← Фикх малики

Фикх малики · id 18607

الجامع لمسائل المدونة

ابن يونس الصقلي

Полный текст (9 651 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

باب-١٢ - في تجصيص القبور والبناء عليها والجلوس والمشي والسلام عليها وزيارتها [فصل-١ - في حكم تجصيص القبور والبناء عليها] وكره مالك رحمه الله تعالى تجصيص القبور، والبناء عليها، وهذه الحجارة التي تبنى عليها. م وإنما كره ذلك؛ لنهي النبي ﷺ عن تجصيص القبور، والقصة الجص؛ ولأن ذلك/ من زينة الدنيا وتفاخرها والميت غير محتاج إلى ذلك. قال في العتبية: وأكره المساجد المتخذة على القبور. ومن المدونة: روى ابن وهب عن بكر بن سوادة أن القبور كانت تسوى بالأرض وأن أبا زمعة صاحب النبي ﷺ "أمر بتسوية قبره إذا مات".

стр. 1052

قال ابن حبيب: وروى جابر "أن النبي ﷺ نهى أن ترفع القبور، أو يبنى عليها، أو يكتب فيها، أو تقصص"، ويروى تجصص يعني تبيض بالجير أو بالتراب الأبيض، وأمر بهدمها وتسويتها بالأرض، وفعله عمر بن الخطاب ﵁. قال ابن حبيب: ولا بأس أن يوضع في طرف القبر الحجر الواحد؛ لئلا يخفى موضعه إذا عفا أثره. قال ابن القاسم في العتبية: لا بأس به في الحجر والعود يعرف الرجل به قبر وليه، ما لم يكتب عليه، ولا أرى قول/ عمر: ولا تجعلوا على قبري حجرًا أبدًا، إلا أنه أراد من فوقه على معنى البناء. [فصل-٢ - في حكم الجلوس على القبور والمشي عليها والسلام عليها وزيارتها] ابن حبيب: ولا بأس بالجلوس على القبور، وإنما نهى عن الجلوس عليها

стр. 1053

للمذاهب للغائط والبول؛ كذلك فسره مالك وخارجة بن زيد. وقد روى ذلك مفسرًا للنبي ﷺ ، وكان علي بن أبي طالب ﵁ يتوسدها ويجلس عليها. ولا بأس بالمشي على القبر إذا عفا، فأما وهو مسنم والطريق دونه فلا أحب ذلك؛ لأن في ذلك تكسير تسنيمه وإباحته طريقًا. وقد روي للنبي ﷺ عن ذلك. ومن المجموعة سئل مالك عن زيارة القبور، فقال: نهى النبي ﷺ عن ذلك، ثم أذن فيه، فلو فعل ذلك أحد، ولم يقل إلا خيرًا لم أر به بأسًا، وليس من عمل الناس. قال ابن حبيب: لا بأس بزيارة القبور والجلوس إليها والسلام عليها عند المرور بها، وقد فعل ذلك النبي ﷺ ، وكان يقول: السلام عليكم يا أهل الديار من

стр. 1054

المؤمنين والمسلمين، فيرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. اللهم ارزقنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم. ويدل على السلام على القبور ما مضى من السنة في السلام على قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄. وقد قدم ابن عمر من سفره وقد مات أخوه عاصم فذهب إلى قبره ودعا له واستغفر له. قال غيره ورثاه فقال: فإن تك أحزان وفائض دمعة ... جرين دمًا من داخل الجوف منقعا تجرعتها في عاصم واحتسبتها ... وأعظم منها ما احتسا وتجرعا فليت المنايا كن خلفن عاصما ... فعشنا جميعًا أو ذهبن بنا معا دفعنا بك الأيام حتى إذا أتت ... تريدك لم نسطع لها عنك مدفعًا

стр. 1055

[باب-١٣] في المرأة تموت حاملًا هل يبقر بطنها على جنينها أو يبقر بطن من ابتلع مالا ثم مات ؟ قال ابن القاسم: ولا يبقر بطن الميتة إذا كان جنينها يضطرب في بطنها. قال ابن القرطي: يدل على ذلك قول الله تعالى: (وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا). ولو قدر النساء على إخراجه برفق من مخرج الولد كان حسنًا. م وهذا من قوله: يرد ما استدل به؛ لأنه إذا كان الواجب أن يترك جنينها في بطنها حتى تضعه يوم القيامة فلا يخرج منها بوجه. وقال سحنون: سمعت أن الجنين إذا استوقن بحياته، وكان معقولًا معروف الحياة فلا بأس أن يبقر بطنها، ويستخرج الولد منها. قال محمد بن عبد الحكم: رأيت بمصر رجلًا مبقورًا على رمكة مبقورة. قال سحنون: وكذلك يبقر على/ دنانير في بطن الميت. وقال مثله أصبغ في

стр. 1056

العتبية. قال ابن القاسم: وكذلك إذا ابتلع جوهرًا لنفسه/ أو وديعة عنده لخوف اللصوص ثم مات فإنه يشق جوفه، ويستخرج ذلك منه. قال ابن حبيب: وهذا عندي غلط شديد، ولا يشق على حال. قال: وإن كان جوهرة تساوي، ألف دينار وأضعاف ذلك. وقد قالت عائشة ﵂: كسر عظم المؤمن ميتًا ككسره حيًا، يعني في الإثم والحرمة، ولقد سألتهم عن المرأة تموت بجمع وولدها يضطرب في بطنها أيشق لاستخراج جنينها. فكلهم قال: لا، ولكن يستأني بها حتى يموت فكيف يشق بجوهرة أو دنانير.؟ م والصواب عندي ما قاله سحنون وأصبغ؛ لأن الميت لا يؤلمه ذلك، وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال، وقد رأى أهل العلم قطع الصلاة لخوف وقوع صبي أو أعمى في بئر وقطعها من غير هذا فيه إثم، ولكن أبيح ذلك/ لإحياء نفس مؤمنة، فكذلك يباح بقر الميتة لإحياء ولدها الذي يتحقق موته لو ترك،

стр. 1057

والواقع في بئر قد يحي لو ترك إلى فراغ الصلاة، فكان البقر أولى. وأما احتجاجه بقول عائشة ﵂ فيحمل ذلك إذا فعله عبثا، وأما لما هو أوجب منه فلا، ألا ترى أن الحي لو أصابه أمر في جوفه يتحقق أن حياته باستخراجه لبقر عيه ولم يكن إثما في فعل ذلك بنفسه، ولا الأب في ولده ولا السيد في عبده إن فعله بهم جبرًا مع أن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت والله أعلم بالصواب. [فصل - ٣ - في الجماعة في البحر يموت أحدهم ماذا يعمل به؟ يلقى في البحر أو ينتظر به البر] وإذا مات الميت في البحر فقال ابن القاسم: إن طمعوا بالبر في يومهم وشبه ذلك أمسكوه حتى يدفنوه في البر من يومهم، وإن يئس من ذلك غسل وكفن وصلوا عليه وألقوه في البحر، ولا يحبسوه. قال ابن حبيب: يلقونه في أكفانه مستقبل القبلة على شقه الأيمن. قال ابن الماجشون وابن القاسم: ولا يثقلوا/ رجليه ليغرق كما يفعل من لا يعرف، وحق على من وجده على ضفة البحر أن يدفنه، وقد قيل: يثقل بشيء إذا رمي في الماء.

стр. 1058

تم كتاب الجنائز من الكتاب الجامع من المدونة وما يتعلق بها من غيرها من أمهات الدواوين بحمد الله تعالى وتوفيقه. وبقي من مسائل الجنائز أبواب لا يستغنى عن قرائتها ومعرفتها. وأنا أذكرها ليكمل الكتاب بها إن شاء الله تعالى.

стр. 1059

[فصل - ٤ - في حكم نبش القبر لاستخراج المال ونحوه]. قال أبو إسحاق: إذا ذكروا بعد الدفن أنهم نسوا في القبر كيسا أو ثوبا لرجل فإن كان يحدثان ذلك فتحوا القبر وأخرجوا ذلك، وإن طال ذلك وشاءوا أن يعطوا لصاحب الثوب قيمته فذلك لهم، وإلا فلهم أن ينبشوه. قال سحنون: ولو ادعى رجل أن الثوب الذي على الكفن له وقد دفن أو كان خاتما أو دنانير ادعاها فإن كان ذلك يعرف، أو أقر به أهل الميت ولم يدعوه لهم ولا للميت جعل له سبيل إلى إخراج ثوبه، وكذلك الخاتم والدنانير، وإن كان الثوب للميت فإن كان نفيسا فليخرج، وإن لم يكن كثير الثمن فليترك، وإن كان لغير الميت فلصاحبه كشفه عنه، وأخذ ثوبه نفيسا كان أو غيره. قال عيسى عن ابن القاسم: إذا دفن في ثوب ليس له، فلينبش لاستخراجه ثوبه، إلا أن يطول أمره ويروح الميت فلا يرى إلى ذلك سبيلا.

стр. 1060

[باب - ١٤ -] في توجيه الميت وتلقينه وإغماضه ووضعه في قبره والتعزية بمصيبته [فصل -١ - في توجيه الميت إلى القبلة وتلقينه وإغماضه] ومن الواضحة قال مالك: ولا أحب ترك توجيه الميت إلى القبلة إن استطيع ذلك. ابن حبيب: وروي ذلك عن عي بن أبي طالب ﵁، وجماعة من السلف. وقال مالك في المجموعة: وما علمته من الأمر القديم ينبغي أن يوجه إلى القبلة على شقه الأمن فإن لم يقدر فعلى ظهره ورجلاه إلى القبلة. ابن حبيب: ولا أحب أن يوجه إلى القبلة، إلا أن يغلب أو يعاين، وذلك عند إحداد نظره وشخوص بصره، وينبغي أن يلقن لا إله إلا الله ويغمض/ بصره إذا قضى. وروي أن النبي ﷺ أمر بذلك، وروي أنه قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله حرم على النار"، ويستحب أن

стр. 1061

يقال عنده حين يحتضر سلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، لمثل هذا فليعمل العاملون، وعد غير مكذوب. قال غيره: الإغماض سنه، أغمض النبي ﷺ أبا سلمة، وأغمض أبو بكر رسول الله ﷺ . قال مالك/: ولا بأس أن تغمضه الحائض والجنب. ابن حبيب: ويستحب أن يقال عند إغماضه: بسم الله، وعلى وفاة رسول الله ﷺ اللهم يسر عليه أمره، وسهل عليه موته، وأسعده بلقياك، واجعل ما خرج إليه خيرا مما خرج منه. ويستحب أن لا يجلس عنده إذا احتضر إلا أفضل أهله وأحسنهم هديا وكلاما، وأن يكثروا من الدعاء، فإن الملائكة يحضرونه، ويؤمنون على دعاء الداعي له، وأكره أن تحضره الحائض والكافر،

стр. 1062

أو يكون عليه أو قربه ثوب غير طاهر. ويستحب أن يقرب منه رائحة طيبة من بخور أوغيره، ولا بأس أن يقرأ عند رأسه بسورة "يس" أو غيرها. وقد سئل عنه مالك: فلم يكرهه، وقال: إنما أكره أن يعمل بذلك استنانًا وقال في المجموعة والعتبية: ليس القراءة والإجمار من عمل الناس. فصل -٢ - [صفة وضع الميت في قبره] ويجعل الميت في قبره على شقه الأيمن مستقبل القبلة؛ لقوله ﵇: "أشرف المجالس ما استقبل به القبلة". وقد روي عن السلف أنهم أمروا أن يفعل ذلك بهم عند احتضارهم؛ ولأن الميت كان يعظم هذه الجهة في حياته فيوجه إليها / بعد وفاته، فإن لم يقدر جعلت رجلاه إلى القبلة واستقبلها بوجهه، كالمريض الذي يوجه إلى الصلاة.

стр. 1063

[فصل - ٣ - اللحد أفضل من الشق] واللحد أفضل من الشق إلا لضرورة؛ لقوله ﵇: "اللحد لنا والشق لغيرنا". وألحد له ﷺ ، وكذلك السلف، وعليه عمل الأمة. م وهو أن يحفر له تحت الجرف في حائط القبلة. [فصل - ٤ - في فضل التعزية وما يقول المعزي] قال ابن حبيب: قد جاء في تعزية المصاب ثواب كثير، وجاء أن الله تعالى يلبس الذي عزاه لباس التقوى. وروي أن النبي ﷺ : كان إذا عزى قال: "بارك الله لك في الباقي، وآجرك في الفاني"، وعزى ﵇ امرأة في ابنها، فقال: "إن لله ما أخذ وإن له ما أبقى، وكل شيء عنده بأجل مسمى؛ وكل إليه راجعون، فاحتسبي واصبري فإنما الصبر عند أول الصدمة.

стр. 1064

وكان ابن سيرين يقول: أعظم الله أجرك وأعقبك عقبانًا لدنياك / وأخراك. وقال مكحول: أعظم الله أجرك، وجبر مصيبتك، وأحسن عقباك، وغفر لمتوفاك. وكل واسع. قال غيره: وأحسن التعزية ما جاء به الحديث "آجركم الله في مصيبتكم، وأعقبكم منها خيرًا، إنا لله وإنا إليه راجعون". وأصيب عمر بن عبد العزيز بامرأة من أهله فلما دفنت ورجع معه القوم فأرادوا أن يعزوه عند منزله فدخل وأغلق الباب، وقال: إنا لا نعزي في النساء، وفعله عبد الملك في وفاة ابنته، ولغير ابن حبيب: عن مالك أنه قال: إن كان فبالأم، قال غيره: وكل واسع. وقد قال النبي ﷺ : "ليعز المسلمين في مصائبهم المصيبة بي". وجعل المصيبة بالزوجة

стр. 1065

الصالحة والقرين الصالح مصيبة. قال النخعي: كانوا يكرهون التعزية عند القبر. قال ابن حبيب: ذلك واسع في الدين فأما في الأدب فيعز الرجل في منزله.

стр. 1066

[باب - ١٥ -] في بقاء الروح وذكر النفس والروح وفتنة القبر [فصل - ١ - في بقاء الروح وذكر النفس والروح] قال أبو محمد: ومن قول أهل السنة وأئمة الدين في الأرواح أنها باقية فأرواح أهل السعادة منعمة إلى يوم الدين، وأرواح أهل الشقاء معذبة إلى يوم يبعثون. قال الله تعالى في الشهداء: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾. وهذا في الذين من خلفهم بعد في الدنيا، وقال في آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا)، وهذا قبل قيام الساعة (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)، وقال تعالى: (فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى). ولم يقل فيميت التي قضى عليها/ الموت فوفاة النفوس والأرواح توفى قبض، لا توفى تلاشى. قال الله : (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا)، وذلك في زوال الروح عن الجسد. وقال في الكفار: (وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ

стр. 1067

اليوم) ولم يقل إنهم يميتون أنفسهم. وقال الله تعالى في قول من قال من الموتى (رَبِّ ارْجِعُونِ) فهذا قول/ الروح، وإذا كان الشهداء قبل يوم القيامة أحياء يرزقون فكذلك لا يمنع من سعد بطاعته أن تكون روحه منعمة ويتفاضلون في الدرجات. وقد تظاهرت الأحاديث بتنعيم أرواح المؤمنين بعد الموت قبل يوم القيامة وأنها تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، وأنها تعلق في شجر الجنة يقول تأكل، كما قال في الشهداء: (يُرْزَقُونَ)، وهذا لا يدفعه إلا زائغ ملحد. وأما حديث في

стр. 1068

حواصل طير خضر فليس بصحيح، والصحيح ما ذكرت، ومما يؤيده القرآن؛ ولأن الروح لا ترجع إلا إلى جسده الذي كان فيه، وكذلك جاء الأثر في النفخ في الصور لتخرج منه الأرواح كل روح إلى جسده. واختلف في النفس والروح، فقيل: إنهما اسمان بمعنى واحد، وإليه ذهب غير واحد من أصحابنا، منهم: سعيد بن محمد الحداد، وذكر أصبغ عن

стр. 1069

ابن القاسم في العتبية وغيرها أنه سمع عبد الرحيم بن خالد يقول بلغني أن الروح له جسد ويدان ورجلان ورأس وعينان يسل من الجسد سلا. وفي رواية ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم عن عبد الرحمن أن النفس هي التي جسد مجسد. قال ابن حبيب: وهي في الجسد كخلق مركب عليه خلق، وكخلق في جوف خلق تسل من الجسد بصورتها، ويبقى الجسد جثة، والروح هو النفس الجاري الداخل والخارج ولا حياة للنفس إلا به، فالنفس هي التي تلذ وتفرح وتألم وتحزن وتعقل وتسمع وتبصر وتتكلم، والروح لا تلذ ولا تألم ولا تعرف شيئا، والنفس هي التي ترى في المنام وتقبض عند النوم، ومن انقضى أجله اتبع روحه نفسه في المنام فكان ذلك توفية، ثم تصير الأرواح والأنفس بعد الموت شيئًا واحدًا وإنما تميز في الأجساد فإذا انقضى الأجل تبع الروح النفس فصارت كلها أرواحا عند الله تعالى، قال: (وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) هي التي ترجع إلى جسدها إلى تمام أجلها، ومنه قول النبي ﷺ عند/ المضطجع: "اللهم إن أمسكت نفسي فاغفر لها وارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك"، ومنه قول الله تعالى:

стр. 1070

(فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى). فليست تموت الأنفس والأرواح، وإنما تموت الأجساد، وتخرج النفس ثم هي حية عند الله تعالى إلى يوم الدين. / والله أعلم. فصل - ٢ - [في فتنة القبر] قال ابن حبيب: وفتنة القبر وعذابه قوي عند أهل العلم والسنة، وإنما يكذب به زنديق ومن لا يؤمن بالبعث بعد الموت. وقد روي أن الرسول ﷺ قال: "إذا قبضت الروح عرج بها إلى السماء حتى توقف بين يدي الجبار فإن كانت من أهل السعادة أمر الله تعالى ملائكته يذهبون بها فيرونها مقعدها من الجنة وما أعد الله لها من النعيم، وإن كانت من أهل الشقاء أروها مقعدها من جهنم وما أعد الله لها فيها من العذاب، ثم يذهبون بها قدر ما فرغ من

стр. 1071

غسل الجسد وكفنه فيدخلون ذلك الروح بين الجسد والكفن فما يتكلم أحد بشيء إلا وهو يسمعه إلا أنه منع من المراجعة فإذا وضع في قبره وواروه سمع خفق نعالهم ونفضهم أيديهم من التراب ثم يأتيه فتانا القبر منكر ونكير ملكان/ أسودان أزرقان يطآن في شعورهما وينحتان الأرض بأنيابهما معما إرزبة من حديد لو اجتمع عليها أهل منى لم يطيقوها. قال رسول الله ﷺ : وهي أهون عليهما من هذا ورفع شيئًا من الأرض فيسألانه عن ربه وعن نبيه وعن دينه، فيثبت الله الذين آمنوا ويضل الله الظالمين. قال ابن حبيب: ثم يذهب بروح المؤمن بعد فتنته في قبره إلى عليين، وفيها تجتمع أرواح المؤمنين، فهي باقية في صورة طير بيض تذهب في الجنة

стр. 1072

حيث شاءت وتصيب من ثمارها، وترى مقعدها ومثواها من الجنة إلى يوم القيامة بالغداة والعشي، ثم تأوي إلى جنة المأوى في ظل العرش إلى / قناديل من نور معلقة بالعرش وإنما سميت جن المأوى؛ لأن أرواح المؤمنين تأوي إليها ويبقى جسد المؤمن في قبره رميما إلا من كرم الله من المؤمنين، كما كرم أنبياءه فلا تنقض الأرض من أجسادهم شيئًا. والأنبياء ﵈ أول من يخرج من الأرض يوم البعث، وأما الكافر فترد روحه بعد عذابه في قبره إلى سجين وهي شجرة سوداء على شفير جهنم فيها تجتمع أرواح الكفار والأشقياء الفجار في جوف طيور سود تعرض على النار بالغداة والعشي إلى يوم البعث، ويبقى جسده في قبره رميما. ومنهم من حفر عنه فوجد رمادًا في قبره قد احترق. وأرواح المؤمنين خاصة تطلع على قبورهم ومواضع رميم أجسادها ذاهبة وراجعة ثم تأوي إلى جنة المأوى مكرمة من الله تعالى لها، ولذلك أمر النبي ﷺ بالسلام على القبور وزيارتها، وأما أرواح الأشقياء فمحبوسة في سجين لا يؤذن لها باطلاع قبورها تضييقًا من الله تعالى عليها فإذا كان يوم القيامة جمعت الأرواح/ كلها فأدخلت في الصور، والصور مثقب على عدد الأرواح كلها، فإذا نفخ فيه نفخة البعث خرج كل روح من ثقبه في فور واحد فتنتشر ما بين

стр. 1073

السماء والأرض كأنها النحل، ثم تذهب إلى أجسادها، وقد أنبتها الله تعالى فيأتي كل روح إلى جسده، وقد ألهمه الله إلى معرفته فتدخل فيه من منخريه ويدب في الجسد، فإذا هم أحياء فيتنهون صوت نفخة الصور وهو قوله تعالى: (يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ)، فذلك البعث والحشر إلى الله لفصل القضاء، وهو قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) هنا كمل كتاب الجنائز، وبتمامه تم الجزء الأول من الجامع لابن يونس، ويتلوه في الصاني كتاب الصيام بحمد الله تعالى وحسن عونه وتوفيقه الجميل وبمنه الجزيل عشية الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر الله جمادي الثاني من عام ثمانية وتسعون ومئة وألف بالبلاد المباركة، اللهم تقبله وانفع وارحم كاتبه وآمره بالكتاب دنيا وأخرى إنك جواد كريم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا. أ. هـ.

стр. 1074

كتاب الصوم

стр. 1075

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كتاب الصوم من الجامع وهو الجزء الثاني من جامع الإمام أبي بكر محمد بن عبد الله بن يونس رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا به وبعلومه، آمين. [باب - ١ - في وجوب الصوم ومعناه وطرق العلم بدخوله وفروضه] [فصل] في فريضة الصوم وصيام شهر رمضان فريضة واجبة على الأعيان المكلفين المطيقين المقيمين؛ لقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) إلى قوله: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) وقال النبي ﷺ : "بني الإسلام على خمس"، فذكر صوم شهر رمضان، ولا خلاف في ذلك.

стр. 1076

[فصل -٢ - في معنى الصيام] والصيام في اللغة الإمساك، ومنه قوله تعالى: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) أي نذرت إمساكا عن الكلام. [فصل - ٣ - في طرق العلم بدخول رمضان] وللعلم بدخوله ثلاث طرق، وهي: الرؤية، والشهادة عليها، فإن لم يوصل إلى ذلك، فإكمال عدة شعبان ثلاثين يوما. فأما بالرؤية فلقوله ﷺ : "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته"؛ ولأن الرؤية حق مقطوع به، وما سواها مظنون، فإذا وجب الصوم بالمظنون كان بالمتحقق أولى، وأما بالشهادة فلورود الأخبار بذلك، وإجماع الأمة عليه، فإن لم يوصل إلى ذلك أكمل عدة شعبان ثلاثين؛ لقوله ﷺ : "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم، فأتموا ثلاثين يوما".

стр. 1077

[فصل -٤ - في معنى قوله ﷺ : فإن غم عليكم فاقدروا له]. قال بعض أصحابنا البغداديين: / وقال في حديث آخر: "فإن غم عليكم فاقدروا له". والإقدار: هو التمام. قال الله تعالى: (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) أي تمامًا. قال ابن أبي زمنين في قوله ﵇: "فإن غم عليكم" يعني التبس العدد، وليس من باب القيم، ولو كان كذلك لقال: "فإن غيم عليكم"، هكذا فسره بعض أهل اللغة، وقاله بعض أصحابنا البغداديين. وقال أشهب: فإن غم عليكم أكملوا شعبان ثلاثين يوما فإن غم عليكم هلال شوال أكملوا رمضان ثلاثين يوما. [فصل - ٥ - في فروض الصوم] وفروضه ثلاثة: تبييت الصوم، والنية لرمضان وإمساك طرفي المفترض، أي يكف عن الأكل والشرب وقرب النساء من لدى طلوع الفجر إلى غروب الشمس. فأما تبييت النية فلقوله ﷺ : "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من

стр. 1078

الليل". وأما النية فلقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ولقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات"، وقد تقدم شرح ذلك وأما الإمساك فلقوله تعالى: (وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) يريد حتى تقاربوا بيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، كما قال تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) يريد قاربن بلوغ أجلهن، ولا فرق بين أول اليوم وآخره، فكما لا يجوز أيفطر حتى يدخل جزء/ من الليل، فكذلك لا يأكل إلى دخول جزء من النهار، ودل بذلك أيضا أن لا صيام إلا لمن بيته؛ لأنه إذا لم يجزئه بدء

стр. 1079

الصيام بعد مضي شيء من النهار لم يجد بدًا أن يكون انعقاد الصوم قبل أوائل أجزاء النهار. وقال النبي ﷺ : "من لم يجمع على الصيام قبل الفجر فلا صيام له" وهو حديث معروف أسنده ابن وهب وغيره. قال ابن القاسم: قال مالك: ومن لم يبيت الصوم أول ليلة من رمضان أجزأه من بقيته، وكذلك من نذر صوم شهر بعينه أو شهور متتابعة أجزأه التبييت أول ليلة، وقال الشافعي ﵁: لا يجزئه، حتى ينوي لكل يوم منفرد ودليله أنه صوم فوجب أن ينوي لكل يوم، كالقضاء والنذر؛ ولأن كل يوم منفرد بنفسه لا يتعدى فساده إلى غيره دليله صلاتان، ودليلنا قوله

стр. 1080

( ﷺ : «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له». فلما جاز التبييت من أول الليل لأول يوم وبينه وبين اليوم مهلة وجزء من الليل يفطر فيه، فكذلك اليوم الثاني والثالث، وسائر الشهر. وقد قال الرسول ﷺ : «وإنما لامرئ ما نوى». وهذا قد نوى صوم الشهر كله وأما تشبيهه بالصلاة فهو غير لازم؛ لأن الصلاة النية فيها مقارنة لها، وفي الصوم يجوز أن يكون بينهما تراخ إذ/ لو لزم أن تكون النية مقارنة لأول النهار؛ لم يجز الصوم إلا لمن كان منتبهاً قبل الفجر إلى ما بعده، ولو كان ذلك لأدى إلى الحرج، ولم يجعل الله علينا في الدين من حرج، فلما جاز التراخي في اليوم الأول جاز فيما بعده، وأما تشبيهه بالقضاء والنذر فغير لازم أيضاً؛ لأن ذلك يجوز تفريقه، فلما جاز له أن يفطر اليوم الثاني احتاج إلى تجديد النية له، وكذلك الثالث والرابع، ولما كان رمضان لا يجوز فطر شيء منه أجزأته النية له كله، كاليوم الواجب، وكذلك كل صوم متتابع، وهذا بين. وبالله التوفيق. قال أبو إسحاق: وذلك أن التبييت في رمضان إنما أجزأ أول ليلة؛ لأنه لا يتخلله زمن فيصح فيه الفطر، والليل ليس بموضع للصوم فصيام الشهر كله كالصلاة الواحدة، وأجزأ التبييت في أوله.

стр. 1081

قال في سماع ابن القاسم: وكذلك من نذر صوم يوم بعينه أبدا فذلك يجزئه من تجديد نية التبييت فيه لكل يوم. قال في المختصر وكتاب ابن حبيب: وكذلك من شأنه صوم يوم بعينه أو شأنه سرد الصيام ليس عليه التبييت في كل يوم، وقال الأبهري: يشبه أن يكون قول مالك في ترك التبييت لمن عود نفسه صوم يوم بعينه / أو سرد الصيام استحسانا، والقياس أن عليه التبييت كل ليلة لجواز فطره. م ويحتمل أن مالكا ﵀ أراد بقوله في من شأنه صوم يوم بعينه أو سرد الصيام، أي: شأنه بنذر كان نذره، فإذا كان نذر أجزأته النية الأولى فيه؛ إذ لا يجوز له فطره، والله أعلم. ومن العتبية: قال موسى عن ابن القاسم عن مالك: لا يجزي الصيام في السفر في رمضان إلا بنية في كل ليلة؛ لجواز الفطر له. قال محمد بن الجهم: والذي يقضي رمضان عليه التبييت في كل ليلة. قال أبو محمد: ويتبين لي أن من سافر في رمضان ثم قدم أن عليه أن يأتنف التبييت، وكذلك المرأة تحيض ثم تطهر، والرجل يمرض ثم يفيق.

стр. 1082

وقد قال مالك في المعتكفة: إذا خرجت للحيضة ثم طهرت نهارا فلا تعتد بيوم تطهر فيه، ولكن ترجع إلى المسجد، إلا أن تطهر قبل الفجر وتنوي الصيام وتدخل حين/ يصبح فيجزئها، فقوله: وتنوي الصيام دليل أن من مرض ثم أفاق أنه يأتنف التبييت.

стр. 1083

[باب - ٢ -] في الفطر والفجر والسحور في رمضان أو غيره / [فصل - ١ - في آخر وقت السحور] قال مالك ﵀: ويحرم الأكل بطلوع الفجر المعترض في الأفق، لا بالبياض الظاهر قبله. قيل لابن القاسم: ما الفجر عند مالك؟ فقال: سألنا مالكا عن الشفق ما هو؟ فقال: هو الحمرة. قال مالك: وإنه ليغع في قلبي، وما هو إلا شيء فكرت فيه منذ قريب أن الفجر يكون قبله بياض ساطع، فذلك لا يمنع الصائم من الأكل، فكما لا يمنعه ذلك من الأكل حتى يتبين الفجر المعترض في الأفق، فكذلك البياض الذي يبقى بعد الحمرة لا يمنع مصليا أن يصلي العشاء. م قول مالك: " وما هو إلا شيء فكرت فيه منذ قريب" يريد أنه لم يفكر في صورة الفجر، وإنما فكر في الاحتجاج بالفجر الأول على مخالفه في صلاة العشاء الذي يقول: لا يصلي العشاء حتى يذهب البياض الباقي بعد الحمرة، وذلك أنه ومخالفه يقولان: لا حكم للفجر الأول، وهو بياض قبل البياض المعترض في الأفق. قال مالك: فكذلك ينبغي أن يكون البياض الذي يبقى بعد الحمرة لا حكم له، فلا يمنع مصليا أن يصلي العشاء، وقد عبر بعض البغداديين عن

стр. 1084

ذلك، فقال: لما وجدنا ثلاث طوالع تلي النهار، وهي: الفجر الأول، والفجر الثاني، وطلوع الشمس، وثلاث غوارب تلي الليل وهي غروب الشمس والشفق الأول والشفق الثاني، فلما اتفقنا على أن الاعتبار بالطالعة الوسطى وجب أن يكون الاعتبار أيضا بالغاربة الوسطى. والله أعلم. فصل - ٢ - : [السنة تعجيل الفطر وتأخير السحور] ومن السنة أن يعجل الفطر عند غروب الشمس، ولا يؤخر، وأن يؤخر السحور؛ لقوله ﷺ : "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر". وروي أنه ﷺ "كان يتسحر، ويقوم لصلاة الغداة". قال أنس: كان بين ذلك قدر خمسين آية. وفي بعض الحديث: "أن من عمل النبوة تعجيل الفطر، وتأخير السحور". ومن المجموعة قال أشهب: يستحب تأخير السحور ما لم يدخل إلى

стр. 1085

الشك في الفجر، ومن عجله فواسع يرجا له من الأجر ما يرجا لمن يرجا لمن أخره/ إلى آخر أوقاته. وكره مالك لمن شك في الفجر أن يأكل. قال مالك: ومن أكل في رمضان، ثم شك أن يكون أكل قبل الفجر أو بعده فعليه القضاء، إذ لا يرتفع فرض بغير يقين. قال ابن حبيب: وإن كان قد روي عن ابن عباس في من شك في الفجر: أن يأكل فليأكل حتى يوقن به، وهو القياس؛ لقوله تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) وهو العلم به، وليس الشك علما به، ولكن الاحتياط أحب إلينا أن لا يأكل في الشك، قال مالك. فإن أكل بعد شكه فعليه القضاء استحبابًا، إلا أن يتبين أنه أكل بعد الفجر فيكون واجبًا.

стр. 1086

قال أشهب في المجموعة: من أكل أو شرب أو جامه وهو شاك في الفجر فإنما عليه القضاء. وذكر عن ابن عمران في قول ابن حبيب/: إنما عليه القضاء استحبابًا أنه خلاف لقول مالك، بل القضاء عليه واجب؛ لأن الصوم في ذمته بيقين، فلا يزول عن ذمته إلا بيقين؛ ولأن الشاك في صلاته هل صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ إنما يبني أمره على أنه صلى ثلاثًا، فكذلك هذا إذا شك في الفجر فهو كمن لم يدر أكل قبل الفجر أو بعده، فيحمل أمره على أنه أكل بعده/ فوجب عليه لذلك القضاء إيجابا، لا استحبابًا، ولم يكن عليه كفارة؛ لأنه غير قاصد لانتهاك حرمة الشهر، وروي عن بعض الأندلسيين: أنه إن أفطر شاكا في غروب الشمس أن عليه القضاء والكفارة، بخلاف أكله وهو شاك في الفجر، وذهب ابن القصار وعبد الوهاب وغيرهما أن ذلك سواء، وليس عليه إلا القضاء في الوجهين؛ لأنه غير منتهك لحرمة الشهر، وهذا أصوب. قال مالك: ومن أكل في قضاء رمضان، ثم شك أن يكون أكل قبل الفجر أو بعده فعليه القضاء؛ إذ لا يرتفع فرض بغير يقين. قال ابن حبيب: ويجوز تصديق المؤذن العارف العدل أن الفجر لم يطلع. قال: وإن سمع الأذان، وهو يأكل، ولا علم له بالفجر، فليكف،

стр. 1087

ويسأل المؤذن عن ذلك الوقت فيعمل على قوله, فإن لم يكن عنده عدلاً ولا عارفًا فليقض, وإن كان في قضاء رمضان فليقض, ومباح له فطر ذلك/ اليوم أو التمادي. قال: وإن طلع عليه الفجر, وهو يأكل, فليلق ما في فيه, وينزل عن امرأته إن كان يطأ, ويجزئه الصوم إلا أن يُخَضْخِض الواطئ بعد ذلك. وقاله ابن القاسم. وقال ابن الماجشون: أما في الوطَء فليقض؛ لأن إزالته لفرجه جماع بعد الفجر, ولكنه لم ينتهك ولم يتعمد؛ فلذلك لم يكفر, ولا شيء عليه في الطعام؛ لأن طرحه ليس بأكل. قال ابن القصار: إذا طلع عليه الفجر, وهو مولّج فلبث قليلاً متعمداً, ثم أخرجه أن الكفارة تلزمه مع القضاء. ومن «المدونة» قال مالك: ومن تسحر بعد الفجر, ولم يعلم بطلوعه فإن كان في تطوع فلا شيء عليه, ولا يفطر بقية يومه, فإن فعل قضاه, وإن كان صومه هذا من نذر أوجبه على نفسه, مثل: قوله: لله علي صوم عشرة أيام متتابعة بغير عينها فنابه ذلك بعد أن صام بعضها ترك الأكل في بقية يومه, وقضاه ووصله بصومه, فإن لم يصله أو أفطر باقي يومه ابتدأ, وإن نابه ذلك في أول يوم منها, فإن شاء أفطره وابتدأ صوم عشرة أيام, ولا أحب له أن يفطره, فإن

стр. 1088

فعل فإنما عليه عشرة أيام أحدها قضاء ذلك اليوم. قال ابن القاسم: وإن كانت أيامًا بأعيانها أو شهراً بعينه نذره فصام بعضها, ثم تسحر بعد طلوع الفجر ولم يعلم أو أكل ناسيًا فليتماد علي صومه ويقض يومًا مكانه. قال: فإن نابه ذلك في رمضان فليتم صومه ويقض يومًا آخر أيضًا. قال: وإن كان في قضاء رمضان, فأحب أن يفطر يومه ذلك أفطره وقضاه وأحب إلي أن يتمه ويقضيه, وإن كان في صيام تظاهر أو قتل نفس مضى في صومه وقضى ذلك اليوم , ووصله بصومه, فإن لم يصله بصيامه استأنف الصوم. م يريد وكذلك إن نسي أن يصله فإنه يستأنف الصوم؛ لأنه بيت الفطر اليوم الذي يلي صومه, فهو بخلاف من بيت الصوم وأكل في النهار ناسيًا. وقد قال مالك: في من حلف بالطلاق ليصومن غدًا فبيت الصوم, ثم أكل/ ناسيًا أنه يتمادى علي صومه, ولا حنث عليه, يريد ولو بيت الفطر ناسيًا ليمينه

стр. 1089

فأفطر ثم علم فأمسك لم ينفعه ذلك وحنث, ولأن أهل العلم أجمعوا أنه إن نسي النية بطل الصوم, واختلفوا إن أكل ناسيًا. ومن المدونة: وذكر مالك: أن عمر بن الخطاب ﵁ أفطر يومًا في رمضان في يوم غيم ورأى أنه قد غابت الشمس, ثم قيل له: قد طلعت الشمس, فقال عمر بن الخطاب: الخطب يسير وقد اجتهدنا. قال مالك: يريد بالخطب القضاء. وإلي هذا ذهب الحنفي والشافعي. وذهب الحسن وابن سيرين إلي أن لا قضاء/ عليه. وكذلك إذا أكل بعد الفجر يظنه قبله, ودليلهم قوله صلي الله عليه وسلم: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان))؛ ولحديث عمر هذا؛ فإنه قال: ((والله لا يقضي)) فلم ينكر عليه أحد.

стр. 1090

ودليلنا: أن النبي صلي الله عليه وسلم نزل به مثل ذلك فأمرهم أن يقضوا يومًا مكانه, ولأنه أكل نهارًا في رمضان, فأشبه العامد. وأما احتجاجهم بقوله ﵇: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) فمحمول علي رفع المأثم,/ وما رووه من قول عمر: "والله لايقضي", فيجوز -إن صح منه- أن يكون ذلك مذهبًا لعمر, والسنة مقدمة عليه. ومن المدونة: قال يحيى بن سعيد في من وطئ أو أكل في رمضان ناسيًا: أنه يتم صومه, ويقضي يومًا مكانه, وقاله مالك. وقال أبو حنيفة والشافعي في من أكل ناسيًا: لا قضاء عليه, ودليلهم ما رووه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم: ((من أكل أو شرب ناسيًا في رمضان فلا قضاء عليه ولا كفارة)).
следующие страницы →