Полный текст (514 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
تسمعنا بذكر ذلك في حديث الإفك، وسنها حينئذ إلى الصغر ما هو محتمل للبلوغ وغيره.
وقول النبي ﷺ لها: إن كنت أحدثت فتوبي، محتمل أن يأمرها بالتوبة وهي مراهقة كما تؤمر بالصلاة والله أعلم بذلك.
وإنه ليلزمك أن من رمى زوجته المراهقة بالزنى أن لا يلتعن لأنه عندك لا يحد بنكوله، ولا يكون منها ولد عندك فتنفيه، والأخبار تدل على خلاف هذا.
وإذا كان يلاعن على ظاهر القرآن، فلا يخرج اللعان من أن يكون لنفي ما ينفي من ولد، وليدرأ عن نفسه حد القذف، فإذا كانت عندك لاحد في قذفها ولا ينفي منها ولد، فلا معنى للعان منها.
فإن قلت: لأن الحمل منها ممكن، فينفي باللعان ما يمكن من ولد إن كان، لا لأن الحد يجب عليه برميها. قيل لك: فأوقف اللعان حتى يظهر الحمل، فإذا ظهر الحمل فاجعل له نفيه، وكيف ينفيه وهو مقيم على وطئها، ولم يظهر منها محيض يكون به استبراء لرحمها، وهو لا
стр. 387
يدعي استبراء، فلما كان اللعان فيها لا يتأخر عندك فكذلك لا يتأخر الحد عن قاذفها، لأن الحمل منها ممكن، ولأن الوطء منها ممكن، وقد تحمل عند أوائل البلوغ قبل ظهور الحيض عليها، فهذا كله يقوي إيجاب الحد على قاذفها، مع معرة القذف فيها، كمعرة الكبيرة، والصغير الذكر بخلاف ذلك كله
стр. 388
باب ما يوجب الأحكام في المولود من الاستهلال
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك في الصبي يولد فلا يستهل إنه [لا يجب له حكم] في الميراث له [ومنه] والصللاة عليه وغير ذلك.
وحرف ما حكى فيه عن مالك، فقال: إن مالكا قال: إذا اقام الصبي يوما ويومين يرضع ويعطس ويبول ويتحرك، إنه لا يرث ولا يورث حتى يستهل صارخا. قال وهذا خلاف كتاب الله لأنه حي بما ظهر من تحركه وعطاسه، ورضاعه، والحركة معدومة من الموتى، وكيف يشرب اللبن ميت؟
أرأيت إن أقام أربعين سنة لا ينطق أيكون ميتا؟ وقد نجد من لم ينطق ولا ينطق يأكل ويشرب. فجمع هذا الرجل في عبارته إحالة في القول وخطأ في العلة التي جعلها دليلا، وباطلا من القول إذ أصرف معنى الصراخ إلى النطق والكلام.
ولم يقل مالك ولا غيره: إن النطق دليل الحياة، فيحتج عليه بأن يقول: أرأيت إن أقام أربعين سنة لا ينطق، فهذا من الباطل.
стр. 389
ومن هذا الذي زعم له أن لا يكون حيا متكامل الحياة حتى ينطق؟ هذا ما لا خفاء به، والصراخ فيه اختلفنا لا في الكلام، وكل أخرس فله صراخ وصوت ما.
وأما الاستحالة فيما أدخل وحكى عن مالك، مما حرف فيه القول مع الاستحالة، فقوله عن مالك: إنه قال: إن اقام يومين يرضع ويعطس أنه لا يرث ولا يورث بذلك، فهذا - مع ما فيه من الاستحالة - غير موجود، أن يقيم يومين أو ثلاثة يرضع ولا يسمع له صوت يقل أو يكثر خفي أو غير خفي، هذا باطل غير موجود.
وأما قوله: يعطس ويتحرك ويبول، فهذه الأشياء لو كانت دليل الحياة لكان []، وذلك أن الميت يبول، لأن ذلك يكثر من استرخاء المواسك.
وأما الحركة، فلا خلاف أنه متحرك في البطن قبل خروجه، فاعمل على أن له بها حكم الحي، ولا يحتاج إلى دليل حياة بعد الولادة، لأنه حي بالحركة عندك، وهذا لم يقله احد فلما لم تكن الحركة توجب له حكم تكامل الحياة، لم تكن حركته بعد الولاة علة، حتى يكون منه أمر بعد الولادة لا يشك في تكامل حياته به، وحركة فيه للمص هو من الحركات التي تقدمت في البطن، وكذلك حركة سائر جسده، وقد يتحرك المذبوح، فأميت هو أم حي؟
وأما العطاس، فقد يكون لريح دخل رأسه، وتكامل الحياة يطلب منه، لأنا اجتمعنا أن فيه حياة قبل الولادة، فلابد من أمر أزيد من ذلك تتكامل بها حياته، وإلا فهو على ما عهدناه في البطن من الحياة الناقصة.
стр. 390
والدليل على ان الصراخ هو أقوى دليل على الحياة البينة المتكاملة، ما ذكر رسول الله ﷺ ، فذلك يقضي على ما اختلفنا فيه.
أنا محمد بن عثمان قال: أنا ابن الجهم، قال: أنا الأنصاري قال: أنا عبد الله قال أنا عبد الأعلى، عن معمر عن الزهري، عن سعيد عن ابي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: " ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان، فيستهل صارخا من نخسته، إلا ابن مريم وأمه " وفي رواية أخرى: ثم قرأ ﴿إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾.
ونا أبو بكر بن محمد قال: نا يحيى بن عمر، قال نا نصر بن مرزوق، نا أسد بن موسى، نا ابن لهيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، نحوه.
وقال فيه أبو هريرة: أرأيت هذه الصرخة التي صرخها الصبي حين تلده أمه، فإنه منها، وهو خبر مشهور ثابت.
стр. 391
وإذا خص رسول الله ﷺ عيسى ﵇ [] له بذلك، فلا جائز أن يشاركه أحد في ذلك، ولا يكون حيا سواه إلا صارخا، كما قال ﵇، وإلا لم يحكم له بحكم الحياة.
قال محمد بن الجهم: أنا عبد الله قال: أنا أبي قال: أنا عبد الرحمن قال أنا إسرائيل، عن سماك عن عكرمة، عن ابن عباس قال ليس من مولولد يولد إلا استهل، والاستهلال أن يغمزه الشيطان فيصيح، إلا عيسى بن مريم.
قال أنا عبد الله بن أحمد قال: أنا أبي قال: أنا عبد الرزاق، قال أنا ابن جريج قال أنا أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول: المنفوس يرث إذا سمع صوته.
وقاله عروة والحسين بن علي والمسور بن مخرمة، وابن المسيب، وابن شهاب وشريح الكندي، والشعبي وإبراهيم وعطاء والحسن وابن سيرين وربيعة والقاسم في فقهاء التابعين بالمدينة وهو الأمر القائم المشهور بها.
стр. 392
قال ابن شهاب وابن المسيب، إن ذلك هو السنة عندهم، وهما في العلم بالسنن وما تطابقت عليه القرون بالمدينة، وأخذه آخرهم عن أولهم، وهذا أقوي شيء في كافتهم.
وأقاويل من ذكرنا ثابت بالأسانيد المرضية، من رواية ابن وهب وغيره.
وإذا لم يصرخ صارت حياته غير متيقنة فلا يورث ولا يرث بالشك في حياته. وأجمعوا أن المرأة إذا قتلت، وولدها يتحرك في بطنها، أنه لا حكم له في قود ولادية، واتفقوا أنه إذا لم يظهر له بعد أن وضعته حركة أنه لا يرث ولا يورث.
واحتج غير هذا الرجل بما روى عمرو بن عبيد عن الحسن أنه: إذا تحرك وعلم أن الحركة من الحياة ليس من اختلاج ورث.
فعمرو بن عبيد لا يحتج بروايته لفساد دينه، وقد قال يزيد بن هارون: إنه يكذب في [الحديث]، هذا ولم يطلق للحركة أنها دليل الحياة حتى يوقن بأنها عن حياة، فلا تمنعن الاختلاج فقد جعل مع الحركة دليلا آخر فيه [ويطلب إلى] أن يوقن أنها حركة حياة، فعرفك أن ليس كل حركة تدل على الحياة.
ولو كان على ما تمنى مخالفا، لكان لنا عن الحسن خلافه.
стр. 393
أنا محمد بن عثمان، قال أنا محمد بن أحمد قال: أنا عبد الله قال أنا أبي قال انا أبن إدريس، سمعت هشامًا عن الحسن وابن سيرين قالا: لا يورث المولود حتى يستهل.
قال محمد بن أحمد: أنا يوسف بن الضحاك، قال: نا أبو سلمة قال أنا حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا تم خلق الصبي وصاح صلى عليه وورث، فهذا قول الصحابة والسلف والأمر المعلوم المتيقن الذي لا شك فيه.
وما ذكر عن مالك أنه: وإن رضع وعطس فلا يحكم له بالحياة حتى يستهل، فهذا مثل قول ربيعة، لو أخذ الرمح بيده، لم يجب له حكم الحياة حتى يصيح.
فهذا ونحوه، استدفاع لما يذكر على مبالغة في الوصف، وعلى أن ذلك لا يكون إلا بعد الصراخ، والله أعلم. وهذا هو المعهود المشهور، لا تجد النساء يذكرون انه يقصد إلى الرضاع ونحوه إلا بعد صراخ، فليس إدخال ما لم يقع يحيل الأمور عن وجهها، وقد دللنا على ضعف الحركة، وما كشف الريب من الدلائل وأقاويل السلف، وما بعد هذا إلا الشذوذ.
وأما قوله: فإن قيل: روي أن النبي ﵇ قال: إذا استهل الصبي ورث وصلي عليه، فعلل هو ذلك، فيما ذكر، بأن أبا الزبير رواه عن جابر
стр. 394
ولم يقل سمعه.
ومن رواية أخرى موقوفة على جابر، ولم يسنده إلا شبابة عن المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ .
قال: ولو كان ثابتا لكان معناه، إن الإستهلال أغلب أموره، لأنه لم يقل: لا يصلي عليه حتى يصبح.
فهذا الذي ذكر من العلل لا حجة له بها، وقد تقدم ذكرنا لحديث جابر من ما سمعه منه أبو الزبير موقوفا وما ذكرنا عنه عن الر [سول] ﷺ .
فأما على لفظ هذا الحديث الذي علل هذا الرجل، فقد رويناه مبينا من غير هذه الطريق على اللفظ الذي هرب منه، وأقرب أنه به مخصوم.
أنا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد قال نا أبو إسماعيل الترمذي قال: نا القعنبي قال أنا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد، عن جابر بن عبد الله والمسور بن خرمة وسعيد بن المسيب، أن رسول الله ﷺ قال: لا يرث الصبي حتى
стр. 395
يستهل، والاستهلال الصياح والبكاء، قال سعيد ولا يصلي عليه، وهذا خارج من علل هذا الرجل.
ولو لم يكن ذلك، لكان فيما تقدم من قول السلف والدلائل مقنع، فكيف وما ذكرنا من السنة من هذا الحديث، وما تقدم قبل هذا.
وقوله في لفظ الحديث الذي حكي إذا استهل ورث، ولم يقل: لا يرث حتى يستهل فقد أتينا بقوله: لا يرث حتى يستهل.
ولنا عليه مطالبة في قوله: " إذا استهل ورث" أن هذا - إن ثبت - على أن الأغلب من أحواله الاستهلال، يقال له: فألا قلت مثل ذلك في قول الله في قاتل الصيد: ﴿ومن قتله منكم متعمدا﴾ أن هذا على الأغلب والأوكد من وجوهه، وقد أتينا على جواب ذلك في باب قتل الصيد، وهذا الباب، وأسأل الله التوفيق برحمته.
стр. 396
باب القاتل يعفي عنه يجلد ويحبس، وفي دية المعاهد وفي الولي يطلب الدية في العمد ويأبي ذلك القاتل
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل، قول مالك في القاتل عمدا يعفي عنه، إنه يجلد مائة ويحبس سنة.
وقال: وقد عفا الله عنه بعفو الولي، يقول الله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وآداء إليه بإحسان﴾ وقال: ﴿فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾ وجعل العفو وقبول الدية تخفيفا.
قال: فهذا خلاف ظاهر القرآن، وأوجب حدا لم يوجبه الله سبحانه ولا سنة رسوله،
стр. 397
قال: ﴿فدية مسلمة إلى أهله﴾ وقال في الكافر - بيننا وبينه عهد - ": ﴿فدية مسلمة﴾ فلم يفرق في الدية بين مسلم وكافر، وهذا توقيت لا يكون إلا للخالق.
قال: ثم قال الحجازي إن القاتل إن طلب منه الأولياء الدية أن له أن يأبي ذلك، وليس لهم إلا القتل.
стр. 398
قال: فخالف ظاهر القرآن وثابت السنة، قال الله سبحانه: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ فأوجب للأولياء إذا عفوا الدي على القاتل، وروى الشافعي عن إسماعيل بن أبي فديك عن ابن أبي ئب عن سعيد بن ابي سعيد عن ابي شريح الكعبي، فذكر في الحديث تحريم مكة، ثم قال: ثم إنكم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله، من قتل بعده قتيلا فأهله بين خيريتن إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا العقل. فينبغي أن يوجب ما أوجب الله ورسوله.
فالجواب عن ذلك: ان القاتل - وإن كان لولي الدم عليه سلطان بحقه في دم وليه - فإن لله عليه حقا في انتهاك محارمه وفساده في أرضه فإذا عفا الولي عن حقه - بعوض أو بغير عوض - بقي حق الله.
وفي إفادة حق الله في ذلك صلاح للعباد، لإقامة التناهي عن الفساد، فجعلنا عقوبته في ذلك ضرب مائة وحبس سنة، بدليل كتاب الله سبحانه وبما بلغنا عن رسول الله ﷺ وعن الخلفاء وغيرهم من السلف.
стр. 399
وذلك أنا رأينا القتل قرين الزني في كتاب الله في عقوبة الآخرة، فكان في ذلك دليل على تساويهما في حق الله في عقوبة الدنيا.
قال الله سبحانه ﴿ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما﴾ قال ابن عباس وابن عمر ومجاهد، وابن جبر وقتادة، أثاما واد من أودية جهنم.
ورأينا الزنا لا ينفك فاعله من أحد عقوبتين: إما الرجم وهو القتل، أو جلد مائة وتغريب عام، فجلعنا في قتل النفس - الذي بقي فيه حق الله - ما جعله الله بدلا من القتل في الزنا، إذ لا بد لنا من أن نجعل عقوبة عليه، في حق الله في ذلك، مع ما فيه من المصلحة العامة للتناهي، فكان رجوعنا بذلك إلى أصل أولى بنا من أن نجتهد في عقوبته بغير أصل يرد إليه.
فإن قيل: فاجعل فيمن كفر بالله كذلك، إذ هو مذكور في أول الآية.
قلت: هذا غير لازم، لأن الكافر منصوص على عقوبته إذا كفر بعد إيمانه بالقتل، وليس في عقوبة القاتل يعفي عنه نص، ومع أن الكافر لا يترك، ولا يمكن
стр. 400
عنه العفو إلا أن يسلم، فيزول عنه بالإسلام ما كان لله فيه من العقوبة بالقتل، لأن القتل الذي أمر الله به إنما فيه حق الله وحده.
وشيء آخر: أن عقوبة المرتد في الآخرة إذا قتل الخلود في النار، والزاني المؤمن غير مخلد، فلم يتساويا في عقوبة الآخرة، لأن هذا - وإن كان في واد من أودية جهنم - فهو [غير] مخلد، ومن زعم أنه لا حق لله على القاتل قال بخلاف ما دل عليه الكاتب وإذا كان لله حق في ذلك مع الحاجة إلى إقامة الزجر للتناهي، كان علينا إقامة ذلك الحق، وقد أقمناه بدليل من كتاب الله.
ألا ترى أن الله سبحانه جعل لنا في القصاص حياة، فجعل الولي إذا قام بالقتل - الذي هو حق له وحق لله- كان في ذلك صلاح لنا أجمع وحياة لمن بقي، إذ يتناهي الناس عن الفساد الذي هو اعظم فساد في الأرض، فلما عفا الولي بقي حق التناهي الذي جعل الله فيه لعباده حياة، أي تحصينا لهم عن القتل، فلابد من إقامة ذلك، وهذا من خفي الاستدلال من كتاب الله، وقد روي عن النبي ﵇.
أنا محمد بن عثمان قال: أنا محمد بن الجهم، قال أنا محمد بن عبدوس، قال نا أبو بكر- يعني أبن ابي شيبة - قال انا إسماعيل بن عياش، عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله عن أبيه عن علي قال أتي النبي ﵇ برجل قتل عبده متعمدا فجلده،
стр. 401
مائة، ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين، ولم يقد منه.
وبإسناده عن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، عن النبي مثله.
وبإسناده عن إسماعيل بن عياش، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن ابيه، عن جده، عن النبي ﵇ مثله، وأمره أن يعتق رقبة.
وفعل مثل ذلك أبو بكر بقاتل عمد.
أخبرنا أبو بكر بن محمد قال أنا يحيى قال أنا سحنون قال: انا ابن وهب قال أنا محمد بن عمرو، عن ابن جريج عن العباس بن عبد الله أن عمر بن الخطاب قال: على الذي يقتل عمدا ثم لا يقع عليه قصاص جلد مائة وسجن عام، قال ابن جريج: قلت لعطاء، كيف؟ كان الحر يقتل العبد وشبه ذلك.
وعن التابعين من أهل المدينة من هذا كثير، وفي بعض ما ذكرنا كفاية.
إلا هذا الرجل يبعثه إليها الجهل بأقاويل السلف وضيق عمله عن استخراجهم من كتاب الله وسنة نبيه، إلى أن يحرج صدره على سلفه ويطلق فيهم لسانه، ولو اتسع
стр. 402
علمه، وأحسن بسلفه ظنه لا تسع عن هذا الحرج صدره، وأعوذ بالله من الحمية في الدين.
ثم أنكر [هذا] الرجل ما حكي عن مالك، في أولياء المقتول إذا طلبوا الدية أن [للقاتل] أن يأبي ذلك وأنه ليس لهم إلا القتل، إلا أن يتفق معهم على ذلك.
قال: وهذا خلاف ظاهر القرآن والسنة، ثم لم يحك عن مالك غير هذا، وقد جهل هذا الرجل أن قول مالك قد اختلف في هذا.
فروى ابن القاسم ما ذكر، وروى أشهب عن مالك، أنه يجبر القاتل على غرم الدية، إذا طلب ذلك الولي.
ورواية ابن القاسم التي أنكر هذا الرجل أحج وأشبه بما دل عليه ظاهر القرآن، بقوله سبحانه: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلي﴾، وقال: ﴿النفس بالنفس﴾ فلم يجعل على القاتل غير القتل، فلا يلزمه غير ما ألزمه الله.
وأما قوله سبحانه: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ فهذه الاية دليل أن العافي عن ذلك الشيء هو القاتل، وذلك أنه يترك شيئا من ماله ويترك له القود، ويتبع بالمال لأنه أخبر أن الذي عفي له هو الذي يتبع بالمعروف بقوله: ﴿فمن عفي له﴾ إلى قوله ﴿فاتباع﴾ يقول: فليتبع بالمعروف، فلو كان الذي عفي له هو القاتل، استحال أن يكون هو المتبع، لأنه هو المطلوب.
стр. 403
ودليل آخر: أن الدية معلومة موقتة، والله سبحانه لم يذكر ها هنا دية، وإنما قال: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ وشيء نكرة ليس فيه ألف ولام، والدية معروفة فدل بهذا أن ذلك الشيء المذكور به يكون الاتباع فلما لم يوقته سبحانه دل أن الأمر فيه إلى اتفاقهما.
ولو كان كل ما بله مما يقل أو يكثر يجب قبوله منه استحال هذا، والعمد ليس فيه دية منصوصة بكتاب الله ولا سنة رسول الله، إلا التراضي على شيء يجتمعان عليه، فإذا لم تدل هذه الآية على توقيت معلوم لم يبق إلا ما يتراضيان [به]، وكان ذلك أقوى دليل أن المعفو له لذلك [] هو الذي يطلب ذلك الشيء ويتبعه، وهو ولي المقتول به، والعافي على هذا القاتل بتركه للمال الذي بذل، والعفو الترك.
وأما احتجاجه بالحديث الذي ذكر، من قول النبي ﷺ : فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل. فالمعنى في قوله: وإن أحبوا أخذوا العقل، يعني: إذا بذل لهم، لا على أنه يكره على غرم الدية، بدليل ما ذكرنا من ظاهر معنى الاية.
ولولا ما دلت عليه الآية والحديث ما جاز للولي أخذ الدية إذا بذلت له لما كان يمنع من ذلك من قول الله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ ففي القصاص نفع عام، غير أنه خفف عنا، فجوز لنا اخذ المال بدلا من الدم، وقد روينا للنبي ﵇ مفسرا، على هذا المعنى الذي تأولنا في الحديث الذي ذكر هذا الرجل.
стр. 404
فرويناه عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ، قال: من قتل له قتيل فهو بين خيرتين، بين أن يقتلوا أو يفادوا.
أناه الحسن بن بدر قال: أناه النسائي، قال أنا العباس بن الوليد بن يزيد، قال أنا أبي قال أنا الأوزاعي.
قال النسائي: ونا محمد بن عبد الرحمن بن أشعث، قال: أنا أبو مسهر قال: نا إسماعيل، قال: نا يحيى قال أنا أبو سلمة، قال أنا ابو هريرة قال قال النبي ﵇ من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يقاد أو يفادي
قال محمد: وأما يفادي فمعنى المفاداة المفاعلة، وهي تكون من فاعلين كالمبايعة وغير ذلك، إلا في أحرف يسيرة يعرفها أهل اللغة، فدل بهذا أن الدية إنما تؤخذ باتفاق ولي المقتول مع القاتل، وهذا اشبه بظاهر القرآن.
وشيء آخر: أن ذكر الفدية انه شيء للقاتل يفدي به نفسه، ولو كان شيء يملكه الولي دون القاتل، ما كان يحسن ذكر الفدية.
стр. 405
وأما إنكاره أن تكون دية اليهودي والنصراني نصف دية المسلم، وأراد [منـ]ـا أن نقول: إن دية الكافر والمؤمن سواء، فهذا من الغلط الفاحش، والنبي ﷺ ، قال: المسلمون تتكافؤ دماؤهم، فخص المسلمين بتكافؤ الدماء، وقال: لا يقتل مؤمن بكافر.
أناه الحسن بن بدر أنا النسائي قال: أنا محمد بن منصور أنا سفيان عن مطرف بن طريف عن الشعبي، قال: سمعت أبا جحيفة، يقول: سألنا عليا، هل عندكم من رسول الله سوى القرآن؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا أن يعطي الله عبدًا فهما في كتابه، أو ما في الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: فيها العقل وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر.
نا أبو بكر بن محمد أنا يحيى بن عمر قال: أنا سحنون، قال: أنا ابن وهب قال: أنا أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ ، قال: لا يقتل مؤمن بكافر.
стр. 406
وإذا لم يتكافآ في الدماء فكذلك فيما هو من الدماء عوض، وهي الدية، وإذا لم يتكافآ في الأعظم كان أن يتكافآ فيما دونه أبعد، وكذلك لا يتكافآن في الحد في القذف.
وشيء آخر، أن دية الرجل المسلم تجب بوصفين أحدهما: الإسلام، والآخر: الحرية فلما زال أحد الوصفين، وهو الإسلام وجب أن تكون الدية على النصف من دية من فيه الوصفان.
وشيء آخر: أنا لما ثبت عندنا في الأصول في الكتاب وما ذكرنا من السنة أن لا تتكافأ دماؤهما، وأن حرية الكافر أخفض، ورأينا الديات إذا انحطت لانخفاض حرمة انحطت إلى النصف، كدية المرأة من دية الرجل، فحططناها إلى النصف هذا كله قائم بدلائل الكتاب والسنة وما ذكرنا من با الاعتبار بالدليل.
ومع ذلك إنه مروي عن النبي ﷺ ، وعن الخلفاء من الصحابة والتابعين.
أنا أبو بكر بن محمد قال: أنا يحيى بن عمر قال: أنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو قال أنا ابن وهب [قال: نا] أسامة بن زيد عن عمرو عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: عقل الكافر نصف عقـ[ـل] المؤمن.
стр. 407
أنا محمد بن زياد بن بشر - هو ابن الأعرابي - قال: أنا أبو داود السجستـ[ـاني] قال: أنا يزيد بن خالد بن موهب قال: انا عيسى بن يونس، عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ قال: دية المعاهـ[ـد] نصف دية الحر.
قال أبو داود: رواه أسامة بن زيد وعبد الرحمن بن الـ[ـحارث] عن عمرو بن شعيب.
وقد روى نحوه ابن عباس عن النبي ﷺ .
فـ[ـهو] قول السلف، ثابت عن غير واحد من الخلفاء، وغيرهم من الصحابة ومن التابعين، ما يكثر علينا ذكرهم، وهو قول الفقهاء السبعة، وغيرهم من تابعي أهل المدينة، يكثر علينا ذكرهم.
أنا محمد بن عثمان، قال أنا محمد بن الجهم، قا [ل]، أنا إسماعيل قال نا ابن ابي أويس، قال أنا عبد الرحمن عن أبيه قال: كتبت إلى عمر بن عبد العزيز في خلافته، وخالفني ناس من أهل العراق في ديـ[ـة] المعاهد، زعم بعضهم أنها مثل دية المسلم، فكتب إليه: إني لا أظن أحدا يجعل دية صاحب الذمة كدية الرجل من أهل الإسلام، وإن د [ية] المعاهد كنصف دية المسلم، خمس مائة.
стр. 408
فهذا عمر بن عبد العزيز عظم عنـ[ـده] أن يظن هذا بأحد، لما قوي عنده مما علم عليه صدر الأمة وكفي به إما مـ[ـا] ضخما، عالما بما يقوي ويضعف من الاختلاف، والنكير في هذا الأمر البـ[ـين] لا حاجة بنا إليه، والله المستعان.
стр. 409
في من أوصى بزكاة عليه
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك، فيمن أوصـ[ـى] في مرضه بزكاة عليه، فرط فيها: إنها من الثلث مبدأة على الوصايـ[ـا] والمدبر مبدأ عليها، لأنه قبل الإقرار، وإن ذلك بخلاف ما أقر به من دين للناس، وإن الزكاة إن حلت عليه في مرضه فأمر بها، فهي من رأس ماله، [و] إنما يكون في الثلث ما فرط فيه، وهـ[ـذا] تناقض لأنه [] هي واجبة عليه أم لا، فإن كانت واجبة فلم تكن من
стр. 410
الثلث؟ ولم تكن واجبة لم تبدأ على الوصايا، ولم صارت تارة كالدين وتارة كالوصايا؟
فالجواب عن ذلك: أن كل ما جرى من الوصايا يكون الأغلب فيها أن فيها ضرارا فلا يجوز، لقول الله سبحانه: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار﴾ وهذا إنما يعلم بالأغلب في الأمور والدلائل التي تدل على الضرر.
والتهمة والجنف ليس على أن للميت يوصي وصية أو يقر إقرارا، يعترف هو فيه أنه يريد به الضرر، هذا بين أن المراد فيه طلب الدلائل بالأغلب من الأمور، فيما يقر به المريض ويوصي به، والله أعلم.
أنا إبراهيم بن محمد بن المنذر قال: أنا أبي قال: أنا علي بن عبد العزيز قال أنا أحمد بن يونس قال أنا زهير قال نا داود بن أبي هند، قال أنا عكرمة عن ابن عباس كان يقول: الضرار في الوصية من الكبائر، قال: ونا محمد بن المنذر، قال: أنا زكريا قال: ونا محمد بن رافع قال: نا شبابة قال نا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿غير مضار﴾، قال: في الميراث أهله.
فأصبناه في وصيته بالزكاة، إنما هو شيء آثر به نفسه في إبقاء ماله بيده، يستمتع به في حياته، ثم يزويه عن وارثه إلى نفسه عند وفاته، وقد دللنا في باب " إقرار المريض لوارثه " بما دل على إبطال ذلك.
стр. 411
فإذا بطل إقراره للوارث بالدين للتهمة، كانت الوصية بالزكاة أضعف لأن إقراره بما يخص به نفسه أقوى في التهمة لما يخص به وارثه والله أعلم.
فكل شيء يوصى به يتهم فيه بالميل إلى نفسه، فإن الوارث فيه خصمه، وفا [رق] إقراره بالدين للأجنبيين، لأن إقراره بالدين للأجنبيين منافع ذلك لغيره، فلا يتهم أن يميل إلى الأجنبيين دون ورثته.
والدليل أن الوصية بالزكاة بخلاف إقراره بالدين، أن المفلس لو فلس وقام غرماؤه، فقال: علي زكاة ثلاثين سنة أنه لا يقبل منه، ولا يضر ذلك غرماءه.
ويلزم القائل أن يقول: إقرار [هـ] بالزكاة وبالدين سواء، أن يقول أحد قولين: إما أن يحاص بذلك الغر [ماء] أو يقول: تبدأ الزكاة، بل يلزمه أن يقول: الزكاة أولى من الغرماء [ولا] يقول: إنه يحاص الغرماء بالزكاة، كمقام دين عليه، لأنه عند مقا [م] الغاصب، وهو غصب مال بعينه.
وأنت تعلم أنه لو غصب لرجل ما [لا] بعينه، أنه من يوم الغصب قد صار في ذمته، وإن كان قد قامت بينة بأنه بعينه قائم بيده، فإن ذمته بالغصب مشغولة لو أتى
стр. 412
على الـ[ـمال] هلاك بيده، ولو قام عليه غرماء، لكان رب هذا المال المغصوب الذي قامت البينة أنه بعينه له أحق به من الغرماء.
وأنت إذا أ [قمت] إقراره، بالزكاة مقام ما يثبت بالبينة، فاجعل الزكاة أملـ[ـك] بماله من الغرماء، لأن الزكاة بعينها باقية بيده كالغصب، لـ[ـأنها] دخلت في ذمته بالتعدي، وهي بعينها بيده كما ذكرنا في الغصب.
ويلزم خصومنا أن يقولوا: لو أقر عند التفليس: أنـ[ـه] قد تصدق بماله هذا بعينه قبل مداينة غرمائه، وأن المال الذي داين به غرماءه قد ذهب وهلك، أو أقر أنه جرت منه في مالـ[ـه] هذا نذور بعد نذور مما يأتي عليه، وأن ذلك قبل مداينته لغرما [ئه]، وأن مالهم قد ذهب بعد أن حصلت عليهم هذه النذور في هذا الما [ل]، أنه لا شيء لغرمائه منه، لأنك ترفع التهم.
وكذلك لو أقر أنه قد كان تصدق به على ولده قبل معاملته لهم - كما ذكرنا - أنه يلزمه أن يقول: إن ولده أحق به منهم، لأنه لا يحكم با [لتهم، ولا بإ] قراراته لوارث ولا غيره، وهذا يتفاحش عند طرده.
وقد دللنا في غير باب من كتابنا هذا على قوة التهم والريب في الأصول، وإذا كانت تهمته في وارثه تبطل إقراره له، فتهمته في نفسه أكثر.
стр. 413
وشيء آخر، إنه لو كان كل من اقر في مرضه بأن عليه زكاة ماله في سائر عمره مقبول القول، كان ذلك ذريعة إلى فساد عظيم.
منها: أن ذلك يبعث كثيرا من الناس على ترك أداء الزكاة، لأنهم على ثقة من إنفاذها عنهم بعد الممات من رأس المال، فيؤخروا لذلك إخراجها، ويكون داعية إلى إبطال الميراث لمن شاء إبطاله بمثل هذه الإقرارات، ويصير الميت قد استأثر بماله عن أهله الميراث، فاستمتع به في حياته، وأخرجه عليهم بعد مماته.
وكذلك يلزم في الحج، فكل إقرار تشوبه ظنة وتهمة يبطل معه الميراث وينقص به على أهل الميراث ميراثم من يلي المال، فذلك ضرر على ما تقدم دليلنا عليه في باب إقرار المريض، ما اغني عن إعادته.
فإن قال: فلم جعلت إقراره بالزكاة في الثلث دون أن تبطلها، كما أبطلت إقراره، للوارث في الثلث وفي غيره.
قلت: لغير وجه منها أنه لا يجوز له أن يخص وارثه، لا من ثلثه، ولا من سائر ماله بشيء، وأصبته له أن يخص نفسه بمنافعه في ثلث بما أحب فأصرفت ما أتهمه فيه لنفسه إلى ثلثه.
وشيء آخر أني أصبت العلماء أحد رجلين: قائل قال: يكون إقراره في المرض بالزكاة في ثلثه، وقائل قال: من رأس ماله، ولم أعلم قائلا، قال: يبطل من الثلث ومن رأس المال، فأخرجت هذا القول، إذ لا أعلم له قائلا، وقلت من الثلث، إذ هو أقرب الأقوال إلى القياس وإلى الدليل، على ما بيناه.
стр. 414
وكذلك قال غير واحد من تابعي أهل المدينة: إنه من الثلث منهم ربيعة وغيره من رواية ابن و [هب و] غيره.
وأما من غير أهل المدينة، فمما أنا محمد بن عثمان، قال أنا محمد بن أحمد المالكي قال: أنا الأنصاري قال أنا عبد الله قال أنا إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبد الله عن الشعبي في الرجل يموت ويوصي أن يحج عنه، أو يتصدق عنه كفارة رمضان أو كفارة يمين قال من الثلث، فهذا من الواجبات وقد جعله الشعبي من الثلث.
قال: وأنا هشيم عن ابن سيرين، في الرجل يوصي بالحج والزكاة تجب عليه قبل موته، قال: من الثلث.
وأنا جرير عن حماد عن مغيرة عن إبراهيم مثله.
ولو كان يكون الحج والكفارات التي عليه والنذور، وغير ذلك من الواجبات من زكاة وغيرها، من رأس ماله إذا أخرها إلى حين وفاته لكان مال المرء قد استأثر به لنفسه في حياته وبعد وفاته، فصارت له منافعه كلها دون وارثه، وهذا ذريعة إلى الفساد وإبطال الميراث على ما ذكرنا.
وفارق الدين يفرط في أدائه، أن الدين أقوى، لأن له طالبا يطالبه
стр. 415
وهو لو أقر بدين لرجل وبزكاة، ثم قال: قد كنت قضيت الدين وقد كنت أخرجت الزكاة ونسيت، أنه مصدق في الزكاة، ولا يصدق في الدين فافترقا.
ويلزم من يرى الحج عليه في المال، أن ن مات ولم يحج ولا أوصى بالحج، أن يخرج ماله في الحج، ويمنع وارثه ويمنع غرماءه، أو يخاصموا بذلك، ويصير كالحج عمل عنه بغير نيته، لأنه لم يوص به، وأعمال الأبدان لا تجزيء إلا بنية.
فإن قال: لم يجعلت زكاته من رأس ماله، إذا حلت في مرضه فأمر بها؟
قلت: لأنه وقت محلها وعليه إقامة فرائضه في مرضه وصحته، ولم يكن يتهـ[ـم في المرض] فيه أو يصير قد سلك بها مسلك الضرر و [المشاقة] و [الذريعة] إلى الفساد فإن قيل: لم بديتها إذا أوصى بها في الثلث، وهو فرط فيها؟
قلت: لأن مالكا يقدم الأوكد في الثلث، من عتق وشبهه، لدلائل أوجبت ذلك، فلما كان له إدخال منافعه في الثلث بدأنا منها الأوكد فالأوكد والله أعلم.
وأما قوله: يبدأ المدبر عليها، فلم يدر هذا الرجل أي مدبر، إنما قال مالك: يبدأ المدبر في الصحة، فلم يذكر هذا الرجل في الصحة، وذلك أن المدبر صار خصما له، يدافعه عن ما ينقص عتقه، كالوارث الذي دافعه بما ذكرنا من التهمة.
هذا وقد يكون المدبر في الصحة سابقا لما فرط فيه، قد سبق إلى الثلث بما لا رجوع عندنا له فيه، مع ما قدمنا ذكره من التهمة، الذي يحتج بها المدبر.
стр. 416
وقد جاء في الحديث: من مات ولم يحج فليمت يهوديا أو نصرانيا، فلو كان يقام الحج بعده، أوصى به أو لم يوص، وينفذ وينوب عنه، كما ينوب عنه إذا فعل هو ذلك بنفسه ما فرط فيه في حياته، لم يقل هذا رسول الله ﷺ ، فيمن مات ولم يؤد فريضة الحج، ودل بذلك أن حاله بعد الموت حال لا يساوي حاله قبل الموت في إقامة فرائضه، سيما فيما لم يوص به، والله أعلم بذلك.
стр. 417
باب في التي تنكح في العدة فيفرق بينهما فتأتي بولد هل تنقضي به العدة
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك، في المرأة تتزوج في عدتها من طلاق، قال ففارقها الآخر وظهر بها حمل فوضعته، أنه يبريها من عدتها من الزوجين.
قال وهذا خلاف ظاهر القرآن، بقول الله سبحانه: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ وهذا على أصله خطأ، لأنه يقول: إذا تزوجت في العدة إن
стр. 418
عليها أن تبني العدة من الأول، و [تأ] تنف عدة من الثاني، قال وهذا تناقض يدل على ضعف روية [قائـ]ـله.
فما ذكر هذا الرجل في هذه الباب فيه اختلاط واستحالة وتحريف، [يد] ل على غلو الحمية وتخلف الروية.
فأول ذلك قوله: ففارقها الآخر، [فظهر] بها جمل، فأوهم بقوله: ففارقها الآخر أن الطلاق باختيار منه، وأ [نه يقع] عليها طلاقه، وأنه لا يفرق بينهما بالـ[ـفسخ، بل بطلاق] ووجـ[ـه] القول أن يقول: ففرق بينهما.
ثم قال: وظهر بها حمل ثم وضعته، أنه يبريها من الزوجين جميعا، فلم يذكر الحمل ممن هو، من الأول أو من الآخر، وهذا يختلف وجهه، فإذا كان من الأول فقد علمنا أن عدتها تنقضي من الأول بوضعه، لقول الله سبحانه: ﴿واولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ ولا يحسن في هذا أن يحتج بالاية الأخرى، من قوله: ﴿يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾.
فإن قال: إنه وإن كان انقضى عدتها من الأول وضع الحمل، فإنما أوجبت أن تأتنف ثلاث حيض من الثاني، فلذلك ذكرت أنه الأقراء.
قلنا: إنها من الثاني ليست في نكاح صحيح، ولم يكن ممن وقع عليها طلاقه، وليست من المطلقات اللواتي قال الله سبحانه فيهن ما ذكرت، وإنما يؤمر من كان مثلها ممن يفسخ نكاحه بغير طلاق بتربص بثلاث حيض، ليكون ذلك براءة لرحمها،
стр. 419
فلما كان الغرض في المحيض منها براءة الرحم، وكان الوضع لولد الأول يبري رحمها، برئت.
ألا ترى أن لو مات الثاني لم تعتد منه لوفاة، فدل ذلك أن المبتغي منها في الثاني أن يبرأ رحمها بما تبرأ بمثله الأرحام، فلا معنى لائتناف الحيض بعد الوضع من الأول، لخروجها من المطلقات، ولحصول براءة الرحم فيها.
فإن قال: إنما أردت في وجه المسألة أنه ظهر بها حمل من الآخر.
قلنا: هذا في ضميرك وظاهر لفظك يدل على خلافه، حين قلت: وإنما أصلها أن تتم عدتها من الأول، ثم تأتنف عدة الثاني، وأنت مقر أن عدتها من الثاني الوضع.
ثم طلبت من مالك أن يقول: تبدأ فتتم عدتها من الأول، وأنت قد جعلت عدتها الحيض بالآية التي احتججت بها، فكيف تكون عدتها من الأول، وأنت قد جعلت عدتها الحيض بالآية التي احتججت بها، فكيف تكون عدتها من الأول بالحيض سابقة إن صح الحمل من الثاني، إن كنت أردت ان الحمل من الثاني.
هذا وأنت تقلو إنه لا تحيض الحامل فهذا كله اختلاط.
وهبنا سالمناك في هذه المناقضة، واستقام قولك، أنك أردت أن الحمل من الثاني، فقولك، إنها تعتد بالحيض، أتعني من الأول أو من الثاني؟ فإن كان من الأول [وحلت] عندك سابقة، فينبغي أن تأتنف بعد الوضع عدة الأول، ثم بعد ذلك عدة الثاني.
стр. 420
وإن كان لا عدة عليها من الثاني فقد جعلت عدة الثاني سابقة لعدة الأول، وأنت رجل هجمت على نكير قول لم تحصلـ[ـه] والله أعلم.
وهذه المسألة في كون الحمل من الثاني، اختلف فيها أصحابنا، فقيل فيها: إن عدتها من الأول تأتنفها بعد وضعها للولد من الثاني لأن طلاق الأول وعدته سبق حمل الثاني، فكان الحمل كمرض أو رضاع تأخر به حيضها، فهي تأتنف ذلك بعد الوضع.
وقيل فيها: إن وضعها لحمل الثاني يبريها من الزوجين، وروى ذلك عن مالك، لأنها لما فقدت الحيض بالحمل كان وضع الحمل لها بدلا من الحيض، لأن رحمها قد بريء بذلك كما بريء بالحيض، وصار ذلك لها عوضا من الحيض، كما الشهور للآيسة من الحيضة بدلا من الحيض في براءة الرحم، والقولان محتملان، والله أعلم.
فأنت لم تحصل ما الذي أنكرت، ثم لم تدر ما معاني قول مالك، ولا وجوه أقاويله، ولا ما قال أصحابه، ولا كيف جرت أصولهم، وخلوت بنفسك تخبط العشواء.
стр. 421
وقولك: وهذا على أصله خطأ، لأنه يقو: تتم عدتها من الأول، وتأتنف عدتها من الثاني: فهذا لم يقله مالك في كل امراة تعتد من زوجين، وهذا إنما يجري على غير هذا اللفظ في بعضهن.
ومن ذلك المعتدة من الوفاة تتزوج في العدة، ويدخل بها فيفرق بينهما، [] الوفاة ائتنفت ثلاث حيض من الثاني، فتم لها أقصى الأجلين.
وكذلك إن حملت من الثاني، تتربص الوضع فهو أقصى الأجلين.
وإن كان تزوجت بعد وفاة الأول بأيام يسيرة، ودخلت ولم تحمل فإذا حاضت من يوم فراق الثاني ثلاث حيض تمت عدتها منه، فإن كان بقي من عدة الوفاة من الأول شيء فعليها التربص إلى تمامه.
فهذا معنى عدة التي يجري فيها أقصى الأجلين، لا على ما غيرت بلسانك وخلطت في عبارتك، وهو إن شاء الله معنى ما جاء عن عمر في هذا فهذا معنى ما تأول مالك في قول عمر، ومعنى أصوله، التي بينها، وفروعه التي أفادها.
стр. 422
وإنك لجريء في قولك فيه: إنه ضعيف الرواية، وإن من ضعف الديانة أن تطعن في عقل إمام جليل مثل مالك، وفي فهمه، وما يجسر على مثل هذا إلا مثل هذا الرجل، في قلة تحفظه في منطقه، وما هان عليه في ذلك من ديانته، وبعد فهمه عن غامض علم سلفه، وتصغيره لما عظم أئمة المسلمين من قدر مالك وحظفه وفهمه وفقهه، واستخفا [فه] بالعظيم من الغمص على أئمة هذا الدين والله أسأل العصمة وأحمده على العاقبة.
стр. 423
باب فيمن قال: إن لم أكن من أهل الجنة فامرأته طالق
قال أبو محمد: وأنكر هذا الرجل قول مالك فيمن قال: إن لم أكن من أهل الجنة فامرأته طالق ثلاثا، إنه يفرق بينهما.
قال هذا المتحامل: وهذا يدل على إغفاله، لأن عقد النكاح ثابت ثم فرق بينهما بغير يقين، وهذا إنما طلق على صفة وهو لا يعلم أنه من غير أهل الجنة.
قال: فإن كان إنما فرق بينهما لأنه علم أنه من أهل النار، فقد ادعى غيبا، وإن كان لأنه يجهل حاله، فليفرق بين كل زوجين يجهل حالهما.
стр. 424
وكذلك إن قال لزوجته: إن لم يكن بك حمل فأنت طالق، قال تطلق عليه ولا ينتظر، وقد تضع بعد ذلك، فيعلم أنها ممن لا طلاق عليه، وهذا فاسد.
فالجاوب عن ذلك: ان قول مالك هذا هو قول ابن عمر وغيره من الصحابة ومن التابعين ما يكثر ذكرهم، وهو الذي يدل عليه الكتاب والسنة قال الله سبحانه ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ يقول من النوم، ثم ذكر سبحانه ما أوجب من الوضوء، وذلك لما يتوقع أن يكون كان في النوم من الحدث.
وقول النبي ﵇ فيمن قام من نومه: إنه لا يدخل يده في إنائه حتى يغسلها، فهذا من هذا المعنى والله أعلم، لما عسى أن يكون أصاب يده أو وقعت عليه يده، والله أعلم.
وقال الرسول ﵇ في تمرة وجدها، ولو أعلم أنها ليست من تمر الصدقة لأكلتها، فلما استراب أمرها تركها.
стр. 425
وكذلك من شك في بسط يده إلى مال أو فرج أو غيره، أن يكون لا يحل له فلا يقدم إلا على ما يوقن حلاله.
والنوم في نفسه ليس بحدث يوجب الوضوء، وإنما يوجب الوضوء منه لما يتوقع أن يكون حدث في النوم من الحدث، فأوجب ذلك ريبا وشكا، ولزم بذلك الانتقال عن الريب، بائتناف الوضوء.
ولا يجوز في الأصول أن يطأ فرجا لا يدري حين الوطء أحلال هو أم حرام.
ويقال له: أرأيت شاتين، إحداهما ميتة والأخرى ذكية، لا يدريهما، أو امرأتين إحداهما أمه أو أخته، والأخرى زوجته أو أمته أليس لا يجوز له وطء واحدة منهما؟ إذ لعله يصادف المحرمة عليه.
فإن قلت ذلك، فلا يبعد عليك أن يفرق بينه وبين زوجته بالشك، للذي حدث عليه فيها من الطلاق، وكذلك في أمته إذا شك في عتقها.
فإن قلت: العتق والطلاق أمر حادث، قد يكون وقد لا يكون والمرأتان إحداهما أمه أو أخته بيقين، والشاتان، إحداهما ميتة بيقين.
قيل لك: فلما كانت إحداهما محرمة بيقين، أرأيت إن تناول إحداهما، أعلى يقين هو من أنها المحرمة عليه؟ فلا تجد بدا من أن تقول: إنه لا يوقن منها بتحليل ولا تحريم.
следующие страницы →