← Фикх малики

Фикх малики · id 18607

الجامع لمسائل المدونة

ابن يونس الصقلي

Полный текст (9 651 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

المسألة التي اعتمر فيها عن نفسه وحج عن الميت من مكة على قوله في هذه يرد المال؛ لأن الذي يحج عن الميت من مكة قد حج عن الميت لا شك فيه، وإنما أخطأ في العمل حين أحرم من مكة فأمر بالعودة، والذي قرن خائن؛ لأن القران إنما هو في القلب، فيقال له: أنت قد خنت في نّيتك فلا يبقى المال بيدك حين ظهرنا على خيانتك وفساد عملك. وقال ابن حبيب: إذا أخذ المال على البلاغ فقرن أو تمتع فقد أساء ولا يضمن وعليه في ماله هدي. ولو اعتمر عن نفسه، ثم حج عن الميت، أو قرن ينوي العمرة فقط عن نفسه لضمن المال في الوجهين. م: فصار في الذي اعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة ثلاثة أقوال: قول: إنه يجزئه، وقول: إنه يعيد عن الميت، وقول: إنه يضمن المال. وإن قرن ونوى بالعمرة عن نفسه فقولان: قول: إنه يضمن المال، وقول: إنه يعبد عن الميت. قال ابن المواز: روى أبو زيد عن ابن القاسم أنه قال في الذين جهلوا فاستأجروا صرورة ممن لا يجد السبيل لحج ونوى بالحجة عن نفسه وعن الميت فإنه يجزئه عن نفسه، ويعيد عن الميت. وروى عنه أصبغ: أنه لا يجزئه عن واحد منهما، وقاله أصبغ، وليرجع ثانية الميت، وبه أخذ محمد. قال ابن القاسم: وإن استؤجر لحج عن ميت فوطأ في الحج فليرد النفقة ويتم ما هو

стр. 1857

فيه من ماله ويحج ثانية للفساد من ماله ويهدي، ثم يحج عن الميت بتلك النفقة إن شاء الورثة، وإن شاءوا استأجروا غيره، وقالوا أشهب. وقال ابن القاسم في العتبية: إذا أفسد حجه بإصابة أهله فعليه القضاء بحجة صحيحة من ماله، وسواء استؤجر عليها، أو أخذ المال على البلاغ. م: وهذا يجري على اختلافهم فيمن أفسد حجة القضاء، أو أفسد يوماً من قضاء رمضان. قال في العتبية: وإن كان إنما أصابه أمر من الله تعالى ليس من قبله مثل أن يمرض أو ينكسر فإنه يقضي ذلك الحج عن الميت أحبّ إلي، وسواء كان استؤجر مقاطعة، أو أخذ المال على البلاغ. وكذلك الذي يحصر حتى يفوته الحج أو يختفي عليه الهلال حتى يفوته الحج. وقال ابن القاسم في كتاب ابن المواز في الذي يحصر عن الميت بعدوّ: أنه إن أخذ المال على البلاغ فله نفقته حتى يحل بموضعه وحتى يرجع، ويرد ما فضل، وإن كان أجيراً حوسب وكان له من الأجر بقدر مسيره وردّ ما فضل وهو رأيي. وقال مالك في أجير الحج يموت في الطريق فإنه يحاسب بقدر ما سار ويرد ما فضل. قلت: فإن أحصر بمرض؟

стр. 1858

قال: إن أخذ المال على البلاغ فله نفقته ما أقام مريضاً في مال الميت وإن أقام إلى حج قابل ويجزئ ذلك عن الميت، وذلك إن لم يقدر على الذهاب إلى البيت، وإن قدر أن يذهب إليه فليذهب حتى يحل بعمرة ولابد له من ذلك وله نفقته، وكذلك إذا أغمى عليه حتى فاته الحج. ابن المواز: وإن أخذ المال على الإجارة فذلك لازم له أبداً. فصل [١ - يصح حج المرأة عن الرجل والعكس ولا يجزئ أن يحج عبد أو صبي عن من لم يحج]. قال في كتاب الوصايا: وتحج المرأة الحرة عن الرجل، والرجل الحر عن المرأة، ولا يجزي أن يحج عنه عبد أو صبي أو من فيه علقة رق ويضمن الدافع إليهم إلا أن يظن أن العبد حر، وقد اجتهد ولم يعلم فإنه لا يضمن. وقال غيره: لا يزول عنه الضمان بجهله به. قال: وإن أوصى غير الصرورة أن يحج منه عبد أو صبي بمال فذلك نافذ ويدفع إليه ذلك ليحج عنه إن أذن السيد للعبد أو الوصي للصبي وذلك أنه كتطوع أوصى به فهو لو لم يكن صرورة وأوصى بحجة تطوع أنفذت ولم ترد، فهذا مثله، وإن كان على الصبي فيه مشقة أو ضرورة فلا يأذن له فيه وصيه، وكذلك إن لم يستطع، أو كان ليس بنظر له، وذلك كإذنه له في سفر لتجارة. وقال غيره: لا يجوز للوصي أن يأذن له في هذا.

стр. 1859

قال ابن القاسم: فإن لم يأذن له وليه وقف المال لبلوغه، فإن حج به وإلا رجع ميراثاً؛ لأنه قصد التطوع إذا أوصى بحج الصبي والعبد. ابن المواز: قال ابن القاسم: ولو كان صرورة حتى يعلم أنه للفريضة لأنفذ ذلك لغيرهما مكانه، ولا ينتظر به عتق العبد ولا بلوغ الصبي، لأن العبد، والصبي ممن احج لهما. وكذلك إن أوصى بعتق عبد فلم يبعه، فإن كان في واجب / جعل في غيره، وإن كان تطوّعاً عاد ميراثاً بعد الاستيناء والإياس من العبد. قال ابن القاسم: ولو أوصى الصرورة أن يحج عنه رجل بعينه فأبى ذلك الرجل أن يحج عنه فليحج عنه غيره، بخلاف المتطوع الذي قد حج، هذا إن أبى الرجل رجع المال ميراثاً، كالموصى له بمال فردّه، أو يوصي بشراء عبد بعينه للعتق فلا يبعه ربه. وقال غيره: لا يرجع ميراثاً، وهو كالصرورة؛ لأن الحج إنما أراد به نفسه، بخلاف الوصية لمسكين بعينه بمال فرده، أو بشراء عبد بعينه للعتق. وإن أوصى أن يحج عنه وارث بثلثه أنفذ الحج ولم يزد على النفقة والكراء شيئاً، يريد: ذاهباً وراجعاً.

стр. 1860

ومن كتاب الحج قال مالك: ومن حج عن ميت فالني تجزئه وإن لم يقل لبيك عن فلان. ومن حج عن ميت فترك من المناسك شيئاً يجب فيه الدم، فإن كانت الحجة لو كانت عن نفسه أجزأته فهي تجزيء عن الميت. وكل ما لم يتعمد من ذلك أو فعله لضرورة فوجب به عليه هدي، أو أغمى عليه أيام منى حتى رمى عنه غيره، أو أصابه أذى فأماطه فلزمه فدية، كانت الفدية، والهدي في مال الميت، وهذا كله في أخذه المال على البلاغ، وما وجب في ذلك بتعمده فهو في ماله. ومن أخذ مالاً ليحج به عن ميت على البلاغ فسقطت منه نفقته رجع من سقطت منه، ونفقته في رجوعه عليهم. وفي رواية أخرى: عليه، وقال ابن حبيب. والرّواية: أنها عليهم أحسن، وكذلك ذكر ابن المواز عن ابن القاسم. قال ابن القاسم: ولو كان في الثلث بقية ما كان عليهم أن يحجوا غيره. وقال أشهب: عليهم أن يحجوا غيره من بقية الثلث، كالوصية بالعتق يموت العبد بعد أن يشتري قبل العتق فيعتق من بقية الثلث عبد آخر. ومن المدونة: قال مالك: وإن تمادى هذا الذي سقطت نفقته ولم يرجع فهو متطوع ولا شيء عليهم في ذهابه، قال ابن اللباد: ولا في رجوعه إلى موضع سقوطها منه، وله من ذلك الموضع إلى بلوغه.

стр. 1861

ومن المدونة: قال ابن القاسم: إلا أن تسقط نفقته بعد إحرامه فليمض؛ لأنه لما أحرم لم يستطع الرجوع، وينفق في ذهابه ورجوعه ويكون ذلك على الذي دفع إليه المال ليحج به عن الميت. وقال ابن حبيب: يكون ذلك في مال الميت ذاهباً وراجعاً، فإن لم يكن له مال فعلى من دفع المال إلى هذا الحاج. وقال ابن شبلون وابن القابسي: الصواب أن يكون المال على الوصي الذي دفع إليه المال على البلاغ؛ لأنه غرر في الدفع إليه على البلاغ وكان الصواب أن يدفعه إليه على الإجارة ولا يكون شيء من ذلك في مال الميت. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو أخذه على الإجارة فسقطت فهو ضامن للحج أحرم أو لم يحرم. ابن المواز: قال مالك: ومن أخذ مالاً على البلاغ فله أن يُنْفِقَ ما لابد له منه مما يصلحه من الكعك والزيت والخل واللحم المرّة بعد المرّة وشبه ذلك والوطاء واللحاف والثياب، فإذا رجع ردّ ما فضل من ذلك كله. والكراء على البلاغ والإجازة في الكراهية سواء، وأحبّ إلينا أن يؤاجر نفسه بشيء مسمى لأنه إذا مات حوسب بما سار وأخذ من تركته ما بقي وكان هذا أحوط من البلاغ وليس له أن يؤاجر من ماله غيره؛ لأنه شرط عليه أن يحج بنفسه فانفسخ ذلك بموته إلا أن يكون إنما جعله في ذمته.

стр. 1862

م: قال بعض شيوخنا: وإذا استؤجر على الحج مطلقاً كان ذلك محمولاً على أنه في ذمته حتى يشترط أنه بعينه يحج. م: وهذا كقول ابن المواز إذا أكرى منه على أن يحمله إلى بلد كذا على دابة أو سفينة وقد أحضرها ولا يعلم له غيرها أن ذلك في ذمته حتى يقول له: تحملني على دابتك هذه فيكون قد عيّن. وقال غيره من القرويين في المكري عن الحج: بل ذلك يقتضي التعيين إذا وقع مطلقاً، كمن يؤجر داره، أو نفسه في خدمة أن ذلك على الفور ويقتضي التعيين، واستحسنه بعض أصحابنا. وحكي عن أبي محمد فيمن استؤجر أن يحج عن ميت ولم يذكر له متى يخرج: أنا إجازة لا تجوز؛ لأن يصير كأنه متى شاء خرج، إلا أن يشترط عليه الشروع فيجوز. وذكر عن أبي الحسن بن القابسي فيمن دفع إليه مال ليحج به عن ميت فصدّ عن البيت / أو مات في الطريق فأعطي بقدر إجارته إلى ذلك الموضع فإنما يستأجرون للميت مرّة أخرى من ذلك الموضع الذي صد فيه أو مات. وسئل أبو محمد فيمن استؤجر ليحج عن ميت فصدّ عن الطلوع، فأراد المقام إلى قابل لوفاء ما استؤجر عليه، هل ترى حجه قابلاً مجزئاً عن الميت؟. فقال: الحج مجزيء عن الميت، وليس ينتهي إلى ما قيل لكم إنه فسخ الدين في الدين إذا لم يعملا عليه، وقد قال أصحابنا: إن عليه الحج ويصير مطلوباً، فكيف بهذا؟ ولكن لو تحاكما لوجبت المحاسبة، فإن لم ينظر في ذلك حتى أجزأ عن الميت.

стр. 1863

فصل [٣ - في الموصي يسمي قدراً معلوماً ليحج به عنه فتفضل منه فضلة] ومن أوصى أن يحج عنه بهذه الأربعين ديناراً فدفعوها إلى رجل ليحج على البلاغ ففضلت منها عشرون ديناراً فليرد إلى الورثة ما فضل كمن قال: أعتقوا عني عبد فلان بها فيبيعه بثلاثين. قال ابن المواز: إذا سمي ما يعطى فذلك كله للموصى له إلا أن يرضى بدونه بعد علمه بالوصية، وهذا إذا قال: يحج عني فلان بهذه الأربعين فدفعوها إليه على البلاغ ففضلت عشرون ديناراً، أو قال: يحج بها رجل فيرضى بدون ذلك بعد علمه بالوصية، فأما إن قال: حجوا بها عني، أو قال: يحج بها عني فها هنا تنفذ كلها في حجتين، أو ثلاث، أو أكثر، ولو جعل ذلك في حجة واحد كان أحسن. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن قال: أعطوا فلاناً أربعين ديناراً يحج بها عني فاستأجروه بثلاثين فحج، فالعشرة الفاضلة ميراثاً؛ لأن مالكاً قال فيمن أوصى أن يشتري له غلام بمائة دينار فيعتق فاشتروه بثمانين أن البقية ميراث. قال ابن المواز: إنما هذا إذا عرف صاحب الغلام والذي يحج بما أوصى له به من الثمن فيرضى بدونه وإلا فالوصية نافذة.

стр. 1864

ومن المدونة: قال مالك: ومن دفع إليه رجل أربعة عشر ديناراً يتكارى بها من المدينة من يحج عن ميت فاكترى له بعشرة فليرد الأربعة إلى من دفعها إليه ولا يردها على الذي حج عن الميت. ابن المواز: قال أشهب فيمن أوصى أن يحج عنه بثلثه ولم يقل حجة واحدة، والثلث كثير، وهو صرورة فليدفع الثلث كله في حجة واحدة، وإن كان غير صرورة فأستحسن أن يدفع الثلث كله في حجة أيضاً، وإن حج به عنه حججاً لم أر بذلك بأساً. وقال ابن القاسم في العتبية: يعطى الثلث إن كان كثيراً في حجج لرجال يحجون به حججاً. ابن المواز: قال أشهب: ويحج عن الميت من موضع أوصى كالحالف يحنث إن لم تكن له نّية فليمش من موضع حلف عنه من أمام ذلك إلى مكة ضمنوا وليحجوا عنه من موضع مات. ومن استؤجر ليحج عن ميت ثم بدى له لما بلغه ذلك من الكراهية فقال ابن القاسم: إن الإجازة تلزمه. قال ابن القاسم: ومن أوصى أن يحج عنه بمال فلم يوجد من يحج به من مكانه لقلته فليدفع من موضع يوجد، ولو سمى الميت فقال: من الأندلس أو من بلد كذا فلم

стр. 1865

يوجد من يحج بها عنه رجعت ميراثاً، وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم في العتيبة أنه فَرَّق بينه إذا سمى وإذا لم يسم. ابن المواز: قال أشهب: بل يتقدم بها إلى بلد يوجد من يحج بها منه يلزم ذلك الورثة. قال ابن المواز: إن كان صرورة فقول أشهب أحسن، وإن لم يكن صرورة فهو ميراث إذا عرفت عزيمة الميت أنه أراد من موضع سمى. وقال أصبغ كقول أشهب أن ذلك سواء سمى الميت بلداً أو لم يسم، وليتقدم بها من موضع يبلغ، قال أصبغ إلا أن يستثني الميت ألاّ يحج إلا من البلد الذي ذكره ويعلم ذلك من مذهبه. فصل [٣ - فيمن أوصى أن يمشي عنه في يمين حنث فيها] ابن المواز: قال مالك فيمن أوصى أن يمشي عنه في يمين حنث فيها فليهد عنه هذيين وإن لم يجد فهدي واحد، ولا يمشي أحد عن أحد. قيل: فإن أوصى بذلك ولده فوعده الابن أن يمشي عنه؟ قال: فليتم له ما وعده، وكذلك قال ابن القاسم في العتبية إذا أوصى أن يمشى عنه فليهدي عنه هديين، فإن لم يجد فهدي واحد، وقال سحنون: لا يلزمه الهدي إلا أن يوصي به.

стр. 1866

قال ابن القاسم: وقال مالك فيمن مشى عن أحد وحج عن نفسه وهو صرورة: أجزأت عنه حجة الفريضة ولم يضره مشيه الذي مشى عن أحد، قال ابن القاسم: لأنه لا يمشي أحد عن أحد بخلاف أن لو مشى عن نفسه وعن حجة الفريضة/ هذا يجزئه مشيه لنذره وعليه حجة الإسلام. قال ابن القاسم فيمن عليه أن يمشي حافياً وأوصى أن يُسْأل عن يمينه فينفذ عنه ما يلزمه قال: ينظر إلى كفاف النفقة والكراء إلى مكة فيهدي عنه به هدايا. فصل [٤ - الحج واجب على الفور] ومن المدونة قال مالك: وينبغي للأعزب يفيد مالاً أن يحج به قبل أن يتزوج، وحجه به أولى من قضائه ديناً على أبيه. م: إنما قال ذلك؛ لأن الحج عندنا على الفور ولا يجوز تأخيره للقادر عليه إلا من عذر. وقال الشافعي: هو على التراخي فإن شاء فعله وإن شاء تركه طول عمره بشرط العزم على أدائه من غير وقت معين ولا إثم عليه إن مات ولم يحج. ودليلنا: أن الأمر عندنا على الفور؛ لأن الأمر لما اقتضى إيقاع الفعل، وكان الفعل لابد له من زمان يقع فيه ولا ذكر له في اللفظ بتقديم ولا تأخير وكانت الأفعال تختلف

стр. 1867

أحكامها باختلاف أوقاتها فيكون الفعل في وقتٍ طاعة وفي وقتٍ معصية وأجمعوا على أنه إذا وقع في الوقت الأول فقد أُوْقع فلم يثبت ما عداه وقتاً إلا بدليل، ولأن الأمر لما اقتضى الإيقاع ولم يقع للترك ذِكْر، وجب فعله عقيب الأمر، ولأنّ تأخيره لو جاز لم يخل أن يكون إلى غاية أو إلى غير غاية، فإن كان إلى غاية فذلك توقيت وخلاف التراخي، وإن كان لا إلى غاية لم يخل المكلف إذا مات قبل الفعل أن يكون آثما أو غير آثم، وفي القول بأنه آثم وجوب المنع من جواز الترك، وفي القول بأنه غير آثم إخراج الفعل عن الوجوب إلى الندب الذي يكون للمكلف تركه إلى غير غاية ثم لا يأثم إذا كات قبل أن يفعله ولا يعصمه عن هذا إثبات العزم على الإيقاع في المستقبل لأن في ذلك إيجاب لما لم يوجبه الأمر وإسقاط ما أوجبه من العمل. ولأن أهل اللغة يستحسنون ذم العبد إذا أمره سيده بفعل فتركه وتراخى فيه ولا يذمون السيد على ذمه وضربه له ويعللونه بتراخيه وينسبونه إلى الونى والتقصير وذلك على أنه عندهم على الفور. ودليلنا في نفس المسألة قوله ﷺ : «حجوا قبل أن لا تحجوا» وقوله: «من أمكنه الحج ثم مات ولم يحج فليمت إن شاء الله يهودياً أو نصرانياً» هكذا علله

стр. 1868

حذَّاق البغداديين. فصل [٥ - هل يلزم الأجير الإشهاد عند إحرامه بأنه أحرم عن فلان؟] وسئل أبو عمران الفاسي عن الأجراء على الحج هل عليهم أن يشهدوا أنهم أحرموا عن من استأجرهم؟ فقال: ليس ذلك عليهم، قال: فإن لم يشهدوا، وذكروا أنهم قد حجوا عنه قال: يدخل ذلك اختلاف مسألتي كتاب الأكرية فيمن استؤجر على توصيل كتاب إلى موضع فيدعي أنه قد وصله. فرأى أن هذين القولين يدخلان هذه المسألة. وذكر عن أبي بكر بن عبد الرحمن أنه قال: يلزمه الإشهاد؛ لأن عرف الناس قد جرى على الإشهاد في ذلك فهو كالشرط عليهم إذ عليه يدخلون بخلاف ما قال ابن القاسم في كتاب الأكرية. ثم كتاب الحج الثاني من الجامع بحمد الله وعونه، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 1869

كتاب الحج الثالث من الجامع [الباب الأول] فيمن فاته الحج أو وقف غير يوم عرفة وكيف إن أفسد حجة مع ذلك . روى أن رسول الله ﷺ قال: «من فاته الحج فليحل بعمرة وعليه الحج قابلاً». قال مالك ﵀: ومن أحرم بالحج ففاته فله أن يثبت على إحرامه إلى قابل إن أحب ذلك، وأحبّ إليَّ أن ينفذ لوجهه في عمل العمرة على إهلاله الأوّل، ولا يهل بعمرة إهلالاً مستقبلاً ويقطع التلبية أوائل الحرم كمعتمر من ميقاته، ويحل من إحرامه ذلك ولا ينتظر قابلا. ابن المواز: قال أشهب عن مالك: فإن بقي على إحرامه إلى قابل فليهد احتياطاً، وقال عنه ابن القاسم، وابن وهب: لاهدي عليه، وقال أصبغ. قال مالك: فإن اختار المقام على إحرامه / إلى قابل ثمّ بدا له فذلك له، وله أن يحل متى شاء ما لم تدخل أشهر الحج فليس له حينئذ أن يحل حتى يتم حجه.

стр. 1870

ومن المدونة: وإنما له أن يثبت على إحرامه ذلك إلى قابل ما لم يدخل مكة، فإذا دخل مكة فليحل منه بعمرة يطوف ويسعى ويحل من إحرامه ولا يثبت عليه، فإذا كان قابلاً قضى الحج الذي فاته وأهرق دماً. قال في كتاب ابن المواز: وهذا ما لم تدخل أشهر الحج أيضاً، ولو دخلت أشهر الحج فحلَّ فيها بعمرة فبئس ما صنع. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا دخلت أشهر الحج فلا يعجبني أن يحل فيها بعمرة، فإن فعل أجزأه، ثم إن حج من عامه لم يكن متمتعاً؛ لأنه لم يبدأ بالعمرة، وإنما كان إحرامه بحج، وإحلاله منه بعمرة رخصة له، كذلك جاء في هبار بن الأسود وصاحبه حين فاتهما الحج، فقال لهما عمر: طوفا وأحلاً وعليكما الحج

стр. 1871

من قابل والهدي. وقال ابن القاسم أيضاً: إن فسخ ذلك في أشهر الحج في عمرة كان فعله باطلاً، وهو على إحرامه، وقال أيضاً: إنْ جهل ففسخ في عمرة في أشهر الحج، ثم حجّ من عامه كان متمتعاً، ولو ثبت على أوّل إحرامه بعدما دخل مكة حتى حجّ بإحرامه ذلك قابلاً أجزأه من حجة الإسلام. واختلف عن مالك هل عليه هدي أم لا؟ قلت لابن القاسم: فإن أراد أن يطوف ويسعى قبل أشهر الحج من قابل ويجعل ذلك لحجه قابل؟ قال: أخاف ألا يجزئه. قال ابن القاسم: ومن فاته الحج فليس له أن يحرم بحجة أخرى، فإن فعل لم يلزمه، وهو على إحرامه الأول، وليس له أن يردف حجاً على حج، إنما له أن يحل منه بعمرة أو يقيم على إحرامه الأول إلى حج قابل فيجزئه حجه. م: وذكر ابن المنذر أنه اختلف قول مالك إذا فاته الحج فأقام على إحرامه إلى قابل هل يجزئه أن يحج مع الناس بإحرامه الأول أم لا؟ فروى عنه ابن نافع فذكر مثل رواية ابن القاسم. قال: وروى عنه ابن وهب أنه إن أقام حراماً إلى قابل فلا يجزئه أن يحج به مع

стр. 1872

الناس من قابل، وهذا قول الشافعي، وأصحاب الرأي. قال: وقول الشافعي صحيح. قال مالك كتاب ابن المواز: من فاته الحج بحصار العدو، أو بمرض، أو بخفاء من الهلال، أو بأي وجه غير العدو فلا يحله إلا البيت، ويحج قابلاً ويهدي، وأهل مكة وغيرهم في ذلك سواء. قال ابن المواز: ومن دخل مفرداً بالحج أو قارناً من الحل من مكيّ وغيره ثم فاته الحج فليحل بعمرة ولا يخرج إلى الحل، ولو دخل بعمرة فحل منها ثم أنشأ الحج من مكة، أو أردف الحج بمكة أو بالحرم، ثم فاته فهذا يخرج إلى الحل فيدخل منه، ويحل بالطواف والسعي. وقد تقدم هذا.

стр. 1873

قال عيسى عن ابن القاسم في العتبية فيمن أتى عرفة بعد الفجر يوم النحر فليرجع إلى مكة فيطوف ويسعى ويقصّر، وينوي بها عمرة، ويحج قابلاً ويهدي. وقال عنه يحي بن يحي: إذا أخطأ أهل الموسم فكان وقوفهم بعرفات يوم النحر مضوا على عملهم وإن تبيّن ذلك لهم وثبت عندهم في بقية يومهم ذلك أو بعده، وينحرون من الغد، ويتأخر عمل الحج كله الباقي عليهم يوماً، ولا ينبغي لهم أن يتركوا الوقوف من أجل أنّه يوم النّحر، ولا أن ينقصوا من رمي الجمار الثلاثة الأيام بعد يوم النحر، ويجعلون يوم النحر للغد بعد وقوفهم، ويكون حالهم في شأنهم كله كحال من لم يُخْط. قال: ولو وقفوا يوم النزوية لأعادوا الوقوف يوم عرفة. م: أمّا هذا فصواب، وأمّا الأوّل فكان يجب أن يفوتهم الحج، ولا أراه أجزأهم إلاّ لأنهم اجتهدوا وهم أهل موسم، ولما يلحقهم من ضرورة الإعادة ومشقّتها؛ لأنهم وقفوا يوم الحج الأكبر، واختص وقوفهم بالمكان وبعض الزمان فقام ذلك مقام القضاء، والله أعلم. ولأن غيرها من الفرائض كالصلاة والزكاة والصيام إذا فاتت جاز قضاؤها في غير وقت لها، وإنما فارقها الحج فلم يقض إلا في وقت حج؛ لأنّ فرضه لا يتكرر فاختير له ألاّ يقضي إلاّ في وقت حج، فإذا وقع مثل هذا الغلط جعل ذلك قضاءً لما فات كسائر الفرائض، والله أعلم.

стр. 1874

وقد سئل عن هذه المسألة أبو القاسم ابن الكاتب القروي / فأجاب فيها وأطال، وأنا أذكر عمدة فوائد جوابه وردّه على من منع من إجزاء الحج، ومعنى قول سحنون في ذلك. قال أبو القاسم: ومن الدليل على صحة تأويل شيخنا أبي محمد أن الحج يجزيء ظاهر في كلام ابن القاسم وهو قوله: ولو أخطئوا فقدّموا الوقوف بعرفة يوم النزويةلم يجزئهم ذلك، فدل بذلك أن في المسألة يجزئهم إذْ أمرهم بتمام الحج، وهو قول جميع علماء الأمصار، ولا خلاف بينهم في ذلك. والذي ذكر أبو محمد عن سحنون إنّما ذكره عقيب قول ابن القاسم إذا وقفوا يوم النزوية بعرف فإنهم يعيدون الوقوف من الغد يوم عرفة ولم يجزئهم الوقوف الأوّل. قال: وقد اختلف قول سحنون في ذلك، ثم لم يذكر ما هذا الاختلاف، فيحمل إنما اختلف قوله فيمن وقف يوم النزوية؛ لأن عندنا عن سحنون أنّ الحج إذا وقع يوم النحر غلطاً أنّ ذلك مجزيء، وقد ذكر الباجي في كتابه أن هذا قول مالك، واللّيث، والأوزاعي والشافعي، وأبي حنيفة، وذكر جماعة من العلماء يكثر عددهم. قال أبو القاسم: وإنما اختلف العلماء فيمن أخطأ فوقف يوم النزوية، فعند أصحابنا: أنه لا يجزئهم؛ لأن يوم عرفة بين أيديهم، وهذا مثل قولنا في الأسير تلتبس عليه الشهور، فإن صام قبل رمضان لم يجزه، وإن صام بعده أجزأه.

стр. 1875

وقال الشافعي: إن حجه يوم النزوية يجزئه، واختلف قوله في الصوم، فقال مرة مثل قوله في الصوم، فقال مرة مثل قولنا، وهذا قول أبي ثور، وأصحاب الرأي. وقال مرّة: يجزئه، صام قبل رمضان، أو بعده، واحتج بمسألة الحج يوم النزوية. واحتج في الحج بأنّ أبا بكر حج بالناس في سنة ثمان من الهجرة ذي القعدة. وحج أبي بكر عندنا لم يكن عن فرض، ومُحال أن يُفرض الحج أبو بكر دون النبي ﷺ ، وإنما حج أبي بكر لينذر المشركين بسورة براءة، وأنذرهم ألا يقربوا المسجد الحرام بعد ذلك العام. م: وقد ذكرنا الحجة في ذلك قبل هذا. قال أبو القاسم: وقد قال ابن الماجشون في المحصر بعدوّ بعد أن أحرم بحجّة الإسلام وحل منها عن سنة الإحصار أنّها تجزئه من حجة الإسلام، وإنما استحب له مالك القضاء، فأين هذا من غلط هؤلاء ووقوفهم يوم النحر حتى علمهم فيه.

стр. 1876

قال أبو محمد: واختلف فيه قول سحنون فيما أخبرنا به أبو بكر عن حمد يس عن سحنون. وأخبرنا عن يحي بن عمر في أهل الموسم ينزل بهم ما نزل بالناس سنة العلوي، وهروبهم عن عرفة ولم ينمو الوقوف قال: يجزئهم ولا دم عليهم. م: وهذه مثل الأولى إنما أجزأهم لمشقة الإعادة، ولعله يريد إنّ هربهم كان بعد وقوفهم بعد الزوال فأجزئهم لقوة الاختلاف فيه، وقوله: ولا دم عليهم، يريد: لأجل هروبهم ولم يتموا الوقوف لأنهم مغلوبون على ذلك، وهذا إذا عملوا بقية المناسك من المبيت بالمزدلفة، والوقوف بها، والرّمي، والإفاضة، فإن لم يعملوا شيئاً من ذلك فلا يحلّوا من إحرامهم إلا بطواف الإفاضة، ويكون عليهم لجميع ما فاتهم من الوقوف بالمزدلفة، والرمي يوم النحر وأيام منى الدّم، على اختلاف قولهم فيمن أٌحصر بعدوّ بعد وقوف عرفة، فقيل: لا دم عليه، وقيل: عليه لجميع ما فاته من الرمي، والوقوف بالمشعر هدْي واحد، بخلاف من أُحصر قبل الوقوف بعرفة، هذا لا هدي عليه عندنا، وقد بينا ذلك في الحج الثاني.

стр. 1877

فصل [١ - فيمن فاته الحج ثم أصاب النساء والطيب والصيد والسيد قبل أن يحل منه بعمرة] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن فاته الحج، ثم أصاب النساء، والطيب، والصيد قبل أنْ يحل منه بعمرة فليحل منه بعمرة، وعليه في ذلك ما على الصحيح إلا أنه يهريق دم الفوات ودم الفساد / في حجة القضاء، وما أصاب من الصيد أو الطيب ألبس فليهريق له الدم متى شاء، والهدي عن جماعه قبل أن يفوته الحج، أو بعده أن فاته هدي واحد، ولا يعي العمرة لوطنه في إحرامها، كما ليس عليه إذا وطئ في الحج قبل يوم عرفة ثم فاته الحج منه في عمرة أنْ يقض هذه العمرة. م: هذا بيان هذه المسألة، وهي في كتاب ابن المواز بينة، قال فيه: فإذا فاته الحج ثم وطئ فليحل بعمرة ويهدي لوطئه فيها وعليه حج قابل وهدي آخر للقضاء، ولا بدل عليه لهذه العمرة لوطئه فيها، كما ليس عليه قضاء عمرة إذا وطئ في الحج، يريد: قبل الحج ثم فاته. قال ابن القاسم: وسواء أفسد حجه ثم فاته، أو أفسده بالوطء بعد الفوات قبل أن يطوف للعمرة، ويعمل عمل العمرة ويحل، وليس عليه غير حج واحد وهدّي للفساد وهدْى للفوات. قال مالك: ومن أفسد حجّه ثمَ فاته فلا ينبغي أن يقيم إلى قابل على أمر فاسد وليحل بعمرة ثم يحج قابلاً.

стр. 1878

م: يريد: ولو أقام على إحرامه هذا إلى قابل فحج به فليقضه في السنة الثالثة ويهدي هديين: هدّي للفساد، وهدْي للفوات. [فصل ٣ - في هدْي الفوات متى يُنْحر؟] ومن المدونة قال مالك: ومن فاته الحج فلا يُقدّم هدْي الفوات وإن خاف الموت، ولا ينحره إلاّ في حجّة القضاء. قال ابن القاسم: فإن اعتمر بعد أن فاته الحج فنحر هدْي الفوت في عمرته أجزأه؛ لأنّه لو هلك قبل أن يحج أُهْدِي عنه بعد الموت لمكان ذلك، ولو كان لا يجزئه إلاّ بعد القضاء ما أهْدي عنه بعد الموت، وبلغني أن مالكاً كان يُخففّه ثم استثقله، وأنا لا أحب له أن يفعل إلا بعد القضاء، فإن فعل قبله ثم حج أجزأ عنه. قال أشهب: لا يجزئه. قال ابن القاسم: وهدْي الغوات إنما يُنحر في قول مالك في حجة القضاء بمنى بعد أن يقف به بعرفة، فإن فاته أن ينحره بمنى اشتراه فساقه إلى الحل ثم قلده وأشعر إن كان مما يقلد ثمَ أدخله مكة فنحره بها وأجزأه. فصل [٣ - من أفسد نسكه أو فاته فإنه يقضي مثل الإحرام الذي أفسده أو فاته مِنْ إفْراد أو قِرانٍ أن تمتع] قال ابن القاسم: ولا يقضي قارناً عن إفراد ولا مفرداً عن قران، فإن فعل لم يجزئه، فإذا فات القارن فلا يفرّق القضاء الحج وحده والعمرة وحدها ولكن يقضي قارئاً. قال: وإن أفرد الحج ثم جامع فيه فلا يقضي قارناً، فإن فعل لم يجزئه إلا أن يفرد

стр. 1879

كما أفسد؛ لأن القارن ليس حجّه تاماً كتمام حج المفرد إلاّ بما أضاف إليه من الهدي. قال أبو محمد: ورأيت لعبد الملك أن من أفسد حجّه مفرداً فقضى قارناً أنّه يجزئه. م: ووجه ذلك: أن القران مع الهدي كالإفراد؛ لأنه قضاء لحج ناقص فجبره بالدّم فصار كالصحيح، كما لو أفسده مفرداً فقضى متمتعاً أنّه يجزئه. وفي كتاب ابن المواز: من أفسد حجّه مفرداً لم يجزئه أن يقضيه قارناً، ولو أفسده قارناً لم يجزئه أن يقضيه مفرداً، ولو تمتع، ثمّ أفسد حجه فقضاه مُفْرِدَاً أجزأه، وعليه دم التمتع، وهدْي للفساد، وذكرها عيسى في العتبية عن ابن القاسم، وقال: يُعجّل هدْي التمتع ويؤخّر هدّي الفساد إلى حجّة القضاء.

стр. 1880

[الباب الثاني] جامع القول في فساد الحج قال الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. فالرفث: ذكر النساء، ونهى الرسول ﷺ عن نكاح المحرم. ورأى عمر، وعلي، وأبو هريرة لمن أفسد حجه بإصابة أهله وهما محرمان أن يتما حجهما ويحجا قابلاً ويهديا. م: كالوطء في الصوم أنّه يتمه ويقضيه ويكفر. قال علي بن أبي طالب ﵁: "ويفترق الزوجان في حجة القضاء، وروى ذلك للنبي ﷺ .

стр. 1881

[فصل -١ الإيلاج في الفرج مفسد للحج والعمرة، وكذا كل إنزال عن استمتاع] قال عبد الوهاب: ولا خلاف إذا وطئ متعمداً، وكذلك الناسي عندنا خلافاً للشافعي. ودليلنا: أنّه وطء صادف إحراماً منعقداً كالعمد. قال: ولا خلاف أنّ الإيلاج وإن لم يُنزِل يُفسد الحج والعمرة، وكذلك كل إنزال يكون على أي نوع من الاستمتاع يُفسد/ الحج والعمرة عندنا، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي. ودليلنا: قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾. ولأن الإنزال هو المقصود فهو أبلغ من الإيلاج، فإذا كان الإيلاج يفسد فالإنزال أولى. ولأنها عبادة يفسدها الوطء في الفرج، فالإنزال مع المباشرة أو اللمس يُفْسِدها، أصله الصوم. [فصل ٣ - في التفريق بين الزوجين إذا أفسدا حجهما] ومن المدونة قال مالك: وإذا حج الرجل والمرأة فجامعهما فليفترقا إذا أحرما بحجة القضاء ولا يجتمعا حتى يحلا.

стр. 1882

م: وروي ذلك عن عثمان، وعلي وابن عباس ﵃. م: ولأنهما يتذاكران ما كانا فيه فيدعوهما إلى الإفساد ثانية. الأبهري: وقيل: إن ذلك عقوبة لهما إذْ فعلا ما لا يجوز لهما فعله في الإحرام فعوقبا أن لا يجتمعا في إحرام القضاء، كما مُنِعَ قاتل العمد من الميراث عقوبة لفعله الذي قصد به استعجال الميراث قبل وقته، فكذلك هذا استعجل الوطء قبل وقته فحُرمَه. [فصل ٣ - الإحرام في حجة القضاء لابدّ أنْ يكون من الميقات] ومن المدونة: قال مالك: ومن أفسد حجّه أو عمرته بإصابة أهله فليحرم لقضائها من حيث أحرم في الأولى إلاّ أن يكون إحرامه الأول أبعد من الميقات فليس عليه أنْ يحرم الثانية إلا من الميقات، فإنْ تعدى الميقات في القضاء ثم أحرم أجزأه، وعليه دم؛ لأن من أفطر في قضاء رمضان متعمداً إنما يقضي يوماً بلا كفارة. وإذا طاف القارن أوّل ما دخل مكة وسعى، ثم جامع فليقض قارناً؛ لأن طوافه وسعيه إنما كان للعمرة والحج جميعاً، ألا ترى أنه لو لم يجامع ومضى على القرن صحيحاً لم يلزمه إذا رجع من عرفات أنْ يسعى لحجه، وأجزأه السّعي الأوّل.

стр. 1883

ومن أفسد حجّه بالوطء فلم يتمه حتى أحرم بحج القضاء لم يلزمه ذلك ولا قضاؤه، وهو على حجّه الذي أفسده فيتمه، ويقضيه، ويهدي، ولا يكون ما جدد من إحرامه نقضاً لحجته الفاسدة. م: وقال غيرنا: له أنْ يرفضه ويستأنف إحراماً جديداً. وما قلناه: عليه إجماع الصحابة، وقال علي، وعمر، وابن عباس، وغيرهم. قال ابن القاسم: ومن أحرم بعمرة فجامع فيها ثمّ أحرم بالحج قبل تمامها لم يكن قارناً ولا يرتدف الحج على العمرة الفاسدة. قال ابن المواز: وإرادفه الحج باطل لا يلزمه، ويرجع فيتم عمرته الفاسدة ثم يقضيها، وإن أحرم بالحج قبل أن يقضيها لزمه وعليه قضاء عمرته بعد تمام حجه. م: وقال عبد الملك: يرتدف الحج على العمرة الفاسدة.

стр. 1884

[فصل ٤ - من قرن الحج والعمرة فجامع فيهما] ومن المدونة: ومن قرن الحج والعمرة فجامع فيهما فعليه الآن دم لقرانه هذا الفاسد يفعل فيه كما يفعل لو لم يفسده، وعليه أن يقضي قابلاً قارناً، وعليه مع حجة القضاء هديان: هدي لقرانه الثاني، وهدي لفساده الأول، وليس له أن يُفرّق القضاء فيقضي العمرة وحدها والحج وحده، فإن فعل لم يجزئه وأعاده قارناً، ويهدي إذا قرن هديين كما ذكرنا. قال ابن المواز: قال أشهب عن مالك: فإن لم يجد صام ستة أيام، وإن شاء أفطر بين كل ثلاثة، وإنْ شاء وصلها، ثم يصوم أربعة عشر يوماً بعد ذلك، ولو وجد هدياً واحداً صام عن الآخر ثلاثة أيام ثم سبعة. وقال أبو زيد عن ابن القاسم: وإنْ أفسد هذا القارن حجه ثم فاته الحج مع ذلك فعليه أربع هدايا: هدي لقرائه الأول، وهدي ثانٍ حين صار يعمل عمل العمرة. ابن المواز: كأنه وطئ فيها ثم هدي لقران القضاء، وهدي للقضاء في الفوات. ابن المواز: وروى أصبغ عن ابن القاسم إنما عليه ثلاث هدايا، والأوّل أحبّ إلينا. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تمتع ثم أفسد حجه فعليه الآن دم المتعة، وهدي للفساد في حجة القضاء. وقال اصبغ - في غير كتاب ابن المواز - عن ابن القاسم فيمن تمتع فاته الحج بعد الإحرام أنه يسقط عنه دم المتعة بخلاف / المفسد لحجه المتمتع.

стр. 1885

م: كما قال فيمن تعدى ميقاته ثم فاته الحج أنه يسقط عنه دم التعدي بخلاف المفسد له. [فصل ٥ - فيمن أفسد حجه فقضاه ثم أفسد القضاء] ابن المواز: قال ابن القاسم: ومن أفسد حجّه فقضاه قابلاً فأفسده أيضاً فعليه قضاء حجتين. وقال مالك فيمن فطر في قضاء رمضان أنّه يقضي يومين. قال ابن مواز: قال أصبغ: هذه الرواية في الصوم، ونقل: وليس عليه إلاّ قضاء يوم بخلاف الحج، وما ذلك في الحج بالقويّ، وهو أحبّ إلينا أن يقضي حجّه الآخر، ثم يقضي الأوّل. وقال عبد الملك: ليس عليه إلاّ حجة واحدة ولا يعيد القضاء الذي أفسد. وقال ابن المواز بقول عبد الملك. ومن المدونة: قال: ومن جامع في حجة فاسدة ثم أصاب بعد ذلك صيداً بعد صيد، ولبس وتطيب مرة بعد مرة في مجالس شتى، وحلق مرة بعد مرة، ثم جامع مرة بعد مرة، فعليه فيما فعل من ذلك لكل مرة فدية وإنْ بلغ ذلك عدداَ من الفدية، وعليه جزاء كل صيد أصابه، وأما وطئه مرة واحدة أو مراراً، إمراة واحدة أو عدداً من النساء فليس عليه في ذلك إلاّ هدي واحد؛ لأنه بالوطء فسد حجه ولزمه القضاء.

стр. 1886

قال عبد الوهاب: إنما لم يجب عليه بتكرار الوطء هدي خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن الثاني وطء لم يفسد الحج فلم يجب به هدي أصْله إذا وطيء المتظاهر ثانية قبل التكفير. م: لأن الوطء الأول هو الذي أدخل الفساد له الحكم، كالثلاثة شركاء في عبد، يعتق أحدهم حصته منه، ثم يعتق الثاني بعده، فإنما التقويم على الأول؛ لأنه هو الذي أدخل الفساد، ولا تقويم على الثاني. م: وفارق ذلك الصيد لقوله تعالى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، فهو لو قتل صيداً فعليه جزاء مثله، وكبيراً عليه جزاء مثله فكذلك جماعة صيد عليه جزاء مثلهم. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأما ما فيه الفدية، فأن تأول أو جهل أن ليس عليه إتمام ما أفسد من الحج لما لزمه من القضاء فتطيّب ولبس وقتل الصيد مراراً عامداً لفعله يرى أن الإحرام سقط عنه فليس عليه فدية واحدة، إلا في الصيد فإن عليه لكل صيد قتله جزاءه.

стр. 1887

[فصل ٦ - فيمن أكره نساءه وهنّ مُحْرِمَات فوطئهن] قال مالك: وإن أكره نساءه وهنّ محرمات فوطئهن أحجّهن وكفّر عن كل واحدة منهن كفّارة وإنّ بِنّ منه منه ونكحن غيره، وأما إنْ طاوعته فذلك عليهن دونه. قال في كتاب ابن المواز في التي أكرهها، ثمّ طلقها وتزوجت غيره أنّ على الأول أن يُحجّها، ويُجْير الثاني على الإذن لها، وإنْ وطئ أمته وقد أذن لها في الحج فعليه أنْ يحجّها ويهدي عنها. قال ابن القاسم: والإكراه فيها من السيد وغير الإكراه سواء، وطوعها له كالإكراه. قال عبد الملك: ولو باعها لكان ذلك عليه لها. ابن المواز: وهو كعيب تردّ به إلا أن يبرأ منه السيد قال عبد الملك: ويهدي عنها ولا تصوم. قال العتبي: روى عيسى عن ابن القاسم في محرم وطى أهله مكرهة وليس معه ما يهدي عنها وهي مليّة فليس عليها حج ولا صيام؛ وإنما ذلك على من أكرهها. قال عنه ابن المواز: إذا لم يجد الزوج ما يحججها ويهدي عنها فلتفعل هي ذلك، وترجع به عليه، فإنّ صامت لم ترجع عليه من قبل الهدي بشيء. وكذلك المُدْحل على المْحرِم شيئاً كرها يوجب الفدية.

стр. 1888

م: إذ الصوم لا عوض له. ولو أطعمت عن فدية الأذى لرجعت عليه بأقل من النسك والإطعام. وإذا فلس الزوج فلزوجته محاصّة غرمانة بما وجب لها من ذلك ويوقف ما يصير لها حتى تحج به وتهدي، فإن ماتت قبل ذلك رجع حصة الإحجاج إلى الغرماء وأنفذ الهدي عنها. ابن المواز قال ابن القاسم وأشهب: ومن تزوج بعد بعد رمي جمرة العقب قبل أن يفيض فسخ نكاحه، قال مالك: بغير طلاق، وقاله أشهب، وقال ابن القاسم: بطلاق. ومن المدونة: قال لابن القاسم: وإذا ذكر المحرم إمرأنه بقلبه وأدام التذكرة للذة حتى أنزل فقد أفسد حجه، وعليه حج قابل. قلت: فإن عبث المحرم بذكره فأنزل؟ قال: يفسد حجه. وقد قال مالك: إذا كان راكباً فهزته دابته فاستدام ذلك حتى أنزل فقد أفسد حجه، وكذلك المحرمة إذا فعلت ما يفعل شرار النساء من العبث بنفسها حتى أنزلت فسد حجها. قال مالك: وإذا لمس المحرم أو قبّل أو باشر فأنزل، أو أدام النّظرة للذة حتى أنزل فسد حجه، وعليه حجُّ قابل والهدي. قال: فأمّا إنْ نظر المحرم ولم يتابع النظر ولا أدامه فأنزل فحجه تام،

стр. 1889

وعليه الهدي. الأبهري: إنما يهدي على طريق الاستحسان، ويجوز أن يكون ترك التحرز حتى وقع منه النظر. قال مالك: وكذلك لو قبّل، أو غمز، أو جس، أو باشر، أو تلذذ بشيء من أهله إلا أنه لم ينزل ولم تغب الحشفة منه في ذلك منها فإنما عليه الهدْي، وحجّه تام.

стр. 1890

[الباب الثالث] ما يلقيه المحرم عن نفسه، أو بعيره، وغسل ثيابه، وبيعها، وجامع ما يجتنبه من اللباس، والطيب، وإلقاء التفث، وغير ذلك . قال الله ﵎: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، وقال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، فجعله مخيراً، وفي الآية من الاختصار في قوله تعالى: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ يريد: فأماطه أذاه ففدية، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ يريد: فأفطر فعدّه من أيام أخر، وهذا في كتاب الله كثير. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، فأباح ذلك بعد التحلل. وقوله ﷺ لكعب بن عجرة: «أتؤذيك هوام رأسك؟» قال: نعم، فأمره بالحلاق، والفدية. ونهى الرسول ﷺ المحرم عن لباس العمائم، ومخيط الثياب، والبرانس، والسراويلات، والخفاف، وما مسْه وَرْس، أو زعفران، وأرخص لمن لم يجد نعلين قطع الخفين أسفل من الكعبين ولبسهما. وقد تقدم هذا في الكتاب الأول.

стр. 1891

قال في الثالث: ولا يطرح عن نفسه القمل؛ لأنه من إلقاء التفث. قال مالك: ولا بأس أن يطرح عن نفسه الحلمة والقراد والحمنان والبرغوث أو العلقة، ولا شيء عليه، وكذلك إنْ طرح العلق أيضاً من دواب جسد البعير والداب. فأما لو طرح الحمنان والحلم والقراد عن بعيره أو دابته فليطعم شيئاً من طعام. قال مالك: ولا يغْسل المحرم رأسه بخِطْمِيّ. م: وهو زريعة الخُبيز، قال: فإن فعل افتدى أي الفدية شاء، قال: وله أن يفعل ذلك إذا حل له الحلاق قبل أن يحلق، وهو الشأن.

стр. 1892

قال: وإن أصابته جنابة صب على رأسه الماء وحركها بيده، ولا بأس أن يصب الماء على رأسه وبدنه لحرّ يجده أو لغير حرّ. م: لأن النبي ﷺ فعلوا ذلك؛ ولأن ذلك لا يقتل شيئاً من الدواب ولا يمنع من التبرد؛ لأن ذلك من الحرج. ومن المدونة: قال مالك: وأكره له غمس رأسه في الماء خيفة قتل الدواب، فإن فعل أطعم شيئاً من طعام. قال: وأكره للصائم الحلال أيضاً أن يغمس رأسه في الماء، فإن فعل فلا شيء عليه إذا لم يدخل الماء حلقه. قال: ولا يدخل المحرم الحمام لينقي وسخه، فإنْ دخله فتدلك وأنقى الوسخ افتدى. وقال: وأكره أنَ يغسل ثوبه إلا أن يصيبه جنابة فيغسله بالماء وحده. ومن المدونة: قال: ولا يغسل ثوبه بالحُوَض خشي قتل الدواب. قال مالك: ولا أرى للمحرم أنَ يغسل ثوب غيره خفية قتل الدواب، زاد في رواية الدّباغ قال مالك: فإنَ فعل افتدى، قال ابن القاسم: يتصدّق بشيء من طعام لموضع الدواب التي قتل في الثياب.

стр. 1893

قال ابن القاسم: ولا بأس أن يبدّل ثيابه التي أحرم فيها وأنّ يبيعها لقمل آذاه فيها أو غيره وقال سحنون: إذا باع الثياب فقد عرّض القمل للقتل. قال مالك في العتبية: ولا بأس للمحرم يرى القملة في ثوبه أو بدنه فينقلها في مكان آخر من ثوبه أو جلده. فصل [١ - فيما يجتنبه المحرم من اللباس] ومن المدونة: وكره مالك أن يدخل منكبيه في القَبَاء وإن لم يدخل يديه في كميّه ولا زرّه عليه؛ لأن ذلك دخول فيه ولباس له، لنهيه ﷺ عن لباس البرانس ومخيط الثياب. قال ابن القاسم: ولم يكره له أن يطرح قميصه على ظهره ينزدى به من غير أن بدخل فيه، وكره له أن يَزُرّ الطيلسان على نفسه، أو يُخَللّ عليه كِسَاءه، وأجاز له

стр. 1894

أم يَحْتبي، وأن يتوشَح بثوبه ما لم يعقد ذلك، فإنْ عقد على نفسه ثوبه الذي توشّح به وذكر ذلك مكانه فحلّه، أو صاح به رجل فحلّه فلا شيء عليه، وإنْ طال ذلك حتى ينتفع به افتدى. قال ابن القاسم: وكذلك إنْ خلّل عليه كساءه، أو لبس قميصه فنزعه، أو صاح به أحد فنزعه فلا شيء عليه، وإن طال ذلك حتى انتفع به افتدى. قال مالك: وجائز للمحرمة لباس الحرير والخز والعصب والحلى، قال: وجائز للمحرمة لباس السراويل ومخيط الثياب.

стр. 1895

قال ابن القاسم: وغير المحرمة عندي أحرى. وكره مالك للمرأة لباس القباء في الإحرام وغيره لحرة أو أمة لأنه يصفهن. وكره للمحرم لباس الجوربين والجرموقين والقفازين، قال: وإذا لم يجد نعلين ووجد خفين فلقطعهما أسفل من الكعبين ويلبسهما، ولا شيء عليه، وإن وجد نعلين فاحتاج إلى لبس الخفين لضرورة بقديمه فقطعهما أسفل من الكعبين فليلبسهما ويفتدي، قال ابن القاسم: لأنّ لباسه الخفين لضرورة يشبه الدواء فلذلك لذمته الفدية، والأوّل غير متداوي وقد جاء فيه الأثر. وإن وجد النعلين بشراء فلا رخصة له في قطع الخفين إلا أن يرفع عليه في الثمن كثيراً، وإن زيد عليه يسيراً فليشترهما. فصل [٣ - إحرام الرجل في وجهه ورأسه، وإحرام المرأة في وجهها ويديها] قال مالك: وإحرام الرجل في وجهه ورأسه، والمرأة في وجها ويديها، والذقن هما فيه سواء لا بأس بتغطيته لهما. وقد تقدمت الحجة في ذلك في الكتاب الأول. ومن المدونة: قال مالك: وإن غطى المحرم وجهه أو رأسه ناسياً أو جاهلاً فإن
следующие страницы →