Полный текст (514 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
قال: ونا يزيد بن هارون، نا عبد الملك، عن عطاء، في رجل قال لعبد، يوم يشتريه فهو عتيق، قال: يوم يشتريه فهو عتيق.
قال: ونا إسحاق الأزرق، عن شريك، عن السدي عن سعيد بن جبير مثله. وكذلك قال سعيد بن جبير في الطلاق، وقاله الشعبي وإبراهيم.
قال: ونا ابن شاذان نا معلي، نا حماد بن زيد، نا هشام، عن ابيه قال: كل امرأة أتزوجها فهي على كظهر امي، أنه يكفر عن اول امرأة يتزوجها، ثم يتزوج [إن] شاء.
نا الهيثم بن حميد، نا المعلي بن الحارث بن مكحول، قال قوله: لا طلاق فيما لا يملك ولا عتق فيما لا يملك، هو الرجل يقول لامرأة لا يملكها: فلانة طالق، ولعبد لا يملكه، هو حر.
ونا أبو بكر بن محمد، نا يحيى بن عمر، نا سحنون، عن ابن وهب، عن حيوة بن شريح، عن ابن الهاد، عن المنذر بن علي قال: خطب رجل منا امرأة، فقال: هي طالق إن
стр. 352
تزوجتها، حتى آكل القضيض – يريد الطلع الذكر – فانطلقت إلى عمر بن عبد العزيز، فقال: ما أرى أن يتزوجها، جتى يأكل القضيض.
ووافقه على ذلك القاسم، وسليمان بن يسار وابن شهاب، وقاله رجاء بن حيوة وأبو بكر بن حزم. وقد رواه املك في موطئه، عن ابن مسعود وعبد الله بن عمر، ورواه غير مالك عنهما، قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت، ورواه مالك أيضا عن القاسم وسالم وغيرهما. أنا محمد بن عثمان، نا محمد بن الجهم، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، نا أبي، نا عبد الرحمن، عن سفيان، عن محمد بن قيس، عن إبراهيم عن الأسود قال قلت: إن تزوجت فلانة فهي طالق، فسألت ابن مسعود فقال: بانت منك اخطبها إلى نفسها، يعني بعد ما عقد عليها.
قال ونا محمد بن شاذان، نا معلي، نا أبو عوانة، عن محمد بن قيس، قال: سألت إبراهيم عن ذلك، فحدثني عن علقمة والأسود عن ابن مسعود انه قال: هي كما قال: فرجعت إلى الشعبي، فأخبرته، فقال: صدق.
стр. 353
ونا أبو بكر بن محمد، نا يحيى بن عمر نا يحيى بن عبد الله بن بكير، نا مالك، عن سعيد بن عمرو بن سليم الزرقي، أنه سأل القاسم عن رجل طلق امرأة إن هو تزوجها، فقال: القاسم [بن محمد إن رجلا جعل امرأة عليه كظهر أمه إن هو تزوجها] فأمره عمر بن الخطاب أن يتزوجها ولا يقربها، حتى يكفر كفارة الظهار.
وهذا يكثر إن تقصيناه، وفي بعضه كفاية.
ويحتمل ما روي عن النبي ﵇، وعن علي ﵀ ما تأولنا، مع احتماله فيمن عم النساء، وعم العتق والصدقة، وأوجبنا ذلك فيمن خص، على ما قدمنا من الدلائل، وفيما ذكرنا لمن أنصف مقنع.
فأما قول هذا الرجل في معارضته بالقائل لزوجته: إن طلقتك فقد ارتجعتك، وألزمنا مناقضة، لتفريقنا بين القائل لامرأته: إن تزوجتك فأنت طالق.
ولا يلزمنا بذلك مناقضة بحمد الله، لأنه قرن شيئا بغير نظيره.
وذلك أن القائل: إن طلقتك فقد ارتجعتك، إنما أوجب لنفسه عقد ما يستأنف حله، والمطلق إنما الزم نفسه حل ما يستأنف عقده، وهذا غير مستبه.
وهو أشبه بما شبهناه به، ممن لم يملك ما لا فعقد على نفسه صدقته، بشرط الملك. فهو كمشتر [ط] حل الشيء بعد عقده، فيما ذكرنا من الحل بالطلاق، ما انعقد من النكاح، وبالعتق والصدقة ما انعقد من الملك.
стр. 354
وقياس الشيء بالأشبه به أولى، وذلك إيجاب الصدقة فيما يستأنف ملكه، وما دل عليه القرآن من إيجاب ذلك.
فقياس الطلاق الذي هو حل شيء بعد عقده أولى أن يشبه بإيجاب الصدقة بعد عقد الملك.
وكلفنا القياس على ما لا يشبه [] هذا [].
[فـ]ـإن قيل: فألا جعلته كقول الأمة [] [أن أعتقت]: اخترت [الرق]، ومن قولك: إن ذلك لا يلزم، وهذا حل شيء بعد عقد متقدم بما انعقد لها من الحرية التي لم تكن بعد؟
قلت: إن هذا لا يلزم، لأن الذي قال: إن تزوجتك فأنت طالق قد حلف على فعل نفسه، فهو يعقد بفعله النكاح، الذي أوجب على نفسه به الطلاق.
وهذا إنما جعلت فعلها فيما هو بيد غيرها، ففعلت فيما لم يجب لها، وهي لا تملك منه عقدا ولا حلا، وليس بيدها وقوع العتق، الذي به يجب الخيار لها.
وكذلك كل من اسقط ما لم يجب له، ولا له في عقده فعل بحال.
مثل أن يقول: إن قتل فلان وليي فقد عفوت عنه، أو إن اشترى فلان هذا الشقص، فقد اسقطت عنه شفعني، فهذا لا يلزمه، وهو كقول الأمة في الاشتباه.
وعقد الشيء آكد في الأصول من حله، والأمور الموجبة لعقود الأشياء أقوى من الأمور التي توجب حلها، وهذه أمور تفترق عند التامل، مع موجبة التوفيق.
стр. 355
وفي الأصول أيضا، أنا ندع الشيء بالشك ولا نأخذه بالشك، ويحنث الحالف بالأقل ولا يبر إلا بالأكثر، ويفرق بالشك ولا يعقد النكاح على الشك.
والحياطة في الإشكال أولى في الديانة، وأقرب إلى السلامة إ [ن] شاء الله، والتوفيق بيد الله سبحانه.
تم الجزء الثاني من كتاب: الذب عن مذهب مالك، في شيء من أصوله، وبعض مسائل من فروعه، ولله الحمد في عونه وتأييده، وصلى الله على محمد نبيه وآله وسلم تسليما.
يليه الجزء الثالث إن شاء الله [أوله] [باب: أقل] ما يكون صداقا.
стр. 356
الجزء الثالث
من كتاب الذب عن مذهب الإمام مالك
стр. 357
[] عبد الله بن محمد بن عبد الـ[ـله بن محمد] [] [ـاري] المالـ[ـكي]، عارضته بكتا [ب الشيخ]، فصح محمد القيروا [ني].
الجزء الثالث من كتاب الذب عن مذاهب مالك بن أنس في غير شيء من أصوله وبعض مسائل من فروعه وكشف ما لبس به بعض أهل الخلاف وما جهله من مخارج الأسلاف.
تأليف أبي محمد عبد الله بن أبي زيد ﵁.
سماع لمحمد بن عبد الله بن محمد بن يوسف الأندلسي.
لمحمد بن عتاب نفعه الله به آمين
стр. 358
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب أقل ما يكون صداقا
قال أبو محمد: ومما أنكر هذا الرجل قول مالك في الصداق: إنه لا يكون أقل من ربع دينار.
واحتج بقول الله تعالى: ﴿وأتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾، وقال: ﴿فأتوهن أجورهن﴾، وقال تعالى: ﴿أو تفرضوا لهن فريضة﴾، وبقوله: ﴿فنصف ما فرضتم﴾، ولم يحد قليلا من كثير، وأجاز النبي ﷺ النكاح على نعلين، وعلى خاتم من حديد، ولم تجتمع الأمة على حد ولا يقصر دونه.
فلما كان هذا جاز أن يكون صداقا، كل ما تراضيا مما له نصف، لقوله سبحانه ﴿فنصف ما فرضتم﴾.
стр. 359
فالجواب عن ذلك: أن ما احتج به من هذه الآيات، نحن أسعد بالتعليق بها، إذ جعلنا الصداق المذكور والنحلة والفريضة، التي أباح الله بها الفرج، الذي عظم أن يباح بغير صداق، أن تكون الآيات المتلوات مصورفة إلى ما له بال من الأموال، بقوله سبحانه: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾ فجعل الصداق يفرق بين النكاح والسفاح، وقال في الموهوبة: ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾.
فإذا كان أقل ما يستباح به الفرج حق لله لا يجوز للمرأة أن ترضى بإباحة نفسها بغيره، وجب علينا حياطة هذا الفرج المحرم الا يباح إلا بيقين.
والآيات المتلوات متحملة لما قلنا، ونحن أولى في الاحتمال لما تأولنا ممن خالفنا، إذ صرف ذلك إلى كل شيء، فلما رأينا كل شيء منه ما يقل ويحتقر مما لا يعجز عنه عاجز، علمنا أن المراد من الصداق شيء له بال.
وقد جعل الله سبحانه الصداق مما فرق به بين الموهوبة والزانية وبين الزوجة، وفرق بين النكاح وبين الزني، بأن الزني يستتر به، والنكاح يعلن به، والزانية تبذل نفسها والنكاح تولي من يزوجها والزانية تبيح نفسها بغير شيء، وبما يقل ويكثر، فلابد أن يكون إباحة النكاح بصداق تخرج به عن حكم الزانية والموهوبة.
стр. 360
واختلف الناس في حد ذلك، للاحتمال الظاهر، فلما حد بعضهم حدا لا يرجع به إلى أصل، كمن حد درهما وسوطا ونحوه، كان من حد حدا رجع به إلى اصل أولى.
فإن قلت: لا أحد في مقداره حدا إلا ما له نصف، قلنا: فإنا نجد شيئا لا قيمة له وله نصف مثل الحبة أو فلقة العود وسواك من اراك، هذا وقد جاء الوعيد فيمن اقتطع سواكا من أراك من مال أخيه بيمينه، او من غل من المغنم خيطا أو مخيطا، وأخبر الله ان حبة خردل يحاسب بها، فدل أنها لا يجب ان يؤخذ من صاحبها إلا بطيب نفس منه.
стр. 361
فإن أبحت النكاح بحبة الخردل وفلقة العود والورقة والتبنة، لم يكن بينك وبين من أباح النكاح بغير صداق فرق، إذ لا يعجز عن هذا عاجز أن يرفعه من الأرض فيملكه، ثم يعطيه إياها فترضى به.
فإما أن تقيم فرقا بين الزني وبين النكاح يعلم ويفهم، فيقصر الصداق على حد معلوم، ولا تحد في ذلك حدا ترجع به إلى أصل، كما رجعنا نحن – بما حددنا فيه – إلى أصل، إذ كان لابد لنا أن نبيح الفروج إلا بما له بال، مما دل عليه ظاهر الخطاب.
ولو كان مثل الحبة والنواة وورقة البقل يكون صداقا، ما جاز لأحد نكاح الإماء، وكان كل أحد واجدا للطول فكان ذلك دليلا أنه لا يكون الصداق كل ما قدر عليه.
ثم رأينا الذين تركوا أن يحدوا في الصداق حدا، فيدوا ذلك بأن يكن متمولا له قيمة، فصار خروجه عن حد القليل اتفاقا.
فلما حصل خروجه عن اليسير التافه كان الرجوع إلى ما ليس بتافه، ومما له بال من الأموال، بأصل يرجع إلى أولى، إذ كان ذلك مقدارا منصوصا عليه، له من الحرمة ما قطعت به اليد.
стр. 362
فلما كان أقل ما له حرمة، وجب أن يكون مثله أقل ما يكون صداقا، وأن يستباح بما له حرمة من الأموال أولى أن يستباح بما لا حرمة له.
ولما لم يكن لها أن تبح نفسها بغير شيء كان أقل الصداق من حقوق الله، وإنما يتراضي الزوجان فيما يجاوز ذلك، فتكثر الزيادة عليه أو تقل بمرضاتهما، ودل أن بعد ذلك مرتبة هي حق الله، لا يجوز لأحدهما النزول عنها، فلابد من الاستدلال على حد ذلك ضرورة، وإلا لزمك أن تقول إن [الاختيار] لهما في قلته وكثرته وتركه أجمع.
فلما لم يكن لهذا قائل، دل أن ثم حالة لا صنع لهما في التخلف عنها، فلابد من الاجتهاد في حدها.
فلما تفاحش أن يكون الحد في ذلك الشيء لا بال له ولا حرمة له ولا يعجز عنه عاجز، استدللنا على ما له البال والحرمة، فأصبنا ربع دينار دل القرآن أنه مما له بال وحرمة من الأموال، إذ أباح به قطع اليد في السرقة فكان ذلك بكتاب الله وسنة رسوله المبين عن الله مقدار ما له البال مما تقطع فيه اليد، ولولا ذلك لكنا – على ظاهر الآية – نقطع في الحبة من الخردل والشعيرة.
стр. 363
فلما دلنا ﵇ أن المقصود بالقطع في الشيء الذي له البال بما حد من ربع دينار، كان ذلك أدل دليل لنا على ما أجمل الله لنا من آية الصداق، كما أن ما نص عليه الرسول من مكيال كفارة الأذى أنه مدان لكل مسكين، دليل على ما أجمل الله من إطعام الظهار لكل مسكين.
وكذلك نصه على رقبة مؤمنة في القتل، يغني عما أبهم من عتق الظهار، ولا وحشة علينا في قود أصلنا في القياس الذي تأباه.
ثم لم نعلم ولا سمعنا في الآثار عن النبي ﷺ ، وعن أصحابه، أن أحدا منهم تزوج على أقل من وزن نواة من ذهب.
وهو حديث عبد الرحمن بن عوف، حين قال له ﵇: كم سقت إليها؟ قال: وزن نواة من ذهب، وذلك نحو ربع دينار، وإن كان قد اختلف في تقديرها.
стр. 364
وحديث النعلين لا يعلم به التوقيت، إذ النعلان قد يجاوزان ذلك، وكذلك الختم الحديد.
وإذا أباح الله تعالى ورسوله ﵇ زوال عضوها بسرقة ربع دينار، لم ينبغ أن يستباح فرجها من الصداق بأقل من ذلك، والله أعلم.
واحتج هذا الرجل بحديث رواه عاصم بن عبيد اللهن في التي تزوجت على نعلين، فقال النبي ﵇: أرضيت من نفسك ومالك بهذين النعلين؟
وهذا إذا ثبت لا حجة لك فيه، وإن كان عاصم بن عبيد الله قد تكلم فيه، وهذا إذا صح لم يكن أسعد به منا، إذ ليس فيه ذكر لقيمة النعلين.
واحتج غير الرجل بما روي عن النبي ﵇، قيل: ما العلائق؟ قال: ما تراضي عليه الأهلون، فهذا حديث واه، لا حجة في ظاهره لو ثبت.
стр. 365
فأما وَهْيُ الرواية فرواية الحجاج بن أرطاة له، ورواه أيضا عن ابن المغيرة رجل مجهول عن ابن البيلماني وابن البيلماني لم يسمع من النبي ﷺ شيئا.
ولو ثبت للزم من تعلق به أن يجيز النكاح، إذا تراضيا على حبة خردل وتبنة وحصاة ما لا بال له، لما تقدم دليلنا عليها، وأن الأصول تدفع هذا وليس ما يتراضيان، عليه يجب أن يكون عاما، أرأيت إن تراضيا على ما لا يجوز به الرضا؟
فالمقصود إذا تراضيا على ما دل على مقداره الكتاب والسنة، مما يخرج من الهبة والسفاح.
стр. 366
وكذلك حديث الحارث بن نبهان عن أبي هارون العبدي، عن الخدري عن النبي ﵇" لا يضر أحدكم إذا تزوج بقليل أو كثير، إذا تراضيتم وأشهدتم، احتج به غير هذا الرجل، فأردت ذكر ما احتج به غيره من أهل سعة الرواية والاستقصاء.
وهذا حديث لا يعتمد عليه، لأن رواية الحارث وأبي هارون عند أهل الحديث لا يحتج بها.
ثم هذا من ذلك المعنى أنه لا توقيت فيه، وذلك مصروف إلى ما دلت عليه الأصول من التوقيت الذي لابد منه وإنما هذا إباحة للتقليل والتكثير.
ولكن للقليل نهاية لا يجوز دونها، لا علم عليها ولا دليل إلا من غير الحديث، هذا ولو كان ثابتا.
وحديث آخر: من استحل بدرهم فقد استحل، قال أهل الحديث: هو حديث منكر لا يصح.
فإن احتج غيره بحديث مالك، في التي وهبت نفسها للنبي ﵇، فلم يرجع إليها شيئا، وسأله رجل تزويجه إياها، فقال هل معك من شيء تصدقها إياه فقال: لا
стр. 367
إلا إزاري هذا، قال: إنك إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك، التمس ولو خاتما من حديد، فالتمس فلم يجد شيئا فقال: هل معك من القرآن شيْ؟ قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، قال قد زوجتكها بما معك من القرآن.
فهذا حديث من أنكر أنه خصوص في أكثر نصه فقد كابر.
من ذلك أنها وهب نفسها للنبي ﵇ فهذا خاص.
ومنها أنه ﵇ زوجها، ولم يظهر لنا أنه سألها هل تحب نكاح غيره ﵇، ومنها أنه زوجها ﵇ ولم يستأمرها.
ومنها أنه لم يسلها في الحديث هل رضيت بذلك الرجل، أو بالنكاح، بما معه من القرآن أو لم ترض، ومنها أنه لم يسألها هل تعلم تلك السورتين أولا تعلمها. فكان ظاهره أني زوجتكها لأن معك قرآنا، بقوله: (بما معك منه)، إذ لم يأمره أن يعلمها إياهما.
ومن ادعى أن المعنى في كل ما ذكرنا شيئا يذكره ليس في نصه، كان ما يدعيه ظنا يظنه، ليس في ظاهر الحديث.
وأجمعوا أن لا يجوز أن يتزوج امرأةً رجلٌ بما معه من القرآن.
стр. 368
وإنما قال من تقلد تأويل هذا: إنما يجوز على أن يعلمها، وهذا فخارج من لفظ الحديث ومن معناه، وليس في الحديث أنه أمره أن يعلمها تلك السورة، ولا هي لتلك السور حافظة أم لا، ولو كان ذلك على أن التعليم لها للسورة صداقها، لكان إنما يعلمها ما لا تعلمه، وهذا غير معلوم من الحديث.
وفي الحديث أنه لم يبح له النكاح بخاتم الحديد، إن كان تقل قيمته – كما يتأول مخالفنا – حتى لم يجد شيئا، ومن خالفنا يبيح للموسر النكاح بذلك، هذا لو كان الخاتم خاتم الحديد، لا تكون قيمته إلا أقل من ربع دينار.
وكذلك لم يذكر أنه زوجها بقرآن من الرجل حتى لم يجد الرجل شيئا، ولا خاتم حديد، ومن خالفنا يجيز كذلك للغني، وهذا خلاف ظاهر الحديث.
وليس في ظاهره أيضا تعليم السور، وإنما ظاهره أنه زوجه إياها لما معه من القرآن.
فظواهر الحديث كله ناطقة بالخصوص، ولو كان الأمر من قول النبي ﵇: التمس ولو خاتما من حديد، مصروفا إلى تقليل قيمة الصداق، لاحتمل أن يكون ضرب بذلك مثلا للتقليل لا على الاقتصار على ما ذكر، كما قال في الأمة تزني
стр. 369
فتجلد، فقال في الثالثة أو الرابعة: بيعوها ولو بضفير، ولم يرد أنها تبدل فتباع بحبل، ولكن ذكره مثلا للقليل.
ولو احتمل عند مخالفي التحديد لزمه أن يجعله حدا، لا يجيز النكاح بأقل من قيمة خاتم حديد، وهذا وقد يكون الخاتم حديد يجاوز ثمنه ربع دينار، فليس في الحديث عند التأمل بالإنصاف حجة لمخالفنا، إلا أن يريد منا أن يجعل تأويله حجة، ويمنعنا من تأويل مثله [] من ظاهر فيه، يدل على صحة قولنا.
ومن قال: النكاح بكل ما تراضينا به، لم يصح هذا، إذ قد يتراضيان بما لا بال له.
فإن قلت: بما له قيمة وبال، صرت إلى تحديد شيء ضرورة لا ترجع بـ[ـه] إلى أصل.
فإن قلت: إنك لا تقول بالقياس، فترد ذلك إلى أصل، قيل لك: فألزم نفسك ما أصلت: أن الفروج في الأصل محرمة، فلا تستباح إلا بما لا شك فيه، إذ لم يأت في الصداق توقيت يرجع إليه نصا، وقامت الأدلة أن لابد فيه من توقيت، ليخرج عن الموهوبة، وأن لا تجعل ما لا بال له صداقا.
стр. 370
ومن قال بالقياس لزمه ألا يحد حدا إلا أن يرجع به إلى أصل، فيكون ذلك اولى ممن يحد بغير أصل.
ولما امتنع كل من خالفنا من إجازة النكاح بالحبة والورقة وما لا بال له مما له نصف، ورجعوا إلى توقيت فوق هذا، كنا بالتوقيت بأصل رجعنا إليه أولى أن يكون قولنا أصح، ولما في ذلك من تحصين الفروج بما لا إشكال فيه، لما عظم الله من أمرها.
стр. 371
وليس تشبيهنا ذلك بالمقدار الذي نص الله على قطع اليد فيه ببعيد، لاشتباهه به في غير وجه مما يشبه ما اختلفنا فيه.
منها: أنا استدللنا أنه مقدار له بال وحرمة.
ومنها أنه مقدار استبيح به عضو في البدن، وانتهكت به حرمته، فأشبه عندنا أن هذا المقدار المنصوص يستباح به في النكاح معـ[ـني] في البدن، لم ينص على مقداره، وليس لأن هذا مطيع وهذا عاص يمنعنا من التشبيه في ذلك، والغاصب للمرأة عاص وعليه الصداق كهو، مثل المطيع الناكح، قياسا على حكمه في النكاح الحلال.
فإن قيل: فإلا رددت ذلك إلى دية اليد، قلت: هذا فاسد لغير وجه.
منها: أنه لم يرد إلى هذا التشبيه احد، والإجماع يمنع من ذلك.
ومنها / أن النكاح يحتاج إلىه الموسر والمعسر، فلابد أن يجري فيه الأمر على ما فيه صلح الجميع، وقد علم أن إباحة النكاح رحمة ورفقا ونعمة، فلا ينصرف إلى دية اليد فيما دل عليه القرآن من أنه رحمة عم بها عباده.
стр. 372
وهذا الذي قلنا قاله اكابر من علماء السلف، أنه لا يكون الصداق بما لا حرمة له ولا بال.
أخبرنا محمد بن عثمان، أنا محمد بن أحمد المالكي: قال: نا ابن شاذان قال: انا معلي عن هشيم قال: أنا مغيره، عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يكون مهر الحرائر كأجور البغايا، أن تنكح المرأة بالدرهم والدرهين.
قال وأنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم مثله.
وقوله: كانوا يكرهون يدل أنه من فوقه من الصحابة وأكابر التابعين.
وقوله: والدرهمين، يدل أنهم لا يكرهون الثلاثة.
قال ابن شاذان: نا معلى، قال: أنا يزيد بن زريع، قال أنا صالح بن مسلم سألت الشعبي عن الرجل يتزوج المرأة بدرهم، قال: لا يصلح إلا بثوب أو شيء.
ومن روى ان إبراهيم استحب النكاح بعشرين وأربعين، فهذا من باب الاستحباب غير مرجوع به إلى أصل.
وقوله عن سلفه: كانوا يكرهون النكاح على الدرهمين، أبين فيما ينهى عنه وأولى، لأن ثلاثة دراهم يرجع بها إلى أصل كما ذكرنا.
وما ذكر هذا الرجل عن إبراهيم ما تراضوا عليه فهذا الذي حكينا عن إبراهيم خلافه، هذا وروايته ذلك عن أبي معشر والرواية التي ذكرنا أثبت، وما روى إبراهيم عن سلفه أيضا.
стр. 373
وأما روايته عن الحسن: ما ترضوا عليه، فقد روينا خلافه.
أنا محمد بن عثمان، قال: أنا محمد بن الجهم، قال: أنا ابن شاذان قال أنا معلى قال: أنا يزيد، قال أنا ابن عون، قال / قلت للحسن ما أدنى، أو ما أهون ما يتزوج عليه الرجل المرأة؟ قال: وزن نواة من ذهب.
وكذلك روى مالك أن عبد الرحمن بن عوف تزوج على وزن نواة من ذهب، واعلم بذلك النبي ﵇، وقد روي أن النواة التي تزوج بها قومت ثلاثة دراهم وربع.
قال محمد بن الجهم، نا ابن شاذان، عن ابي معاوية قال: أنا حجاج، عن قتادة عن أنس، قال: تزوج عبد الرحمن بن عوف امرأة على وزن [نواة مـ]ـن ذهب، قومت ثلاثة دراهم وربع.
فهذا صداق [علمه النبي عليه السـ]ـلام.
وقد قيل في وزن النواة خمسة دراهم، ولعل النواة منها ما يصغر ويكبر، ومحال أن يقوم بثلاثة دراهم وربع، ووزنها خمسة دراهم فهذا يدل أن النواة مختلفة المقادير.
стр. 374
قال محمد بن عبد الحكم: ثم لا يحفظ أن أحدًا من الصحابة تزوج على أقل من نواة من ذهب.
وكر هذا الرجل أنه لا يعلم أحدًا سبق مالكا إلى هذا من أهل المدينة، ولا من غيرهم، فليس جهله بمن قال ذلك من السلف حجة، وقد ذكرنا بعض من قال ذلك من السلف، وما عضد ذلك من الكتاب والسنة والاستدلال.
وما حكي عن ابن أبي ذئب أنه لا يعلم من قال ذلك من أهل المدينة غير مالك، فقد يعلم ذلك غيره من نظرائه هذا إن صح عن ابن أبي ذئب، ولم يحك ابن أبي ذئب في ذلك توقيتا يرجع به إلى أصل، وعلم مالك أنه لابد من توقيت، فأخذ بأقل ما بلغه عن السلف من نكاح عبد الرحمن، الذي أخبر به النبي ﵇ فاقتصر على ذلك مع الاستدلال عليه وقول من ذكرناه من السلف.
стр. 375
وقوله عنه: إنه أخذ ذلك من قول أبي حنيفة، إذ لا يجيزه إلا بما تقطع اليد فيه، فلعمري لقد وافق أبو حنيفة مالكا في هذا، ولهما في هذا سلف، وأما أن يأخذ مالك قوله من رأي أبي حنيفة فهذا بعيد، وكان بعيدًا من الأخذ عن الكوفيين الحديث، فكيف برأي أبي حنيفة، قال مالك: لم يأخذ أولونا عن أوليهم، فكذلك آخرونا، وهذا مما لم يكن لذكرك إياه وجه.
وأما قوله: إن مالكا قال: إن تزوج بأقـ[ـل] من ربع دينار إنه لا ينعقد، إلا أن يتم لها ثلاثة، وإن طلقها قبل البنـ[ـاء] فلها نصف ما سمى، وقد ألزمه، فيها الطلاق، وهو لم يجعله صداقا، ولا النكاح منعقد، وأباح لها أن تنكح غيره، إذا لم يكمل لها ثلاثة دراهم، فكيف يقع الطلاق في نكاح لم ينعقد؟ وأن لها أن تنكح إن لم يتم لها ثلاثة دراهم.
وما ذكرته عن مالك ليس بقول مالك، أو لعلك رأيت قوله فظننت أن ما حكيت مثله، أو قبلته ممن عنده من التحامل والجهل ما حرف به القول.
وإنما قول مالك أنه نكاح انعقد بشبهة، للاختلاف فيه، فلا يفسخ إلا بقضية أو برضى الزوج بالفسخ دون السلطان، فلذلك ألزم فيه الطلاق وجعل فسخه بطلاق للشبهة التي في صداقه بالاختلاف، وإذ لو حكم حاكم بإجازته لم ينقض حكمه.
وقوله: إذا طلق وقد نكح بدرهمين فلها درهم، فهذا قول ابن القاسم، وإنما قال
стр. 376
ذلك فلأن الزوج لم يرض بأكثر من درهمين، فيؤخذ منه أكثر منهما، ولم يقره على النكاح للدلائل التي ذكرنا، وقام عنده مقام الشبهة، وهذا باب من الاحتياط غير مستنكر.
وأما رواية ابن القاسم: إنه إن لم يتم لها ثلاثة دراهم فسخ، وإن أتمها ثبت، فقد اختلف في ذلك أصحاب مالك.
فوجه رواية ابن القاسم فلأنه لا يبقى نكاحا بأقل مما دلت عليه الأدلة من الصداق، وأجازه إذا تم ذلك، لأنه لو نكح بتفويض فرضيت بما لا يكون صداقا لقلته لم يجز حتى يتم لها ذلك، فإن طلقها قبل البناء فلها المتعة، ولو دخل يجبر على تمامه، هذه رواية ابن القاسم.
وذكر عبد الملك في النكاح على درهمين، أن ذلك كالنكاح بما لا يصح من الصداق، فيفسخ قبل البناء ويثبت بعده ويكون لها صداق المثل.
وكل محتمل لأن ما دل القرآن عليه من نكاح التفويض إذا بذل أقل من صداق المثل فلم ترض به فسخ النكاح، وإن أتمه مضى ذلك، وإن دخل أجبر على تمام صداق، المثل إن كان لم يفرض شيئا.
فأقام ابن القاسم ثلاثة دراهم مقام صداق المثل، لما في النكاح بدرهمين من الاختلاف وهذا وجه من الاستحسان وهو التوسط في القول عند تعلق الشيوخ بغير أصل واحد في التشبيه، وهذا غير بعيد.
ومن أقامه مقام الفساد في الصداق، أجازه بعد البناء، وأوجب عليه صداق المثل، بالبناء، وكل محتمل للنظر، وبالله التوفيق.
стр. 377
باب وطء الصغير للكبيرة
قال أبو محمد: ومما أنكر هذا الرجل قول مالك: إن الصغير إذا وطيء كبيرة وهي طائعة إنه لأحد عليها، وتلا ما أوجب الله سبحانه على الزانية.
قال في خطل له أرغب عن حكايته ما الفرق بين كبير وطيء صغيرة فصار بوطئه إياها زانيا يحد وإن لم تكن هي بوطئه زانية، وبين صغير وطيء كبيرة لم لا كانت هي بذلك زانية وإن لم يكن هو بذلك زانيا؟
فإنا نقول لهذا الرجل: ألزمتنا القياس وهو باطل عندك، ثم كلفتنا أن نقيس شيئا على ما لا يشبهه.
وذلك أن الرجل الكبير إنما سميناه زانيا بفعله، لا بفعل غيره فيه، وسميناه أيضا زاينا بفعله فيمن معها آلة الوطيء متكاملة له، فيكون فعله بها يلزمه، بذلك أحكام ويوجب عليه أحكاما.
فمن ذلك أن وطأه إياها يوجب عليه الحد، ويوجب عليه في النكاح والغصب الصداق، ويحلها بالنكاح لزوج كان طلقها ثلاثا، ويوجب أن يكون هو بذلك محصنا.
стр. 378
وذلك أن آلة الوطء منها لواطئها متكاملة، لا يزيد فيه بلوغها على الواطيء لها معنى من الأحكام ولا ينقصه.
ورأينا الصغير يطأ الكبيرة ليس متكامل الفعل فيها كما تكاملت آلات الوطء من الصغيرة مع الكبير فكان الصغير لا يحصنها وطؤه، ولا يحلها لزوج كان أبتها، ولا يوجب لها صداقا في نكاح ولا غصب، ولا يوجب عليها عدة وليس هي له في النكاح بفراش يوجب عليه لحوق الولد به، ولا إيجاب الصداق، ولا إحصان الموطأة ولا إحلالها
فدل رفع أحكام فراشه في نكاحه من هذه الأحكام على رفع الحد عنها بوطئه في غير نكاح، ومعنى آخر: أن الصبي فمعدوم القصد، فلا يصح منه الزنى، فقام ذكره مقام الأصبع في أحكام الوطء وكذلك قال النخعي ويحيى بن سعيد: إنه مثل الأصبع في عدد من التابعين.
ولما كان فعل الصبي فيها بذكره لا يوجب من هذه الأحكام شيئا، دل ذلك أن فعله ذلك فيها بغير نكاح لا يوجب حكم الوطء بغير نكاح من تسميتها بذلك زانية، حتى ترجم هي بذلك، أو تجلد، أو يسقط الحد بذلك عن قاذفها، وصار الفعل الموجب لما ذكرنا - من أحكام الوطء الحلال وغير الحلال - غير موجود من الصبي، وصار إدخال ذكره في فرجها، كإصبع استدخل في فرجها فأوجب لها لذة أو لم يوجبها، فتأمل مخارج الأصول قبل النكير.
стр. 379
وقد قال الله سبحانه: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ فلم يكن عقد النكاح ها هنا محلا، لها حتى يكون نكاحا فيه الوطء المتكامل فلما لم يكن وطء الصغيرة متكاملا منه حتى صار لا يحلها فكذلك لا تكون به زانية.
ولو كانت العلة في إحلالها وكونها زانية باستدخال كل ما ينزلها وتلذ هي به للزمها اسم الزني باستدخالها لإصبع صغير أو كبير حتى تنزل بذلك، وكان يحلها ذلك فبطل هذا الوجه، وصح ألا تكون موطأة توجب عليها اسم الزنى إلا بتكامل أوصاف الوطء من واطئها.
ودل الكتاب والسنة أن وطء الصبي غير متكامل في نفسه، ولا فيما يؤثر في الموطأة من إيجاب صداق وإحلال وإحصان، فيه ولا فيها، وقد قال الله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ وقال في اللعان: ﴿ويدرؤا عنها العذاب﴾ فدل الرسول ﵇ أن العذاب في المحصنة الرجم، وقال سبحانه: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ إلى قوله: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ فأخبر أن المسيس يوجب جميع الصداق، وقال في التي لم يدخل بها: ﴿فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾.
стр. 380
فلما كان الصبي إذا وطئ زوجته، ثم زالت عن عصمته بقضية أو بمبارأة الأب عنه - على قول من يرى ذلك - أو لم يطأها بعد ذلك حتى بلغ وطلقها لم يكن عليها بذلك الوطء عدة، ولا على الزوج به جميع الصداق، دل أن ذلك المسيس لم يوجب أحكام المسيس المنصوص.
وإذا لم يوجب لها حكم المسيس في الصداق والعدة، كان أبعد أن يوجب عليها مثل ذلك المسيس حد الزني، وهذا أعظم وإذا لم يجب الأدنى من الأحكام به كان الأعظم أولى ألا يجب.
فإن كان مسيسا فأوجب به ما نص من الأحكام للمسيس، وإن لم يكن مسيسا فارفع عنها فيه جميع أحكام المسيس.
فلما لم يوجب وطؤه فيها ولها من الإحلال والإحصان والصداق والعدة ما يوجبه وطء الكبير، دل ذلك أنه لا يوجب فيها الحد، لنقان وطئه عن مراتب أحكام وطء الكبير، فلم يجب أن تسمي هي بوطئه زانية لهذه العلل، ووجب أن يسمى الكبير زانيا بوطء الصغيرة، لتكامل أحكام وطئه، فإنه هو بوطئه للصغيرة محصن بإجماع، وأن عليه به الصداق وسائر ما يلزم بوطئها من الأحكام.
والتي يطؤها الصبي لا تؤثر فيه إحلالا ولا إحصانا، ولا يوجب لها صداقا، فلما ارتفع هذا الوطء من الصغير أن يكون وطءا متكاملا في هذه الأحكام، وجب أن لا يلزمها به اسمها زانية.
стр. 381
واسم الزنى آكد حكما من هذه الأشياء في أنه لا يجب ويجب حكمه إلا بما لا ريب فيه ولا شبهة إذ الحدود في الأصل مدروءة بالشبهات.
فهذا أولى ألا يقام بمشكلات الأمور والشبهات ولا تقام الحدود إلا بتكامل أوصاف الوطء ومعانيه.
وهذا ظاهر كتاب الله وسنة نبيه ينبئك عن نقصان مرتبة فعل الصبي في الوطء للكبيرة، وينبئك بتمام ما يؤثر الوطء للصغيرة في الكبير، وإن بعد ما بينهما لمكشوف في الافتراق، لا يرد إلا بمكابرة أو تقصير إدراك، والمساوي بين هذين - على بعد ما بينهما - أولى أن يكون قد جمع ما لا يجتمع، وشبه ما لا يشتبه في نظر، ولا يستقيم في عقل ولا أتى به أثر، كما رميت مالكا.
وليس في المجازاة لك على سوء المقابلة منك لمثل مالك شفاء، وإن لمن اراد الله بنكير ذلك عزاء فيما يرجو من ثواب الله في تحامل الغامطين وتعدي المتكلفين، وبالله نستعين على تأييده وتوفيقه.
стр. 382
باب فيمن قذف صغيرة بالزني إنه يحد
قال: وهو يرفع الحد عن قاذف الكبيرة المجنونة، إذ لا يكون من مثلها زني.
قال: وهذا تناقض. مع ما ضم إلى هذا من لغوه وفضول كلامه.
واحتج بقول الله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ قال: فإن وجب الحد على القاذف لأنه ممن أمر ونهي، فأوجبه في قذف المجنونة، وإن كان لأن المقذوفة في حال القذف كما قذفت، فلا حد على قاذف الصغيرة.
وإنما قال مالك، ﵀، بحد قاذف الصغيرة، يعني: التي يوطأ مثلها، وإن كان
стр. 383
لم يفسر ذلك هذا الرجل.
وذلك لأن معرة القذف بذلك تلحقها وتعرها، ولا يعر ذلك الصبي الصغير، وإن كان ليس بزنى منه ولا منها، إلا أن وطء الصبي ليس بوطء منه، ولا في الموطأة، ولا يوجب حكما.
والواطيء في الصبية يؤثر الحد في واطئها، ويوجب الصداق والإحلال، ويمكن معه الولد منهما للمراهقة للبلوغ، لاختلاف الأسنان في البلوغ، فهو ممكن منها، والعدة منه واجبة فهو في الأنثى أقوى، والمعرة به لها ألصق من الذكر.
وأصل ما جعل الله سبحانه على القاذف لما يلحق معرة القذف بالقذوف والله أعلم. ولا يشك أحد أن المصيبة دون البلوغ تلحقها بذكل معرة غير قليلة، فدخلت مدخل من تحلقه معرة القذف، والله أعلم.
ولو كانت علة ما وجب بالقذف أن يكون المقذوف ممن يلحقه بالفعل اسم الزني، دون أن تكون معرة ذلك لاحقة به، لكان قاذف المحدودة في الزنى يحد، لأنه رمي من يلحق به اسم الزنى، فلا يحد حتى يرمي عفيفة، يعرها ما رميت به من الزني، وذلك لا يعر التي زنت فالحد لمعرة القذف.
وأما ما اتحج به من قول الله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ فهن الحرائر المسلمات العفائف.
وقوله: إن مالكا يقول: لا حد على قاذف الكبيرة المجنونة، إذ لا يكون من مثلها زنى، فالذي عندنا عن مالك أنه قال: يحد قاذفها، وإنما قال ذلك لما يلحقها من
стр. 384
معرة القذف والوطء ممكن فيها.
وقولك: فإن وجب الحد على القاذف لأنه مأمور ومنهي، فأوجبه في قذف المجنونة، فقد أوجبناه، وبطـ[ـل ما] تعلقت به من المناقضة، وإلزامك فيه [اختلال] لو حتى سلمنا لك ما ذكرت لكان قولك: لأنه ممن أمر ونهي إنما يحسن معه الإلزام، فأوجب الحد في قذفه للأمة والنصرانية، والمجوسية لأنه مأمور [ألا يقذفهن] ولا غيرهن.
وقولك: وإن كان لأن المقذوفة حال [القذف] كما قذفت، فلا حد على قاذف الصغيرة، فهذا فيه إحالة، وإنما الذي يحسن أن يقال: فإن كان لأن المقذوفة في حال القذف ليست كما قذفت، فلا حد على قاذف الصغيرة.
وبعد فلو كانت المجنونة حدث بها الجنون لكان الحد منها أبين شيء، لأنها قد أخذها زمان تكون به لو زنت زانية، ولو حتى قال: أردت في جنونك لم يصدق، وكان أدنى منازله التعريض.
стр. 385
ولو حتى كانت لم تزل مجنونة منذ بلغت فكانت هذه لا تسمى بزناها زانية، لزوال القصد منها في وقت من الأوقات، فقد قال بعض أصحابنا، إن مثل هذه لا حد على قاذفها، وهي مع هذا الوصف تخالف معنى الصبية المراهقة، إذ الحمل من هذه ممكن، وما ظهر بها من ولد فبزوجها لاحق.
وإن كان ذلك منها ممكن متخوف، كان اسم الزنى بفعلها مثل ذلك، إذا صح ذلك، من حمل وبلوغ يخفي منها، وربما أظهره حمل يحدث منها قبل أن يعلم منها ظاهر بلوغ، فكانت لهذه الوجوه متأكدة الحال في معرقة القذف فقوي بذلك إيجاب الحد على قاذفها.
ومما يقوي معرةا لوطء في الصغيرة التي مثلها يوطأ: أنها يجب عليها العدة بذلك الوطء من زوج، أو الاستبراء من زنى الزاني بها، وأن الحمل منها ممكن إذا كانت توطؤ مثلها.
ويلزمك أن لو قذفت - وهي قد أنبتت وراهقت - ألا حد على قاذفها، ومعرة الوطء فيها حيئنذ أقوي معرة تلحق [بها بالقذف].
وقد ضرب رسول الله ﷺ الذين رموا عائشة ﵂، بالإفك، وهي إذ ذاك بنت ثلاثة عشرة سنة، قد أوفتها، والله أعلم هل بلغت المحيض حينئذ أم لا، وما
стр. 386
تسمعنا بذكر ذلك في حديث الإفك، وسنها حينئذ إلى الصغر ما هو محتمل للبلوغ وغيره.
وقول النبي ﷺ لها: إن كنت أحدثت فتوبي، محتمل أن يأمرها بالتوبة وهي مراهقة كما تؤمر بالصلاة والله أعلم بذلك.
وإنه ليلزمك أن من رمى زوجته المراهقة بالزنى أن لا يلتعن لأنه عندك لا يحد بنكوله، ولا يكون منها ولد عندك فتنفيه، والأخبار تدل على خلاف هذا.
وإذا كان يلاعن على ظاهر القرآن، فلا يخرج اللعان من أن يكون لنفي ما ينفي من ولد، وليدرأ عن نفسه حد القذف، فإذا كانت عندك لاحد في قذفها ولا ينفي منها ولد، فلا معنى للعان منها.
فإن قلت: لأن الحمل منها ممكن، فينفي باللعان ما يمكن من ولد إن كان، لا لأن الحد يجب عليه برميها. قيل لك: فأوقف اللعان حتى يظهر الحمل، فإذا ظهر الحمل فاجعل له نفيه، وكيف ينفيه وهو مقيم على وطئها، ولم يظهر منها محيض يكون به استبراء لرحمها، وهو لا
стр. 387
يدعي استبراء، فلما كان اللعان فيها لا يتأخر عندك فكذلك لا يتأخر الحد عن قاذفها، لأن الحمل منها ممكن، ولأن الوطء منها ممكن، وقد تحمل عند أوائل البلوغ قبل ظهور الحيض عليها، فهذا كله يقوي إيجاب الحد على قاذفها، مع معرة القذف فيها، كمعرة الكبيرة، والصغير الذكر بخلاف ذلك كله
стр. 388
باب ما يوجب الأحكام في المولود من الاستهلال
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك في الصبي يولد فلا يستهل إنه [لا يجب له حكم] في الميراث له [ومنه] والصللاة عليه وغير ذلك.
وحرف ما حكى فيه عن مالك، فقال: إن مالكا قال: إذا اقام الصبي يوما ويومين يرضع ويعطس ويبول ويتحرك، إنه لا يرث ولا يورث حتى يستهل صارخا. قال وهذا خلاف كتاب الله لأنه حي بما ظهر من تحركه وعطاسه، ورضاعه، والحركة معدومة من الموتى، وكيف يشرب اللبن ميت؟
أرأيت إن أقام أربعين سنة لا ينطق أيكون ميتا؟ وقد نجد من لم ينطق ولا ينطق يأكل ويشرب. فجمع هذا الرجل في عبارته إحالة في القول وخطأ في العلة التي جعلها دليلا، وباطلا من القول إذ أصرف معنى الصراخ إلى النطق والكلام.
ولم يقل مالك ولا غيره: إن النطق دليل الحياة، فيحتج عليه بأن يقول: أرأيت إن أقام أربعين سنة لا ينطق، فهذا من الباطل.
стр. 389
ومن هذا الذي زعم له أن لا يكون حيا متكامل الحياة حتى ينطق؟ هذا ما لا خفاء به، والصراخ فيه اختلفنا لا في الكلام، وكل أخرس فله صراخ وصوت ما.
وأما الاستحالة فيما أدخل وحكى عن مالك، مما حرف فيه القول مع الاستحالة، فقوله عن مالك: إنه قال: إن اقام يومين يرضع ويعطس أنه لا يرث ولا يورث بذلك، فهذا - مع ما فيه من الاستحالة - غير موجود، أن يقيم يومين أو ثلاثة يرضع ولا يسمع له صوت يقل أو يكثر خفي أو غير خفي، هذا باطل غير موجود.
وأما قوله: يعطس ويتحرك ويبول، فهذه الأشياء لو كانت دليل الحياة لكان []، وذلك أن الميت يبول، لأن ذلك يكثر من استرخاء المواسك.
وأما الحركة، فلا خلاف أنه متحرك في البطن قبل خروجه، فاعمل على أن له بها حكم الحي، ولا يحتاج إلى دليل حياة بعد الولادة، لأنه حي بالحركة عندك، وهذا لم يقله احد فلما لم تكن الحركة توجب له حكم تكامل الحياة، لم تكن حركته بعد الولاة علة، حتى يكون منه أمر بعد الولادة لا يشك في تكامل حياته به، وحركة فيه للمص هو من الحركات التي تقدمت في البطن، وكذلك حركة سائر جسده، وقد يتحرك المذبوح، فأميت هو أم حي؟
وأما العطاس، فقد يكون لريح دخل رأسه، وتكامل الحياة يطلب منه، لأنا اجتمعنا أن فيه حياة قبل الولادة، فلابد من أمر أزيد من ذلك تتكامل بها حياته، وإلا فهو على ما عهدناه في البطن من الحياة الناقصة.
стр. 390
والدليل على ان الصراخ هو أقوى دليل على الحياة البينة المتكاملة، ما ذكر رسول الله ﷺ ، فذلك يقضي على ما اختلفنا فيه.
أنا محمد بن عثمان قال: أنا ابن الجهم، قال: أنا الأنصاري قال: أنا عبد الله قال أنا عبد الأعلى، عن معمر عن الزهري، عن سعيد عن ابي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: " ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان، فيستهل صارخا من نخسته، إلا ابن مريم وأمه " وفي رواية أخرى: ثم قرأ ﴿إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾.
ونا أبو بكر بن محمد قال: نا يحيى بن عمر، قال نا نصر بن مرزوق، نا أسد بن موسى، نا ابن لهيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، نحوه.
وقال فيه أبو هريرة: أرأيت هذه الصرخة التي صرخها الصبي حين تلده أمه، فإنه منها، وهو خبر مشهور ثابت.
следующие страницы →