← Фикх малики

Фикх малики · id 18607

الجامع لمسائل المدونة

ابن يونس الصقلي

Полный текст (9 651 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

قال في الثالث: ولا يطرح عن نفسه القمل؛ لأنه من إلقاء التفث. قال مالك: ولا بأس أن يطرح عن نفسه الحلمة والقراد والحمنان والبرغوث أو العلقة، ولا شيء عليه، وكذلك إنْ طرح العلق أيضاً من دواب جسد البعير والداب. فأما لو طرح الحمنان والحلم والقراد عن بعيره أو دابته فليطعم شيئاً من طعام. قال مالك: ولا يغْسل المحرم رأسه بخِطْمِيّ. م: وهو زريعة الخُبيز، قال: فإن فعل افتدى أي الفدية شاء، قال: وله أن يفعل ذلك إذا حل له الحلاق قبل أن يحلق، وهو الشأن.

стр. 1892

قال: وإن أصابته جنابة صب على رأسه الماء وحركها بيده، ولا بأس أن يصب الماء على رأسه وبدنه لحرّ يجده أو لغير حرّ. م: لأن النبي ﷺ فعلوا ذلك؛ ولأن ذلك لا يقتل شيئاً من الدواب ولا يمنع من التبرد؛ لأن ذلك من الحرج. ومن المدونة: قال مالك: وأكره له غمس رأسه في الماء خيفة قتل الدواب، فإن فعل أطعم شيئاً من طعام. قال: وأكره للصائم الحلال أيضاً أن يغمس رأسه في الماء، فإن فعل فلا شيء عليه إذا لم يدخل الماء حلقه. قال: ولا يدخل المحرم الحمام لينقي وسخه، فإنْ دخله فتدلك وأنقى الوسخ افتدى. وقال: وأكره أنَ يغسل ثوبه إلا أن يصيبه جنابة فيغسله بالماء وحده. ومن المدونة: قال: ولا يغسل ثوبه بالحُوَض خشي قتل الدواب. قال مالك: ولا أرى للمحرم أنَ يغسل ثوب غيره خفية قتل الدواب، زاد في رواية الدّباغ قال مالك: فإنَ فعل افتدى، قال ابن القاسم: يتصدّق بشيء من طعام لموضع الدواب التي قتل في الثياب.

стр. 1893

قال ابن القاسم: ولا بأس أن يبدّل ثيابه التي أحرم فيها وأنّ يبيعها لقمل آذاه فيها أو غيره وقال سحنون: إذا باع الثياب فقد عرّض القمل للقتل. قال مالك في العتبية: ولا بأس للمحرم يرى القملة في ثوبه أو بدنه فينقلها في مكان آخر من ثوبه أو جلده. فصل [١ - فيما يجتنبه المحرم من اللباس] ومن المدونة: وكره مالك أن يدخل منكبيه في القَبَاء وإن لم يدخل يديه في كميّه ولا زرّه عليه؛ لأن ذلك دخول فيه ولباس له، لنهيه ﷺ عن لباس البرانس ومخيط الثياب. قال ابن القاسم: ولم يكره له أن يطرح قميصه على ظهره ينزدى به من غير أن بدخل فيه، وكره له أن يَزُرّ الطيلسان على نفسه، أو يُخَللّ عليه كِسَاءه، وأجاز له

стр. 1894

أم يَحْتبي، وأن يتوشَح بثوبه ما لم يعقد ذلك، فإنْ عقد على نفسه ثوبه الذي توشّح به وذكر ذلك مكانه فحلّه، أو صاح به رجل فحلّه فلا شيء عليه، وإنْ طال ذلك حتى ينتفع به افتدى. قال ابن القاسم: وكذلك إنْ خلّل عليه كساءه، أو لبس قميصه فنزعه، أو صاح به أحد فنزعه فلا شيء عليه، وإن طال ذلك حتى انتفع به افتدى. قال مالك: وجائز للمحرمة لباس الحرير والخز والعصب والحلى، قال: وجائز للمحرمة لباس السراويل ومخيط الثياب.

стр. 1895

قال ابن القاسم: وغير المحرمة عندي أحرى. وكره مالك للمرأة لباس القباء في الإحرام وغيره لحرة أو أمة لأنه يصفهن. وكره للمحرم لباس الجوربين والجرموقين والقفازين، قال: وإذا لم يجد نعلين ووجد خفين فلقطعهما أسفل من الكعبين ويلبسهما، ولا شيء عليه، وإن وجد نعلين فاحتاج إلى لبس الخفين لضرورة بقديمه فقطعهما أسفل من الكعبين فليلبسهما ويفتدي، قال ابن القاسم: لأنّ لباسه الخفين لضرورة يشبه الدواء فلذلك لذمته الفدية، والأوّل غير متداوي وقد جاء فيه الأثر. وإن وجد النعلين بشراء فلا رخصة له في قطع الخفين إلا أن يرفع عليه في الثمن كثيراً، وإن زيد عليه يسيراً فليشترهما. فصل [٣ - إحرام الرجل في وجهه ورأسه، وإحرام المرأة في وجهها ويديها] قال مالك: وإحرام الرجل في وجهه ورأسه، والمرأة في وجها ويديها، والذقن هما فيه سواء لا بأس بتغطيته لهما. وقد تقدمت الحجة في ذلك في الكتاب الأول. ومن المدونة: قال مالك: وإن غطى المحرم وجهه أو رأسه ناسياً أو جاهلاً فإن

стр. 1896

نزعه مكانه فلا شيء عليه، وإن تركه حتى انتفع به افتدى. قال ابن القاسم: وكذلك المحرمة إن غطت وجهها مثل الرجل إلا أن مالِكاً وسّع لها أن تسدِل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت ستراً. يريد: لا من حرّ ولا من برد، قال: فإن لم ترد ستراً فلا تسدل، وما علمت أنّ مالكاً كان يأمرها إذا أسدلت رداءها أنن تجافيه عن وجهها، ولا ينهى أن يصيب الرّداء وجهها، وإن رفعت خمارها من أسفل رأسها على وجهها افتدت بخلاف السدل لأنه لا يثبت إذا رفعته حتى تعقده. وكره لها مالك أن تتبرقع، أو أن تلبس القفازين فإن تعلمت افتدت كفدية الرجل. فصل [٣ - إذا حلق الحلال رأس المحرم أو طيّبه أو غطى رأسه ووجهه فالفدية على الفاعل] قال مالك: وما جره المحرم على وجهه من لحافه وهو نائم فانتبه فنزعه فلا شيء عليه وإنْ طال، بخلاف المستيقظ. وإن نام فغطىّ رجل رأسه ووجهه أو طيبه أو حلق رأسه ثم انتبه فنزع ذلك، أو نزع الطيب عنه فلا شيء عليه، والفدية على من فعل ذلك به.

стр. 1897

قال ابن المواز: ولا يجزيء الفاعل أن يفتدي بالصيام ولكن بالنّسك أو الإطعام، وإن كان الفاعل عديماً أو لم يقدر عليه فليفتد هذا المحرم عن نفسه ويرجع على الفاعل إن أيسَر أو قدر عليه بالأقل من ثمن الطعام أو ثمن النسك إن افتدى بأحدهما، وأما إن صام فلا يرجع على الفاعل بشيء. م: وما ذكره ابن المواز من أنه إذا كان الفاعل عديماً أن يفتدي هذا المحرم عن نفسه إلى آخر ما ذكره إنما ذلك وعلى روايته فيمن أكره زوجته فوطئها وهما محرمان وهو عديم أنّ عليها هي أن تحج قابلاً وتتْبَعُ بذلك زوجها، فإن لم تجد هي ما تهدي صامت، ولم ترجع على زوجها بشيء من ثمن الهدي؛ لأنها لم تهد وإنما صامت، والصيام لا ثمن له. م: فما ذكره محمد: إنما يجوز على هذه الرواية في الذي أكره امرأته، وقد قال ابن القاسم في العتبية: إنّ الزوج إذا كان عديماً وهي مليئة فليس عليها هي حج ولا صيام، فعلى هذه الرواية: ليس على النائم المُطِّيب إذا كان الفاعل عديما أن يفتدي هو عن نفسه؛ لأن الفدي إنما تعلقت بغيره. م: وهذا بّين: واختلف أبو محمد، وابن القابسي إذا طيّب محرم محرماً نائما، قال ابن القابسي: يجب على الفاعل فديتان: فدية لمسّه الطيب، وفدية لتطيييبه النائم. وقال أبو محمد: ليس عليه إلاّ فدية واحدة؛ لأني لو ألزمته فديتين لألزمته ذلك إذا طيب نفسه لمسَّه الطيب ولتطيبه، ولكن إنما تلزمه فدية واحدة فكذلك تطييبه غيره.

стр. 1898

م: وقول أبي الحسن أصوب. وقال أشهب في مدونته: ما فعل بالمحرم وهو نائم مما يكون عليه فيه الفدية لو فعله بنفسه فلا شيء عليه ولكنه إذا انتبه غسل عنه الطيب مكانه، فإن أخّره فعليه الفدية، وهذا فيما لا يبقى له في منفعة بعد انتباهه، فأما لو قص من شعره أو حلق رأيت عليه الفدية؛ لأنه بقي له الانتفاع بما فعل به، ثم يرجع بما افتدى على الذي فعل ذلك به يرجع عليه بالأقل من ثمن النسك أو الإطعام، وإن افتدى بالصوم فلا يرجع عليه بشيء إذْ لا ثمن له. م: وهذا خلاف للمدونة في التفرقة بين ما يبقى وما لا يبقى. وفي آخر الكتاب مسألة من تقلّب في نومه على جراد أو ذباب أو غيره أنّ عليه الكفارة. فصل [٤ - يجوز للمحرم أن يحمل على رأسه ما تدعو الحاجة إليه من زاده ونحوه] ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يحمل المحرم على رأسه إذا كان راجلاً ما لابد له منه مثل خرجه فيه زاده أو جرابه. قال ابن حبيب: ولا شيء عليه. قال مالك: ولا يحمل ذلك لغيره على رأسه طوعاً ولا بإجازة، فإن فعل افتدى. قال ابن القاسم: ولا أحب له أن يحمل على رأسه تجارة لنفسه من بز أو غيره، ولا ينبغي له أن يتجر فيما يغطي به رأسه في إحرامه.

стр. 1899

قال ابن حبيب: فإن فعل افتدى، وقال أشهب: إلا أن يكون ذلك عيشه فله ذلك. ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس أن يَشُدِّ منطقته التي فيها نفقته على وسطه ويدخل السيور في الثقب ويربطها من تحت إزاره، قال ابن القاسم: فإن ربطها من فوق إزاره افتدى؛ لأنه قد احتزم من فوق إزاره، وقد قال مالك: إذا لم يرد المحرم العمل فلا يحتزم، فإن احتزم من فوق إزاره بحبل أو خيط افتدى، وإن أراد أن يعمل فلا بأس أن يحتزم. قال ابن حبيب: وقد رأى الرسول ﷺ رجلا محتزما بحبل وهو محرم فقال له: "انزع الحبل، ويلك، انزع الحبل، ويلك"، وقال رجل لابن عمر: أخالف بين طرفي ثوبي ثم أَعْقده من ورائي وأنا محرم؟ فقال له ابن عمر: "لا تعقد عليك شيئاً إلا منطقتك التي فيها نفقتك فأوثقها. ومن المدونة: ولم يّوسع له مالك أن يجعل منطقته التي فيها نفقته إلاّ في وسطه، وكره أن يجعلها في عضده أو فخذه أو ساقه، قال ابن القاسم: فإن فعل فأرجو أن يكون خفيفاً ولا فدية عليه.

стр. 1900

وقال أصبغ: إن هو جعلها في عضده افتدى. قال ابن القاسم: / ولا يجوز أن يحمل نفقة غيره في وسطه ويشدّها على بطنه، فإن فعل افتدى، وإنما أرْخَص له في حمل نفقة للضرورة إلى ذلك. قال: ولو ربطها أوّلاً لنفقته، ثمّ أودعه رجل نفقته فجعلها فيها فلا شيء عليه؛ لأن أصل ما شدّها لنفسه لا لغيره. قال بعض المتأخرين فإن نفدت نفقة المحرم لم يسغ له بقاء وديعة غيره فيها لارتفاع ما من أجله أبيح له ذلك. قال ابن حبيب: وإن كان في منطقته لؤلؤ أو جوهر للتجار فلا يشدّه على وسطه، فإن فعل افتدى. م: كما ليس له أن يحمل التجارة على رأسه، وله أن يحمل زاده. ومن المدونة: قال مالك: وإن ألجيء المحرم إلى تقليد السيف فلا بأس به. قال عنه ابن المواز: فإن تقلده لغير حاجة فلا فدي عليه ولينزعه، وقاله أصبغ. وقال ابن وهب: إن تقلّده لغير ضرورة افتدى. قال ابن القاسم: ولم يكره مالك أنْ يعصب المحرم على جراحه خٍرّقاً، وكان يرى عليه إذا فعل ذلك الفدية.

стр. 1901

قال: وإن عصب رأسه من صداع أو جرح، أو عصب على جسده أو على بعض جسده لجرح أو غير ذلك، أو ربط الجبائِر على كسر به، أو ألصق على صدغيه مثل ما يصنع الناس فليفقد، إن شاء صام، أو أطعم، أو نسك. قال: ولو ألصق على قروح به خرقاً صغاراً فلا شيء عليه، وإن كانت كباراً افتدى، وإن جعل على أذنيه قطناً لشيء وجده فيهما افتدى، كان في القطنة طيب أو لم يكن. م: لأن ذلك موضع الإحرام بخلاف الجسد، وسواء فعله لضرورة أو غيرها، وحكي نحو هذا لأبي محمد. ومن المدونة: وكره مالك للمحرم شمّ الطيب وإن لم يمسه بيده، قال ابن القاسم: فإن تعمّد شمه ولم يمسه بيده فلا شيء عليه، قال مالك: وإن مسّه افتدى، قال عنه ابن حبيب: وجد ريحه أو لم يجد، لصق بيديه أو لم يلصق. محمد: ومسّ الطيب أشد من شمه، وشربه أشد من مسه، والفدية في شربه أو مسه. م: وإنّما منع المحرم من الطيب؛ لأن الطيب من دواعي الوطء، فمنع منه كما منعته المعتدّه.

стр. 1902

ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكره له مالك أن يمرّ في موضع العطارين، ورأى أن يقام العطارون من بين الصفا والمروة أيام الحج، وكره له أن يتجر بالطيب إذا كان قريباً منه يمسه أو يشمّه، وكره له مالك شمّ الريحان، وقال: إن شمه أو مسّه رأيته خفيفاً ولا شيء عليه، وكذلك الورد والياسمين والخِيرِيُّ وما أشبهه، بخلاف الطيب المطّيب إن مسه افتدى. قال مالك: وإن مسه خلوق الكعب فأرجو أن يكون خفيفا، ولا شيء عليه إذْ لا يكاد يسلم منه إذا دخل البيت. قال في غير المدونة: وإن أصابه من ذلك كثير فلينزعه عنه، وإن كان يسيراً فإن شاء غسله أو تركه. وقال ابن وهب: عليه الفدية. قال مالك: وإن أصاب كفّه خلوق الركن فأحبّ إليّ أن يغسل الكثير، وهو من اليسير في سعة. ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا أري أن تُخَلّق الكعبة أَيام الحج. فصل [٥ - في المحرم يخضب رأسه أو لحيته بحناء أو يدّهن أو يأكل أو يشرب ما فيه طيب] قال ابن القاسم: وإذا خضب المحرم رأسه أو لحيته بحنّاء أو بوسِمَة أو خضبت

стр. 1903

المحرمة يديها أو رجليها أو رأسها أو طَرقت أصابعها فليفتديا. وإن خضب الرجل أصبعه بحناء لجرح أصابه فإن كانت رقعة كبيرة افتدى، وإن كانت صغيرة فلا شيء عليه، وأمّا إن داوى جرحه بما فيه طيب برقعة صغيرة أو كبيرة فليفتد بخلاف الحّناء كالرّيحان ليس بمنزلة المؤنث من الطيب. وكره مالك للمحرم أن يتوضأ بالريحان، يريد: غسل يديه، فإن فعل فلا فدية عليه، قال: ولا بأس أن يتوضأ بالحرض، وأكره له أن يغسل يديه بالأشنان المطيب بالريحان، ولا شيء عليه إن فعل. قال: وإن كان طيب الأشنان بالطيب افتدى. قال: ولا بأس أن يغسل يديه بالأشنان غير المطيب، والغاسول، وشبه ذلك. قال: وإن دهن قدميه وعقبيه من شقوق فلا شيء عليه، وإن دهنهما لغير علّة، أو دهن ذراعيه أو ساقيه ليحسنهما لا مِن علّة افتدى. قال: وإن دهن / شقوقاً في يديه أو رجليه بزيت أو بشحم أو دك فلا شيء عليه، وإن دهن ذلك بطيب افتدى. قال مالك: وإن دهن بطون قدميه أو بطون كفيه من شقوق ليمرنهما للعمل فلا بأس بذلك، وأما إن دهن ظهور قدميه أو باطن ساقيه أو ركبتيه لخوف أن يصيبه شيء فلفْتَدْ. وكره مالك للمحرم والحلال شرب الماء فيه الكافور لناحية السرف.

стр. 1904

قال: وإن شرب المحرم دواء فيه طيب افتدى، وكره مسالك أن يشرب شراباً فيه كافور، أو يأكل دِقة مُذَعفَرة، فإن فعل افتدى. وقال أشهب في غير المدونة: لا يفتدي من أكل أو شرب ما فيه طيب، بخلاف التداوي به، ورواه ابن وهب عن مالك. قال ابن المواز: وهذا عندنا فيما مسته النار أو تغّير لونه ولم يوجد له لون مثل التِرْيَاق وشبهه. وكره مالك في كتاب محمّد، وابن حبيب الفالوذج وإن طبخته النار، لأنه ربما صبغ الفم. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أكل طعاماً مسته النار فيه زعفران أو ورس فلا شيء عليه، وإن لم تمسه النار فلا خير فيه. قال: وإن دهن رأسه بزيت أو زَنْبَق أو بان أو شيرج الجُلْجُلان أو زيت

стр. 1905

الفجل وشبه ذلك افتدى، كان شيئاً من ذلك مطيّباً أم لا. م: بخلاف من أراد الإحرام هذا له أن يدهن رأسه بالزيت وباليان السمح، قاله في الحج الأول. م: لأنّه غير محرم بعد، وهو شيء لا يبقى ريحه. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وجائز أن يأتدم في طعامه بدهن الجلجلان، وهو كالسمن، ويكره أن يأتدم بالزَّنْبَق والبَنَفْسَج وشبهه أو يَشْتَعط بذلك، وجائز له أن يستعط بالزيت والسمن ولا بأس بأكله. فصل [٦ - في اكتمال المحرم] قال مالك: ولا بأس أن يكتحل المُحْرِمُ من حرّ يجده في عينيه بالإِثْمِدِ والصبِر والمرّ زنحوه، ولا فدية عليه إلاّ أن يكون فيه طِيْب فليفتدي. وكره مالك أن يكتحل لزينة، قال ابن القاسم: فإم فعل افتدى. قال مالك: ولا تكتحل المُحْرِمَةُ لزينةٍ ولا بإثمد لغير زينة؛ لأنه زينة لها، فإن

стр. 1906

اكتحلت بالإثمِد لزينة افتدت، وإن اضطرت إلى الإثمد لوجع بعينها فاكتحلت به فلا فدية عليها. ابن المواز: وكذلك الرَّجُل. قال ابن القاسم: وإنما لم يكن عليها فدية لأن الإثمد ليس بطيب، وإنما اكتحلت به لضرورة لا لزينة، والضرورة عند مالك مخالفة لغير الضرورة في هذا، ألا ترى أن لو دهن المحرم يديه ورجليه بالزيت لزينة لزمته الفِدية عند مالك، ولو دهن شُقوقاً في يديه ورجليه بالزيت لم يفتد، فكذلك اكتحاله بالإثمد. م: وإنما فرق بين هذا وبين اللباس والطيب؛ لأن هذا لم يرد نص في اجتنابه كما ورد في الطيب واللباس، وقد قال عليه والسلام لمن آذاه هوامً رأسه: "إحلق وافتد"، فرأى مالك أن ما ورد النص في اجتنابه لا تُسْقِط الضرورة الفدية عن فاعله قياساً على حلق الرأس، وما لم يرد نصِّ في اجتنابه خففه في الضرورة؛ لأن ذلك حرج، والله رؤوف بعباده. فصل [٧ - في المحرم يحلق رأسه حال، وفي الحجامة للمحرم] ومن المدونة: قال مالك: ولا يحلق المرحم رأس حلال، فإن فعل افتدى، قال ابن القاسم: وأنا أرى أن يتصدى بشيء من طعام لموضع الدواب التي في الرأس ويجزئه، وقال سحنون. قال بعض البغداديين: فوجه قول مالك في أنه ألزمه الفدية التي نص الله عليها:

стр. 1907

فلانّه لما كان أصل الفدية هو الحلق، وكان المحرم منهياً عنه، فوجب إذا فعل حلقاً أن يفتدي. ووجه قول ابن القاسم: أن الفدية إنما يجب على من أماط عن نفسه أذى، وهذا لم يمط عن نفسه أذى، وإنما ألقى عن غيره قملاً، فوجب عليه الإطعام لذلك. م: وقول ابن القاسم أبين إن أراد مالك أن عليه الفدية التي نص الله عليها، ويحتمل أن يكون معنى قول مالك: يفتجي: أن يفتدي بشيء من طعام لقتله القمل فتتفق القولان، أو يكون ذلك على ما روى عنه فيمن قتل قَمْلاً كثيراً أنه يلزمه الفدية الكاملة. وقد قال ابن الماجشون في المحرم يحلق / رأس محرم وهو نائم أنه يلزمه فديتان: فدية لقتله القمل، والفدية المرجوع بها عليه، فظاهر هذا أنّ على من قتل قملاً كثيراً الفدية الكاملة. قال مالك: ولو حجم المحرِم حلالاً فحلق موضع المحاجم فإن أيقن الحجام أنه لم يقتل قملاً فلا شيء عليه، ولو اضطر مُحْرِم إلى الحجامة جاز لمحرم غيره أن يحلق موضع المحاجم ويحجمه إذا أيقن أنه لا يقتل قملاً، والفدية على المفعول به ذلك. قال ابن حبيب: وأكره الحجامة للمحرم إلا لضرورة ولا فدية عليه في ذلك إذا لم

стр. 1908

يحلق شعراً، وإن حلق لها شعراً في القفي أو في الرأس أو سائر الجسد فليفتد كان ذلك لضرورة أو غيرها. وقال سحنون: لا بأس أن يحتجم إذا لم يحلق الشعر، ولا يحتجم في الرأس وإن لم يحلق شعراً خيفة قتل الدواب. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أراد محرم أن يسوي شعره أو يحلق قفاه فلا ينبغي له أن يفعل ذلك. وإن دعى مُحْرِمٌ إلى أن يفعل به ذلك فَأكْرَهُ للحجام أن يُعِيْنه على ذلك وإن أيقن أنه لا يقتل دواباً، فإن فعل فلا شيء على الحجام، والفدية على المحرم. قال مالك: وإن قَلم مُحْرِمٌ أظفار حلال فلا بأس عليه، ولا ينبغي للمُحْرِم أن يُقلم أظفاره، فإن فعل ناسياً أو جاهلاً افتدى، وإن قلمها له محرم بأمره فالفدية على من قُلَمت أظفاره. وإن كان مُكْرَهاً أونائماً فقلمها له محرم أو حلال فالفدية على الفاعل. وإن قلم المحرم ظفراً واحداً لإماطة أذى افتدى، وإن لم يمط به عنه أذى أطعم شيئاً من طعام، وإن انكسر ظفره فقلّمه فلا شيء عليه. م: كاكتحاله وادهانه لضرورة به.

стр. 1909

قال: وإن أصاب أصابعه قروح فاحتاج إلى أن يداويها ولم يصل إلى ذلك إلاّ بقصَ أظفاره فليفتد، كفدية من أماط الشعر من الأذى. قلت: فإنْ أخذ المحرم من شاربه؟ قال: قال مالك: من نتف شعره أو شعرات يسيرة أطعم شيئاً من طعام، كان جاهلاً، أو ناسياً، وإن نتف من شعره ما أماط به عنه أذى فليفتد. قال عنه ابن المواز: إذا أخذ من شاربه افتدى. ابن المواز: وكذلك إن نتف ما يخفف به عن نفسه أذى وإن قل فإنه يفتدي. ومن المستخرجة: وسئل مالك همّن شأنه أكل أظفار هو شعر لحيته فيفعل ذلك وهو محرم؟ قال: أرى أن يفتدي بصيام أو نسك أو إطعام. يريد - فيما أظن -: وإن كان مراراً. ابن المواز: قال مالك: وليس من شأن المحرم والمحرمة النّظر في المرآة، وذلك خِيفة أن يرى شَعَثَاً فيصلحه، وإن نظر فيها فلا شيء عليه، وليستغفر الله.

стр. 1910

ومن المدونة: قال ابن القاسم: وما سمعت مالكاً يحدّ فيما دون إماطة الأذى أكثر من حَفْنَة من شيء من الأشياء، وقد قال في قملة أو قملات حَفْنَ من طعام، قال: والحَفْنة عند مالك بيد واحد. قال مالك: ولا شيء على المحرم فيما انقلع عند وضوءه من لحيته أو شاربه أو رأسه أو أنفه إذا امتخط، وما حلق الإِكَاف والسَّرج في الركوب من ماقه، وهذا خفيف لابدّ للنّاس منه. قال: وما فعله القارن من إماطة الأذى، أو طيب، أو نقص من حجه فكفارة واحدة تجزئه لا كفارتين. وقد تقدمت الحجّة في ذلك. فصل [٨ - من فعل شيئاً من ممنوعات الإحرام، ونوى أن يفعله بعد ذلك ويكرره فإنّ الفدية تتحد في ذلك وإن تراخي الثاني عن الأول] وسئل مالك عن محرم لبس قلنسوة أو عمامة لوجع في رأسه ثم نزعها فعاد إليه ذلك الوجع فلبسها؟ قال مالك: الشأن فيه إنْ كان نزعها على البُرْء وتركها فعليه فديتان، وإن نوى حين إن عاد إليه وجعه أعادها فإنّما عليه فدية واحدة. وإذا وطئ المحرم مرّة بعد مرّة، ولبس الثياب لوجع به مرّة بعد مرّة ونوى أن يلبسها إلى بُرْئة، يخلعها بالليل ويلبسها بالنهار ومضى لذلك عشرة أيام، أو لم يكن به أذى فديتان، وإن نوى حين نزعها إن عاد إليه وجعه أعادها فإنّما عليه كفّارة واحدة فيما وطئ ولبس.

стр. 1911

م: يريد: وليس عليه فيما وطئ إلا هدي واحد، وليس عليه فيما لبس إلاّ كفّارة واحدة. قال ابن القاسم: لأنّه على نّيته في لبسها، وكذلك المعتمر الذي طاف على غير وضوء فلبس الثياب إنّما عليه فدية واحدة؛ لأنه إنّما أراد لبساً واحداً، وما أصاب هذا المحرم من صيد مرّة بعد مرّة، أو تطيّب مرّة بعد مرّة، فعليه لكل صيد جزاؤه، وكذلك الطيب لكل مرّة فدية، إلاّ أن يكون به جرح فتوى أن يتعالج بدواء فيه طيب حتى يبرأ فإنّما عليه فدية واحدة، وإن لم ينو ذلك فلكل مرّة فدية، فإن أصابه رمد فداواه بدواء فيه طِيب مراراً فليس عليه لكل ما داوى به رمده ذلك إلا فدية واحدة، فإن انقطع رمده ذلك ثمّ رمد بعد ذلك فداواه فعليه فدية أخرى؛ لأنّ هذا وجع غير الأول، وكذلك إن كان في جسده قُرْحة فداواها بدواء فيه طيب مراراً فلي عليه إلاّ فدية واحدة إذا أراد أن يدويها حتى يبرأ، فإن ظهرت به قُرْحة أخرى فداواها بذلك الدواء الذي فيه الطيب فعليه كفارة أخرى. قال مالك: وإن احتاج المحرم في فور واحد إلى لباس أصناف لضرورة، فلبس خُفين، وقلنسوة، وقميصاً وسراويل، ونحوه فإنّما عليه في تلك الثياب كلها كفارة واحدة. قال مالك: وإن احتاج إلى خفين فلبسهما ثم احتاج بعد ذلك إلى قميص فلبسه فعليه كفّارتان؛ لأن حاجته إلى القميص إنما كانت بعدما وجبت عليه الكفارة في الخفين، وعلى هذا اجتمع أمر الناس. ابن المواز: قال ابن الماجشون: وغن احتاج المحرم إلى لباس قميص، ثمّ استحدث لباس سراويل مع القميص ففدية واحدة، ولو احتاج أوّلاًً إلى السراويل فلبسه، ثم لبس

стр. 1912

قميصاً ففديتان، وأمّا إن لبس قلنسوة، ثمَ بدى له فلبس عمامة أو لبس عمامة ثم نزعها فلبس قلنسو قفدية واحدة في هذا كله. قال عنه ابن حبيب: وكذلك إن احتاج إلى لباس قميص فلبسه ولم ينو لباس غيره، ثمّ احتاج إلى لباس جبّة فلبسها، ثم احتاج إلى لباس فَرْوٍ فلبسه فليس عليه إلا فدية واحدة، وكذلك لو لبس قلنسوة، ثم احتاج إلى عمامة، ثم إلى التّقيّب والتظلل فعليه فدية واحدة في ذلك كله. ومن كتاب ابن المواز، والعتيبّة: قال مالك: ولا بأس أن يتّخذ المُحْرِمُ خِرقَة يجعل فيها فرجه عند النوم، وهو بخلاف لفها عليه للمني والبول، هذا يفتدي، فإن استنكحه ففدية واحدة تجزئه إذا استدامه، ولو اعتمر بعد حجه افتدى لذلك فدية ثانية. قال في كتاب محمد: ولا بأس أن يستظل تحت المحمل، أو يجعل يده على رأسه، أو يستر بيده وجهه من الشمس، وهذا لا يدوم. وقال سحنون: لا يستظل تحت المحمل وهو سائر. ابن حبيب: قال ابن الماجشون: ولا بأس أن يستظل المحرم إذا نزل بالأرض، ولا بأس أن يلقي ثوباً على شجرة ويقيل تحته، وليس كالرّاكب والماشي وهو كالنازل بخِبَاءٍ مضروب. وعن ابن المواز: لا يستظل إذا نزل بأعواد ويجعل عليها كساءً أو غيره ولا محمله.

стр. 1913

قال: وإنما وسَع له في الخِبَاءِ والفُسطاط والبيت المبني. قال يحي بن عمر: لا بأس بذلك كله إذا نزل بالأرض. ومن المدونة قال: وإن قلم أظفار يده اليمنى اليوم، ثم قلم أظفار يده الأخرى من الغد فعليه فديتان. قال مالك: وإن لبس الثياب، وتطّيب، وحلق شعر رأسه، وقلّم أظفاره في فور واحد لم يلزمه في ذلك إلا فدية واحدة، وإن فعل ذلك شيئاً بعد شيء ففي كل وجهٍ فدية. وكذلك قال مالك في مُحْرِمَة أصابتها حُمٌى فتعالجت بأدوية مختلفة فيها طِيب فقال: إن كان ذلك في موضع واحد وكان ذلك قريباً بعضه من بعض فليس عليها لذلك كله إلا فدية واحدة. قال مالك في كتاب ابن المواز: ولا يَنْبغي أن يفعل المحرم ما فيه الفدية من غير ضرورة ليسارة الفدية عليه، وأنا أعظه عن ذلك فإن فعل فليفتد؟ قال: وإن لبس لغير علّة ثمّ مرض فتركه ثمّ صح فتركه ففدية واحدة تجزئه، ولو لبس لمرض ثم تمادى لبسه / بعد أن صح فلعيه فديتان، وكذلك ذكر ابن حبيب من أوّل المسألة عن ابن الماجشون، وزاد: ولا يُبالي مرض مَرْضَةً ثانية بعد الأولى ثم صح منها وهو عليه أو لم يمرض ثانية فليس عليه إلا فديتان.

стр. 1914

الباب الرابع في تفسير فدية الأذى، وموضع وجوبها [فصل فدية الأذى على التخيير، له أن يذبحها حيث شاء من البلاد، وله أن يصوم حيث شاء]. قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قال ابن القاسم: وهذه الفدية التي ذكر في إماطة الأذى وما ضارعه من اللباس والطيب وغيره مما يفعله لحاجة لا يحكم فيها الحكمان، ولا يحكم عليه إلا في جزاء الصيد وحده. قال: والرجل مُخَير في الفِدْية كما قال الله تعالى: ﴿مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، وكذلك الذي يلبس أو يتطيب جَهْلاً من غير أذى يُخير فيما ذكرنا، كما يخير من فعله من أذى. والنسك شاة يذبحها أين شاء من البلاد. ابن المواز: في ليلٍ أو نهار، وإن شاء أن يَنْسك ببعير أو بقرة ببلده فذلك له، وفعله علي بن أبي طالب، وله أن يجعله هَدْياً ويُقلٌده ويُشعره ثمّ لا ينحره إذا قلده إلا بمنى أو بمكة إن أدخله من الحلٌ.

стр. 1915

وإذا افتدى بشيء قبل أن يفعله ثم فعله لم يجزه. ومن المدونة: وكذلك الإطعام والصيام حيث شاء من البلاد. وخلافاً لأبي حنيفة، والشافعي أن النسك لا يكون إلا بمكة، وإليه ذهب ابن الجهم، وخالف في ذلك مالكاً وأصحابه. وقال الشافعي: وكذلك الإطعام لا يكون إلا بمكة. والدليل لمالك: أن الله تعالى ونبيه ﵊ أطلقا ذلك ولم يخصّا به موضعاً، فمن ادّعى خلافه فعليه الدليل. وقد سمىّ الله تعالى الفدية نسكاً، والجزاء هدْياً، وجعل محل الهدْي مكة، لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، ولم يذكر للفدية محلاً ولا سمّاها هدْياً فأينما ذُبحت أجزأت. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن ذبح نُسك الأذى بمنى أو بمكة لم يكن عليه وقوفها بعرفة ولا خروجها إلى الحل وإن لم يدخلها منه. قال: والصيام: ثلاثة أيام، والإطعام: ستة مساكين، مدّين مدّين لكل مسكين بِمْدّ النبي ﷺ .

стр. 1916

والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ ... الآية﴾، وبينه الرسول ﷺ بقوله لكعب ابن عجرة: «أتؤذيك هوامّ رأسك؟» فقال: نعم، قال: «إحلق وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، مدّين مدين لكل مسكين، أو نسك بشاة، أيّ ذلك فعلت أجزأ عنك». ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا اختار الإطعام فليطعم ستة مساكين مُدّين مُدين من عَيش أهل ذلك البلد من بُرً أو شعير، ككفّارة اليمين، ولا يجزئه أن يغدّي ويعشي ستة مساكين؛ لأن النبي ﷺ سمىّ مُدين مُدين، وأجزأ ذلك في كفّارة اليمين؛ لأنها مُدّ مُدّ، والغداء والعشاء أفضل من مُدّمُدّ.

стр. 1917

[الباب الخامس] جامع ما يحرم من الصيد على المحرم، وحكم الجزاء أو الطعام أو الصيام في ذلك، وفي الصيد في حرم مكة أو المدينة [فصل ١ - لا فرق بين الخطأ والعمد في قتل الصيد في وجوب الجزاء] قال الله سبحانه: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ... الآية﴾، فذكر الكفارة في القتل في أعلى وجوهه ليدل سبحانه أن ما دونه من الخطأ تُكَفّره الكفارة، كما قاله سبحانه في الإماء: «فإذا أحصن فإن أتين بفاحش فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب»، فكان ذكر الجلد في إحصانهنّ الذي هو أعلى يُبَيٌن أنّ ما دون ذلك يجزيء فيه الجلد، وكان قتل الصيد لا يخرج أن يكون ما ذكر فيه دية أو كفّارة لقوله فيه: «أو كفارة طعام مساكين»، فقد سمّاها كفّارة، وقد ذكر الله الكفّارة في قتل المؤمن خطأ، فهذا مثله، وقد ساوينا بين ما ذكر الله تعالى في قتل الصيد العمد وبين ما سكت عنه في الخطأ في تحريم اكله، فكذلك ينبغي أن يستويا في الكفارة. والله أعلم. قال الأبهري: فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فلم يوجب على المخطئ شيئاً، وإنما أوجب على العامد. قيل له: إنما خرج الكلام على الأغلب من فعل الناسي، كما لم يمنع أن تكون

стр. 1918

الربيبة التي ليست في الحِجْر مُحرّمه، وإن كان التّحريم إنّما هو في اللفظ في التي في الحِجْر، فكذلك الجزاء يجب في الخطأ وإنْ كان النّص إنما ورد في العمد لاستوائهما فيما ذكرناه من علة الإتلاف. [فصل ٣ - سيد الحرم حرام على الحلال والمحرم، وفيه الجزاء على من يقتله] م: وأباح الله سبحانه للمحرم صيد الماء بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾. وأبان الرسول ﷺ تحريم الصيد في حرم مكة، وحرم ما بين لابتي المدينة، ونهى عن الصيد فيه، وأباح ﷺ للمحرم قتل خمس من الدواب:

стр. 1919

الكلب العقور، والعقرب، والفأرة، والحِدَأة، والغراب». قال عبد الوهاب: وقال داود: لا يتعلق الجزاء بحرمة الحرام أصلاً. ودليلنا: قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ والاسم ينطلق على المحرم والحرام بالإحرام، وبالمكان. [فصل ٣ - هل يجب الجزاء في حرم المدينة؟] قال: وقال ابن أبي ذنب: في حرم المدينة أيضاً الجزاء. فوجه قول مالك: قوله ﷺ : «من وجدتموه صاد في حرم المدينة فأوجعوه ضرباً واسلبوه ثيابه»، فلو كان فيه الجزاء لأمر به، ولأنه غير محل للمناسك فلم يتعلق فيه الجزاء، أصله الحِلّ.

стр. 1920

ووجه إيجاب الجزاء: قوله ﷺ : «إن إبراهيم حرم مكة، وإنّي أحرٌم المدينة بمثل ما حرّم إبراهيم مكة ومثله معه لا يختلي خلاها، ولا يُعْضَد شجرها، ولا يُنفّر صيدها». ولأنه حرم يمنع الاصطياد فيه فيتعلق الجزاء فيه كحرم مكة. قال: وهذا أقيس عندي مع قول أصحابنا: إنّ المدينة أفضل من مكة وأن الصلاة بمسجد الرسول ﷺ أفضل من الصلاة بالمسجد الحرام. م: وقد قال مالك في غير المدونة من رواية أشهب: لم أسمع أنّ فيما قتل في حرم المدينة جزاء، ومن مضى أعلم من بقي، ولو كان هذا لسنّوا فيه دية صيد، وقد صيْدَ بها وقُتِل. قيل له: فهل يؤكل ما صيد فيه؟ قال: ليس كالذي يُصاد بمك، وإنّي لأكرهه فراجعه، فقال: لا أدري، وما أحبٌ لك أن تسأل عن مثل هذا أحداً.

стр. 1921

[فصل ٤ - للمحرم أن يقتل السِّباع التي تعدو على الناس وتفترس، جائز له قتلها على كل حال] ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس أن يقتل المُحْرِم سِبَاع الوحش، والنّمور التي تَعْدو وتفترس، يبتدئها وإن لم تبتدئه، ولا شيء عليه في ذلك، لدخول ذلك في اسم الكلب العقور، ولما جاء في حديث أبي سعيد الخدري من قوله ﷺ : «ليس على المحرم في قتل الفُوَيسقَة. والحِدَأة والسَّبُع العادي جناح». قال عبد الوهاب: فله عندنا قتل السباع العَادية من الوحش، والطير، فيقتل الأسد، والنمر، والفهد، والذئب، ومن الطير: الغراب، والحِدَأَة. ووافقنا أبو حنيفة في الذئب والكلب العقور، وخالفنا في السبع، والفهد والنّمر وغيرها من السباع. وقال: من قتلها فعليه جزاؤها. والحج عليه الأخبار المروية. وقال: من قتلها فعليه جزاؤها. والحجة عليه الأخبار المروية. وقال الشافعي: كل ما لا يؤكل لحمه من الَّيد فلا جزاء فيه إلاّ الضيع. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، وقوله تعالى:

стр. 1922

﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. ومن المدونة: قال مالك: ولا يقتل صغار أولاد السِّباع العادّية؛ لأن الصّغار لا تَعْدو ولا تفترس. ابن المواز: قال أشهب: فإن فعل فعليه الجزاء، وقال أيضاً أشهب: لا جزاء عليه، وقال ابن القاسم. ويقتل المحرم الفأرة، والحيّة والعقرب صغارهن وكبارهن وإن لم تؤذه. ومن المدونة: وكره مالك قتل الهر الوحشي، والثعلب، والضبع، فإن فعل فعليه الجزاء إلا أن يبتدئوا فلا شيء عليه فيهم. وكره له مالك قتل سباع الطير، وغير سباعها، قال: فإن قتل سباع الطير فعليه الجزاء إلاّ الحِدَأة، والغراب فإنه إن قتلهما ولم يبتدياه فلا جزاء عليه لأذاهما إلاّ أن يكونا صغيرين. قال ابن القاسم / في كتاب محمد: وأحبٌ إليّ أن لا يقتل الغراب والحِدَأة حتى يؤذياه، وإنْ قتلهما قبل أن يؤذياه فلا شيء عليه. قال ابن القاسم: وإنْ عدى عليه شيء من سباع الطير ويخافها فقتلها فلا جزاء عليه؛ لأنّه لو عدى عليه رجل يريد قتله فدفعه عن نفسه فقتله لم يلزمه شيء.

стр. 1923

قال مالك: ولا بأس للمحرم بصيد البحر كله، والأنهار، والبِرَك، والغُدْران، وإن أصاب طيراً من طير الماء فعليه جزاؤه. قال: ويؤكل صيد البحر الطافي وغير الطافي، والضَّفْدِعُ، وترس الماء من صيد البحر. قال ابن القاسم: وهذه السلحفاة التي تكون في البراري هي من صيد البّر، إذا ذُكيت أُكلت، ولا تحل إلاّ بالزكاة، ولا يصيدها المحرم. فصل [٥ - يحرم قطع ما ينبت بنفسه من نبات الحرم، ولا جزاء فيه] قال: ولا يقطع أحد من شجر الحرم شيئاً، يبس أو لم يبس، في حرم مكة، أو المدينة، للحديث، فإن فعل فليستغفر الله، ولا جزاء عليه فيه، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي، لأنه لو كان فيه جزاء لكان على المحرم بقطع الشجر في الحل.

стр. 1924

ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس بقطع ما أنبته الناس في الحرم من الشجر مثل النّخْل، والرُّمان، والفاكهة كلها، والبقْل كله، والكراث، والخس، والسِّلق، وشبهه، والسَّني والإِذْخِر. م: إنما قال ذلك: لأن ما أنبته الناس أنيساً مثل إنسي الحيوان، فلم يكن بأس بقطعه وأكله، كما لا بأس بذبح الحيوان الإنسي وأَكلِه. قال: وجائز الرّعي في حرم مكة وحرم المدينة في الحشيش والشَّجر. قال: وأكره أن يحتش في الحرم حلال أو حرام خيفة قتل الدواب، وكذلك الحرام في الحل، فإن أسلموا من قتل الدواب فلا شيء عليهم، وأكره لهم ذلك. ومَرَّ الرسول ﷺ برجل يرعى غنماً له في حرم المدينة وهو يخبط شجرة منها فنهاه عن الخبط، وقال: «هشوا وارعوا».

стр. 1925

قال مالك: الهشّ: أن يضع المحجن في الغُصْن فيحركه حتى يقع وَرَقُه. م: والمحجن: هو المخطاف عندنا، قال مالك: ولا يعضد، ومعنى العضد: الكسر. فصل [٦ - يكره للمحرم ذبح الحمام الوحشي وغير الوحشي] وكره مالك أن يذبح المحرم الحمام الوحشي وغير الوحشي؛ لأن أصله مما يطير، وأكره أن يذبح شيئاً مما يطير ولا الحمام الرومية التي لا تطير وإنما تتخذ للفراخ؛ لأن أصلها مما يطير. قال: ولا بأس أن يذبح الإوَزّ والدجاج، لأن أصلها مما لا يطير. م: أما الدجاج فليس لها أصل يطير، وأنا البُرَك، والإِوَز فلها أصل يطير في الوحشية، فينبغي على هذا أن لا يذبحها المحرم.

стр. 1926

قال ابن حبيب: كره مالك للمحرم ذبح الحمام المتخذ في البيوت للفراخ، ولم ير فيه جزاء إن فعل. وكان عطاء لا يرى بذبحه بأساً. قال: وكره مالك ذبح الحمام الأخضر، وقال: حنسه يمام وله عِرْق في الوحشية. ابن المواز: قال أصبغ: وما ذبح المحرم من حمام بيته وهو أنيس قفليفده. ومن المدونة: قال: وما دخل مكة من الحمام الوحشي والإنسي. م: مما قد صيد في الحل، قال: فجاز للحلال أن يذبحه فيها، كما يجوز للحلال أن يذبح الصيد في الحرام إذا دخل به من الحل؛ لأن شأن أهل مكة في ذلك يطول، وهم محلّون في ديارهم، والمحرم إنما يُقيم محرماً أياماً قلائل. قال: وما أدركت ممن افتدي به من يكره للحلال ذبح صيد في الحرم قد دخل به من الحل إلاّ عطاء بن أبي رباح، ثم ترك ذلك، وقال: لا بأس به. م: وقال أبو حنيفة: لا يجوز للحلال أن يذبح صيداً في الحرم قد كان ملكه في الحل.

стр. 1927

ودليلنا: أنه لما جاز له إمساكه والتصرف فيه في الحرم باتفاق جاز له ذبحه كالنَّعم؛ ولأن كل من جاز له تملّك صيد بالشّراء والهبة جاز له ذبحه كالحلال، وفارق حرمة الوضع في هذا حرمة الإحرام؛ لأن الإحرام لا يدوم، وحرمة الموضع دائمة فافترقا / كالنكاح، والوطء في ذلك؛ لأن حرمة الإحرام تمنه منهما، وحرمة الموضع لا تمنع لدوامها فرفع حرج ذلك عن الأمة؛ ولأن الشيء اللازم للإنسان لا حكم له، بخلاف المنقطع كالاستحاضة، وسلس البول، والقرحة تسيل ولا تكف، هو في ذلك كله بخلاف المنقطع. ومن المدونة: قال مالك: وما وقع من الجراد في الحرم فلا يصيده حلال ولا حرام، قال: ولا يُصاد الجراد في حرم المدينة، ونهى عن الصيد في حرم المدينة، لم ير فيما قتل من الصيد في حرمها جزاء. وقد تقدم هذا. فصل [٧ - التسبب في إتلاف الصيد هل يوجب الضمان إذا أفضى إلى الإتلاف؟] قال ابن القاسم: ولو ضرب محرم فسطاطه فتعلق بأطنابه صيد فعطب، أو حفر بئراً للماء فعطب فيه صيد فلا جزاء عليه، وذلك فعل الصيد بنفسه، كقول مالك فيمن حفر بئراً بموضع يجوز له فمات فيه رجل أنه لا دية فيه رجل أنه لا دية فيه على الحافر.

стр. 1928

قال ابن القاسم: وإذا رأى الصيد محرماً ففرغ منه فحضر فمات في حضره فعلى المحرم جزاؤه؛ لأنه نفر من رؤيته. ابن المواز: وقال أشهب: لا شيء عليه، وقال سحنون، وهو أصوب، لأن ذلك فعل الصيد بنفسه، أصله إذا تعلق بأطناب فسطاطه. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن نصب المرحم شرَكاً للذئب والسِّباع مخافة على غنمة ودوابه أو على نفسه فوقع فيه صيد ظبي أو غيره فعطب فيه فعليه جزاؤه؛ لأن مالكاً قال فيمن حفر في منزله بئراً للسارق أو عمل في داره شيئاً ليتلف به السارق فهو ضامن إنْ وقع فيه سارق فمات. وقال سحنون في الصيد: لا جزاء عليه؛ لأنّه فَعَلَ ما يجوز له فعله، وأمّا السارق ففعل مالا يجوز له. ابن المواز: وقال أشهب: إن كان موضعاً يتخوّف فيه على الصيد وداه، وإلاّ

стр. 1929

فلا شيء عليه. قال ابن المواز: وهذا أحبٌ إلينا. فصل [٨ - في كون العمد والسهو في الإتلاف سواء في وجوب الجزاء] ومن المدونة: قال مالك: وإذا أمر المحرم عبده أن يرسل صيداً كان معه فظنّ العبد أنّه أمره بذبحه فعلى السيد الجزاء. قال ابن القاسم: وإن كان العبد مُحْرِماً فعليه الجزاء أيضاً، ولا ينفعه خطؤه. م: لأنّ الخطأ والعمد عندنا في قتل الصيد سواء. [فصل ٩ - إذا اشترك جماعة محرمون في قتل سيد فعلى كل واحد جزاء كامل] قال ابن القاسم: ولو أمره بذبحه فأطاعه فذبحه، كان عليهما الجزاء جميعاً. قال: وإذا دلّ على صيد محرماً أو حلالاً فقتله المدلول عليه فليستغفر الله الدّال، ولا شيء عليه. قال ابن المواز: وقال أشهب: إذا دلّ المُحْرِمُ مُحْرِماً على صيد فقتله فعلى كل واحد منهما جزاؤه، وإن دلّ عليه حلالاً فليستغفر الله الدّال، ولا شيء عليه.

стр. 1930

ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن أشار المحرم، أو أمر بقتله فلا شيء عليه إلاّ أن يكون المأمور عبده، فيكون على الآمر جزاء واحداً، وقد أساء، وعلى القاتل الجزاء إن كان مُحْرِماً، وإن كان حلالاً في الحل فلا شيء عليه. وإذا اجتمع محرمون على قتل صيد، أو اجتمع محلون على قتل صيد في الحرم، أو محل، وحرام قتل صيداً في الحرم، فعلى كل واحد الجزاء كاملاً. وقال الشافعي: عليهم جزاء واحد. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، وهذا خطاب لكل قاتل في نفسه، ولأنه اشتراك في قتل تجب فيه الكفارة فكانت الكفارة بعدد القاتلين، كقتل الآدمي. ومن المدونة: قلت: فإن اجتمع مُحْرِمُون على قتل صيد فجرحه كل واحد منهم جرحاً؟ قال: قال مالك: إذا جرح المحرم صيداً فغاب عنه الصيد فعليه جزاؤه. قال ابن القاسم: وليس في جراح الصيد إذا أيقن أّنها سلمت من ذلك الجرح شيء.
следующие страницы →