Полный текст (9 651 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
أن يطعم للمساكين قدر ما أكل لحمًا، ولا يكون عليه البدل؛ لأن هدي نذر المساكين لم يكن عند مالك في ترك الأكل منه بمنزلة جزاء الصيد، وفدية الأذى، وإنما استحب مالك ترك الأكل منه.
م: يعني ها هنا: إن نذر المساكين بعينه ولو كان مضمونًا لكان عليه بدله كله إن أكل منه.
م: وإنما قال: يؤكل من الهدي كله: لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾، وقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾.
وإنما قال: لا يؤكل من جزاء الصيد: لأن الله تعالى جعله للمساكين بقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾، وكذلك نُسك الأذى، لقوله ﷺ : «أو إطعام ستة مساكين»، وما سماه هو للمساكين فقد نذره لهم، فلا يجوز له الرجوع فيه.
ابن المواز: وقال ابن الماجشون: إذا ضل جزاء الصيد فأبدله، ثم وجد الأول فلينحرهما إن كان قلد الآخر أيضًا، ولا يأكل من الأول، ويأكل من الثاني إن شاء.
محمد: ولو أكل من الثاني بعد أن بلغ محله قبل أن يجد الأول فليبدله إلا أن يجد الأول فيجزئه، ويصير الثاني كهدي تطوع أكل منه بعد أن بلغ محله.
стр. 1822
وذكر ابن حبيب المسألة من أولها عن ابن الماجشون، وقال في سؤاله: إن ضل هديه الواجب فأبدله؟. والذي ذكر محمد من جزاء الصيد أصح.
قال ابن حبيب- عن ابن الماجشون-: ومن معه هدي تطوع، وهدي واجب.
م: يريد: جزاء صيد، ونذر المساكين فاختلطا فلا يأكل من واحد منهما، وإن ضل أحدهما، ولا يدري أيهما هو، فلا يأكل من الباقي، ولا يجزئه الباقي إذ لعله التطوع، وليبدل الواجب، ولا يأكل من البدل، إذ لا يدري أيهما التطوع.
ابن المواز: وإن ضل هدي تمتعه وهو مُقلَد بعد أن بلغ فأبدله فعطب البدل قبل أن يبلغ محله فله أن يأكل منه، وعليه بدله لتمتعه، فإن وجد الأول نحره عن تمتعه، ولابد له من بدل الثاني؛ لأنه صار تطوعًا أكل منه قبل محله.
قال ابن المواز: وكان الحسن يقول: يؤكل من الهدي كله، وقال سعيد بن جبير: لا يؤكل من الهدي، ولا من الجزاء، والفدية، وقال طاوس: لا يؤكل من الجزاء، والفدية.
ومن المدونة: قال مالك: وكل هدي مضمون هلك قبل محله فلصاحبه أن يأكل منه ويطعم من شاء من غني أو فقير؛ لأن عليه بدله، فلا فائدة في منعه أكله.
قال مالك: ولا يبيع من ذلك لحمًا ولا جِلْدًا ولا جُلاً، ولا خِطامًا ولا قلائد،
стр. 1823
ولا يستعين بذلك في ثمن البدل.
م: لأنه قد أخرج ذلك كله لله، فلا يرجع فيه.
قال مالك: ومن الهدي الذي هو مضمون ما إن عطب قبل محله جاز أن يأكل منه؛ لأن عليه بدله، وإن بلغ محله لم يجز له أن يأكل منه، وإن أكل منه لم يجزه، وعليه البدل وهو جزاء الصيد، وفدية الأذى، ونذر المساكين.
يعني: إن نذر المساكين ها هنا مضمون غير معين، فلذلك كان عليه بدل جميعه.
قال مالك: والهدي المضمون: هو الذي إذا هلك قبل محله، أو استحق كان عليه بدله، والهدي الذي ليس بمضمون: هو هدي التطوع وحده، وكل هدي ساقه رجل لا لشيء وجب عليه من أمر الحج، أو يجب عليه في المستقبل فهذا تطوع، ومن قلد بدنه، أو أهدى هديًا تطوعًا، ثم مات الرجل قبل أن يبلغ الهدي محله، فلا يرجع ميراثًا؛ لأنه قد أوجبه على نفسه.
والمبعوث معه بالهدي يأكل منه إلا من الجزاء، والفدية، ونذر المساكين فلا يأكل منه شيئًا، إلا أن يكون الرسول مسكينًا فجائز له الأكل منه.
ومن أطعم الأغنياء من الجزاء والفدية فعليه البدل، جهلهم أو علم بهم، كالزكاة ولا يطعم منها ولا من جميع الهدي غير مسلم، فإن فعل أبدل الجزاء والفدية، ولا يُبْدل غيرها، وهو خفيف وقد أساء، وروي عن ابن القاسم أنه قال: أرجو أن يجزئه الجزاء والفدية إن لم يتعمد.
م: وإنما قال: يُبدل الجزاء والفدية دون غيرهما من الهدي؛ لأن الجزاء
стр. 1824
والفدية إنما هي للمساكين، كالزكاة، فلم يجب أن يعطى منها إلا من يُعطي من الزكاة.
ومن المدونة: وإن هو أطعم ذميًا كفارة عليه لم يجزه، ولا يتصدق بشيء من الهدي على فقراء أهل الذمة ولا يُطعم من جزاء الصيد أبويه، وزوجته، أو ولده، أو مدبره، أو مكاتبه، أو أم ولده، كما لا يُعطيهم من زكاته.
فصل [٥ - فيمن بعث بهدي، ثم خرج بعده حاجًا او معتمرًا]
ومن بعث بهدي مع رجل حرام ثم خرج بعده حاجًا أو معتمرًا، فإن أدرك هديه لم يُنحر فليؤخر نحره إلى أن يحل، وإن لم يُدركه فلا شيء عليه، ومن وجب عليه هدي في حج أو عمرة فله أن يبعثه مع غيره.
فصل [٦ - من ضل هديه التطوع أو أضحيته فوجدهما بعد أيام النحر]
وإذا ضل هدي التطوع، ثم وجده بعد أيام النحر نحره بمكة، ولو ضلت منه أضحيته فوجدها بعد أيام النحر فلا يذبحها وليصنع بها ما شاء، وإن أصابها في أيام النحر نحرها إلا أن يكون قد ضحى ببدلها فلا شيء عليه، ولو ضل منه هدي واجب، أو جزاء صيد فنحر غيره يوم النحر ثم وجده بعد أيام النحر نحره أيضًا؛ لأنه أوجبه هديًا، فلا يرده في ماله، وكل هدي واجب ضل من صاحبه أو مات قبل أن ينحره فلا يجزئه، وعليه بدله، وكل هدي تطوع مات، أو سُرق، أو ضل فلا بدل على صاحبه فيه، ومن سُرق هديه الواجب بعدما ذبحه أجزأه.
стр. 1825
فصل [٧ - الوقت المعتبر في سلامة الهدي هو حين تقليده وإشعاره]
ومن قلد هديًا وأشعره وهو لا يجزئه لعيب به فلم يبلغ محله حتى زال ذلك العيب لم يجزه، وعليه بدله إن كان مضمونًا، ولو قلده سليمًا، ثم حدث به ذلك قبل محله أجزأه.
قال أبو بكر الأبهري: القياس: أن لا يجزئ؛ لأن وجوبه لم يتناهى عند مالك، وهو مراعى، ألا ترى أنه لو عطب قبل أن ينحره لم يجزه، وعليه بدله، فكذلك يجب إذا حدث به عيب لا يجوز في الهدي إلا يجزئه.
قال ابن حبيب: وإذا قلد هديًا سمينًا، ثم نحره فوجده أعجفًا، فإن كان العجف يحدث في مثل مسافته أجزأه، وإن كان لا يعجف في مثلها لم يجزه في الواجب، ولو أشعره أعجفًا، ونحره سمينًا، فإن كان لا يسمن في مثل مسافته أجزأه، وإن كان يسمن في مثلها فأحب إلينا أن يبدله لما يخشى أن يكون حدث سمنه، قاله ابن الماجشون.
ومن المدونة: وما أصاب الضحايا من عيب بعد شرائها فعلى صاحبها بدلها؛ لأن له أن يبدل أضحيته بخير منها، وليس لمن قلد هديًا بدله بخير منه، ولا له بيعه.
قال ابن القاسم: فإن باعه رُد إن وجد، فإن لم يعرف مكانه فعليه البدل بثمنه ولا ينقص منه وإن وجده بدونه، وإن لم يجد بالثمن فليزد عليه؛ لأنه قد ضمن الهدي.
وجلود الهدايا في الحج والعمرة، وجلود الضحايا يُصنع بها ما يصنع بلحومها، ولا يعطى الجازر على جزره الهدي والأضحية والنسك شيئًا من لحومها ولا جلودها، وكذلك خِطامها وجلالها.
стр. 1826
فصل [٨ - السن المجزئ في الضحايا والهدايا والنذر والفدية]
قال مالك: والذي يجزئ من الأسنان في الضحايا والهدايا والنذر والفدية: الجذع من الضأن، والثني من سائر الأنعام، وكان ابن عمر يقول: لا يجزئ إلا الثني من كل شيء.
قال مالك: إلا أنه ﷺ قد أرخص في الجذع من الضأن.
والبُدْن عند مالك من الإبل وحدها، والذكور والإناث بُدْنٌ كلها، لعموم قول الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ﴾، ولم يقل: ذكرًا ولا أنثى، وتعجب مالك ممن قال: لا تكون إلا في الإناث.
قال ابن القاسم: وتجوز الإناث والذكور من الغنم، وغيرها في الهدايا والضحايا.
فصل [٩ - العيوب المانعة من الإجزاء في الضحايا والهدايا والنذر والجزاء والفدية]
قال مالك: ولا يجوز في الضحايا والهدايا والنذر والجزاء والفدية شيء من ذوات العوار، ولا يجوز في الفدية إلا ما يجوز في الضحايا والنذر.
стр. 1827
قال مالك: وتجزئ المكسورة القرن في الهدايا والضحايا إذا كان قد بريء، وإن كان يُدمي فلا يصلح، ولا بأس في الهدايا والضحايا باليسير من قطع أو شق في الأذن كالسمة، ونحوها، ويجوز الخصي في الهدايا والضحايا، ووسع مالك في الكوكب يكون في العين إذا كان يُبْصر بها ولم يكن على الناظر، ولا تجوز العرجاء البين عرجها ولا المريضة البين مرضها، وكذلك جاء في الحديث ولا يجوز الدبر من الإبل في الهدايا، ولا المجروح، وذلك في الدبرة الكبيرة والجرح الكبير.
م: ولأن ذلك مرض. وفي الضحايا إيعاب هذا.
فصل [١٠ - من نذر بدنة فهي من الإبل، ومن نذر هديًا وأطلق فالشاة تجزئه]
قال ابن القاسم: ومن نذر بدنة فهي من الإبل، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد بقرة فسبعًا من الغنم، الذكور والإناث في ذلك سواء.
قال ابن المواز: وقاله سالم، وخارجة، وعبيد الله، ومحمد بن علي.
стр. 1828
قال ابن المسيب: إن لم يجد بقرة فعشر من الغنم.
ومن المدونة: قال: وإن نذر هديًا، ولا نية له فالشاة تجزئه، لأنها هدي، وقال في كتاب النذور فيمن حلف إن لم يفعل كذا فعليه هدي فليهد بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة تجزئه.
م: حُكي عن أبي الحسن: أن الفرق بين المسألتين: إنه إذا نذر هديًا فهو متطوع به فخفف عنه، والحالف به في يمين، ذلك يلزمه، وهو غير متطوع به، فغلظ عليه فيه، فهما مسألتان مفترقتان، وليس باختلاف قول. والله أعلم.
ونحى أبو محمد في مختصره إلى أنه اختلاف.
م: وهو أبين؛ لأن ما أوجبه على نفسه بغير يمين آكد مما أوجبه بيمين؛ لأن من قال: داري صدقة على فلان، جبره السلطان على ذلك، ولو قال: إن فعلت كذا فداري
стр. 1829
صدقة على فلان فحنث لم يجبره السلطان على ذلك، فبان أن ما كان بغير يمين آكد مما كان بيمين على مذهب المدونة، وإن كان قد قيل: إنهما سواء كالعتق، وهو أقيس. والله أعلم.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أهدى ثوبًا فليبعه ويشتري بثمنه هديًا ما حمل من بدنة، أو بقرة، أو شاة، ويشتري ذلك من الحل فيسوقه إلى الحرم، ولا يشتري إلا ما يجوز في الهدي.
فصل [١١ - فيمن قلد هديًا تطوعًا أو واجبًا ثم اطلع فيه على عيب]
ومن اشترى هديًا تطوعًا فلما قلده وأشعره أصاب به عيبًا يجزيء به الهدي، أو لا يجزيء فليمض به هديًا ولا بدل عليه، ويرجع على البائع بما بين الصحة والداء فيجعله في هدي آخر إن بلغ، فإن لم يبلغ تصدق به.
قال ابن المواز: إذ لا يشترك فيه ملك.
وإن كان واجبًا فأصاب به عيبًا لا يجزي به الهدي فعليه بدله، ويلزمه سوق هذا المعيب أيضًا؛ لأنه كعبد عتق في واجب وبه عيب لا يجزي، وما رجع به من قيمة عيب هذا الهدي فليستعن به في البدل إن شاء، والرقبة الواجبة مثله، ولو كان عيب الرقبة يجزي بمثله أعان بقيمة العيب في رقبة أو قطاعة مكاتب، وإن كانت الرقبة تطوعًا صنع بالقيمة ما شاء.
ابن المواز: قال ابن القاسم يصنع بقيمة عيب رقبة التطوع ما شاء كان عيب يجزي به الرقاب الواجبة أم لا يجزي بخلاف هدي التطوع.
وروى أشهب عن مالك أنه يصنع بقيمة عيب هدي التطوع ما شاء، وقاله ابن
стр. 1830
القاسم في المجالس وهو خلاف قوله في الأسدية.
م: يريد- والله أعلم-: إن بلغ قيمة العيب ثمن بدنة وليس عليه أن يزيد من عنده.
قال أصبغ: هذا إن كان عيبًا يجوز في الهدي وإلا أبدله كله وإن كان تطوعًا.
قال ابن المواز: قوال أصبغ صواب إلا أنه يعتق الأعمى والمعيب طوعًا مما لا يجزي في واجب، ولا يهدي في التطوع إلا ما يهدي في الواجب، قال مالك: وذلك أنه لو استحق هدي التطوع بعد التقليد فأخذه ربه لأمرت هذا أن يرجع بثمنه فيجعله في هدي آخر، ولا آمره بذلك في عتق التطوع.
م: والفرق في هذا عندي: لأنه في العتق إنما أعتق ذلك العبد بعينه، فلما بطل العتق فيه لم ينتقل العتق إلى غيره؛ لأنه لم يرده، وفي الهدي التطوع ليس المقصود به عين الهدي، إنما قصد ثوابه وصدقته على المساكين، فلا يرجع إليه شيء من ثمنه؛ لأن المساكين المقصود لهم الهدي قيام.
م: ويحسن هذا الفرق على مذهب ابن القاسم فيما يرجع به من قيمة العيب أيضًا؛ لأنه إنما أخرج ثمنًا ليهدي به هديًا يكون للمساكين، فلا ينبغي أن يرجع إليه من ذلك الثمن شيء والمساكين قيام، وفي عيب العبد المقصود بالعتق قد عتق وهو لم يرد غيره، فلا شيء عليه فيما يرجع إليه من قيمة عيبه، ولو كان إنما أخرج دنانير ليعتق بها فاشترى بها عبدًا وأعتقه، ثم أصاب به عيبًا، فإنه يجعل ما يرجع إليه من قيمة العيب في رقبة إن بلغ، أو قطاعة مكاتب يتم بها عتقه؛ لأنه أخرج ذلك الثمن للعتق فلا
стр. 1831
يعود إليه منه شيء، ويستوي العتق والهدي في هذا. والله أعلم.
وحكى نحوه بعض أصحابنا عن بعض شيوخنا من القرويين، قال: إنما فرق بين الهدي المعيب وبين الرقبة المعيبة إذا كان ذلك تطوعًا لأن محمل مسألة الرقبة المتطوع بعتقها أنها لم تكن في الأصل مشتراة للعتق، فلذلك ساغ له قيمة العيب، وأما لو أخرج ثمنًا فاشتراها به للعتق كانت كهدي التطوع سواء لا يسوغ له قيمة العيب، ولو كان أيضًا الهدي لم يشتره وإنما أهدى شيئًا تقدم له ملكه أو اشتراه لغير الهدي، كان كالرقبة إذا لم تكن في الأصل مشتراة للعتق إن قيمة العيب تسوغ له، وإنما افترقت المسألتان لافتراق السؤال.
قال: وهكذا كان يقول أبو موسى بن مناس، ونحوه في المستخرجة، وهذا أحسن من تفرقة ابن المواز: أنه يتطوع بعتق المعيب، ولا يهدي المعيب.
قال أبو محمد: إنما يُبْدل الهدي الواجب إذا وجد به عيبًا قديمًا لم يحدث به بعد الإشعار، والهدي الواجب: ما لزم من مُتعة، أو قران، أو لنقص من أمر الحج، أو جزاء أو فدية أهداها، أو نذر هديًا للمساكين ليس بعينه، فأما لو نذر أن يهدي هذا البعير بعينه فقلده وأشعره ثم ظهر له به عيب قديم فلا بدل عليه؛ لأن نذره لم يتعد إلى غيره.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وما جُني على الهدي التطوع فأخذ له صاحبه
стр. 1832
أرشًا فليصنع به ما يصنع من رجع بعيب أصابه في الهدي المقلد.
قال ابن المواز: وأحب إلي في الجناية أن يتصدق به في التطوع والواجب.
قال أبو محمد: يريد محمد: إن لم يكن فيه ثمن هدي، وكلام محمد هذا لم أروه.
م: يريد: ولا يلزمه بدله في الواجب إذا كانت الجناية لا يجزي بها الهدي، لأنها إنما طرأت عليه بعد الإشعار فهي كالعيب يطرأ بعد الإشعار وإن كان القياس فيهما ألا يجزيان؛ لأن الهدي الواجب لو هلك بعد الإشعار قبل أن يبلغ محله لم يجزه، فكذلك كان ينبغي إذا هلك بعضه يحكم للبعض بحكم الجميع، وكذلك قال الأبهري: أن القياس ألا يجزيء.
م: ولكن قد قاله مالك وأصحابه فلا معدل عنهم.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن وجد بالضحايا عيبًا ردها وأخذ ثمنها واشترى به بدلها، بخلاف الهدي المقلد، ولو جنا على الضحايا أحد أخذ منه صاحبها عقل ما جنا عليها واشترى بدلها ولم يذبح المعيبة.
فصل [١٢ - في حكم ولد الهدية]
وإذا نتجت الناقة، أو البقرة، أو الشاة وهي هدي فليحمل ولدها معها إلى مكة إن وجد محملاً على غيرها، فإن لم يجد حمله عليها، فإن لم يكن في أمه ما يحمله عليها
стр. 1833
تكلف حمله.
م: يريد: من ماله، قال أشهب: ولا محل له دون البيت، وإن باعه، يريد: أو نحره في الطريق فعليه بدله هديًا كبيرًا تامًا، وقاله ربيعة وابن القاسم.
قال ابن القاسم: وكذلك من أضر بولد بدنته في لبنها حتى مات فعليه بدله مما يجوز في الهدي، وذكر عن أبي عمران أنه إذا لم يستطع أن يتكلف حمله على حال نحره في ذلك الموضع ويصير كهدي التطوع إذا عطب قبل محله إذا كان في فلاة أو في حضر ولا يجد من يوكل عليه ولا يرتجي حياته.
قال: ولا يشرب من لبن الهدي شيئًا ولا ما فضل عن ولدها، قال ابن القاسم: فإن فعل فلا شيء عليه؛ لأن بعض من مضى أرخص فيه بعد ري فصيلها.
قال: ومن احتاج إلى ظهر هديه فليركبه وليس عليه أن ينزل بعد راحته؛ لأن النبي ﷺ قال: «اركبها ويحك» في الثانية، أو الثالثة، وإنما استحسن الناس أن لا يركبها حتى يحتاج إليها.
стр. 1834
فصل [١٣ - في الهدي إذا ضل بعد التقليد والإشعار ثم وجد أيام منى، أو بعدها]
قال: وإذا ضل الهدي بعد التقليد والإشعار فوجد بعد أيام منى نحره بمكة، وإن وجد خارجًا من مكة بعد أيام منى سيق إلى مكة فنحر بها، وإن لم يوقف به بعرفة فوجد أيام منى سيق إلى مكة فنحر بها، وإن وقف به بعرفة، ثم وجد في أيام منى نحر بمنى.
ومن كان عليه هدي من جزاء صيد فلم ينحره حتى مضت أيام التشريق فاشتراه في الحرم ثم خرج به إلى الحل فليدخل حلالاً ولا بأس أن يبعث بهديه مع حلال من الحرم ثم يقفه في الحل ثم يدخله مكة فينحره عنه.
ولا يجزي ذبح جزاء الصيد أو كان كان هديًا إلا بمكة أو بمنى، وإن أطعم لحمه المساكين، وذلك يبلغ سُبعُ عدد قيمة الصيد من الأمداد أن لو أطعم الأمداد، فإنه لا يجزئه.
وما كان من هدي في عمرة وجب بشيء نقصه منها، أو هدي نذر، أو تطوع، أو جزاء صيد فذلك سواء ينحره إذا حل من عمرته، فإن لم يفعل لم ينحر إلا بمكة أو بمنى إلا ما كان من هدي الجماع في العمرة فإنه لا ينحره إلا في قضائها أو بعد قضائها بمكة.
ومن اشترى يوم النحر شاة، أو بقرة، أو بعيرًا ولم يوقفه بعرفة ولم يخرجه إلى الحل فيدخله الحرم وينوي به الهدي، وإنما أراد أن يضحي بذلك فليذبحها ضحوة وليست بضحية؛ لأن أهل منى ليس عليهم أضاحي، وكل شيء في الحج فهو هدي؛ وما ليس في
стр. 1835
الحج فهو أضاحي.
م: يريد: ولا هو هدي؛ لأنه لم ينو به الهدي ولا جمع له حل وحرم كالهدايا.
فصل [١٤ - من وجب عليه الهدي فعجر عنه انتقل إلى الصوم]
ومن وجب عليه الدم في حج أو عمرة فلم يجده فالصوم يجزئه منه، ولا إطعام فيه، وليس الطعام في الحج والعمرة مكان الهدي إلا في جزاء الصيد، وفدية الأذى.
وكل هدي وجب على من تعدى ميقاته، أو تمتع، أو قرن، أو أفسد حجه، أو فاته الحج، أو ترك الرمي، أو النزول بالمزدلفة، أو نذر مشيًا فعجز عنه، أو ترك شيئًا من الحج فجبره بالدم فله إذا لم يجد هديًا صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، وله أن يصوم الأيام الثلاثة ما بينه وبين يوم النحر، فإن لم يصمها قبل النحر أفطر يوم النحر وصام الثلاثة التي بعده وهي أيام التشريق ويصل السبعة بها إن شاء، وقول الله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ يقول: من منى، وسواء أقام بمكة أم لا، وإن كان قد صام قبل يوم النحر يومًا أو يومين فليصم ما بقي عليه في أيام التشريق، فإن لم يصم الثلاثة الأيام حتى مضت أيام التشريق صام بعد ذلك إن شاء وصل الثلاثة بسبعة أو لم يصل، وإنما يصوم ثلاثة أيام في الحج كما ذكرناك المتمتع، والقارن، ومن تعدى ميقاته، أو أفسد حجه، أو فاته الحج.
م: لأن هذا الدم إنما لزم قبل الحج، فإذا لم يجده صام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة بعد ذلك.
قال ابن القاسم: وأما من لزمه ذلك لترك جمرة، أو النزول بالمزدلفة فليصم متى
стр. 1836
شاء، وكذلك الذي يطأ أهله بعد رمي جمرة العقبة وقبل الإفاضة؛ لأنه إنما يصوم إذا اعتمر بعد أيام منى، أو من مشى في نذر إلى مكة فعجز فليصم متى شاء؛ لأنه يقضي في غير حج، فكيف لا يصوم في غير حج.
قال: وما صنع في عمرته من ترك ميقات أو وطء، أو ما يلزمه به هدي فلم يجده فليصم ثلاثة أيام، وسبعة بعد ذلك.
يريد: بصوم ثلاثة أيام في إحرامه، وسبعة بعد ذلك.
ابن المواز: قال مالك: ومن لزمه هديان، مثل أن يقرن، ويفوته الحج، فإن وجد واحدًا صام ثلاثة أيام في إحرامه، وسبعة بعد ذلك، وإن لم يجد صام ستة أيام في إحرامه، وأربعة عشر إذا رجع.
ومن المدونة: وكل من لم يصم ممن ذكرنا حتى رجع إلى بلده وله بها مال فليبعث بهدي، ولا يجزئه الصوم، وكذلك من أيسر قبل صيامه، ومن وجد من يسلفه فلا يصوم وليستلف إن كان موسرًا ببلده.
ابن المواز: فإن لم يجد من يسلفه فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع ولا يؤخر الصيام ليهدي ببلده، فإذا صام أجزأه.
стр. 1837
وقال مالك فيمن لم يجد هدياً فتصدق بثمنه فلا يجزيه.
ومن دفع الهدى حياً إلى المساكين بعد أن بلغ محله وأمرهم بنحره ورجع إلى بلده لا فاستحيوه فعليه بدله، كان واجباً أو تطوعاً، وإنما يجزئه: أن يدفعه إليهم بعد أن ينحره.
[فصل ١٥ - في المتمتع إذا لم يجد الهدي]
وقال مالك في المتمتع إن لم يجد الهدي: فليصم الثلاثة أيان في الحج من يوم يُحْرِم إلى يوم عرفة، وقال أيضاً: يصومها قبل يوم عرفة، فإن لم يفعل صام أيام منى، ثم له وطء أهله في ليالي أيام صيامه بمنى.
قيل لمالك: أيصوم السبعة إذا رجع إلى مكة؟ قال: إذا رجع إلى أهله أجب إلىّ إلاّ أن يقيم بمكة ويجزئه إن صام في طريقه.
قال مالك: فإن نسي الثلاثة حتى صام السبعة؟ قال: فإن وجد هدياً فأحب إلىّ أن يهدي وإلا صام.
قال أصبغ: يعيد حتى يجعل السبعة بعد الثلاثة.
م: لعله يريد: أن يعيد صوم سبعة أيام ويحتسب من السبعة الأولى بثلاثة كمن قدم السور قبل أم القرآن فإنما يعيد السورة، وكمن أطعم في كفارة الصوم ثلاثين مسكينًا مُدَّين مُدَّين فإنه يجزئه أن يطعم ثلاثين غيرهم مُدّاً مُدّاً ويحتسب بمد مما أطعم الأولين.
قال مالك: ويصوم القارن ثلاثة في الحج مثل المتمتع، ولا يجوز له أن يؤخر رجاء أن يجد هديًا، وأحبَ إليّ أن يؤخر إلى عشر ذي الحجة، أو بعده إن رجى هديًا، فإن لم يرج ذلك فليصم.
стр. 1838
[الباب السادس]
في تقديم الناس أثقالهم من منى إلى مكة ووقت العمرة
قال ابن القاسم: ولا بأس أن يقدم الناس أثقالهم من منى إلى مكة.
وقال مالك: وإذا رجع الناس من منى نزلوا بأبطح مكة وهو معروف حيث المقبرة فيصلّوا فيه الظهر والمغرب والعشاء ثم يدخلون مكة بعد العشاء أول الليل، وكذلك فعل الرسول ﷺ ، وأحب إلي أن يفعل ذلك الأئمة.
واستحب مالك لمن يقتدي به أن لا يدع النزول بالأبطح، ووسع لمن لا يقتدي به في ترك / النزول به وكان يفتي به سراً، ويفتي في العلانية بالنزول في الأبطح لجمي الناس.
قال مالك: ومن أدركه وقت شيء من هذه الصفوات قبل أن يأتي أبطح مكة صلاها.
فصل [في وقت العمرة]
قال مالك: وتجوز العمرة في أيام السنة كلها إلا الحاج فيكره لهم أن يعتمروا حتى تغيب الشمس من آخر أيام الرمي، وكذلك من تعجل في يومين أو خرج حين زالت الشمس من آخر أيام الرمي.
стр. 1839
قال ابن القاسم: وإنما سألنا مالكاً عن ذلك حين رأينا من يفعل ذلك ويزعم أن بعض الناس أفتاهم بذلك.
وقال ابن القاسم: ومن أحرم من الحاج بعمرة في أيام الرمي لم تلزمه إلا أن يحرم بعد أن تم رميه من آخر أيام الرمي وحل من إفاضته فيلزمه.
قال ابن المواز: إلا أنه لا يحل منها إلا بعد مغيب الشمس، وقال ابن القاسم، وإحلاله منها قبل ذلك باطل وهو على إحرامه، وإن وطء بعد ذلك الإحلال أفسد عمرته ويقضيها بعد تمامها ويهدي.
ومن المدونة: ومن لم يكن حاجًا من أهل الآفاق فجائز أن يعتمر في أيام التشريق؛ لأنه ليس من الحاج وإنما إحلاله منها بعد أيام منى.
قال ابن القاسم: وسواء عندي كان إحلاله منها بعد أيام منى أو في أيام منى.
قال مالك: والعمرة في السنة إنما هي مرة واحدة، ولو اعتمر بعدها لزمته، كانت الأولى من أشهر الحج أم لا، أراد الحج أم لا، أراد الحج من عامه ذلك أم لا.
قال ابن المواز: وأرجو أن لا يكون بالعمرة مرتين في السنة بأساً، وقد اعتمرت عائشة ﵂ مرتين في عام واحد، فلعله ابن عمر، وابن المنكدر.
стр. 1840
وكرهت عائشة عمرتين في شهر، وكرهه القاسم بن محمد.
وفرطت عائشة في العمرة سبع سنين فقضتها في عام واحد.
وروى عن علي في كل شهر مرة.
قال ابن حبيب: ولم ير مطرف بأساً بالعمرة مراراً في السنة.
وقال غير ابن حبيب: وإنما اختار مالك العمرة في السنة مرة استناناً بالنبي صلى الله عليهم وسلم لأنه اعتمر ثلاث في كل عام مرة.
وقد كره كثير من السلف العمرة في السنة مرتين.
قال مالك: العمر في ذي الحجة أفضل منها قبل الحج في أشهر الحج، ولا بأس أن يعتمر الصرورة قبل أن يحج، وقد اعتمر النبي ﷺ قبل أن يحج.
стр. 1841
[الباب السابع]
جامع القول في المحصر بعدو أو مريض
قال الله : ﴿فَإِن أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
فقيل: إن هذا إحصار مرض، ولو كان حصار العدو لقال: "حصرتم"، ومن قال إنه حصار العدو فلا حجة له بأهل الحديبية؛ لأن ما كان معهم من الهي لم يكونوا ساقوه لما عرض من حصر العدو فهو هدي قد نفذ ووجب لقوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ فلم يأمرهم النبي ﷺ بهدي لحصرهم.
وقال أشهب في المحصر بعدو إنه يهدي.
وقال ابن القاسم: لا يهدي؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر من لم يكن معه هدي عام الحديبية أن يهدي. قال ذلك: جابر بن عبد الله.
стр. 1842
قال مالك: والمحصر بعدو غالب، أو فتنة في حج، أو عمرة يتربص ما رجى كشف ذلك، فإذا أيس أن يصل إلى البيت فليحل بموضعه حيث كان من البلاد في الحرم أو غيره، ولا هدي عليه إلا أن يكون معه هدي فينحره هناك، ويحلق أو يقصر، ويرجع إلى بلده.
م: لأن النبي صلى الله عليه فعل ذلك عام الحديبية.
قال عبد الوهاب: وإنما كان لا هدي عليه: خلافًا لأبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه تحلل مأذون له فيه بغير تفريط فيه وخفيف ذلك عنه كما خفف عنه التحلل من الإحرام.
قال مالك في المدونة: ولا قضاء عليه لحج ولا عمرة إلا أن يكون صرورة فلا يجزئه ذلك من حجة الإسلام، وعليه حجة الإسلام من قابل.
م: قال عبد الوهاب: وإنما قال: لا قضاء عليه خلافًا لأبي حنيفة؛ لأنه ممنوع من فعل المناسك بيد غالبة فلم يلزمه قضاء / أصله إحرام العبد بغير إذن سيده؛ ولأنه ﷺ تحلل هو وأصحابه ولم يأمر أحداً منهم بالقضاء ولا روي عنهم أنهم قضوا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أخر حلاق رأسه حتى رجع إلى بلده حلق ولا
стр. 1843
دم عليه.
قال ابن القاسم في موضع آخر في المحصر بعدو قبل أن تمضي أيام الحج لا يكون محصراً حتى يفوته الحج أو يصير إن خلي لم يدرك الحج فيما بقي من الأيام فيكون محصراً ويحل مكانه ولا ينتظر ذهاب الحج.
م: وهذا والأول سواء، ومعنى قوله: إذا يئس أن يصل: معناه: فيفوت الحج، أو إن خلي لم يدركه، وقاله بعض شيوخنا.
وقال غيره: بل ذلك اختلاف قول، والأول أبين.
قال بعض شيوخنا: والريح إذا تعذر على أصحاب السفن ليس هو كحصار العدو، وهو مثل المرض لأنهم يقدرون على الخروج في البر فيمضون لحجهم.
فصل [١ - فيمن أحصر بعد أن وقف بعرفة]
قال ابن القاسم: ومن أحصر بعد أن وقف بعرفة، قال سحنون: يريد: أحْصر بمرض، وكذلك لمالك في كتاب ابن حبيب أنَه أُحْصر بمرض.
قال أبو محمد: يريد: وتم وقوفه إلى غروب الشمس فقد تم حجه، ويجزئه من حجة الإسلام، ولا يحله إلا طواف الإفاضة، وعليه لجميع ما فاته من رمي الجمار، والمبيت بالمزدلفة، وبمنى هدي واحد، كمن ترك ذلك ناسياً حتى زالت أيام منى.
قال ابن المواز: ولو كان بعدو لم يهد.
стр. 1844
م: وقع في كتاب ابن المواز عن ابن القاسم في هذه المسألة في موضع: أنه أحصر بمرض، وفي موضع آخر: أنه بعدو، وحكي عن أبي محمد أنه قال: قوله بعدو: أصوب، ويكون عليه هدي واحد لجميع ما فاته.
وأما المصدود بعدو قبل وقوفه بعرفة فإنه يحل ولا دم عليه عند ابن القاسم.
والفرق بينهما: أن المصدود بعدو بعد وقوفه بعرفة يجزئه من حجة الإسلام، يريد: إذا رجع فطاف للإفاضة ويرجع حلالًا إلاّ من النساء والصيد والطيب، قال أبو محمد: والمصدود بعدو قبل وقوفه بعرفة لا يجزئه من حجة الإسلام فافترقا.
ومن المدونة: قال ابن القاسم وإذا أحرم مكي بالحج من مكة أو دخل مكة معتمرًا ففرغ من عمرته ثم أحرم بالحج من مكة فأحصر قال سحنون بمرض - حتى فاته الحج فلابد له من الحل ويعمل على العمرة ويحج قابلًا ويهدي.
قال ابن المواز: وأما من دخل مفردًا بالحج أو قارناً ثم فاته الحج بعد أن طاف وسعى أو قبل فلا يخرج إلى الحل لأنه منه دخل بذلك الإحرام الذي يفسخه في عمرة فيحل بأن يطوف ويسعى ثانية ويحلق، وإنما يخرج إلى الحل من دخل أولاً بعمرة ثم قرن في الحرم أو بمكة.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك من تمتع فأحرم بالحج من مكة، ثم فاته الحج فإنه يخرج إلى الحل ويعمل فيما بقي عليه ما يعمل المعتمر ويحل.
стр. 1845
قال: والمحصر بمرض إذا فاته الحج لا يقطع التلبية حتى يدخل أوائل الحرم ولا يحله من إحرامه إلا البيت وإن تطاول ذلك به سنين ويقيم حتى يصح ويفسخ ذلك في عمرة.
م: والفرق بين المحصر بعدو أنه يحل مكانه، والمحصر بمرض لا يحله من إحرامه إلا البيت وإن تطاول ذلك به سنينًا: لأن الواجب على من أحرم بحج أو عمرة إتمام ما دخل فيه لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، إلا أن يأتي ما لا يمكن الوصول معه إلى البيت وهو خوف العدو فيحل مكانه، كما فعل النبي ﷺ عام الحديبية، فأما المرض ونحوه فإنه يمكنه معه الوصول إلى البيت، لأن المرض لا يحول بينه وبين الذهاب إلى البيت كما يحول العدو بينه وبين البيت.
ولأن خوف العدو يرفعه ورجوعه عنه، ولا يرفع المرض تحلله، فلا فائدة فيه، وهو إن احتاج إلى دواء فيه طيب، أو إلى حلق، أو لباس فعل ذلك وافتدى، فوجب لذلك إلا يحلله إلا البيت، وقد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.
قيل: محل الشعائر من الإحرام وغيره من شعائر الحج والخروج منها بالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، فكان ذلك مفارقاً لإحصار العدو. وبالله التوفيق.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن تمادى مرضه إلى حج قابل فمضى على إحرامه الأول وحج به أجزأه من حجة الإسلام ولا دم عليه.
стр. 1846
قال: وإذا كان مع المحصر بمرض هدي حبسه حتى يصح فينطلق به معه إلا أن يصيبه من ذلك مرض فتطاول عليه ويخاف على الهدي فليبعث به ينحر بمكة ويقيم هو على إحرامه، فإذا صح مضى، ولا يحل دون البيت، وعليه إذا حل وقد فاته الحج هدي آخر مع حجة القضاء، ولا يجزي عنه هدية الذي بعث به.
قال مالك: ولو لم يبعث به ما أجزأه ذلك الهدي الذي وجب عليه من فوات الحج.
م: لأن ذلك الهدي قد كان أوجبه هدياً فلا يجزئه لما فاته، ويجب عليه في المستقبل.
قال مالك: ومن دخل مكة مفرداً بالحج فطاف وسعى، ثم خرج إلى الطائف / في حاجة له قبل أيام الموسم، ثم أحصر بمرض، أو كان لما دخل مكة وطاف وسعى بين الصفا والمروة أحصر بمكة ولم يحضر الموسم مع الناس لم يجزه الطواف الأول والسعي من إحصاره، ولا يحل إلا بطواف وسعي مؤتنفين، وكذلك من أحصر بمرض ففاته الحج وقدم مكة فطاف فعليه أن يسعى ولا يحل أحد ممن احصر بمرض إلا بعد السعي ثم يحلق.
وانحصر بمرض إذا أصابه أذى فلحق فلينحر الأذى حيث أحب.
стр. 1847
قال ابن القاسم: كنت عند مالك سنة خمس وستين ومائة فسئل عن قوم اتهموا بدم وهم محرمون فحبسوا بالمدينة فقال: لا يحلهم إلا البيت ولا يزالوا محرمين في حبسهم حتى يقتلوا أو يخلوا فيحلون بالبيت.
م: وهذا بحصار العدو أشبه منه بإحصار المرض، ولو قاله قايل لم أعبه.
قال ابن القصار: هؤلاء إما أن يكونوا حُبِسُوا بحق فمن قبلهم أوتوا فهم مفرطون فذلك كالفوات، وإن كانوا مظلومين فلا أعرف فيهم نصاً فيحتمل أن يحلو من إحرامهم ولا قضاء عليهم، كمن منعه العدو، وهذا هو القياس.
ويحتمل أن يكون الفرق بينهم وبين حصر العدو من وجهين:
أحدهما: إن هذا قد حصر حصراً خاصاً لم يعدم معه ما هو شرط في وجوب الحج وهو سلوك الطريق لأن الطريق مسلوكة.
والوجه الثاني: إن الحصر إذا كان خاصًا فليس في إيجاب القضاء مشقة شديدة، وإذا كان عامًا ففي إيجاب القضاء مشقة شديدة فلم يجب فيه القضاء.
م: والصواب عندي: أنهم إن حبسوا بظلم أنهم بحصار العدو أشبه؛ لأنه حبس من قبل آدمي، وإن حبسوا بحق فمن قبلهم أوتوا فهم كالمفرطين حين فاتهم الحج فيجب عليهم القضاء، وهو معنى قول مالك، والله أعلم.
стр. 1848
فصل [٣ - فيمن أخذ مالًا ليحج به عن ميت فصده عن البيت عدو]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أخذ مالاً ليحج به عن ميت فصدّه عن البيت عدو، فإن كان أخذه على البلاغ ردّ ما فضل عن نفقته ذاهباً ورجعاً.
وإن كان أجيراً كان له من الأجر بحساب مسيره إلى الموضع الذي صدّ فيه ورد ما بقي.
قال مالك: ولو مات الأجير في الطريق فإنه يحاسب، فيكون له من الأجر بقدر ما بلغ من الطريق ويردّ ما فضل.
قال ابن حبيب: وإن أحصر الأجير بمرض فنفقته على نفسه ما أقام مريضاً حتى يصل إلى البيت.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أُحْصِر صاحب البلاغ بمرض فلا شيء عليه وله نفقته من مال الميت ما أقام مريضاً، وإن أقام إلى حج قابل أجزأ ذلك عن الميت، وإن لم يقم إلى حج قابل وقوي على الذهاب قبل ذلك إلى البيت فله نفقته.
стр. 1849
قال ابن حبيب: وإن مات في الطريق فله ما أنفق إلى أن مات أنفق قليلاً أو كثيراً.
فصل [٣ - في خروج المرأة إلى الحج]
ومن المدونة قال مالك: وتحج المرأة مع وليها فإن أبى أو لم يكن لها ولي ووجدت من تخرج معه من رجال أو نساء مأمونين فلتخرج.
م: إنما قال ذلك لقوله ﷺ : «لا تسافر المرأة سفر يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم منها»، والضيعة نصيبها أو كما قال: فإذا لم يكن لها ذو محرم فوجدت رجالاً ونساء مأمونين فقد أمنت مما يخاف عليها كأنها مع ذي محرم.
стр. 1850
[الباب الثامن]
جامع القول في الوصية بالحج
قال أبو محمد: ولما لم يأت عن الرسول ﷺ ولا عن سلف الأمة أن أحداً صلى عن أحد حيّ أو ميت كان الحج عنهما ضعيفاً إذ فيه صلاة وعمل بدون سيما في الفريضة.
والقائلة للنبي ﷺ : إن فريضة الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة فأذن لها أن تحج عنه ليس بأصل لهذا؛ لأن أباها لم تكن وجبت عليه الفريضة قط، والآخر: إنما يحج عن من وجبت عليه مرة مع احتمال سؤالها أنه بعد موت أبيها، وفي غيره من الأحاديث تبين أن النبي ﷺ إنما أذن أن يحج عن قد مات.
قال مالك: ولا ينبغي أن يحج أحد حي زمن، أو غيره، ولا أن يتطوع به عن ميت، صرورة كان المحجوج عنه أم لا، / ويتطوع عنه بغير ذلك أحب إلي،
стр. 1851
يهدي عنه، أو يتصدق، أو يعتق.
قال في كتاب ابن المواز: وهذه دار الهجر لم يبلغنا أن أحداً فيها منذ زمن النبي ﷺ حج عن أحد ولا أمر بذلك ولا أذن فيه.
قال فيه وفي المدونة: إلا أن يوصى به فينفذ عنه من ثلثه.
قال عبد الوهاب: وقال الشافعي: يلزم الحج عنه من رأس ماله أوصى به أولم يوص إذا مات قبل أن يحج.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ معناه: أن يحجوا البيت، وذلك ممتنع بعد الموت، وقوله ﷺ : «من مات قبل أن يحج فليمت إن شاء يهودياً، وإن شاء نصرانياً»، فلو لزم الحج عنه من ماله لم يغلظه هذا التغليظ، ولأنها عبادة على البدن، فلم يلزم أداؤها عنه في المال كالصلاة؛ ولأنها عباد تدخلها الكفارتان فلم تلزم بعد الموت كالصيام.
стр. 1852
قال أشهب: وإذا دفع رجل صحيح إلى رجل ليحج عنه لزمهما ذلك، وإنما يكر بدء فإذا نزل لم يرد لما فيه من الاختلاف.
قال عبد الوهاب: وتصح الإجازة عندنا على الحج خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنها عبادة تتعلق بالمال، وتصح النيابة فيها، فيصح أخذ الأجرة عليها، ولأنه لما صحت النيابة فيها بغير أجر جازت بالأجر، وقياساً على أخذ الأجر على القضاء وبناء القناطر والمساجد.
قال ابن وهب: يحج عن الأبوين، أو عن ولده، أو عن أخيه، أو عن غيرهم من القرابة القريبة.
قال أبو محمد: يريد: عن الموتى تطوّعاً.
قال ابن حبيب: وقد جاءت الرخصة في ذلك في الحج عن الكبير الذي لا منهض فيه ولا يحج، أو عن من مات ولم يحج أن جائزاً لابنه أن يحج عنه وإن لم
стр. 1853
يوص ويجزئه إن شاء الله، والله أوسع بعباده وأحق بالتجاوز.
ومن المدونة: قال مالك: وإن أوصى رجل أن يحج عنه فليحج عنه من قد حج عن نفسه أحبّ إليّ، قال ابن القاسم: فإن جهلوا فاستأجروا من لم يحج أجزأه عنه، وكذلك إن أوصى بعمرة أنفذ أيضاً.
ابن المواز: وقال أشهب: لا بأس أن يستأجر له صرورة ممن لا يجد السبيل إلى الحج، فأما من يجد السبيل إليه فلا ينبغي أن يعان على ذلك، فإن أحجّوه عنه أساءوا ويجزئه.
قال عبد الوهاب: وإنما كره أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه لقوله ﷺ للذي سمعه يحرم عن غيره: «حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة».
فإن حج عن غيره كانت لمن حج عنه، خلافاً للشافعي في قوله: إنها تنقلب فتكون له دون من أحرم عنه.
ودليلنا: قوله ﷺ للتي سألته أن تحج عن أبيها، فقال: «أرأيت لو كان على أبيك
стр. 1854
دين فقضيتيه أكان ينفع؟» قالت: نعم، فقال: «فكذلك هذا»، ولم يشترط أن تكون قد حجت عن نفسها.
ولأن بقاء الفرض عليه لا يمنعه أن يتطوع، أصله إذا صام تطوعاً وعليه قضاء رمضان، ولأنه إذا أحرم من غيره لم ينقلب عن نفسه، أصله إذا كان قد حج.
ابن المواز: وقال مالك في امرأة أوصت أن يحج عنها إن حمل ذلك ثلثها، فإن لم يحمل أعتق به رقبة، فحمل ثلثها الحج، قال: أرى أن يعتق عنها ولا يحج.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أخذ مالاً ليحج به عن ميت من بعض الآفاق فاعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة لم يجزيء ذلك عن الميت، وعليه أن يحج أخرى عن الميت كما استؤجر.
م: وحكي عن بعض شيوخنا أنه قال: ويلزمه أن يحج عنه من الموضع الذي استؤجر فيه لا من الميقات؛ لأنه لما اعتمر عن نفسه فكأنه إنما خرج لذلك.
م: والذي أرى: أنه إن رجع فأحرم من ميقات الميت فإنه يجزئه؛ لأنه منه تعدى فأحرم عن نفسه، وكان الواجب عليه أن يحرم منه عن من استأجره فإذا رجع فأحرم منه عنه فلم ينقصه مما شرط عليه.
وقد قال مالك في كتاب محمد فيمن شرط عليه أن لا يقدم قبل الحج عمر فقدن عمرة وتمتع فذلك يجزي عنه ولا حجة عليه.
стр. 1855
وقال ابن القاسم: عليه أن يوفيهم ما شرطوا أو يرد عليهم ما قبض منهم، ثم رجع إلى قول مالك أن يجزي عنه.
قال في الأسدية: إن اعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة أجزأه إلا أن يشترط عليه أن يحرم عنه من أفق من الآفاق أو من المواقيت فليرجع ثانية.
وقال في العتبية: سواء اشترطوا عليه أن يُحرِم عنه من ذي الحليفة أو لم يشترطوا، وأراه ضامناً للحج؛ لأن من استؤجر على الحج عن ميت فعليه أن يحرم من ميقات الميت.
قال ابن المواز: إذا كان خروجه عن الميت وأحرم عن الميت من الميقات أجزأ ذلك، وإن حج عن الميت من مكة فعليه البدل.
ومن المدونة قال: ولو قرن ونوى بالعمرة عن نفسه، والحج عن الميت ضمن المال؛ لأنه أشرك في عملهم غير ما أمروه به، وعليه دم القران.
قال ابن المواز: رجع ابن القاسم عن قوله يرد المال، وقال: يضمن حتى يحج ثانية.
م: وحكي عن أبي الحسن بن القابسي أنه قال: الفرق بين هذه المسألة وبين
стр. 1856
المسألة التي اعتمر فيها عن نفسه وحج عن الميت من مكة على قوله في هذه يرد المال؛ لأن الذي يحج عن الميت من مكة قد حج عن الميت لا شك فيه، وإنما أخطأ في العمل حين أحرم من مكة فأمر بالعودة، والذي قرن خائن؛ لأن القران إنما هو في القلب، فيقال له: أنت قد خنت في نّيتك فلا يبقى المال بيدك حين ظهرنا على خيانتك وفساد عملك.
وقال ابن حبيب: إذا أخذ المال على البلاغ فقرن أو تمتع فقد أساء ولا يضمن وعليه في ماله هدي.
ولو اعتمر عن نفسه، ثم حج عن الميت، أو قرن ينوي العمرة فقط عن نفسه لضمن المال في الوجهين.
م: فصار في الذي اعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة ثلاثة أقوال: قول: إنه يجزئه، وقول: إنه يعيد عن الميت، وقول: إنه يضمن المال.
وإن قرن ونوى بالعمرة عن نفسه فقولان: قول: إنه يضمن المال، وقول: إنه يعبد عن الميت.
قال ابن المواز: روى أبو زيد عن ابن القاسم أنه قال في الذين جهلوا فاستأجروا صرورة ممن لا يجد السبيل لحج ونوى بالحجة عن نفسه وعن الميت فإنه يجزئه عن نفسه، ويعيد عن الميت.
وروى عنه أصبغ: أنه لا يجزئه عن واحد منهما، وقاله أصبغ، وليرجع ثانية الميت، وبه أخذ محمد.
قال ابن القاسم: وإن استؤجر لحج عن ميت فوطأ في الحج فليرد النفقة ويتم ما هو
стр. 1857
فيه من ماله ويحج ثانية للفساد من ماله ويهدي، ثم يحج عن الميت بتلك النفقة إن شاء الورثة، وإن شاءوا استأجروا غيره، وقالوا أشهب.
وقال ابن القاسم في العتبية: إذا أفسد حجه بإصابة أهله فعليه القضاء بحجة صحيحة من ماله، وسواء استؤجر عليها، أو أخذ المال على البلاغ.
م: وهذا يجري على اختلافهم فيمن أفسد حجة القضاء، أو أفسد يوماً من قضاء رمضان.
قال في العتبية: وإن كان إنما أصابه أمر من الله تعالى ليس من قبله مثل أن يمرض أو ينكسر فإنه يقضي ذلك الحج عن الميت أحبّ إلي، وسواء كان استؤجر مقاطعة، أو أخذ المال على البلاغ.
وكذلك الذي يحصر حتى يفوته الحج أو يختفي عليه الهلال حتى يفوته الحج.
وقال ابن القاسم في كتاب ابن المواز في الذي يحصر عن الميت بعدوّ: أنه إن أخذ المال على البلاغ فله نفقته حتى يحل بموضعه وحتى يرجع، ويرد ما فضل، وإن كان أجيراً حوسب وكان له من الأجر بقدر مسيره وردّ ما فضل وهو رأيي.
وقال مالك في أجير الحج يموت في الطريق فإنه يحاسب بقدر ما سار ويرد ما فضل.
قلت: فإن أحصر بمرض؟
стр. 1858
قال: إن أخذ المال على البلاغ فله نفقته ما أقام مريضاً في مال الميت وإن أقام إلى حج قابل ويجزئ ذلك عن الميت، وذلك إن لم يقدر على الذهاب إلى البيت، وإن قدر أن يذهب إليه فليذهب حتى يحل بعمرة ولابد له من ذلك وله نفقته، وكذلك إذا أغمى عليه حتى فاته الحج.
ابن المواز: وإن أخذ المال على الإجارة فذلك لازم له أبداً.
فصل [١ - يصح حج المرأة عن الرجل والعكس ولا يجزئ أن يحج عبد أو صبي عن من لم يحج].
قال في كتاب الوصايا: وتحج المرأة الحرة عن الرجل، والرجل الحر عن المرأة، ولا يجزي أن يحج عنه عبد أو صبي أو من فيه علقة رق ويضمن الدافع إليهم إلا أن يظن أن العبد حر، وقد اجتهد ولم يعلم فإنه لا يضمن.
وقال غيره: لا يزول عنه الضمان بجهله به.
قال: وإن أوصى غير الصرورة أن يحج منه عبد أو صبي بمال فذلك نافذ ويدفع إليه ذلك ليحج عنه إن أذن السيد للعبد أو الوصي للصبي وذلك أنه كتطوع أوصى به فهو لو لم يكن صرورة وأوصى بحجة تطوع أنفذت ولم ترد، فهذا مثله، وإن كان على الصبي فيه مشقة أو ضرورة فلا يأذن له فيه وصيه، وكذلك إن لم يستطع، أو كان ليس بنظر له، وذلك كإذنه له في سفر لتجارة.
وقال غيره: لا يجوز للوصي أن يأذن له في هذا.
стр. 1859
قال ابن القاسم: فإن لم يأذن له وليه وقف المال لبلوغه، فإن حج به وإلا رجع ميراثاً؛ لأنه قصد التطوع إذا أوصى بحج الصبي والعبد.
ابن المواز: قال ابن القاسم: ولو كان صرورة حتى يعلم أنه للفريضة لأنفذ ذلك لغيرهما مكانه، ولا ينتظر به عتق العبد ولا بلوغ الصبي، لأن العبد، والصبي ممن احج لهما.
وكذلك إن أوصى بعتق عبد فلم يبعه، فإن كان في واجب / جعل في غيره، وإن كان تطوّعاً عاد ميراثاً بعد الاستيناء والإياس من العبد.
قال ابن القاسم: ولو أوصى الصرورة أن يحج عنه رجل بعينه فأبى ذلك الرجل أن يحج عنه فليحج عنه غيره، بخلاف المتطوع الذي قد حج، هذا إن أبى الرجل رجع المال ميراثاً، كالموصى له بمال فردّه، أو يوصي بشراء عبد بعينه للعتق فلا يبعه ربه.
وقال غيره: لا يرجع ميراثاً، وهو كالصرورة؛ لأن الحج إنما أراد به نفسه، بخلاف الوصية لمسكين بعينه بمال فرده، أو بشراء عبد بعينه للعتق.
وإن أوصى أن يحج عنه وارث بثلثه أنفذ الحج ولم يزد على النفقة والكراء شيئاً، يريد: ذاهباً وراجعاً.
стр. 1860
ومن كتاب الحج قال مالك: ومن حج عن ميت فالني تجزئه وإن لم يقل لبيك عن فلان.
ومن حج عن ميت فترك من المناسك شيئاً يجب فيه الدم، فإن كانت الحجة لو كانت عن نفسه أجزأته فهي تجزيء عن الميت.
وكل ما لم يتعمد من ذلك أو فعله لضرورة فوجب به عليه هدي، أو أغمى عليه أيام منى حتى رمى عنه غيره، أو أصابه أذى فأماطه فلزمه فدية، كانت الفدية، والهدي في مال الميت، وهذا كله في أخذه المال على البلاغ، وما وجب في ذلك بتعمده فهو في ماله.
ومن أخذ مالاً ليحج به عن ميت على البلاغ فسقطت منه نفقته رجع من سقطت منه، ونفقته في رجوعه عليهم. وفي رواية أخرى: عليه، وقال ابن حبيب.
والرّواية: أنها عليهم أحسن، وكذلك ذكر ابن المواز عن ابن القاسم.
قال ابن القاسم: ولو كان في الثلث بقية ما كان عليهم أن يحجوا غيره.
وقال أشهب: عليهم أن يحجوا غيره من بقية الثلث، كالوصية بالعتق يموت العبد بعد أن يشتري قبل العتق فيعتق من بقية الثلث عبد آخر.
ومن المدونة: قال مالك: وإن تمادى هذا الذي سقطت نفقته ولم يرجع فهو متطوع ولا شيء عليهم في ذهابه، قال ابن اللباد: ولا في رجوعه إلى موضع سقوطها منه، وله من ذلك الموضع إلى بلوغه.
следующие страницы →