Полный текст (9 651 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
قال مالك: فكذلك حجة الحربي أن يقول: عهدي لا ينقض.
وقال عبد الملك: بل يعطوا في كل مسلم أدبر قيمته وينزع منهم.
قال ابن حبيب: أما من أسلم من رقيق المستأمنين فليبع عليهم كما يفعل بالذمي ثم لا يكون ذلك نقضاً للعهد، وأما ما بأيديهم من سباية المسلمين فليؤخذوا منهم ويعطوا قيمتهم وإن كرهوا.
وهذا أشد من الأول ولا يكون هذا خفراً وأما ما بأيديهم من أموال للمسلمين أو رقيق على غير الإسلام أو أحرار ذمتنا ممن أخذوه وأسره فلا يعرض لهم في شيء من ذلك بثمن ولا بغير ثمن.
وقال مطرف وابن الماجسون وابن نافع وغيرهم ورووه عن مالك وانفرد ابن القاسم فقال: لا يعرض لهم فيما أسلم من رقيقهم أو ما بأيديهم من سبايا المسلمين وأساراهم ولا يعجبني.
قال ابن المواز: وإذا قدم إلينا حربي بأمان ومعه متاع لأهل الإسلام، وعبيدهم، وأحرار مسلمون، وأحرار ذميون، ومكاتبون، ومدبرون؛ فإن لم يسلم لم يعرض له في شيء
стр. 2207
مما في يديه من ذلك كله وكان له أن يبيع كل ما سيمت ويأخذ ثمنه أو يرده إلى بلد بعد أن يغرم ما لزمه من العشر الذي نزل عليه.
قال: وأما إن أسلم هو فلا يكون له في الأحرار حق ويؤخذون منه ويخرجون أحراراً ذميون كانوا أو مسلمون.
وأما كل مال للمسلمين فلا يؤخذ منه شيء؛ لأن من أسلم على شيء في يديه فهو أحق به من أربابه ما لم يكن حراً أو أم ولد، وترد أم الولد إلى سيدها ويتبعه بقيمتها.
وأما المكاتب فتكون له كتابته فإن عجز بقي رقيقاً لهذا الحربي وإن أدى كان حراً وولاؤه لسيده الذي عقد كتابته.
والمدبر يختدمه ويؤاجره مادام سيده حياً، فإن مات وحمله ثلثه كان حراً، فإن رق أو رق منه شيء كان ما رق منه للحربي الذي أسلم عليه.
قال ابن حبيب: وأما إن أسلم المستأمن فمجمع عليه أن يطلق من بيده من أحرار المسلمين وأهل الذمة، وأما أموالهم فهي له إلا أن يتنزه عنها ولا يحكم عليه.
وقال ابن المواز: إذا أسلم وبيده أحرار ذمتنا فقال ابن القاسم: يكونون رقيقاً له.
وقال أشهب: لا يسترقون وهم أحرار.
وقول أشهب أحب إلينا.
ومن العتبية قال سحنون: ولو قدم إلينا معاهد ومعه مدبر أو مكاتب لمسلم فللمعاهد كتابة المكاتب فإن أداها عتق وولاؤه لسيده وإن عجز رق للمعاهد.
стр. 2208
قال: وله خدمة المدبر، فإن مات سيده والثلث يحمله عتق أو ما حمل منه ورق باقيه للمعاهد.
قال ابن المواز: ولو كان معه عبد مسلم قد أرتد فلا يعرض له في قول ابن القاسم، ويبيعه إن شاء أو يرده، فإن باعه استتيب فإن تاب وإلا قتل.
قال أبو محمد: انظر هل يجوز شراؤه.
ابن المواز: ولو اعترف الحربي المستأمن أنه عبد لمسلم أو لذمي وأنه مرتد قال: إذاً يحكم عليه وليس كمال الحربي المستأمن.
قال أصبغ عن أشهب: ولسيد العبد أخذه وكل ما معه ويحكم على المرتد بحكم الإسلام.
وقال عن ابن القاسم: لا يقتل المرتد، وروى عنه في الرسول يظهر أنه مرتد: أنه يقتل.
وقال أصبغ: الرسول وغيره سواء.
стр. 2209
قال عيسى عن ابن القاسم: في المعاهدين ينزلون بأمان فإذا فرغوا سرقوا عبيداً لنا وأحراراً ثم قدموا ثانية بأمان ولم نعرفهم وهم معهم قال: يؤخذون منهم ولا يتركون يبيعون الأحرار ويطئون المسلمات.
قيل: أليس قد صاروا حرباً ثم أستأمنوا؟
قال: بل هم كمداينتهم للمسلمين ثم يهربون ثم ينزلون ثانية؛ أن الديون تؤخذ منهم، ثم رجع ابن القاسم فقال: لا يؤخذ منهم حر ولا عبد ولا ما داينوا به المسلمين من قبل.
وقال في كتاب ابن سحنون: إن عادوا بهم فلنأخذهم منهم ولو قدم بهم غيرهم لم نأخذهم.
فصل
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا خرج من أهل الذمة متلصصين فأخافوا السبيل وقتلوا حكم فيها بحكم الإسلام إذا حاربوا ويكون الإمام مخيراً إن شاء قتل وإن شاء قطع رجله ويده من خلاف، ولا يجمع عليه مع القتل قطع ولا
стр. 2210
ضرب، ولا يضرب إذا قطع، وإذا قتل فلابد من قتله، وليس كل المحاربين سواء منهم من يخرج بعصا ونحوه فيؤخذ على تلك الحال بحضرة خروجة ولم يخف السبيل ولم يأخذ مالاً؛ فهذا لو أخذ بأيسر الحكم لم أر به بأساً وذلك الضرب والنفي ويسجن في الموضع الذي نفي إليه حتى تعرف توبته.
قال ابن القاسم: وإن خرج أهل الذمة نقضاً للعهد ومنعاً للجزية وامتنعوا من أهل الإسلام من غير أن يظلموا والإمام عدل فهم فيء ولا يردوا إلى ذمتهم إذا نقضوا من غير ظلم ركبوا به؛ بذلك مضت السنة فيمن نقض العهد والإمام عدل، من ذلك أهل الإسكندرية مثلهم عمرو بن العاص الثانية وسلطيس قوتلت ثانية وسبيت.
قال يريد بن أبي حبيب: في بلهيب وسلطيس أنهم سبوا بعد أن نقضوا ودخل سبيهم المدينة سباهم عمرو بن العاص في زمان عمر بن الخطاب.
стр. 2211
[قال أبو إسحاق: لم يجعل خروجهم للحرابة ولا قتل الأنفس نقضاً للعهد الذي بيننا وبينهم وهو يقول: إذا غصبوا مسلمة على نفسها فهو نقض للعهد، ويقتل فاعل ذلك، وفي هذا نظر؛ إلا أن يكونوا عوهدوا على هذا المعنى في حين عوهدوا، فإذا خرجوا ناقضين للعهد استرقوا لأنا إنما أقررناهم على عهد فمتى نقضوه رجعوا إلى ما كانوا عليه من استباحة القتل والسبي؛ لأنا لم نوجب على أنفسنا ترك قتلهم وسبيهم إلا بشرائط متى تركوها بقوا على ما كانوا عليه من القتل والسبي ونقضهم إنما يكون بأن يرجعوا إلى ما كانوا عليه من استباحة القتل والسبي؛ لأنا لم نوجب على أنفسنا ترك قتلهم وسبيهم إلا بشرائط متى تركوها بقوا على ما كانوا عليه من القتل والسبي ونقضهم إنما يكون بأن يرجعوا إلى ما كانوا من الحرب لنا والخروج علينا ويصير على هذا ما فعلوه على غير هذه الطريقة من غصبهم لأموالنا وقتلهم لما أقررناهم على أن يكونوا يحكم عليهم بحكم الإسلام لا على أن ذلك نقض للعهد الذي عاهدناهم عليه وهذا لعمري ظاهر إلا إكراههم للحرة فإن ذلك غشكالاً].
قال ابن القاسم: وإن كان ذلك من ظلم ركبوا به فأرى أن يردوا إلى ذمتهم ولا يكونون فيئاً.
قال سحنون: وقال أشهب: لا يعود الحر إلى رق أبدا ويريدون إلى ذمتهم ولا يكونون فيئاً.
قال ابن حبيب: وانفرد بهذا أشهب.
стр. 2212
[وقال محمد بن مسلمة: إذا حارب الذمي قتل؛ لأنه نقض العهد ولا يؤخذ ولده؛ لأنه إنما نقض وحده وماله لا عهد له، وإن قطع السبيل لم يؤخذ ماله؛ لأنه بقي في ذمته
قال الداودي: إذا كان ذلك عن ظلم ظلموا به فهو نقض؛ لأنهم لم يعاهدوا على أن يظلموا من ظلمهم.
قال بعض المتأخرين: وهو أبين؛ لأنهم رضوا بطوع ما عقد لهم وإسقاط حقهم فيهم.
وقول أشهب: إنه لا يعود إلى الرق ليس بحسن، وقد حاربت قريظة بعد أن عاهدهم النبي -صلى الله عليه ولم- وقتل الرجال وسبى الولدان].
стр. 2213
جامع ما يعد من الذمي نكثاً وسبيهم وسبي ذراريهم وارتدادهم بعد الإسلام
وخروج المسلم إلى دار الحرب وحربه معهم وفي الجاسوس
وهذا الباب كله من غير المدونة.
ومن كتاب ابن حبيب روي عن عمر بن الخطاب ﵁: أن نصرانياً نخس بغلاً عليه امرأة مسلمة فوقعت وانكشفت عورتها فكتب أن يصلب في ذلك الموضع.
وقال: إنما عاهدناهم على إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون.
وفي يهودي دهش ناقة عليها امرأة مسلمة فوقعت فانكشف عورتها فضربه ابنها بالسيف فقتله فأهدر عمر ﵁ دمه.
وقال: في نصراني اغتصب مسلمة أنه يقتل وهو كنقض العهد.
قال ابن حبيب: ولها الصداق من ماله والولد على دين أمه وهو مجذوذ النسب لا يلحق بأبيه، ولو أسلم الأب لم يقتل؛ لأنه إنما يقتل لنقض العهد لا للزنا، وقال أصبغ. وقال في مسلمين لجؤوا إلى حصن لأهل الذمة وهم شاتون فلم يفتحوا لهم فباتوا خارجاً منه فمات بعضهم من البرد فاستباحهم عمر ورآه نقضاً للعهد.
стр. 2214
فصل
ومن العتبية روى عيسى عن ابن القاسم في أهل الذمة تنزع رجالهم فيحاربون فيظفر بهم هل تسبي نساؤهم وذراريهم؟ ومن زعم أنه مكره من صغار رجالهم، ومن يرى أنه مغلوب على أمره، قال: إن كان الإمام عدلاً قوتلوا وقتلوا وسبي نساؤهم وذراريهم وأبناؤهم المراهقون والأبكار وهم تبع لهم، وأما من يرى أنه مغلوب على أمره مثل الكبير والضعيف والزمن فلا يعرض لهم بقتل ولا رق ولا غيره، وإذا قاتلوا فظفرنا بالذرية قبل ظفرنا بهم فلا بأس أن نسبيهم إذا كان الإمام عدلاً ولم ينقموا ظلماً.
قال: ولو نقضوا ومضوا إلى بلاد الحرب وتركوا الذرية: لم يجز سبيهم ولو حملوهم معهم ثمظفرنا بهم جاز لنا سبيهم فأما إن لم يكن الإمام عدلاً ونقموا شيئاً لم يعرف؛ فلا يقتلوا ولو ظهر لهم في تلك الحال لم يسترقوا ولم تسب لهم نساء ولا ذرية وردوا إلى ذمتهم، وكذلك لو تحملوا بذراريهم إلى أرض العدو لم يستحل منهم شيء على هذا إلا أن يعينوا علينا المشركين بعد دخولهم إليهم ويقاتلوا معهم فيسلك بهم مسلك الحربي فيهم وفي ذراريهم ونسائهم.
стр. 2215
قال عنه ابن حبيب: وإذا حارب أهل الذمة والإمام عدل وله فليستحل بذلك نساؤهم وذراريهم، وأما من يرى أنه مغلوب عليه منهم أو من زعم من ضعفاء رجالهم من كبير أو من ذي زمانة أنه استكره فلا يستباحوا ولا يسترقوا.
وقال أصبغ: كلهم مستباحون لنقض أكابرهم كما صالحهم عليه صلح.
وقال الأوزاعي وابن الماجشون، وهو أحب إلي.
وقال ابن الماجشون: وكذلك فعل الرسول ﷺ في قريظة وغيرها سباهم وذراريهم وحاشيتهم؛ لأنه إنما يقوم بالأمر رجالهم وأكابرهم من حرب وعقد وصلح فيجزي ذلك على الجميع.
قال ابن القاسم عن مالك: وإن خرجوا عن ظلم فلا يقاتلوا وإن قتلوا المسلمين في مدافعتهم.
قال ابن الماجشون: وكذلك إن احتجزوا في دارهم فلا يقتلوا ما لم يخرج ذلك منهم إلى الفساد في الأرض والخروج على المسلمين فإن فعلوا هذا جوهدوا وصاروا فيئاً.
وقال مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ وغيرهم.
стр. 2216
قال ابن المواز: وإذا حالفت قرية من أهل الذمة ونكثت وقاتلوا وقتلوا؛ فإنه تستباح نساؤهم وذرياتهم بنقض رجالهم وأكابرهم.
قال ابن سحنون وقال ابن القاسم: في أهل الذمة ببلد المسلمين قد ظفر بهم العدو وأقام بها أهل الذمة معهم وتليهم مدينة أخرى للمسلمين يغزونهم ويغيرون عليهم فذكروا أن أولئك الذميين يتجسسون عليهم ويطلبونهم مع العدو فيستفزوا ويقتلوا فإذا ظفرنا بأحدهم قالوا: نحن نؤمن بهذا ونقهر عليه ويخافوا القتل إن لم يفعلوا ولا يعلم ما ادعوه من القهر والغلبة والخوف إلا بقولهم، فما ترى فيمن ظفرنا به منهم؟
قال: أما من قتل منهم مسلماً فليقتل، وأما من لم يقتل ولكن يطلب مع العدو ويستفيد الغنيمة ونحو هذا فلا يقتل ويطال سجنه.
قال: وإذا أجل لهم أجلاً في الرحيل من عند العدو فجاوزوه وأغاروا معهم علينا وسبوا وأسروا وزعموا أنهم منعوا، ولا يعرف ذلك إلا بقولهم؟
قال: إن تبين ما قالوا لا يستحلوا.
стр. 2217
قال: وإذا نقض أهل الذمة العهد بعد أن سرقوا لنا أموالاً وعبيداً وغير ذلك، فحاربوا وذلك في أيديهم ثم صالحونا على أن يعودوا لنا ذمة.
قال: يوفا لهم فإن لم يطلع على تلك السرقات إلا بعد الصلح فللإمام أن يخيرهم إما أن يردوها أو يرجعوا إلى حالهم من الحرب إلا أن يشترطوها في الصلح فلا كلام له، وأما ما أخذوا في حال حربهم فلا خيار للإمام فيه بعد الصلح.
فصل
قال ابن حبيب قال ابن القاسم: في قوم أتونا بنسائهم وأولادهم فأسلموا ثم تركوا الإسلام ورجعوا إلى بلادهم فأدركناهم وأسرناهم أنهم كالمرتدين في المال والدم يستتاب كبارهم ويجبر صغارهم على الإسلام إذا بلغوا من غير استتبابة.
وقال أصبغ: ليسوا كالمرتدين وهم كالمحاربين لأنهم جماعة فهم كأهل النكث؛ لأن المرتد إنما هو كالواحد وشبهه.
وليس قول أصبغ بحسن؛ لأن أهل النكث إنما هم أهل الذمة ونحن نسترقهم إذا ظفرنا بهم، ولعمري أنه لأمر خالف فيه عمر أبا بكر في أهل الردة من العرب؛ جعلهم أبو بكر كالناقضين، فقتل الكبار وسبى النساء والصغار وجرت فيهم المقاسم في أموالهم، وسار فيهم عمر السيرة في المرتدين؛ فرد النساء والصغار من الرق إلى عشائرهم كذرية من ارتد فلهم حكم الإسلام إلا من تمادى بعد بلوغه والذين كانوا أيام عمر لم يأب أحد منهم الإسلام، وعلى هذا جماعة من العلماء وأئمة السلف إلا القليل منهم؛ فإنهم أخذوا في ذلك برأي أبي بكر ﵁، وبه قال أصبغ.
стр. 2218
وذهب ربيعة وابن القاسم وابن الماجشون إلى فعل عمر وبه أقول.
ومن العتبية قال ابن القاسم فيمن لحق بأرض الحرب فتنصر وأصاب دماء المسلمين وأموالهم ثم أسلم: فإن ذلك يزيل عنه القتل وكلما أصاب، ولو كان أصاب ذلك قبل أن يرتد أقيد منه؛ يقتله الإمام ولا ينظر إلى أولياء من قتل؛ لأنه كالمحارب، ولا عفو فيه لولي الدم، ولا يستتاب استتابة المرت. وذكر مثله سحنون وابن المواز.
قال سحنون عن ابن القاسم: إن ارتد أهل حصن عن الإسلام؛ فليقاتلوا ويقتلوا ولا تسبى ذراريهم ولا تكون أموالهم فيئا.
قال في كتاب محمد: وتجبر ذراريهم على الإسلام وما ولد لهم بعد الكفر فليردوا إلى الإسلام ما لم يكبروا على الكفر.
وكذلك قال عبد الملك: لا تسبى ذراريهم ولا نساؤهم؛ لأنهم يقولون: نحن لم نرتد، ولو كانوا أهل ذمة نكثوا وقاتلوا فظفرنا بهم لسبي نساؤهم وذراريهم واستحلت أموالهم بنقض رجالهم وكذلك فعل النبي ﷺ في بني قريظة وغيرهم سباهم وحاشيتهم.
стр. 2219
قال ابن حبيب: والسنة في المرتد يلحق بدار الحرب فيقتل المسلمين ويزني ويسرق ثم يتوب: أنه لا يؤخذ بشيء من ذلك، وإن فعل ذلك في دار الإسلام بعد ردته؛ فليؤخذ بذلك وإن أسلم.
وإن مجن مسلم بدار الإسلام ولحق بدار الحرب على مجونه فحارب معهم فقتل منا أو لم يقتل؛ أنه يحكم فيه بحكم المحارب في بلد الإسلام من القتل والصلب ويؤخذ فيه بأعظم عقوبة الله في المحارب قتل أو لم يقتل، ولا تقبل توبته ولا عفو فيه وإن ادعى أنه كان في فعله ذلك مرتداً لم يصدق إلا ببينة فحينئذ يسن به سنة المرتدين في قبول التوبة وهدر ما كان فعل من ذلك وليس تركه الصلاة بدار الحرب وشربه الخمر بردة حتى يفصح بالردة. وقاله ابن الماجشون، وقال أصبغ عن ابن القاسم.
ومن كتاب المحاربين قال عبد الملك: لا يجوز للإمام أن يؤمن المحارب وينزله على ذلك ولا أمن له بذلك؛ لأنه في سلطانك وعلى دينك إنما امتنع منك بعزة لا بدين.
قال سحنون: وإذا هرب المحارب ودخل حصناً من حصون الروم فحاصرنهم فنزل أهله بعهد وطلب المحارب العهد والأمان فأمنه أمير السرية قال: لا أمان له ولا يزيد حكم الحرابة عنه جهل من أمنه وقد ظفرنا به قبل التوبة.
محمد وقد اختلف فيه.
стр. 2220
م: وفي كتاب المحاربين والمرتدين إيعاب هذا.
فصل
ومن كتاب ابن سحنون عن أبيه: وإذا وجدنا بأرض الإسلام عينا لأهل الشرك وهو حربي دخل بغير أمان، أو كان ذمياً أو مسلماً يكاتبوهم بعورات المسلمين؛ فأما الحربي: فللإمام قتله واستحياؤه كمحارب ظفرنا به، وللإمام أخذ ماله ولا خمس فيه وهو فيء، فإن أسلم قبل أن يقتل فلا يقتل ويبقى رقيقاً كالأسير يسلم. وأما المسلم يكاتبهم؛ فإنه يقتل ولا يستتاب وماله لورثته وهو كالمحارب والساعي في الأرض فساداً.
وقال بعض أصحابنا: يجلد جلداً منكلاً ويطال سجه وينفي من موضع كان فيه بقرب المشركين.
قال: وإن كان ذمياً قتل ليكون نكالاً لغيره.
ومنه ومن العتبية قال ابن القاسم: يقتل لجاسوس ولا تعرف لهذا توبة.
قال عنه ابن المواز: إن ظاهر على أمور المسلمين بأمر دل على عوراتهم قتل، فإن لم يكن فيما كان منه مظاهرة على عوراتهم سجن حتى تعرف توبته.
стр. 2221
فيمن أسلم من عبيد الحربيين بعد خروجه إلينا أو قبل
وكيف إن أقام ببلدنا مسلما
روى ابن وهب أن المغيرة بن شعبة نزل وأصحاب له بأيلة وهم حينئذ كفار فشربوا خمراً وسكروا وناموا فقال إليهم المغيرة فذبحهم وأخذ ما كان معهم وقدم به على رسول الله ﷺ فأسلم ودفع إليه وأخبره الخبر فقال رسول الله ﷺ : «إنا لا نخمس مالاً أخذ غصباً» وترك المال في يد المغيرة بن شعبة.
стр. 2222
قال ابن القاسم: وإذا قدم إلينا عبد لرجل من أهل الحرب بأمان فأسلم ومعه مال لسيده: فالمال للعبد ولا يخمس؛ كما فعل النبي ﷺ بالمغيرة.
ابن حبيب وقال أصبغ: المال لسيده إلا أن يكون استأمن على الإسلام وعلى ما معه في أول نزوله فهذا يكون له؛ كما لو هرب به مسلماً، بخلاف إسلامه بعد أن استقر نزوله بالعهد، وقول ابن القاسم أحب إلينا.
وقال أشهب في كتاب ابن سحنون: هو حر في حكم الإسلام ولا يعرض له في المال إلا أن عليه أن يفي لسيده لأنه خرج على أن يرجع إليه فليرجع إليه ويرد إليه المال وهو حر على سيده، ألا ترى أن لو بعث أسيراً مسلماً بتجارة فهو حر لا يكلف أن يرجع، ولا يمنع مما في يديه إلا أن عليه الوفاء لمن بعثه بما خرج إليه.
ومن المدونة قال ربيعة في قطبي فر من أرض العدو بمال: فهو حر وعليه الجزية والمال له، وإن جاء مسلماً فالمال له وهو من المسلمين.
قال يحيى بن سعيد: وإن أؤتمن أسير على شيء. سحنون. أو على ألا يهرب.
стр. 2223
قال: فليؤد أمانته، وإن كان مرسلاً وقدر على أن يأخذ من أموالهم شيئاً لم يؤتمن عليه ويتخلص فليفعل.
ابن المواز: وإن خلوه على أيمان حلف لها بها؛ فأما مثل العهد والوعد فذلك يلزمه، وأما بالطلاق والصدة فلا يلزمه ولا حنث عليه؛ لأنه مكره. وقال ابن القاسم.
ولو هرب بجارية أو غيرها وقد كان أسر من بلد الإسلام فلا خمس عليه فيه؛ لأنه مما لم يوجب عليه فيه.
قال: وإن كان إنما خرج إلى بلد الحرب غازياً فأسر؛ فعليه فيما هرب به الخمس ما لم يصل إلى بلد الحرب إلا بالإيجاف.
قال ابن القاسم: ولا يحل له وطء الجارية ما دام في بلد الحرب فإذا دخل بلاد الإسلام حل له وطؤها إذ قد صارت له فيئاً.
م: يريد التي لا خمس فيها.
قال: وللأسير أن يسرق من مال العدو ولا يعاملهم بالربا.
قال أشهب: وإن دفعوا إليه ثوباً يخيطه فلا يحل له أن يسرق منه.
م: لأنه أؤتمن عليه فلا يجوز.
стр. 2224
قال ابن المواز: وما أقر به بعد تخلصه إلى بلد الإسلام أنه كان فعله من سرقة أو زنا أو خيانة أو ربا فلا شيء عليه في السرقة وأحب إليّ أن يتصدق بقدر ما أربى أو خان إذ لا يقدر على رد ذلك إلى أهله، واختلف في زناه:
فقال ابن القاسم: يقام عليه الحد إن شهد أو أقر وأقام على إقراره ولم يرجع وقال أصبغ، وسواء زنا بحربية أو مملوكة.
وقال عبد الملك: لا حد عليه في زناه ولا في سرقته منهم.
فصل
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أسلم من عبيد الحربين لم يزل ملك سيده عنه إلا أن يخرج العبد إلينا أو ندخل بلادهم نحن فغنمه وهو مسلم وسيده مشرك فهو حر، ولا يرد إلى سيده إن أسلم سيده بعد ذلك.
واختلف: إذا لم يخرج حتى وقع الفتح ودخل المسلمون عليهم:
فقال ابن القاسم: هو حر.
وقال ابن حبيب: هو رقيق لذلك الجيش. وهو أقيس.
стр. 2225
وقد أعتق النبي ﷺ عبيداً لأهل الطائف لخروجهم مسلمين، وابتاع أبو بكر بلالاً إذ أسلم قبل مولاه فأعتقه، والدار يومئذ دار حرب وأحكام الجاهلية ظاهرة، فلو انتقل ملك ربه عنه كان ذلك فداء ولم يكن ولاؤه لأبي بكر.
وقيل: إلا بلالاً أعتقه أبو بكر قبل الهجرة وقبل ظهور أحكام النبي ﷺ ؛ وإنما يكون حجة لو كان بعد الهجرة وظهور أحكام النبي ﷺ /.
قال: هي الحجة حتى يأتي ما ينقضها.
قال ابن القاسم: وإن خرج العبد إلينا مسلماً وترك سيده مسلماً فهو له رق إن أتى.
وإن أسلم عبد الحربي بدار الحرب فدخل إليهم مسلماً بأمان فاشتراه فهو لمبتاعه لما صنع مولى بلال وشراء أبي بكر له؛ ولأن سيده لو أسلم قبل أن يخرج العبد إلينا بقي له
стр. 2226
رقاً، ألا ترى أن مالكاً قال في عبد مسلم يأسره العدو فيبتاعه منهم رجل من المسلمين: أنه رقيق له فكذلك هذا أنه ملك لمن اشتراه.
وقال أشهب وغيره: إسلام العبد في دار الحرب يزيل ملك سيده عنه خرج إلينا أو أقام ببلده.
وإن اشترى كان كالحر المسلم يفدى يتبعه مشتريه بالثمن. وتسترق العرب إذا سبوا كالعجم.
في المستأمن يموت عندنا ويترك مالاً
والحكم في ديته إن قتل
قال مالك ﵁: وإن مات عندنا حربي مستأمن وترك مالاً فليرد.
ماله إلى ورثته ببلده، وكذلك إن قتل فديته تدفع إلى ورثته ويعتق قاتله رقبة وكذلك في كتاب محمد.
وقال سحنون: يدفع ماله وديته إلى حكامهم وأهل النظر لهم حتى كأنهم تحت أيديهم وماتوا عندهم ونقلها أبو محمد: أن من مات رد ماله إلى من يرثه ببلده، وإن قتل دفعت ديته إلى حكامهم، ويعتق قاتله رقبة.
стр. 2227
قال ابن حبيب: وإن ظهرنا على ورثته قبل أن يأخذوا ذلك فذلك فيء لذلك الجيش الذين ظهروا عليهم.
م: وإنما يرد ماله لورثته إذا مات عندنا إذا استأمن على أن يرجع أو كان شأنهم الرجوع، وأما لو استأمن على لمقام أو كان ذلك شأنهم فإن ما ترك يكون للمسلمين وكذلك في كتاب ابن سحنون، قال فيه: إذا مات المستأمن عندنا ولم يكن ذكر رجوعاً كان أكثر المستأمنين بذلك البلد إنما هو على المقام فميراثه للمسلمين ولم يكن لهذا أن يرجع، وإن كان شأنهم الرجوع فله الرجوع وميراثه إن مات يرد لورثته ببلده إلا أن تطول إقامته عندنا فليس له أن يرجع ولا يرد ميراثه، وإذا لم يعرف حالهم ولا ذكروا رجوعاً فميراثه للمسلمين.
ومن كتاب ابن المواز: وإذا أودع المستأمن عندنا مالاً ثم رجع إلى بلده فمات؛ فليرد ماله إلى ورثته وكذلك لو قتل في محاربة للمسلمين فإنا نبعث بماله الذي له عندنا إلى من يرثه وأما لو أسر ثم قتل صار ماله فيئاً لمن أسره وقتله؛ لأنهم ملكوا رقبته قبل قتله.
وقال ابن القاسم وأصبغ.
وكذلك قال ابن حبيب: إن قتل بعد أن أسر قال: وأما إن قتل في المعركة فهو فيء ولا خمس فيه؛ لأنه لم يوجف عليه. وقال ابن الماجشون وابن القاسم وأصبغ.
[قال ابن المواز: ولو قتل المستأمن عندنا مسلماً أو ذمياً لقتل به في العمد، وإن كان خطأ فعلى قاتله الدية متى قدر على ذلك، وهو ما دام في عهده كالذمي في جميع أموره عند ابن القاسم وعبد الملك].
стр. 2228
قال ابن المواز: وإذا داين المستأمن الناس عندنا ببيع أو سلف ثم عاد إلى بلده فدخلناها فغنمناه وماله وله عندنا ودائع دين، قال: فماله الذي ببلد الحرب لمن غنمه وماله الذي ببلد الإسلام لغرمائه، ولولا غرمائه لكان ذلك كله لمن غنمه. وقال ابن القاسم وأصبغ.
وقال غيره في كتاب ابن سحنون: ماله الذي ببلدنا علينا فيه أمانة فليرد إلى أهله إذا لم يكن عليه دين. قال فيه ابن القاسم: وإن وقع في سهمان رجل أو ابتاعه فأخرج لسيده مالاً بأرض الشرك فذلك فيء للذين غنموه وليس للسيد إلا ما أفاد عنده.
وقال ابن عبدوس: إذا أودع الحربي وديعة فغنم وصار في سهمان رجل فإن تلك الوديعة للعبد لا للجيش الذين سبوه.
قال ابن المواز: ولو سرق المستأمن من مسلم أو ذمي لقطع، ولو قذف مسلماً حراً؛ لحد.
وقال أشهب لا قطع على الحربي المستأمن في سرقته من مسلم أو ذمي، ولا على من سرقه منه، ولا حد عليه إن قذف مسلماً ولكن يعاقب.
وقد قال مالك: إن خصى عبده لا يعتق عليه وكأنه خصاه ببلده.
стр. 2229
قال أشهب: بخلاف الذمي؛ لأن الذمي لو أخصى عبده لعتق عليه، وقد أعتق النبي ﷺ / على سندر غلاماً له حين خصاه وجدع أنفه وسندر يومئذ كافر.
وقال ابن القاسم: لا يعتق على الذمي ولا على الحربي المستأمن عبيدهما إذ مثلاً بهما، وأمرهما واحد ما دام الحربي في أمانه.
ابن المواز: وهذا رأينا وأوثق عندنا.
стр. 2230
قال ابن المواز: إن لم يقم على الحربي حتى هرب إلى دار الحرب ثم عاد إلينا بأمان ثان فليؤخذ بما تقدم ولا يزيله أمانه الثاني، ولا يؤخذ بما صنعه في بلده وفي غير عهده من قذف وقتل وغضب ونهب.
وفي كتاب ابن سحنون عن ابن القاسم: نحوه إلا أنه قال في جناية المعاهد الخطأ: لا عاقلة له؛ لأن العواقل على ثلاثة أوجه:
١ - عشيرة الجاني.
٢ - وأهل جزية النصراني.
٣ - ومسلم لا عشيرة له ولا ولاء، كمن أسلم فعقله على بيت مال المسلمين وميراثه لهم.
والمعاهد ليس من هذه الأوجه فذلك في ماله وإلا ففي ذمته، وللإمام منعه من الرجوع حتى يؤديها أو يبعث إلى بلده في ذلك إلا أن الدية عليه في ثلاث سنين مؤجلة.
قال أشهب: فإن أبوا أن يبعثوا إليه شيئاً فإنما عليه بقدر ما يلزمه معهم لو أطاعوا على اجتهاد الإمام. وقال سحنون: بل ذلك في ذمته.
стр. 2231
في محاصرة حصون العدو وتحريقها وتغريقها
ورميها بالمجانيق وفيها ذرية لهم أو أسارى مسلمين
وتحريق مراكبهم وتحريقهم مراكبنا
قال ابن القاسم: وإذا كان مسلم في حصن للعدو أو مركباً لم أر أن يحرق أو يغرق.
قال مالك والأوزاعي: إذا كان في مراكبهم مسلمون فلا تحرق قال مالك وقد قال الله تعالى في أهل مكة ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ فإنما صرف النبي ﷺ عن أهل مكة لما فيها من المسلمين.
قال ابن القاسم: ولو لم يكن فيها مسلم وكان فيها ذراري المشركين ونساؤهم لم يعجبني ذلك إلا أن تكون عارية من ذلك كله وإنما فيها الرجال المقاتلة فلا بأس بذلك.
وروى ابن وهب أن النبي ﷺ رمى أهل الطائف بالمجانيق، فقيل له: إن فيها النساء والصبيان؟ فقال: هم من آبائهم، وقال: ذلك أيضاً فيما أصيب منهم في غشم الغارة.
стр. 2232
.................................................
стр. 2233
قال ابن القاسم في المستخرجة: لا بأس أن ترمى حصونهم بالمجانيق ويقطع عنهم الميرة والماء وإن كان فيهم مسلمون أو ذرية.
وقال أشهب.
قيل لابن القاسم: فهل ترمى حصونهم بالنار ومعهم الصبيان؟
قال: لا أحب ذلك، وأما المركب فبخلافه؛ لأنهم بدأونا برمي النار فلنا أن نرميهم بها.
قيل: فإن كان في مراكبهم مسلمون وبدأونا برمي النار؟
فقال: لا أرى أن يرموا بالنار لما معهم من المسلمين خوفاً أن يقتلوا مسلماً.
وقال أشهب: أرى أن يرموا بالنار، وكيف لا يرموا بالنار وهم رمونا بها.
[قال أبو إسحاق: وأما ما لا يقدر على صرفه لموته بين أرجل الخيل وشبه ذلك فموسع أيضاً كرمي المجانيق وانظر لو رمونا بالنار ما يجوز لنا أن نرميهم بها وفيهم المسلمون لننجي أنفسنا منهم ولو لم نفعل لقتلونا بها، وكيف إن كان إنما معهم الواحد والاثنان والذين رمونا لهم عدد كثير يقول المسلمون: إن كان لابد من موتنا أو موتهم أو موت من معهم من المسلمين بموت الواحد والاثنان خير للمسلمين من موت مائة].
ابن حبيب: لا بأس بتحريق حصونهم وتغريقها بالماء ويقطع عنهم مجراه، ويقطع عنهم الميرة، وإن كان فيهم النساء والذرية ما لم يكن فيها أسارى مسلمون وقاله مالك وأصحابه ونحوه في كتاب ابن سحنون عن سحنون.
стр. 2234
م: وتحصيل ذلك: أنه لا خلاف إذا كان مسلم في حصن العدو أنه لا يحرق ولا يغرق.
واختلف إذا كان فيه ذرية مشركون:
فقيل: هم كالمسلمين.
وقيل: بل يغرقون، ويقطع عنهم الميرة ولم نختلف في رمي حصونهم بالمجانيق وإن كان فيهم مسلمون أو ذرية مشركون.
واختلف في رمي مراكبهم بالنار وفيهم مسلمون أو ذرية:
فقيل: لا يرمون.
وقيل: يرمون.
وقيل: إن كان فيهم مسلمون لم يرموا وإن كان فيهم ذرية رموا وكره مالك أن يقاتل العدو بالنبل المسموم والسلاح المسموم. وقال: ما كان هذا في ما مضى.
م: لأن ذلك قد يعاد إلينا.
ومن المدونة قال مالك: وإذا أحرق العدو سفينة للمسلمين فلا بأس أن يطرحوا أنفسهم في البحر؛ لأنهم فروا من الموت إلى موت.
ابن وهب: ولم يرد ذلك ربيعة إلا لمن طمع بنجاة أو اختيار للأيسر ونحوه فلا بأس به وإن هلك في ذلك.
стр. 2235
وقال أيضاً ربيعة: إن صبر فهو أكرم له، وإن اقتحم فقد عوفي، ولا بأس به، وإن احترقت سفينة فلا يقتل رجل نفسه ويثبت لأمر الله .
стр. 2236
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماً
كتاب الجهاد الثاني
جامع القول في الفيء والخمس وأرض العنوة والصلح
قال ابن حبيب: قال النبي ﷺ : «أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي».
قال ابن حبيب: فكان يوم بدر استباح الصحابة الغنيمة قبل أن تنزل فيها إباحة إلا عمر، فعاتبهم الله سبحانه بقوله: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ يقول: في تحليلها ﴿لَمَسَّكُمْ
стр. 2237
فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ الآية، ثم تنازعت فيها طائفة غنموها وطائفة اتبعت العدو وطائفة أحدقت بالنبي ﷺ فتنازعت الغنيمة كل طائفة منهم دون غيرها فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ فسلموا ذلك لرسول الله ﷺ وكان هذا ببدر ثم نسخ بعد ذلك بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ والله تعالى غني عن الدنيا وما فيها وإنما يريد الله ورسوله الحكم فيه فكان حكم النبي ﷺ في الخمس من حكم الله تعالى وأما الأربعة أخماس فالله تعالى حكم بها لمن غنمها ورد الحكم في الخمس إلى الرسول ﷺ ، فقال ﷺ : مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم يعني على الغني والفقير والصغير والكبير والذكر والأنثى كالفيء الذي أنزل الله فيه ما أنزل.
стр. 2238
وتأول عمر قول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية: أنه أبقى لمن يأتي في ذلك حقاً، فأقر الأرض ولم يقسمها لتكون لنوائب المسلمين ومرافقهم، وطلب عمر في قسمها وامتنع فألح عليه بلال فقال: اللهم اكفي بلالاً وذوي بلال.
قال عبد الوهاب: ولم ينكر أحد من الصحابة عليه ذلك، وتلاه عثمان وعلي على مثل ذلك؛ ولأن النبي ﷺ غنم غنائم وأراضي ولم ينقل أنه قسم منها إلا خيبر، وهذا إجماع من السلف والله أعلم.
قال: وإن أرى الإمام في وقت من الأوقات رأياً لم يمتنع أن يقال: أن له ذلك فيما يفتتحه من بعد.
قال الشيخ: كما قسم النبي ﷺ خيبر.
قال سحنون: وما روي أن النبي ﷺ قال: «خمس الخمس في خاصة» فغير معروف عند أهل المدينة. وقد قال النبي ﷺ : «والخمس مردود عليكم» لم يستثن منه شيئاً.
стр. 2239
قال ابن دينار: ولو كان الخمس على هذا التقدير لكان سهم ذوي القربى تجري فيه المواريث، وقد أجمع الخلفاء على خلاف ذلك وأن ليس لهم سهم راتب.
ومن المدونة قال مالك ﵁: والخمس والفيء سواء يجعلان في بيت المال ويعطي منه الإمام أقرباء رسول الله ﷺ بقدر اجتهاده ولا يعطونه من الزكاة لقول النبي ﷺ : «لا تحل الصدقة لآل محمد» وهم: بنو هاشم.
والفيء ما لم يوجف عليه، وجزية الجماجم، وخراج الأرضين الصلح والعنوة والهدنة، وعشور أهل الذمة، ويسلك بالخمس مسلك الفيء.
ابن المواز: وقد قال الله سبحانه في قسمة الفيء: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
стр. 2240
وقال في آية الخمس: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾] فالآيتان متفقتان.
واختلف في سهم ذوي القربى:
فقيل: هم آل محمد ﷺ ؛ قاله ابن عباس وغيره وهو الأصح.
وقيل: بل هم على قريش كلها.
قال سحنون وأصبغ: وليس في ذلك قسم محدود لكل نفس؛ وقد ساوى أبو بكر بين الناس كافة فيه. وفضل عمر بقدر السابقة والهجرة والحاجة وكل صواب على الاجتهاد.
ومن المدونة وقد قال عمر: أيها الناس إني عملت عملاً وإن صاحبي عمل عملاً ولئن بقيت إلى قابل لألحقن أسفل الناس بأعلاهم.
قال مالك: وبلغني أن عمر قال: ما من أحد من المسلمين إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعه حتى لو كان راعياً أو راعية بعدن فأعجبني ذلك.
قال ابن حبيب: قال أشهب: فما كان من خمس الغنائم، وجزية أهل الذمة، وما يؤخذ من أهل الصلح، ومن تجار أهل الذمة وأهل الحرب، وخمس الركاز؛ سبيله سبيل الفيء، ويبدأ فيه بالفقراء والمساكين واليتامى وابن السبيل ثم يساوي بين الناس فيما بقي غنيهم وفقيرهم وشريفهم ووضيعهم.
стр. 2241
ومن الفيء يرزق والي المسلمين وقاضيهم، ويعطي غازيهم، وتسد ثغورهم، وتبنى مساجدهم وقناطرهم، ويفك أسيرهم، وتقضي حوائجهم، ويقضي دين ذي الدين منهم، وتعقل جنايتهم، ويزوج عازبهم، ويعان حاجهم، وشبه ذلك من الأمور.
ولا يحل أن يعطي من العشور والصدقات في شيء من هذه الوجوه، ولكن على الفقراء والمساكين ومن سمي معهم في آية الزكاة، ولا تحل لغني إلا لغاز أوغارم وهو المديان، وابن السبيل يضعف وهو غني ببلده، أو عامل عليها، أو غني أهدى له منها جاره المسكين؛ قاله النبي ﷺ بجميع ذلك، وفي كتاب الزكاة كثير من هذا.
ومن المدونة قال مالك: وأما جزية أرض العنوة فلا أدري كيف كان يصنع فيها؛ إلا أن عمر قد أقر الأرض ولم يقسمها، وأرى لمن نزل ذلك به أن يكشف عنه من يرضى فإن وجد عالماً يستفتيه وإلا اجتهد في ذلك هو ومن حضره من المسلمين.
قال ابن القاسم: وكل أرض افتتحتها أهل الإسلام فهذا فيء ولا يقسمها الإمام وأهلها على ما صولحوا عليه.
وأما الجماجم في خراجهم فلم يبلغيني عن مالك فيه شيئاً، وأنا أرى الجماجم تبعاً للأرض كانوا عنوة أو صلحاً.
وقيل له في موضع آخر: أرأيت جزية جماجم أهل الذمة وخراج الأرضين ما كان منها عنوة أو صلحاً ما يصنع بهذا الخراج؟
قال: قال مالك: هذه جزية، والجزية عند مالك فيء، وقد أعلمتك ما قال مالك في العنوة.
стр. 2242
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: لا يزاد عليهم في جزية جماجمهم على ما فرض عمر أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهماً علىهل الورق، وأما جزية الأرض فلا علم لي بها، فذكر نحو رواية ابن القاسم.
قال سحنون: هذه أصح من رواية ابن القاسم؛ أنه إنما شك في جزية الأرض ولم يشك في جزية الجماجم.
قال الشيخ: وبلغني أن أبا محمد قال: قول مالك لا علم لي بها ولا أدري كيف كان يصنع فيها: يعني أنه لم يدر هل على الأرض جزية دون جزية جماجمهم أو لا جزية عليها وتكون عوناً لهم وتكون الجزية على جماجمهم فقط دون الأرض.
ثم رجع أبو محمد فقال: قوله لا علم لي بها: يعني بمبلغ ما على الأرض؛ لأن جزية الجماجم معلومة والذي كان على الأرض مجهول والله أعلم.
وذكر ابن حبيب: أن عمر جعل ما افتتح عنوة من الأرض خراجاً، وجعل على كل علج من الذين أقروا لعمارته أربعة دنانير كل سنة غير خراج الأرض، وهذا نحو ما رجع إليه أبو محمد.
وقيل لابن المواز: أرأيت ما افتتح عنوة هل يخرج من تلك الدور أهلها الذين كانوا يملكونها أم يقرون لعمارتها؟
فقال: يقرون فيها على حالهم وتكون لهم الذمة ويكونون أحراراً ويكتفي منهم فيها بما يؤخذ من خراج جماجمهم.
قال عيسى: وتترك الأرض بأيديهم عوناً لهم كما فعل عمر.
стр. 2243
قال الشيخ: وهذا نحو ما تأول أبو محمد أولاً.
قال عيسى: ومن أسلم منهم كان حراً وماله للمسلمين.
قال ابن الموز: ما كان لهم قبل الفتح.
قال عيسى: ونساؤهم كالحرائر؛ لا ينظر إلى شعورهن، ودية المرأة منهم كدية حرة ذمية، وإذا لم يقدر على الأرض لبعدها؛ فإن أهلها يباعون.
ومن المدونة: وكل ما يقسم مما يؤخذ من أوجه الفيء كلها فإنه ينظر إلى البلدان فإنه تكافت في الحاجة بدأ بالذين فيهم المال حتى يغنوا وما فضل أعطاه غيرهم أو يوقفه الإمام إن رأى ذلك لنوائب المسلمين.
ابن القاسم: وبذلك كتب عمر أن لا يخرج في قوم عنهم إلى غيرهم.
قال: وإن كان في غير ذلك البلد من هو أشد منهم حاجة أعطى البلد الذي به المال من ذلك ما يكفيهم ونقل أكثر ذلك إلى البلد المحتاج كما فعل في أعوام الرمادة الست.
قال مالك: ولا بأس أن يعطي الوالي للرجل يراه أهلاً للجائزة فيجيزه لقضاء دين عليه ونحوه، ولا بأس على ذلك الرجل بقبولها، ويعطي للمتقوسين يبدأ منهم بمن أبوه فقيراً، [وكان عمر يعرض للمقوس مائة درهم.
قال أبو إسحاق: يريد في السنة] وقد جرى هذا موعباً في كتاب الزكاة.
стр. 2244
جامع القول في الأنفال وذكر السلب
قال مالك ﵁ وأصحابه: النفل من الخمس.
قال بعضهم: لأن الله تعالى قال: ﴿﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية. وجعل الأربعة أخماس لمن غنمها فلا يجوز أن يؤخذ لهم منها شيئاً بالاحتمال.
وقولنا: أن ما نفل النبي ﷺ من السلب إنما هو من الخمس أولى من قول من قال: أنه من جميع الغنيمة؛ لأن الله سبحانه فرض للنبي ﵇ أمر الخمس يجتهد فيه، وأما الأربعة أخماس فمملوكة لهؤلاء.
ودليل آخر: أن النبي ﷺ أعطاه لأبي قتادة بشهادة واحد بلا يمين؛ فلو كان من رأس الغنيمة لم يخرج من حق من غنم إلا بما تنتقل به الأملاك من البينات أو بشاهد ويمين.
قال ابن حبيب: وحديث ابن عمر في السرية التي كان فيها بعثها النبي ﷺ فغنمت إبلاً فكان سهمانهم أحد عشر بعيراً أو اثني عشر بعيراً ونفلوا بعيراً بعيراً؛ فدل هذا أن النفل من غير حقوقهم وليس ذلك إلا من الخمس.
стр. 2245
قال أبو محمد عبد الوهاب: وسئل النبي ﷺ عن الغنيمة؟ فقال: لله خمس، وأربعة أخماسها للجيش. فقيل: فهل أحد أحق بها من أحد؟ فقال: لا، ولا السهم تستخرجه من جنب أخيك المسلم.
قال: والنفل كله من الخمس سلباً كان أو غيره.
والنفل هو: زيادة على السهم، أو هبة لمن ليس من أهل السهم يفضله الإمام لرأي يراه مما يؤديه اجتهاده إليه.
فصل
من المدونة: قيل لابن القاسم: فمن قتل قتيلاً هل يكون له سلبه؟
قال: قال مالك: لم يبلغني أن ذلك كان إلا في يوم حنين وإنما هذا إلى الإمام يجتهد فيه.
قال الشيخ: مثل أن يرى ضعفاً من الجيش فيرغبهم بذلك في القتال [وقد فعله النبي ﷺ يوم حنين من الخمس].
قال ابن القاسم: وإنما نفل النبي ﷺ يوم حنين بعد أن برد القتال.
следующие страницы →