [ا] مقام الزنا، وهذه غيبة ساترة. والذي سب رسول الله عليه السلا [م] ناقض للعهد، خرج إلى إباحة دمه، ولم تقبل منهم الجزية على هذا، و [إنما] قبلت منهم، على أن يقيموا على على ألا يحرمون ما

стр. 330

حرم الله ورسوله، وقد تأكد بيان هذا، وانكشف بما في بعضه كفاية إن شاء الله. وقول مالك: ترد النصرانية في الزنا إلى أهل دينها، قول علي كما ذكرنا [و] هو الراوي عن النبي ﵇: من أصاب حدا فأقيم عليه، فالله أكرم من أن يثني على عبد عقوبته مرتين، فأخبر أنه تكفير وتطهير، ولا حظ في هذا لكافر. وقد قال الصحابة قولا، في الذي يستكره المسلمة، فصلوا به بين حد المسلم والنصراني فقالوا يقتل بذلك الذمي، فلو كان الحد عليهم واحدا ما فصلوه، فعل ذلك عمر وأبو عبيدة وغيرهم، وكثير من التابعين. وممن قال: ترد النصرانية – إذا زنت – إلى أهل دينها، من التابعين الحسن وإبراهيم والشعبي وعطاء [و] قتادة وابن شهاب، ويحيى بن سعيد وعدد كثير، قالوا: وذلك من تمام ذمتهم.

стр. 331

والعجب من ترامي هذا الرجل، في دعواه ما لا برهان له به، من قوله: إن [كـ]ـافة العلماء يحلون المطلقة ثلاثا بالوطء في الحيض بنكاح. والمعلوم في هذا أنه لا يحلها إلا صحة العقد وصحة الوطء، وقد تقدم بياننا الأدلة على ذلك، وأن الرسول لا يشترط في التحليل بالوطء الوطء الحرام، [ولا غيـ]ـره، وهذا لا يجسر على إطلاقه متجاسر. وكذلك يلزمه أن يقول في قول الله: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ أنه دخل في هذا الأمر النكاح الذي حرم الله، وهذا لا يقوله سليم. ثم قال: فجعل مالك في هذا الوطء العدة والصداق، ولم [يحـ]ـلها به. فهذا كلام من لم يتأمل الأصول، والنكاح بشبهة والوطء به، [يو] جب العدة والصداق عندنا وعنده، ولا يوجب سائر أحكام النكاح. والنبي عليـ[ـيه] السلام لم يحلا بنكاح المحلل، وهو نكاح يجب فيه الصداق والعدة. فلا [تعجـ]ـل، وتأمل دلائل مخارج الأصول، التي دلت على طِلْبة صحة العقد وصحة الوطء للتحليل، وليس التحليل كالتحريم على ما بيناه. ثم أتى هذا الرجل بأمر [شنـ]ـع به، وأوقفه بأخذ موقفين ليتحير، إما الجهل البريح، أو الكذب الصريح، فقال: [] العلماء في الصداق والإحصان، والإحلال للزوج الأول، حكم من [كان] حلالا.

стр. 332

فهذا مما درى متكلف الاختيار والرد على الأئمة، لقد كفى [غيره] مؤنة التكلف، لوصف حاله ومبلغه من العلم والتحفظ في الدين. وما يستهين بمثل هذا من لم يهن عليه دينه. والمدنيون وكثير من غيرهم على خلال كل ما ذكر في الإحلال، والإحصان بالوطء، الذي ذكر. وليس ما يوجب الصداق بحجة له أن يجب به إحلال وتحصين، ونكاح المحلل يوجب الصداق ولا يحصن ولا يحل به، وهذا غلط فاحش. وكلام هذا الرجل في العلم كلام من يهون عليه أن يقول في الدين قبل العناية، ويهجم بغير سعة من الرواية، وأعوذ بالله من الاستخفاف بما عظم الله، والقول في دينه بما لا علم لنا به، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 333

باب آخر ذكره في طلاق الشرك فكرره وأنكر قول مالك: إن طلاق المشرك لا يلزمه. قال هذا الإنسان: وليس في قول الله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلم﴾ ثم قال: فلم يكن عاصيا في طلاقه، فيغفر له، لأن الله لم ينه المشرك عن الطلاق في شركه، وقد أبيح له. فهذا كلام خال من التأمل، مختل من كل جهة، لأنه أدخل الكافرين في الخطاب بالشرائع، والشرائع لا يؤمرون بها إلا بعد الإيمان ومعه، لا قبله، ولا يدخلون في تلك الأحكام قبل الإجا [بة] إلى الإسلام، ولا يجوز أن يقول: قد أبيح للمشرك الطلاق في شركه. ومعنى آخر [أنه ليس مما سلف]، لأنه لم يفعل معصية في طلاقه، إلى أن من طلق [] قوله، من طلق ثلاثا في كلمة لا تلزمه، وهذا إجماع أنها تلزمه. والثابت عن ابن عباس برواية جمال العلم أن الثلاثة في كلمة

стр. 334

لازمة، ورجوع طاووس إلى ذلك، وحديث ابن عمر حين طلق في الحيض، فألزمه النبي ﵇ الطلاق، بقوله: مره أن يراجعها، ثم ليمسكها، ففرق بين اللفظين. ولو كان معنى قوله: فليراجعها، إنما هو الإمساك لكانت كلمة واحدة. وقوله: فليراجعها ظاهره الرجعة المتلوة في الكتاب، ومدعي غير هذا مكابر. وقد قال الله تعالى في الزجر عن الطلاق ثلاثا في كلمة، وأمره بالطلاق للعدة: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ فأخبر أن ما نهى عنه، إذا فعلوه [لز] مهم بقوله: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ لأنهم أجمعوا أن ذلك الأمر الرجعة. فعبارة هذا: لا توقعوا الثلاث في كلمة، فلعله يحدث لكم طلب الرجعة، وقد فاتكم ذلك بما أوقعتم الثلاث في كلمة. ولو كانت الثلاث في كلمة إذا وقعت لا تلزمه لما كانت الرجعة فائتة، ولم يكن لقول الله تعالى معنى، فيما نص من العلة، التي لها أمر بالطلاق للعدة أنه لئلا تفوته الرجعة.

стр. 335

فإما أن تجعل الرجعة فائتة بذلك فيصح للكلام معنى، أو ترفع المعنى من الخطاب، لتقيد أصلك الذي خطر ببالك، وهذا لا يدفعه إلا مكابر. وبعد هذا كله، فيما أومأ هذا الرجل إليه من أخذه الكافر بطلاقه، كأنه نائم عن أصل نكاح المشركين، الواقع بكل فساد، ثم يصلحه الله لهم بالإسلام. وقد تقدم في الباب الذي هذا الباب عقيبه كشف [] وذلك في إبطال طلاقهم، لفساد نكاحهم، وإذا كان فاسدا فلا يقع فيه الطلاق، لأ [نه] يصح بالإسلام، وأبين شيء يظهر للعميان، أن نكاح الشرك إن [كان] عن زنا بلا صداق ولا ولي أنهي ثبت بالإسلام، فانحل كل ما تمنيت من أن طلاقه في شركه لزمه قبل يؤمن ثم أبقاها لنفسه زوجة، وأقامت هي معه زوجة، هل هو إلا نكاح، إما مستأنف وإما على الأمر القديم، فأبعد منازله - على اصلك في إيقاع طلاقه - إنهما مؤتنفين بالإقامة عليه إلى أن يكونا زوجين. وهذا إن لم يكن كـ[ـنكاح] الزنا من بدء أمرهما، فهو أعلى مرتبة وأوجب عقدا من كل وجه. وهذا كلام من ينطق بطيش البداية قبل الروية ويحجبه، عن استرسال الفكر الحمية، والله نسأل السلامة.

стр. 336

باب في النفقة على الولد وأنكر هذا الرجل قول مالك: إن الأب ينفق على ذكور ولده حتى يبلغوا، وعلى الإناث حتى يتزوجن ويدخل بهن أزواجهن. وزعم أن بالبلوغ تسقط النفقة عن الذكور والإناث وأن قول مالك في هذا يخالف ظاهر القرآن، وأنه لم يلج إلى كتاب ولا سنة. وتلا آية، رأي أنها دالة على إيجاب النفقة على الأب، فقال قال الله سبحانـ[ـه]: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد ان يتم الرضاعة وعلى المولولد له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾. قال: فأوجب على الوالدات الرضاع، وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن. وهذه الاية ليس بها وجبت النفقة للولد، وإنما ظاهرها إيجاب النفقة للزوجات بالعصمة، ولو كان ما ذكر فيها يعني به نفقة الأولاد، لقال: وعلى المولود له رزقهم وكسوتهم. والنون ها هنا للتأنيث، وهذا ظاهر [أن] نفقة الزوجة واجبة، كان لها ولد او لا

стр. 337

ولد لها، والرضاع عليها بغير أجر ما دامت في عصمته، وإنما لها أجر الرضاع بعد الطلاق، وهذا ظاهر القرآن. فقد انكشف أن الآية في نفقة الزوجات، لا كما ذكر هذا الرجل. وإنما الاية التي فيها إيجاب نفقة الولد، وأجر رضاعة فأية لم يذكرها هذا الرجل، وذلك قول الله سبحانه في سورة الطلاق: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن﴾. فأوجب على الأب النفقة للحامل، لعلة الولد وما يصل إليه من الغذاء، وأوجب عليه اجر رضاع الولد، وهذا هو الإنفاق عليه، فكان ذلك لازما للأب، لعلة فقر الولد وتخلفه عن أسباب السعي والتصرف. فما دامت العلة قائمة، فالنفقة للأب لازمة، وإذا زالت العلة إما بمال يحدث للولد، أو يصير إلى إمكان السعي والتصرف، أو بانتقال الأنثى إلى زوج تلزمه نفقتها. وحد ذلك في الذكر الاحتلام، لا اختلاف بيننا في ذلك، وقلنا ذلك أنه ساقط بالبلوغ، لأنه حينئذ مخاطب قوي على السعي والتصرف، وقد زال عن درجة العجز عن ذلك. وأصبنا العجز عن ذلك قائما في الأنثى بعد بلوغها، وهذا عيان لا يحتاج به برهان، وقد جعل النبي ﵇ سكوتها بعد بلوغها كالكلام من الذكر بعد بلوغه لما بها من التحفز والحجاب.

стр. 338

فإذا عذرها في الكلام الذي هو أضعف تصرفاتهان كان العذر لها في أكثر من ذلك من التبذل وطلب الرزق أولى، [فلما كان العجز عن الكسب] فيها قائما، وهي العلة التي دل ظاهر القرآن أنها الموجبة للنفقة على الأولاد، أبقينا للأنثى النفـ[ـقة] حتى يجتمع على زوال العجز عنها. ولا تصل إلى ذلك إلا ببروز وجهها ودخول بيتها، وهي قبل ذلك تخاطب من وراء حجاب. وجعل الرسول ﵇ صمتها كالخطاب فلا يشك ذو فهم أنها في هذه الحال أضعف من الذكر حيلة قبل بلوغه وفي حد مراهقته وقرب المراهقة، لا شك انه أقوى حيلة وأمكن سعيا وأقدر على الأسباب. فلما عذر على ما عنده من قليل الاحتيال، حتى بولغ به إلى أكمل ما يترقب من نهوضه وتبسطه وقوة حيلته، في تصرفه، وذلك بالبلوغ، كانت الأنثى أولى أن يتربص بها إلى كمال الحال التي تقوى به على ما قوى عليه الذكر، من التبسط والسعي والتصرف. ولا يذهب [عـ]ـن هذا إلا مكابر عادل من معاني الخطاب وحقائق الأسباب. وقد ثبت أن النبي ﵇ قال: اليتيمة أحق بنفسها من وليها، فدل بذلك أن ذات الأب لا مقال لها مع الأب، ولا سلطان لها في نفسها.

стр. 339

فإذا كان سلطانه عليها بعد البلوغ، وجب أن تكون نفقتها عليه، حتى يصير لها سلطان على نفسها تملك به التصرف والسعي وغيره، أو تصير إلى زوج ينفق عليها أو يحدث لها مال. وقول هذا الرجل: لا يعدو أوجبت النفقة للولد لأنهم ولد أو لأنهم صغار محتاجون، فإن كان لأنهم ولد، وجبت النفقة على الأكابـ[ـر] منهم ومن له مال منهم، وإن كان لأنهم صغار محتاجـ[ـون]، فقد خرج الإناث بالبلوغ عن []. فيقال له: ليتس العلة في النفقة ما [ذكرت من الصغر]. ولو كان لأنهم صغار محتاجون لكان من بلغ منهم ذا زمانة لا حراك به أن نفقته تزول عنه، لأنه خرج عن الصغر بالبلوغ الذي جعلته علة. ولو زالت عن البالغ زمنا لا حراك به لبطلت فائدة الخطاب، لأنه سبحانه إنما أوجب النفقة للولد العاجز عن المكسب والتصرف، بالصغر وغيره مما هو علة العجز، وهذه هي العلة الظاهرة وهي قائمة في البالغ الزمن. فتأمل موضع الفائدة في سياق الآية في إيجاب النفقة. ولا تجد معك نصا ولا خبرا ولا دليلا واضحا يؤديك إلى أن العلة الصغر خاصة، لأن الصغر إن كان هو العلة لأن مع الصغر العجز عن التكسب، فتلك العلة قائمة في البالغ زمنًا.

стр. 340

وإذا كان ذلك، فقد بطل أن يكون الصغر وحده علة، ولكن العجز عن الأمور بالصغر والزمانة وغيرها مما يوجب العجز. ألا ترى ان من كان له مال من صغير أو زمن، أن النفقة تزول عنه. فدل أن الصغر والزمانة إنما هي على النفقة للعجز القائم بها، فإذا زال العجز عن التكسب والاحتيال والسعي بوجود ذلك في الولد أو بوجود المال زالت النفقة. وأما قوله: فإن قال: إنما تجب النفقة للولد الزمن، قيل له: فلا ينفق على النساء ولا زمانة بهن. فجوابنا له: أنه حائد عن الإنصاف، لأن الزمانة إن كانت علة فإنما ذلك لأن بها العجز عن السعي فإن تكن فيها هذه العلة قائمة فلا نبالي إذا قامت علة العجز عن التكسب لصغر أو زمانة أو منع من التصرف [أو عجز عن السعي في جميع] هؤلاء. وأما قوله: لم سقطت النفقة عن الذكر بالبلوغ؟ إن اكن لأن البلوغ [علة] الاستغناء فقل ذلك في النساء، وإن كان ليس البلوغ علة دون الاستغناء بالمال، فكذلك الذكر إذا بلغ، لأن الكسب [يمنع] النفقة، فلم قلت في البالغ القوي على الكسب من ذكر وأنثى، لا نفقة له؟ فيقال له: إنماحكمنا في الذكر والأنثى بالعلة التي هي أغلب أحوالها في رفع العجز عنهما، فالأغلب من ذلك ما ذكرنا، من بلوغ الذكر ومصير المرأة إلى زوج. ويلزمـ[ـنا] فيما ألزمنا أن نقول: إذا قوي الذكر قبل البلوغ عن التصرف والتكسب، أن النفقة تزول عنه، وإن لم يجد في تحركه شيئا.

стр. 341

فلما لم نقل ذلك، وألحقناه بأغلب أحواله في تكامل حيلته وتصرفه، وذلك في بلوغه كذلك بلغنا بالمرأة إلى الأغلب من أحوالها، في استمكان التصرف أو قيام الكفاية. وإذا لم تجعل هذه علة، صرت إلى أن تجعل البلوغ علة لغير معنى، فيلزمك أن تزيل النفقة عن ولد اكمه مقعد يبلغ كذلك، وهذا نفس الإحالة وإفلات الأمور عن وجوهها. وصرت أيضا لجعل البلوغ علة، بغير نص ولا دليل منه. بل الدليل الظاهر ما ذكرنا من حال العجز والتصرف، والاكتساب فهذه علة تصح معها معاني الخطاب. وأما قوله: فإن قال: الفرق أن هذا ذكر وهذا امرأة، قيل له: فلو جعل غيرك النفقة على الذكور دون النساء وجعل هذه علته؟ فإن جوابنا له: ان هذا كلام خال من التحصيل، يشبه كلام الهازل، ومن هذا الذي يتلاعب في الدين حتى تكون هذه فروقه؟ وإن كنت قد تلاعبت بإدخالك لمثل هذا الذي لا يقوله احد، كأنك تجيز لمن يقول بما لا قائل له، أو تقيم قول مالك كقائل [بما لا] قائل له. إنك لتملي على حافظيك ما يبقى دركه، وتشغل الزمان والصحف بما لا يفيد دينا ولا دنيا. وأما قوله في قول الله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ / وإن قائلا قال:

стр. 342

معناه في ألا يضاره، وقائل قال: يعني النفقة، ثم لم يذكر في ذلك مذهبه، فتعرف موافقته لنا أو مخالفته، إلا أنه قال: لا تحتمل الآية غير أحد هذين القولين، فكأنه في ريب مما يرتضى من ذلك. وقولنا في ذلك ما تأوله ترجمان الكتاب عبد الله بن عباس: إن ذلك في الا يضار، مع أن عطف ذلك على ما هو متصل به في اللفظ أولى من أن يعطف على ما تقدم، مع ما في ظاهر الآية من ذكر النفقة إنما جرت للزوجات، بذكر نون التأنيث على ما ذكرنا أولا، ونسأل الله التوفيق برحتمه.

стр. 343

باب الطلاق قبل النكاح وأنكر هذا الرجل قول مالك فيمن قال لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق/ إنه يلزمه الطلاق إذا تزوجها. وقال: هذا خلاف ظاهر القرآن، لقول الله سبحانه: ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن﴾ وهذا طلاق قبل النكاح، وقال النبي ﵇: لا طلاق قبل نكاح.

стр. 344

قال: وقيل لمالك فيمن قال لزوجته: إن طلقتك فقد ارتجعتك، قال: فلا يكون مرتجعا بذلك إذا طلق حتى يأتنف الرجعة بعد الطلاق. فيسأل عن الفرق، [فـ]ـكما لزمه الطلاق قبل النكاح، لأنك زعمت توقعه بعد النكاح، فكذلك [] كون الطلاق، ويصير كمن ارتجع بعد الـ[ـطلاق] قد أتيت بمعنى كلام هذا الرجل. فالحجة لمالك في ذلك، أن الطلا [ق] قبل النكاح كالطلاق بصفة، إذا كانت تلك الصفة وقع الطـ[ـلاق] بمتقدم العقد، وليس بطلاق قبل نكاح. وإنما حقيقة هذه الكلمة في [قوله]: " لا طلاق قبل نكاح" أن يوقع الطلاق قبل النكاح، فيقول لأجـ[ـنبية]: أنت طالق أو لعبد غيره: انت حر، فهذا حقيقة هذا الكلام. و [هذا] الآخر إنما قال: إذا انعقد ملكي للعصمة أو للرق فقد أوجبت حل تلك العقدة، بالطلاق والعتاق. أرأيت إن قال: إن شفاني ا [الله] من مرضي وملكت فلانا فهو حر، أو قال: إن رزقني الله مـ[ـالا] فنصفه صدقه، أو جميعه.

стр. 345

فيلزمك أن تقول: إنها صدقة قبل ملك، وعـ[ـتق] قبل ملك. فإن أوجبته ذلك ناقضت، وإن لم توجبه خالفت ظاهـ[ـر] القرآن، قال الله سبحانه: ﴿ومنهم من عهد الله لئن ائتنا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما أتاهم من فضله بخلو به وتولوا وهم معرضـ[ـون]﴾ فذمهم حين أخلفوا الله ما وعدوه. وظاهر هذا إيجاب إنفاذ ما أ [برم] عقده قبل الملك، وأنه يلزمه بعد الملك. ولا فرق بين قوله: إن ملكـ[ـت] هذا الدرهم فهو صدقة، أو لله على صدقة درهم، ولا بين قوله: [إن] ملكت هذا العبد فهو حر، أو قال: علي عتق عبد. فإن أوجبت ذلك [في] الصدقة والحرية لزم مثله فيما يستقبل ملكه، وإذا كان [ذلك] لزمك مثله في الطلاق. فإن قلت: إن الصدقة التي ذكر الله تعالى أنه ذم من عاهد الله عليها، إنما يستأنف إحداث صدقتها بعد الملك والطلاق والعتق يلزمه عندك بالملك بغير إحداث عـ[ـتق] أو طلاق [] في الصدقة [] أوجبه عندك بقوله إن ملكت درهمًا فلله

стр. 346

علي صدقته، أو عبد فلان فلله علي عتقه، لأنه نذرة لله وعقد من البر، وقد أمر الله أن يوفي بالعقود. وكذلك ينبغي أن يلزمه من التبرر ما هو أقوي من ذلك في العقد، وهو قوله: إن ملكت هذا العبد فهو حر، فأوجب عتقه بعد الملك متصلا به، بأضيق وقت مقدور عليه. وكذلك في الصدقة كما أن الذي قال: فلله على عتقه، أو في المال: صدقته أن عليه ذلك عندك متصلا بعقد الملك، لا يسعه عندك تأخير ذلك، بأسرع وقت يقدر عليه. ويلزمك أن تقول - إذا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق بطلاق أحدثه - إن ذلك يلزمه، وكذلك العتق والصدقة. فإذا لزمه عندك النذر بقوله: إن ملكت دينارا فلله على صدقته، أو عبدا فلله علي عتقه، فيلزمه، أن يحدث عندك صدقة الدينار، وعتق العبد بعد الملك، وإن كان أصل النذر فيما لم يكن يملكه. فإذا لزم النذر فيما لا يملك بما عقد قبل الملك لأنه تبرر، فكذلك التبرر بقوله: إن ملكته فهو حر، وإن ملكت كذا فهو صدقة. ولا فرق بين عقدين قبل الملك، فألزته أحدهما والآخر أقوى مما الزمت، لأن العقد الأول أوجب عتقه بعد الملك، كما اوجب عندك العقد الأول أن يحدث له ذلك بعد الملك. ولا فرق بين ما عقد من هذين العقدين، في عتق وصدقة، فكذلك يلزم بهذا المعنى ما عقد من الطلاق، بقوله: إن تزوجت فلانة فهي طالق.

стр. 347

فإن قلت: العتق والصدقة يقعان للتبرر والتقرب، فأوجبتهما. قلنا: فقد [وقعت الصدقة] في قولك قبل الملك [للتبرر]، [ولا يلزمه] صدقة قبل ملك، ولا عتق قبل ملك، و [ليس] هو إيجاب عقدـ، أن يكون وقوعه بعد الملك. ثم نصير معك في الطلاق إلى باب آخر، فنقول لك: فإذا لم يكن هذا من البر في الطلاق فأنت ممن يقول: إن الطلاق يقع بسنته وبغير سنته، أو لا يقع إلا بسنته؟ فإن قلت: يقع بسنته وبغير سنته، فأوقعه ها هنا وإن كان [ن] على غير سنته وبأمر منهي عنه. وإن قلت: لا يقع إلا بسنته، سئلت عن من طلق امرأته وهي حائض، أو طلقها ثلاثا في كلمة. فإن لم توجب طلاق الحائض، خالفت نص الخبر، وصارت الرجعة المذكورة في حديـ[ـث] ابن عمر غير رجعة، في قول النبي ﵇: (مرة فليراجعها ثم ليمسكها)، ففرق بين اللفظين.

стр. 348

وإن قلت: إن إيقاع الثلاث في كلمة واحدة لا يلزمك، انفردت وخالفت ما دلت عليه آية الطلاق، قال الله سبحانه: ﴿فطلقو [هن] لعدتهن وأحصوا العدة﴾ ثم قال آخر الآية: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾. هذا وقد علمهم سبحانه أن الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف بعد الاثنين، أو تسريح بإحسان بالثالثة. فنهي بظاهر القرآن عن إيقاع الثلاث في كلمة، وأخبرنا العلة التي نهانا من أجلها عن ذلك، بقوله: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾. فأجمعوا أنها الرجعة، فلو كانت الثلاث التي وعظنا أن نوقعها في كلمة لا تلزمنا إذا وقعت، ما كانت الرجعة بفائتة لنا، ولا كان لقوله تعالى: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ معنى، لأن الرجعة غير فائتة. فكيف يحسن في زعمك أن تقول: لا تطلقوا ثلاثا لئلا يحدث لكم مراد الرجعة، والثلاث غير لازمة لنا. وهذا لا يجوز أن يتأوله أحد مع ما ثبت عن الرسول ﵇ من حديث مالك وغيره [أن فاطمة بنت قيس لما طلقها زوجها البتة ذكرت للنبي ﵇، فقال: ليس] لك عليه نفقة.

стр. 349

وأما قول هذا الرجل: ثبت الحديث أنه " لا طلاق قبل نكاح. فيقال له: هذا الحديث قد تكلم في إسناده، وليس عندهم بالقوي، وقيل: إن أصح ما فيه رواية طاووس أناه مرسلا: لا طلاق فيما لا يملك ولا عتق فيما لا يملك، مع احتماله أن يكون جوابا على سؤال. ويقال له: أرأيت إن كان حديثا ثابتا عندك في النقل، فظاهره بقولنا أشبه، لأنا نقول فيمن قال لعبد غيره، إن شفاني الله في مرضي فعبد فلان حر: إنه لا يلزمه ذلك وإن اشتراه وإن له ملكه. وكذلك: فثوب فلان صدقة، أو ديناره صدقة، لا يلزمه إن ملكه، وكذلك نقول: إن قال: فلانة الأجنبية طالق، فلا يلزمه ذلك إن تزوجها. ثم نسألك/: من قال إن شفاني الله وملكت دينارا فهو صدقة، أو بعضه صدقة؟ فإن الزمته ذلك، رجعت إلى معنى الحديث ما تأولنا: أن يتصدق قبل الملك، وإن قلت: لا يلزمه، خالفت ما دل عليه القرآن. وتسأل عن من قال: إن رزقني الله الحج، فكل عبد لي يومئذ أملكه حر، وليس له الآن عبد، ويقـ[ـع] ألا يلزمه هذا عندك، وهو قد نذر نذرا، والوفاء بالنذر واجب؟

стр. 350

وبعد، فلو صح الحديث ثم احتمل أن معناه ما تأولت، أنه لا يلزم طلاق، ولا عتق بعقد يمين قبل الملك، لكان يحتمل أن يكون أيضا معنى الحديث مصروفا إلى من عم النساء أو العبيد، فيدخل في الضيق والحرج المرفوع عن هذه الأمة، مما يضيق على نفسه من قوله: كل عبد [أملكه] حر، أو كل مال أكسبه صدقة، أو كل امرأة أتزوجها طالق. وهذا في أداء يمين لا يلزمه، وفي الحديث إذا ثبت محتمل. ثم قلنا في قوله: إن ملكت دينارا فهو صدقة لله، ما ذكرنا، فمن فرق بين هذين قال بقولنا، أو خالف ما دل عليه القرآن. وإذا احتمل الحديث ما قلت وقال خصمك لم تكن أولى بتأويلك فيه منا، ورجعنا إلى الاستدلال على أشبه القولين بالأصول. وقد دللنا على صحة ما تأولنا وأنه أشبه بالقرآن والسنة، مع قول عمر وابن عمر وابن مسعود، وغيرهم، وكثير من التابعين مع تأويلهم لمثل ما تأول مالك من هذا. أنا محمد بن عثمان، نا محمد بن أحمد المالكي، نا عبد الله بن أحمد نا ابن حنبل، نا أبي نا عبد الرزاق نا معمر، قلت للزهري: أليس قد جاء عن بعضهـ[ـم] أنه: لا طلاق ولا عتق قبل الملك؟ قال: إنما ذلك أن يقول: امرأة فلان طالق، وغلام فلان حر.

стр. 351

قال: ونا يزيد بن هارون، نا عبد الملك، عن عطاء، في رجل قال لعبد، يوم يشتريه فهو عتيق، قال: يوم يشتريه فهو عتيق. قال: ونا إسحاق الأزرق، عن شريك، عن السدي عن سعيد بن جبير مثله. وكذلك قال سعيد بن جبير في الطلاق، وقاله الشعبي وإبراهيم. قال: ونا ابن شاذان نا معلي، نا حماد بن زيد، نا هشام، عن ابيه قال: كل امرأة أتزوجها فهي على كظهر امي، أنه يكفر عن اول امرأة يتزوجها، ثم يتزوج [إن] شاء. نا الهيثم بن حميد، نا المعلي بن الحارث بن مكحول، قال قوله: لا طلاق فيما لا يملك ولا عتق فيما لا يملك، هو الرجل يقول لامرأة لا يملكها: فلانة طالق، ولعبد لا يملكه، هو حر. ونا أبو بكر بن محمد، نا يحيى بن عمر، نا سحنون، عن ابن وهب، عن حيوة بن شريح، عن ابن الهاد، عن المنذر بن علي قال: خطب رجل منا امرأة، فقال: هي طالق إن

стр. 352

تزوجتها، حتى آكل القضيض – يريد الطلع الذكر – فانطلقت إلى عمر بن عبد العزيز، فقال: ما أرى أن يتزوجها، جتى يأكل القضيض. ووافقه على ذلك القاسم، وسليمان بن يسار وابن شهاب، وقاله رجاء بن حيوة وأبو بكر بن حزم. وقد رواه املك في موطئه، عن ابن مسعود وعبد الله بن عمر، ورواه غير مالك عنهما، قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت، ورواه مالك أيضا عن القاسم وسالم وغيرهما. أنا محمد بن عثمان، نا محمد بن الجهم، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، نا أبي، نا عبد الرحمن، عن سفيان، عن محمد بن قيس، عن إبراهيم عن الأسود قال قلت: إن تزوجت فلانة فهي طالق، فسألت ابن مسعود فقال: بانت منك اخطبها إلى نفسها، يعني بعد ما عقد عليها. قال ونا محمد بن شاذان، نا معلي، نا أبو عوانة، عن محمد بن قيس، قال: سألت إبراهيم عن ذلك، فحدثني عن علقمة والأسود عن ابن مسعود انه قال: هي كما قال: فرجعت إلى الشعبي، فأخبرته، فقال: صدق.

стр. 353

ونا أبو بكر بن محمد، نا يحيى بن عمر نا يحيى بن عبد الله بن بكير، نا مالك، عن سعيد بن عمرو بن سليم الزرقي، أنه سأل القاسم عن رجل طلق امرأة إن هو تزوجها، فقال: القاسم [بن محمد إن رجلا جعل امرأة عليه كظهر أمه إن هو تزوجها] فأمره عمر بن الخطاب أن يتزوجها ولا يقربها، حتى يكفر كفارة الظهار. وهذا يكثر إن تقصيناه، وفي بعضه كفاية. ويحتمل ما روي عن النبي ﵇، وعن علي ﵀ ما تأولنا، مع احتماله فيمن عم النساء، وعم العتق والصدقة، وأوجبنا ذلك فيمن خص، على ما قدمنا من الدلائل، وفيما ذكرنا لمن أنصف مقنع. فأما قول هذا الرجل في معارضته بالقائل لزوجته: إن طلقتك فقد ارتجعتك، وألزمنا مناقضة، لتفريقنا بين القائل لامرأته: إن تزوجتك فأنت طالق. ولا يلزمنا بذلك مناقضة بحمد الله، لأنه قرن شيئا بغير نظيره. وذلك أن القائل: إن طلقتك فقد ارتجعتك، إنما أوجب لنفسه عقد ما يستأنف حله، والمطلق إنما الزم نفسه حل ما يستأنف عقده، وهذا غير مستبه. وهو أشبه بما شبهناه به، ممن لم يملك ما لا فعقد على نفسه صدقته، بشرط الملك. فهو كمشتر [ط] حل الشيء بعد عقده، فيما ذكرنا من الحل بالطلاق، ما انعقد من النكاح، وبالعتق والصدقة ما انعقد من الملك.

стр. 354

وقياس الشيء بالأشبه به أولى، وذلك إيجاب الصدقة فيما يستأنف ملكه، وما دل عليه القرآن من إيجاب ذلك. فقياس الطلاق الذي هو حل شيء بعد عقده أولى أن يشبه بإيجاب الصدقة بعد عقد الملك. وكلفنا القياس على ما لا يشبه [] هذا []. [فـ]ـإن قيل: فألا جعلته كقول الأمة [] [أن أعتقت]: اخترت [الرق]، ومن قولك: إن ذلك لا يلزم، وهذا حل شيء بعد عقد متقدم بما انعقد لها من الحرية التي لم تكن بعد؟ قلت: إن هذا لا يلزم، لأن الذي قال: إن تزوجتك فأنت طالق قد حلف على فعل نفسه، فهو يعقد بفعله النكاح، الذي أوجب على نفسه به الطلاق. وهذا إنما جعلت فعلها فيما هو بيد غيرها، ففعلت فيما لم يجب لها، وهي لا تملك منه عقدا ولا حلا، وليس بيدها وقوع العتق، الذي به يجب الخيار لها. وكذلك كل من اسقط ما لم يجب له، ولا له في عقده فعل بحال. مثل أن يقول: إن قتل فلان وليي فقد عفوت عنه، أو إن اشترى فلان هذا الشقص، فقد اسقطت عنه شفعني، فهذا لا يلزمه، وهو كقول الأمة في الاشتباه. وعقد الشيء آكد في الأصول من حله، والأمور الموجبة لعقود الأشياء أقوى من الأمور التي توجب حلها، وهذه أمور تفترق عند التامل، مع موجبة التوفيق.

стр. 355

وفي الأصول أيضا، أنا ندع الشيء بالشك ولا نأخذه بالشك، ويحنث الحالف بالأقل ولا يبر إلا بالأكثر، ويفرق بالشك ولا يعقد النكاح على الشك. والحياطة في الإشكال أولى في الديانة، وأقرب إلى السلامة إ [ن] شاء الله، والتوفيق بيد الله سبحانه. تم الجزء الثاني من كتاب: الذب عن مذهب مالك، في شيء من أصوله، وبعض مسائل من فروعه، ولله الحمد في عونه وتأييده، وصلى الله على محمد نبيه وآله وسلم تسليما. يليه الجزء الثالث إن شاء الله [أوله] [باب: أقل] ما يكون صداقا.
следующие страницы →