Полный текст (9 651 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
[فصل ٢ - في المدة التي يكون الرضاع فيها مُحرِّماً]
ومن المدونة: قال مالك وغيره: ولا يحرِّم ما رَضِعَ بعد الحولين.
قال مالك: إلا ما قارب الحولين ولم يُفْصَل بمثل شهرٍ أو شهرين.
قال غيره: لقوله سبحانه: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة:٢٣٣] , وروى ابن عبد الحكم: وما زاد على الحولين بالأيام اليسيرة.
قال الشيخ: وهذا أصح, لأن ما قارب الشيء له حُكمه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو فَصَلته أمُّه بعد الحولين حتى استغنى بالطعام لم يحرِّم ما أُرضِع بعد ذلك, وكذلك لو فَصَلته بعد حولٍ وانقطع رضاعه واستغنى بالطعام فأرضعته أجنبية بعد ذلك قبل تمام الحولين لم يكن رضاعاً يُحرِّم.
ابن حبيب: وقال مطرف وابن الماجشون: يحرِّم إلى تمام الحولين.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو فُصِل بعد الحولين بيسير أو قبل الحولين فأَرضع بعد فِصَاله بيومٍ أو يومين لَحرَّم, إذ لم يستغن بالطعام إلا أن يقيم أياماً يستغني فيها بالطعام معاشاً له فلا يحرِّم.
стр. 3677
قال مالك: ولو أرضعته أمه ثلاث سنين ولم تَفْصِله, ثم أرضعته أجنبيةً لم يكن ذلك رضاعاً يحرِّم.
قال ابن حبيب: وقد رأى بعض العلماء الأخذ برضاعة الكبير في الحِجَابَة خاصة لحديث سَهَلَة بنت سُهَيْل في رضاع سَالمٍ وهو كبير.
قال ابن المواز: فلو أَخذ به أحدٌ في الحِجَابة خاصةً لم أَعِبْه كل العيب, وتَرْكُه أحبُّ إلينا, وليس في الحديث أنه يُحرِّم, وإنما قال: «أَرضِعيه يَذهَبُ ما في
стр. 3678
وجه أبي حذيفة» , وفي حديث آخر: «تذهب غيرته» , فليس تقوم بهذا حجةً لمن أطلق التحريم, وما علمت من أخذ به عامَّاً إلا عائشة ﵂ وخالفها أزواج النبي ﷺ , ورأين ذلك خاصاً بسالم.
قال الشيخ: واحتج لذلك الحديث بعض أصحابنا البغداديين بقوله : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣] فدل أن ما زاد على الحولين بالأمر البين ليس من الرضاعة, لقوله ﷺ : «لا رضاع إلا ما فَتق الأمعاء» , وقوله ﵊: «الرضاع
стр. 3679
ما أنبت اللحم وأنشز العظم» , وكل ذلك مُنتفٍ عن رضاعة الكبير.
[فصل ٣ - في الرضاع في الشرك]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: والرضاع في الشرك والإسلام سواء يقع به التحريم, ولبن المشركات والمسلمات سواء يقع به الحرمة.
[فصل ٤ - في طرق وصول اللبن إلى الجوف وأثرها في التحريم]
قال مالك: والوَجُور يُحرِّم.
قال ابن أبي زمنين: والوَجور -بنصب الواو- ما صُبَّ في وسط الفم, واللَّدود: ما صُبَّ في أحد جانبي الفم, مأخوذ من لَدِيدَي الوادي وهما جانباه.
ومن المدونة:/ قال ابن القاسم: والسَّعوط إن وصل إلى جوف الصبي فإنه يحرِّم.
стр. 3680
وقال عطاء الخراساني: لا يحرِّم السَّعوط ولا الكَحُل باللبن, وروى مثله لابن عباس.
وأطلق ابن حبيب التحريم به.
وقول ابن القاسم أصح, لأن الاعتبار في الرضاع بما يقع به الاغتذاء وهو إذا لم يصل إلى الجوف كان وصوله إلى الدماغ كجريانه على ظاهر البدن. وكذلك أطلق ابن حبيب التحريم بالحُقْنَة, وعلَّق ابن القاسم الجواب فيها بوصول اللبن إلى الجوف حتى يكون غذاءً له, وقول ابن القاسم أصح في ذلك كله لما قدمناه, والله أعلم.
قال ابن حبيب: وإن مِيعَ كُحْلُّ في لبنٍ وَكُحِلَ به الصبي, فما كان دواء ينفذ مثل المُرِّ والصَّبِر والعَنْزَرُوت وشبهِه
стр. 3681
فإنه يحرِّم, وما كان مما يتردَّد في العين لم يحرِّم.
قال الشيخ: وسواءٌ عند ابن القاسم كان مما ينفذ أو يتردَّد فإنه لا يحرِّم؛ لأنه لا يكون منه غذاء, وقد دخل من غير مدخل الطعام والشراب فلا يحرُّم حتى يكون غذاءٌ للصبي, كما قال الحَقَنَة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن حُقِنَ بلبنٍ فوصل إلى جوفه حتى يكون غذاءً له لو لم يُطعم ولم يُسقَ فإنه يحرُّم وإلا فلا يحرِّم. وقد قال مالك في الصائم يحتقن: إن عليه القضاء إن وصل ذلك إلى جوفه.
стр. 3682
[الباب الثاني]
في لبن الفحل ولبن البكر واليائسة
والميتة والبهيمة
[فصل ١ - في التحريم بلبن الفحل]
وحرَّم الرسول ﷺ بلبن الفَحّل وقال: «لقد همت أن أنهي عن الغِيّلَة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضرُّ أولادهم شيئاً».
стр. 3683
قال مالك: فإنما يغيل اللبن ويكون فيه غذاء, والوطء يدرُّ له اللبن ويستنزله, فهو يحرَّم.
قيل لمالك فما الغيلة؟
قال: أن يطأ الرجل امرأته وهي ترضع, وليست بحامل. ولا يكره ذلك, إذ لم ينه عنه النبي ﷺ , وليس كما قال ناس: إن الغيلة أن يغتال الصبي فيرضع بلبن قد حملته أمه عليه؛ فيكون لما أرضته بذلك اللبن قد اغتاله.
قال ابن القاسم: فلم يكرهه مالكٌ لأن النبي ﷺ لم ينه عنه.
قال أبي حبيب في الواضحة: الغيلة وطء المرضع حملت أم لم تحمل, أنزل الرجل أو لم ينزل فيها.
وقال: العرب تتقيه شديداً وتقول: لو لم يبق من عُمُرِ المُغْيَل إلا يومٌ لتبين ذلك فيه بصَرعٍ في جسم أو عِلةٍ من سَقَمٍ, وإنما هَمَّ النبي ﷺ بالنهي عنها لِمَا عَلِمَ من ضررها.
قال أبو عمران: وما أدري قوله: أنزل فيها أو لم ينزل, وما الغيلة إلا الوطء مع الإنزال, إلا أن يريد أن ماءها هي يُضعِف اللبن.
стр. 3684
ومن المدونة: قال مالك: فلو أن امرأة رجلٍ ولدت منه فأرضعت ابنه عامين ثم فطمته؛ ثم أرضعت بلبنها بعد الفطام صبياً, فهو ابنً لزوجها.
قال ابن القاسم: ولو حملت من زوجها فأرضعته وهي حامل, كان اللبن للفحل.
قال مالك: ولو لم تلد قط وهي تحت زوجٍ فدرَّت فأرضعت صبياً قبل أن تحمل كان اللبن للفحل.
قال ابن القاسم: وإن طلقها زوجها وهي ترضع ولدها منه؛ فانقضت عدتها وتزوجت غيره؛ ثم حملت من الثاني فأرضعت صبياً, فإنه ابنً للزوج الأول والثاني, واللبن لهما جميعاً إن كان اللبن الأول لم ينقطع, وقاله ابن نافعٍ عن مالك.
ومن كتاب ابن المواز: وإذا أرضعت بلبن الزنا [صبياً] فهو ابنً لها, ولا يكون ابناً للذي زنى بها, ولو أرضعت صبيةً فتزوجها الذي زنى بها؛ لم أقض بفسخه, وأحب إلى أن يجتنبه من غير تحريم, وأما ابنته من الزنا فلا يتزوجها/ وإن كان أجازه ابن الماجشون, وأباه أصبغ وابن عبد الحكم في ظني, ومكروهه بيِّنٌ لقول النبي ﷺ لسودة في الولد:
стр. 3685
«احتجبي منه» , وقد ألحقه بأبيها وصار لها أخاً في الميراث, وحجبها عنه لشَبَهِه بعُتبة, فكيف يتزوجها عتبة لو كانت جارية؟
وأما لبن الزنا فلا يحرِّم -يريد من قبل الفحل- وأما كل لبن من وطء بفساد نكاح مما لا حد فيه, أو وطء لا يجوز بالملك فالحرمة تقع فيه من قِبَل الرجل والمرأة, وكذلك اللبن في ولد الملاعنة يحرم من الرجل والمرأة.
وقال ابن حبيب: اللبن في وطء صحيح أو فاسد أو حرام أو زنا فالحرمة فيه من قِبَل الرجل والمرأة, وكما لا تحل له ابنته من الزنا؛ كذلك لا يحل له نكاح من أرضعته المزني بها من ذلك الوطء, لأن اللبن لبنه والولد ولده وإن لم يلحق به وقد كان مالك يرى أن كل وطء لا يلحق فيه الولد فلا يُحِّرم لبنه من قِبَل فحله, ثم رجع إلى أنه يحرِّم, وذلك أصح, وقاله أئمة من العلماء.
стр. 3686
وقال سحنون: كل نكاحٍ حرامٍ لا يلحق فيه الولد كنكاح الخامسة, أو الأخت من الرضاعة, أو متزوجة وهو يعلم بزوجها, وهو عالمٌ بتحريم ذلك, ولا يعذر بجهلٍ أن الحرمة تقع فيه من قِبَلِ الرجل والمرأة.
قال: وقال عبد الملك: لا تقع بذلك حرمةٌ حين لم يلحق به الولد, ولا يحرم عليه الولد إن كانت ابنه.
قال سحنون: وهذا خطأٌ صُرَاح, ما علمت من قاله من أصحابنا غيره. وقد أمر النبي ﷺ سّودة أن تحتجب من ولدٍ ألحقه بأبيها لِما رأى من شَبَهِهِ بِعُتبة.
قال: وكذلك من زنى بها غصباً [فولدت] فما أرضعت بذلك اللبن يحرم بذلك على الواطئ, ولا يحرم عليه بذلك شيءٌ عند عبد الملك.
قال عبد الوهاب: ودليلنا أن لبن الفحل يحرِّم, قوله ﵊: «يحرُم من الرضاعة ما يحرُم من الولادة» , وحديث عائشة ﵂ لمَّا أبت أن تأذن لعمها من الرضاعة, وقالت: «إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل» فقال النبي ﷺ : «إنه عمُّك فَلَيَلِجُ عليك» , ولأنهما يشتركان في اللبن, ولأنه تحريمٌ يثبت بالنسب فيثبت بالرضاع كتحريم الأمومة.
ومن كتاب ابن المواز: ويحرَّم بلبن الفحل؛ فإذا أرضعتك امرأةٌ كان زوجها أبوك من الرضاعة, وأخوه من النسب أو الرضاعة عمك.
стр. 3687
قال: وأبوك من النسب إن كان له أخٌ من الرضاعة فهو عمُّك من الرضاع وإن كان لعمِّك من الرضاع أخٌ من نسبٍ أو رضاعٍ آخر لم يكن بينك وبينه تحريم.
-قال الشيخ: كما لا يكون بينك وبين أخت من أرضعته أمُّك تحريم, وإن كانت أخت أخيك من الرضاعة-.
قال ابن المواز: وأخوك من النسب إن كانت له أختٌ من الرضاع فهي لك حلال, وحلالَّ لولدك, وهي أخت عَمَّه وليست بِعمَّتِه.
قال محمد: وأخوك من الرضاع يحل لك نكاح أخته من النسب والرضاع ما لم ترضعك أمها, وإلا فلك نكاحها ونكاح أُمِّها.
قال ابن حبيب عن ابن الماجشون: وإذا أرضعت امرأةٌ صبياً فكل ولدٍ تقدم لها أو يكون لها أبداً بولادةٍ أو رضاعٍ إخوةٌ له, وحرامٌ عليه, وهم حلالٌ لإخوته.
قال الشيخ: فالأصل في هذا أن كلَّ من اجتمعا على ثديٍ واحدٍ فهما أخوة رضاع, والتحريم واقعٌ بينهما, وأما أخو أخيك من الرضاع فأجنبيٌ منك, إذ لم ترضع أنت أمَّه, وحلالٌ لك أمُّه وأخته, وهو كما تقدم لمحمَّد بن المُنَذِر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم أن حكم لبن الزوج الأول ينقطع إذا ولدت من الزوج الثاني, وإنما الاختلاف إذا حملت من الثاني ولم تلد./
стр. 3688
وفي كتاب محمد عن مالكٍ خلاف ما ذكر ابن المنذر: أنها وإن وضعت من الثاني لا ينقطع حكم لبن الأول إذا لم ينقطع اللبن.
وذكر عن ابن عمران أنه قال: لم يختلف أصحابنا في التي تتزوج في العدة ويدخل بها الزوج فتلد ولداً لأقل من ستة أشهر؛ أن لبن هذا الولد للزوجين جميعاً, وكذلك إذا نفى الولد أحد الزوجين أو كلاهما أن اللبن لهما.
وذكر أن سحنون يقول: إذا طلق الزوج زوجته وتمادى بها اللبن أنها إذا جاوزت خمس سنين وهي المدة التي تلحق فيها الأنساب, فلا يكون اللبن للزوج.
قال أبو عمران: وما أعرف هذا لسحنون, ولم أره في كتاب ابنه, وقد استقصى الرضاع فيه, فإن كان هذا صحيحاً فإنما حدَّ هذا, لأن الرضاع لا يكون أقوى من النسب, فإذا انقطع النسب لذلك؛ فانقطاع الرضاع أحرى, ويصير كأن هذا اللبن من رجلٍ آخر, أو يكون هذا خِلّقَةً في المرأة فلا يكون ذلك من قِبَلِ الزوج, وقد يُعترض على هذا بالتي أيست وقعدت عن الولد فتزوجت فدرَّت, ثم طلقها الزوج, أو لم يطلقها أليس اللبن له؟ فليس العلة الحمل.
فترجيح الشيخ في ذلك, وكأنه نحا إلى أن قول سحنون خلاف المدونة, إذ ذكر فيها إذا لم ينقطع اللبن من غير حد, والله أعلم.
стр. 3689
[فصل ٢ - في التحريم بلبن البكر واليائسة]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا درَّت بِكرٌ لا زوج لها أو يائسة من المحيض فأرضعت صبياً فهي أمٌ له, لأن لبن النساء يُحرِّم على كل حال.
وفي كتاب ابن الجّلاَّب في الصغيرة التي لا يوطأ مثلها: أن لبنها لا تقع به حُرمة.
ومن كتاب ابن سحنون: قال ابن القاسم: لو أن امرأة دَرَّ من ثدييها ماء فأرضعت به صبياً فلا يُحَّرم به, ولا يُحرَّم إلا باللبن الذي يكون له غذاءً يُغْني عن الطعام, وأما ماء أصفر ونحوه فلا.
قال: وإن أرضع رجلٌ صبياً ودَرَّ عليه لم تقع به الحرمة, لأن الله قال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:٢٣] , فإنما يحرِّم لبن بنات آدم لا ما سواه.
[فصل ٣ - في لبن البهيمة هل يحرِّم أم لا؟]
قلت: فلو أن صبيتين غُذيتا بلبن بهيمةٍ أتكونا أختين؟
قال: لا تكون الحرمة في الرضاعة إلا بلبن بنات آدم لا ما سواه.
стр. 3690
[فصل ٤ - في التحريم بلبن المرأة الميتة]
قال: وإذا حَلِبَ من ثدي المرأة لبنٌ, ثم ماتت, فَأُوَجِرَ بذلك اللبن صبيٌ, أو حُلِبَ من لبنها بعد موتها فأُوجِرَ به صبيٌ فالحرمة تقع بذلك, ولبنها في موتها وحياتها سواء, وكذلك إذا دَبَّ صبيٌ إلى امرأة وهي مَيَّتةٌ فرَضَعها وقعت به الحرمة إذا عُلِم أن في ثديها لبناً وأنه قد رضعها, ولا يحل اللبن في ضروع الميتة.
قيل: فكيف أوقعت الحرمة بلبن هذه المرأة الميتة ولبنها لا يحل؟
فقال: لأن من حلف ألاَّ يشرب لبناً فشرب لبناً ماتت فيه فأرةً, أو شرب لبنٍ شاةٍ ميتةٍ أنه حانث إلا أن ينوي اللبن الحلال, ونكاح الأموات لا يحل, ويُحَد من وطئ ميتة.
ابن المواز: ولا صداق عليه.
قال بعض البغداديين: ويدل على أن لبن الميتة يحرِّم قوله ﷺ : «لا رَضاع إلا ما فَتق الأمعاء» , وقوله: «الرضاع ما أَنبت اللحم وأَنشز العظم» , ولأن الاعتبار في الرضاع وقوع الاغتذاء به, وذلك كله موجودٌ في لبن الميتة.
стр. 3691
[فصل ٥ - في لبن المرأة يجعل فيه طعام أو دواء]
ومن المدونة: قال: ولبن المرأة إذا جُعِلَ فيه طعامٌ حتى يغيب اللبن فيه, أو صُنِعَ فيه طعامٌ فكان الطعام الغالب, ثم طُبِخَ على النار حتى غاب اللبن, أو صُبَّ في اللبن ماءً حتى غاب اللبن وصار الماء الغالب, أو جُعِل/ في اللبن دواء, فغاب اللبن في ذلك الدواء فأُطْعِم الصبي ذلك أو سُقِيَه لم تقع الحرمة به, لأن اللبن قد ذهب, وليس فيما أُكل أو شُرب لبن يكون به عَيْشُه.
ابن حبيب: وقال مطرف وابن الماجشون: أنه يحرِّم وإن غلب عليه ما خرج معه.
قال عبد الوهاب: وهذا قول الشافعي, وقول ابن القاسم هو قول أبي حنيفة.
فوجه قول ابن القاسم: أن استهلاك اللبن يبطل حكمه, إذا لا يحنث به الحالف إلاَّ يشرب لبناً, ولأن تعلُّق التحريم بالكثير كتعليق وجوب الحد بشرب الخمر, ثم ثبت أن النقطة من الخمر إذا استهلكت في الماء أنه لا يحد شاربه.
ووجه قول مطرف وابن الماجشون: أن اختلاط اللبن لا ينفي حكمه كما لو لم يستهلك فيه, ولأن الغذاء يحصل للطفل بالمختلط كله.
стр. 3692
قال الشيخ: وقول ابن القاسم أصح, لأن الاعتبار في الرضاع الغذاء وليس في هذا المستهلك غذاء.
ومن كتاب ابن سحنون: قال ابن القاسم: ولو أن امرأةٌ دَرَّ من ثديها ماءٌ أصفر ونحوه فأرضعت به صبياً؛ فلا يحرَّم به, ولا يحرَّم إلا باللبن الذي يكون به الغذاء ويُغني عن الطعام.
стр. 3693
[الباب الثالث]
في الشهادة على الرضاع والإقرار به
[فصل ١ - في الشهادة على الرضاع]
وحضَّ النبي ﷺ على اجتناب الشبهات, ولقد ألحق الولد بَزْمعَةَ لفراشه, وأمر سَوْدَة بنت زَمْعَة أن تحتجب منه لمَّا رأى من شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ مُدَّعيه, وهذا من تَوقَّي الشبهات.
قال مالك: وإذا قالت امرأةٌ عدلٌ: كنت أرضعت فلاناً وزوجته, لم أقض بفراقهما.
ابن وهب: وقاله عمر بن الخطاب.
قال ابن القاسم: وإن عُرِف ذلك من قولها قبل النكاح لم يفرَّق بينهما.
стр. 3694
قال مالك: ويؤمر بالتنزُه عنها إن كان يثق بقولها, ولو شهد بذلك امرأتان بعد العقد, وهما أُمُّ الزوج وأُمُّ الزوجة, أو أجنبيتان لم يُقبل إلا أن يكون ذلك قد فشا من قولهما قبل النكاح عند الأهلين والجيران فيقضي بالفراق بينهما.
قال ابن المواز: وإذا لم يكن ذلك من قولهما فاشياً فأحبُّ إليَّ أن ينزِّه نفسه عنها ويتورَّع.
وذكر ابن حبيب عن ابن الماجشون وغيره: أنه يقضي بالفراق وإن لم يكن قولهما فاشيا.
قال: وكذلك رجلٌ وامرأةٌ واحدةٌ وإن لم يكن فاشيا في الأهلين إذا قاموا حين علموا بالنكاح, ولم يأت عليهم حالٌ يُتَّهمون فيها, وقاله أصبغ, وعليه جماعة من الناس.
ومن المدونة: قال مالك: ولو خطب رجلً امرأةٌ فقالت له امرأةٌ: قد أرضعتكما -وفي رواية يحيى فقالت أمُّ المرأة: قد أرضعتكما- قال مالك: فليتنزَّه على وجه الاتقاء لا على وجه التحريم, فإن تزوجها لا يفرق القاضي بينهما.
وإن قال الأب: رضع فلانٌ أو فلانةً مع ابني الصغير أو ابنتي, قم قال: أردت اعتذارا, أو قال: كنت كاذباً, لم يقبل منه.
стр. 3695
قال ابن القاسم: فإن تزوجها فرق القاضي بينهما, ويؤخذ بإقراره الأول.
قال الشيخ: كالمقرِّ على نفسه, لأنه هو العاقد عليها.
قال في كتاب النكاح الثاني: ومن اشترى جاريةً أو أراد شراءها, أو خطب امرأةً فقال له أبوه: قد نَكَحْتُ الحرة, أو وطئت الأمة بشراء, وأكذبه الابن, فلا يقبل الأب إلا أن يكون ذلك من قوله فاشياً قبل الشراء أو النكاح؛ فأرى له أن يتنزَّه عنها, ولو فعل لم أقض عليه.
قال الشيخ: لأنه ليس هو العاقد عليه فيؤخذ بإقراره.
وقال مالك: وكذلك الأم إذا لم يزل يسمعونها تقول: قد أرضعت فلانة/ فلما كبرت أراد الابن تزويجها فلا يفعل.
قال الشيخ: فإن فعل لم يقض بفراقها, لأن الأم ليست بعاقدةٍ فيؤخذ بإقرارها.
[فصل ٢ - في الإقرار بالرضاع]
ومن الرضاع: وإذا أقر أحد الزوجين أن الآخر أخوه من الرضاعة قبل أن يتناكحا فسخ نكاحهما إذا شهدت على إقرارهما بذلك بينة.
стр. 3696
قال ابن القاسم: وليس قول الرجل: هذه أختي, أو قول المرأة: هذا أخي كقول الأجنبي فيهما, لأن أقرارهما على أنفسهما بمنزلة البينة القاطعة.
قال أبو القاسم بن الكاتب: وإذا قالت المرأة المدخول بها لزوجها: إنك أخي من الرضاعة, وصدقها؛ يجب أن يرجع عليها بجميع الصداق إلا ربع دينار, كالتي غرت من نفسها وتزوجته في العدة, ولو لم يصدقها لم يقبل ذلك منها لأنها تتهم على فراقه, ولو لم يدخل بها وصدقها لم يترك لها شيئاً من الصداق.
وإذا قالت الأم لرجل: أرضعتك مع ابنتي, ثم قالت: كنت كاذبة أو معتذرة لم يقبل قولها الثاني, ولا أحب له أن يتزوجها.
قال ابن المواز: فإن تزوج هذا الرجل هذه الصبية بعد قول أمها هذا, فرق القاضي بينهما, وقاله ابن حبيب.
قال أبو محمد وغيره: إنما يؤمر بالتنزه عنها من غير قضاء بخلاف قول الأب.
قال الشيخ: وهو مذهب المدونة, والفرق بين الأب وبين الأم في هذا القول؛ فلأن الأب هو العاقد على ابنه الصغير وعلى ابنته الصغيرة فصار ذلك كإقراره على نفسه.
فإن قيل: فيلزم على هذا ألا يقبل في ابنه الكبير لأنه يعقد على نفسه؟
قيل: قد مر به حال لا يعقد عليه إلا الأب فهو على ذلك.
قال ابن المواز: قول أحد الأبوين, أو أحد الزوجين قبل النكاح مقبول ويفسخ به النكاح وإن لم يفش في المعارف, ولا يقبل بعد النكاح قول الأب أو الأم
стр. 3697
وإن كانا عدلين, ولا قول الجارية, ولا امرأتين عدلتين من غير أمرٍ فاشٍ, ويؤمر بالتنزُّه, وإن كان مع المرأتين أمرً فاشٍ في المعارف قضى بالفسخ, وأمُّ الزوج وأُمُّ الزوجة بعد النكاح كالأجنبيتين, والأجنبيات قبل النكاح وبعده سواء.
стр. 3698
[الباب الرابع]
فيمن يحرم نكاحه بالرضاع من النساء
قال الرسول ﷺ : «يَحرُم من الرَّضاعة ما يحرُم من الوِلَادة».
قال ابن القاسم: فلا يُجمع بين المرأة وعمتها وخالتها من الرضاعة كالولادة.
قال مالك: والملك والتزويج في الرضاعة سواء في الحرمة, والأحرار والعبيد في حرمة الرضاع سواء, ويحرم على الرجل امرأة أبيه وابنه من الرضاعة كالنسب.
ومن تزوج صغيرةٌ بعد صغيرةٍ فأرضعتهما أجنبية فليختر واحدةً ويفارق الأخرى, ولا يفسد نكاحهما كما يفسد عقد متزوج الأختين في عُقدةٍ لفساد العقد فيهما وصحته في هاتين. ولو تزوج أربع مراضع فأرضعتهن كلهن فله أن يختار أولهن رضاعاً أو آخرهن أو من شاء ويفارق البواقي, فإن أرضعت واحدة منهن فهن على نكاحهن, وإن أرضعت ثانية؛ اختار أيتهن شاء وفارق الأخرى, فإن فارق الأولى ثم أرضعت ثالثة؛ اختار, فإن فارق الثانية ثم أرضعت رابعة حبس الثالثة إن شاء أو الرابعة وفارق الأخرى, وإن أرضعتهم كلهن قبل أن يختار واحدةً منهن فله أن يختار واحدةً منهن؛ إن شاء أولتهن رضاعاً أو آخرتهن أو ما شاء منهن ويفارق البواقي.
قال أبو محمد: وابن القاسم لا يرى لمن اختار/ فراقها من الأربع صداقاً كالفسخ.
стр. 3699
وقال ابن المواز: يعطيها ثَمُن صداقها, إذ لو فارقهن جميعاً لم يكن لهن إلا نصف صداقٍ بينهن.
وقال ابن حبيب: يعطي لكل واحدةٍ ممن يفارق نصف صداقها, لأنه طلاقٌ باختياره وليس كالفسخ.
ابن القابسي: ومن اختار فراقها فهن فسخ بلا طلاق عند ابن القاسم لأنه لا يرى لهن صداقا, ومن رأى لهن من الصداق شيئاً أوجب عليه في كل واحدةٍ طلقة.
قال الشيخ: قال بعض شيوخنا: وعلى قول ابن القاسم يكون فراقه طلاقاً لأنه هو الذي اختار الفسخ فيمن أراد منهن -يريد: وليس كل موضع يكون الفراق بطلاقٍ يلزم فيه الصداق, بل يوجد في غير ما مسألةٍ الفسخ بطلاقٍ ولا يكون في ذلك صداق, فاعتبر ذلك تجده.
قال الشيخ: ولا شيء على المرضعة لهن من الصداق وإن تعدت على ذلك, على مذهب ابن القاسم, لأن الزوج لم يجب عليه صداق, لأنه غير مطلق, وأما على قول من يرى لهن شيئاً من الصداق فيجب للزوج الرجوع على المتعدية لما غرم كرجوعه على الشاهدين عليه بالطلاق قبل البناء إذا رجعا عن شهادتهما, وقاله ابن الكاتب.
قال بعض فقهائنا: ولو مات الزوج قبل أن يختار واحدةً من الأربع لم يجب عليه إلا صداقً واحدً للجميع, وتتفق هاهنا الأقوال كلها, لأن واحدةً يصح
стр. 3700
نكاحها والثلاث محرمات, فوجب عليه صداقً واحدً يُقسم على سائرهن, ولو طلق الأربع قبل أن يختار لوجب عليه نصف صداقٍ يقسم على سائرهن, وتتفق الأقوال أيضاً فتدبَّر ذلك.
ابن حبيب: وكذلك المجوسي يسلم وعنده عشر نسوةٍ لم يبن بهن فيختار أربعاً منهن؛ أنه يعطي لكل من فارق نصف صداقها.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأةً ورضيعتين في عُقدةٍ وسمى لكل واحدةٍ صداقها, أو في عقودٍ مفترقة, فأرضعت الكبيرة إحداهما قبل بنائه بالكبيرة وهي في عصمته, أو بعد أن فارقها حرمت الكبيرة للأبد, لأنها من أمهات نسائه, ولا تحرم عليه الصغيرة المرضعة, لأنها من الربائب اللاتي لم يُدخَل بأمهاتهن, وإن كان بعد بنائه بالكبيرة حرمت الكبيرة والصغيرة, وللكبيرة الصداق بالمسيس, ولا صداق للصغيرة, تعمَّدت الكبيرة الفساد أو لم تتعمَّده.
ومن كتاب ابن المواز: ومن نكح امرأةً فمسَّها أو تلذَّذ منها, ثم فارقها فبعد عشرين سنةً تزوج رضيعةً فأرضعتها تلك المرأة التي كانت له زوجة لحرُمَت الرضيعة عليه, ولو أرضع زوجته الرضيعة نساء أهل الأرض لحرُمْن عليه, لأنهن يصِرّن أمهات نسائه, والرضيع إذا زوجه أبوه أو وصيهُ امرأةً ثم بارا عنه زوجته فتزوجت رجلاً فأولدها ثم أرضعت الصبي الذي كان زوجها وهو في الحولين لحُرمت على زوجها, لأنها من حلائل أبنائه, إذ صار هذا الصبي ابناً له من الرضاعة, وكذلك في العتبية عن ابن القاسم.
стр. 3701
ومن المدونة: ومن تزوج صبيةً فأرضعتها أمه, أو أخته, أو جدته, أو ابنته, أو ابنة ابنه, أو امرأة أخيه, أو ابنة أخيه, أو ابنة أخته وقعت الحرمة بذلك, وفرق بينهما, ولا صداق للصبية على الزوج ولا على التي أرضعتها, وإن تعمَّدت ذلك, ولكن تُؤدَّب/ المتعمدة.
قال مالك: وكل ما فسد من نكاح مَنْ حَرُم بالرضاع بعد البناء فلها المسمى ولا يُلتفت إلى صداق مثلها.
стр. 3702
[الباب الخامس]
جامع القول في الظؤورة
ومن كتاب ابن حبيب: روى أن النبي ﷺ نهى عن استرضاع الفاجرة, وأنه ﵊ قال: «اتقوا إرضاع الحمقى فإنه يُعدِي».
قال عمر بن الخطاب ﵁: إن اللبن يَنزع لمن يُسْتَرضَع؛ فَليُسْتَحسن, وروى أن النبي ﷺ أباح استرضاع النصرانية.
стр. 3703
وقال مالك: لا بأس باسترضاعها إن أُمِنَت ما تغدِّي به الولد من خمرٍ وخنزيرٍ وقد يكون في النصرانية طِبَاعٌ حسنةٌ من عفافٍ وسَخاءٍ ومحاسن أخلاق, فليس الطباع في الدين وهي في الغرائز.
ومن المدونة: وكره مالك اتخاذ الظؤورة من اليهود والنصارى والمجوس من غير أن يَرى ذلك حراماً وقال: إنما غذاء الصبي مما يأكلن, وهن يأكلن الخنزير ويشربن الخمر, ولا آمنُها أن تذهب بالصبي إلى بيتها فتطعمه ذلك, وكره استرضاع الفاجرة ولم يُحرِّمه.
стр. 3704
[الباب السادس]
في رضاع الولد وأجر الرضاع
في الطلاق وغيره
[فصل ١ - في إرضاع غير المطلقات أولادهن]
قال الله ﵎: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة:٢٣٣] , وقال تعالى في المطلقات: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ...﴾ [الطلاق:٦] إلى قوله تعالى: ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق:٦] , فدلَّ بذلك أن ذوات الأزواج يلزمهن رضاع أولادهن دون المطلقات, لأن العرف جارٍ في أغلب أحوال الناس أن المرأة تلي رضاع ولدها من غير تكليف الزوج أُجرة, والعرف كالشرط.
قال مالك: فتُجبر ذات الزوج على رضاع ولدها بلا أجرٍ إلا أن تكون ممن لا تُرضع لشرفها فذلك على الزوج.
قال الشيخ: لأن العرف أن ذوات القدر والشرف لا يكلَّفن رضاع أولادهن وأن ذلك على الزوج, والعرف كالشرط.
قال مالك: وإن مات الأب وللصبي مالٌ فلها ألاَّ ترضعه, وتستأجر له من يرضعه من ماله إلا أَلاَّ يقبل غيرها فتُجبر على أن ترضعه بأجرها من ماله.
стр. 3705
قال مالك: وإن لم يكن للصبي مالٌ لزمها رضاعه -يريد: وإن كان يقبل غيرها- بخلاف النفقة التي لا يقضى بها عليها, ولكن يستحب لها أن تنفق عليه إن لم يكن له مال.
وقال عبد الوهاب: إذا لم يكن للصبي مالٌ لم يلزمها رضاعه وهو من فقراء المسلمين إلا أَلاَّ يقبل غيرها حينئذٍ على رضاعه, كان له مالً أو لم يكن, لأن في ترك رضاعه حينئذٍ إتلافه, وقد قال الله تعالى: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة:٢٣٣].
قال الشيخ: وكذلك نقول, إن لم يقبل غيرها وليس له مالً أنه يلزمها رضاعه, لأن جَعَلَه من فقراء المسلمين إضرارً به, وقد لا يَتكَفَّل به أحد, فيكون في ذلك إتلافه, وقد قال الله : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة:٢٣٣] , وقد قال مالك في غيره المدونة: وإذا لم يكن لليتيم مالً وليس للأم لبن, أو لها لبنً لا يكفيه لرضاعه, فعليها رضاعه, بخلاف النفقة.
ابن المواز: لقول الله : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٣].
قال الشيخ: قال ابن الكاتب: واستدل سحنون أن على الأم رضاعة/ إذا لم يكن له مالٌ ولا أبٌ لقول النبي ﷺ للتي اعترفت بالزنا: «اذهبي فأرضعيه ...» , قال: فأَخَّر عنها النبي ﷺ الحدَّ لرضاع ولدها
стр. 3706
وأَمْرُه لها على الوجوب عليها, إذ لا يؤخَّر حدٌ وجب لأمرٍ يُتَطوَّع به.
وقال إسماعيل القاضي: إنما وجب على الأم رضاعة لقول الله : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرى:٢٣٣] , ولا يسقط ذلك عنها ما كان يجب لها على الزوج من النفقة والكسوة لقوله : ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة"٢٣٣] , لأن الأب مات عديما, أو أعدَم وهو حي, ورضاعها قائمٌ في ثدييها, فإن انقطع دَرُّها بمرضٍ أو غيره لم يكن عليها سبيل, فإن خِيف عليه الموت لعدم الرضاع, وجب عليها أن تستأجر من مالها من يرضعه, وذلك من باب الإعانة, لأن من خاف على جائعٍ أو عاطشٍ الموت وجب عليه أن يُطعمه ويسقيه إن أمكنه ذلك, وكذلك كل مضطرٍ فإن إعانته واجبة.
[فصل ٢ - في إرضاع المطلقات أولادهن]
ومن المدونة: قال: والرضاع عليها إن طلقت طلاقاً فيه رجعةً إذا كانت ممن يرضع مثلها ما لم تنتقض العدة, فإذا انقضت, أو كان الطلاق بائناً ولم تنقض العدة فعلى الأب أجر الرضاع.
قلت: فإن قالت بعدما طلقها ألبتة: لا أرضعه إلا بمئة درهمٍ كل شهر, وأصاب الزوج من يرضعه بخمسين؟
قال: قال مالك: الأم أحق به بما يرضع به غيرها, وليس للأب أن يفرق بينه وبينها, فإن أبت أن ترضعه بذلك فلا حقَّ لها إلا أن يكون الولد لا يقبل غيرها وخيف عليه الموت فإنها تجبر على رضاعه بأجر مثلها.
стр. 3707
قال الشيخ: وقوله: إذا وجد الأب من يرضعه بخمسين وقالت الأم: لا أرضعه إلا بمئه, فقال مالك: الأم أحق به بما يرضعه بما يرضعه به غيرها -يريد: بأجر مثلها لا بخمسين, وقاله بعض القرويين, وإليه رجع ابن الكاتب, وهو الصواب, وسواءً وجد من يرضعه غير الأم أم لا, لأنها وإن كانت عند الأم فهي التي تباشره بالرضاع والمبيت وذلك تفرقة بينه وبين أمه, فلذلك كانت الأم أحق به بأجر مثلها وهذا بيَّن.
قال مالك: ولو كان الأب معدماً لا يجد شيئاً وقد طلقها ثلاثاً فوجد مِن قرابته مَن يرضعه باطلاً فله ذلك, ويقال للأم: إما أن ترضعيه باطلاً أو فأسلميه, وكذلك إن كان الأب ليس بالواحد لا يقوى إلا على دون الأجر وأصاب من يرضعه بدون ذلك فللأم أن ترضعه بما وجد أو تسلمه إن قَبِلَ غيرها وإن كان الأب موسراً ووجد من يرضعه باطلاً فليس له ذلك, وللأم أن ترضعه بمثل ما يرضعه به غيرها.
قال ابن المواز: وكذلك إن وجد الملئ مَنْ يرضعه بدون الأجر فللأم أخذه بجميع الأجر, وهذا الذي أَخْتَاره من قول مالك, وروى عنه: أنها لا تأخذه إلا بما وجد, والأول أحسن, وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦].
تم كتاب الرضاع بحمد الله وحسن عونه
وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً.
стр. 3708
[الكتاب الخامس]
كتاب إرخاء الستور
[الباب الأول]
في تداعي المسيس بعد إرخاء الستر
[فصل ١ - في تصديق المرأة في المسيس
والمراد بإرخاء الستر]
ولما ارتفع أن توجد بينه بعد إرخاء الستر صُدّقت عليه في الوطء كما صُدِّق المعترض في دعوى الوطء مع ما نصَّ الله من تصديقهن على أمور الأرحام وقطع ما أوجب من الرجعة للأزواج بقولهن, لقوله سبحانه: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة:٢٢٨] , واحتج في ذلك زيد بن ثابت أنها تصدَّق في حملٍ إن ظهر بها,
стр. 3709
وقضى به عمر بن الخطاب, وقاله علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وغيرهم من الصحابة والتابعين ﵃.
قال ابن أبي زَمنِين: المراد بذكر إرخاء الستور خلوة الرجل بأهله والتخلية بينه وبينها, ولم يُرد به إرخاء الستر ولا غلق باب.
وسواءً في هذا الأصل كانت المرأة صغيرةً أو كبيرةً, بكراً أو ثيباً, يتيمةً أو ذات أبٍ, ممن يُولَى عليها أو لا يُولَى عليها, حرةً أو أمةً, مسلمةً أو نصرانية, فالقول في ذلك قولها, لها وعليها وإن لم تبلغ الصغيرة المحيض إذا بلغت الوطء, ولا كلام للأب في ذلك ولا للوصي, لأن هذا مما لا يُعرف صدقه ولا كذبه إلا بقولهن فيهن فيه مأمونات مقبولٌ قولهن كما هُنَّ مأموناتٌ على الحيض والعدة والسَّقْطِ والولادة, فقد جعل الله ذلك إليهم في قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [الطلاق:٦] , كذلك قال عبد الملك في جميع هذا.
وذكر عن سحنون أنه قال: إن كانت بكراً أو أمةً فلا قول لها: إن الزوج لم يطأ, بل يكون لها صداقها كاملاً إلا أن يكون والد البكر يجيز تصديقها
стр. 3710
- يريد: وكذلك سيد الأمة إذا أجاز تصديقها- ولا يكون ذلك لوليٌّ أو وصيًّ في البكر, ولا يحلف الولي في هذا, بخلاف الاختلاف في الصداق, لأن الوطء لا يُعلم إلا من جهتها, وأما في الصداق فالولي هو الذي عقد النكاح, فيحلف ولي البكر في ذلك على ما عقد به النكاح من الصداق الذي يذكره.
[فصل ٢ - في ما تستحقه المرأة إن طلقت بعد الدخول
وقبل المسيس]
ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج امرأةٌ ودخل بها وأرخى الستر عليها ثم طلقها واحدةً فقال: لم أمسَّها, وصدقته, فلها نصف الصداق وعليها العدة ولا رجعة له.
قال الشيخ: وإنما لم يكن لها إلا نصف الصداق لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧] , وإنما كان عليها العدة لأنها حقٌ لله فلا يُسقطه إقرارهما, وإنما لم تكن له رجعةً لأنه أقر أنه لم يمسها وأنه لا عدة عليها عنده, والرجعة إنما تكون فيمن تعتد منه لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة:٢٢٨] يعني العدة, فلما لم تكن عليها عدةٌ عنده لم تكن له عليها رجعة.
ومن المدونة: قال مالك: وكذلك إن تصادقا أنه قَبَّل أو باشر أو جَرَّد أو وطئ دون الفرج فإنما لها نصف الصداق إلا أن يطول مُكثه معها يتلذَّذ بها.
قال مالك فيكون لها عليه الصداق كاملاً.
стр. 3711
وقال ناسٌ: لها نصفه.
قال مالك: وكذلك الذي لا يقدر على امرأته؛ فيضرب له أجل سنة, أن عليه الصداق كاملاً إذا فرق بينهما.
وقال ناس: لها نصفه.
قال الشيخ: فوجه قول مالك: فلأنه لما طالت إقامته معها وتلذَّذ بها, فأشبه الوطء في الفرج, ووجه القول الآخر: فلأنهما متقارران على نفس المسيس وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧].
[فصل ٣ - في دعوى الجماع]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا قال الزوج بعد أن دخل بها وأرخى السَّتر عليها: لم أجامعها, وقالت المرأة: قد جامعني, صدَّقت عليه, كان الدخول عنده أو عندها إذا كان دخول اهتداءٍ, وعليه المهر كاملاً.
قال ابن المواز: وعلى المرأة اليمين في ذلك, فإن نكلت حلف الزوج, ولم يلزمه لها إلا نصف الصداق, وإنما جُعِل الستر كالشاهد, وكذلك في كتاب ابن الحكم.
стр. 3712
[فصل ٤ - فيمن تعلقت برجل وهي تُدمى]
وقال مالك في التي تعلَّقت برجلٍ وهي تُدمَى: إن لها الصداق بغير يمين, وقال في الواضحة: عليها اليمين.
قال الشيخ: فوجه ألاَّ يمين عليها: لأنها قد بلغت من فضيحة نفسها, وأتت بشاهد الافتضاض -وهو الدم- فقام ذلك مقام الشاهدين/ فوجب تصديقها عليه بغير يمين.
ووجه إيجاب اليمين: أن تعلُّقها به, وظهور الدم عليها يقوم لها مقام الشاهد كإرخاء الستر على الزوجة, وتسليمها للزوج, فلا يكون أحسن حالاً من الزوجة, إذ قد يحتمل في هذه أن يكون غيره فَعَله بها ثم فَرَّعَنها فتعلَّقت بهذا, أو تكون كانت رضيت به فلما افْتَضَّها تعلَّقت به فلا بد أن يكون عليها اليمين.
قال الشيخ: وهذا عندي أعدل.
[فصل ٥ - في تداعي الزوجين في المسيس]
ومن المدونة: قال مالك: وإن خلا بها في بيت أهلها غير دخول البناء فطلقها وقال: لم أطأ, وقالت المرأة: قد مسَّني, صدق الزوج إلا أن يكون دخوله عليها دخول اهتداء, والاهتداء هو البناء.
قال مالك: وكان ابن المسيب يقول: إذا دخل الرجل بامرأته في بيتها صُدِّق عليها, وإذا دخلت عليه في بيته صدَّقت عليه.
стр. 3713
قال مالك: وذلك في المسيس.
قال ابن المواز: وكان مالك مرَّةً يأخذ بقول ابن المسيب أنه إذا خلا بها في بيتها لم تصدَّق عليه إلا بدخول الاهتداء, وبه أخذ ابن القاسم. وروى ابن وهب عن مالكٍ أيضاً أنه قال: حيث ما أخذهما القلق وإن كانت زيارةً فالقول قول المرأة وبه أخذ ابن وهب وأشهب وأصبغ, وهو أشبه بحديث عمر ﵁.
قال عبد الوهاب: وقيل: إن كانت ثيباً فالقول قولها, وإن كانت بكراً نظر إليها النساء, فإن رأين افتضاضاً صدَّقت عليه وإن لم يرين افتضاضاً لم لكن لها إلا نصف الصداق.
فوجه الأولى: أن النزاع في التداعي يرجع إلى العرف, والعرف جارٍ بأن الرجل ينقبض في غير بيته إذا كان زائراً, غير مطمئنٍ, ولا ينشَط, ويستحي من إطلاع أهلها, فكان القول قوله في أنه لم يطأ لشهادة العرف, وإذا خلا بها في بيته كان القول قولها, لأن العرف يصير معها, لأن الإنسان ينشط في بيته ولا ينقبض, والعادة إقدامه على الوطء, ولا يتوقف عنه, فلذلك صدَّقت عليه.
стр. 3714
ووجه الثانية: أنها فعلت التسليم والتمكين من الاستمتاع وليست بمنسوبةٍ إلى تفريطٍ بترك التوثيق بالإشهاد, إذ لا يمكنها ذلك, فلو لم تصدق عليه لأدَّى ذلك ألاَّ يثبت على أحدٍ صداقً بوطء إلا باعترافه, وفي ذلك إضاعة المهور وأعواض الاستمتاع.
ووجه الثالثة: أنه إذا وجدنا طريقاً إلى اليقين كان أولى من الظن, وذلك ممكنً في البكر على ما ذكرنا من اختبارها بنظر النساء إليها, وجاز ذلك للضرورة كالعيوب, ولمَّا لم يكن ذلك في الثيب رُجِعَ إلى قولها, وكل من حُكِم بقوله فلا بد من يمينه, وهذا الاختلاف إنما في تكميل الصداق, فأما العدة فإنها تجب ولا تسقط, لأنها حقً لله تعالى فلا يُقبل قولها في إسقاطها.
ومن المدونة: قال ربيعة: الستر بينهما شاهدً على ما يدعيان, وله الرجعة إن قال: وطئتها.
قال ابن المواز: الموضع الذي يُقبل فيه قولها في إيجاب الصداق يُقبل قوله في إيجاب العدة عليها, وله الرجعة, وفي دعواه دفع الصداق إليها.
قال الشيخ: وبيان كلام محمد: أن الرجل إذا خلا بها في بيته أو كانت خلوة بناءٍ في بيت أحدهما في رواية ابن القاسم, أو كانت خلوةً في بيت أحدهما في رواية ابن وهب, أن القول قول الزوجة في أنه وطئها, وأن لها الصداق كاملاً, وأنها إن أنكرت الوطء في هذه المواضع وادعاه الزوج كان عليها العدة, وكان له الرجعة فيها, ويصدق في دفع الصداق إليها, وإنما تكون له الرجعة إذا ادعى وطأً صحيحاً.
стр. 3715
قال ابن القاسم في العتبية: إن دخل بها ووطئها وهي حائض, ثم طلقها بعد طهرها فلا رجعة له, لأن ذلك ليس بوطء -يريد: وفيه الصداق والعدة.
قال الشيخ: أما الصداق فوجب لانتهاكه البضع, وأما العدة/ فلِلحوق الولد فيه, وأما الرجعة فلا تجب له, لأن الله تعالى نهى عن وطء الحائض فلا يكون ما نهى عنه يحل ما أمر به, كما قالوا في الإحصان والإحلال, ويحتمل على قول عبد الملك الذي يحل به الطلقة أن يحل له به الرجعة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن دخل بها في بيت أهلها غير دخول البناء فطلقها وأنكر الوطء, وادعته هي فجعلت القول قوله فعلى المرأة العدة إن كان قد خلا بها وليس معها أحد.
قلت: فإن دخل بها في بيت أهلها غير دخول البناء فأقر بالوطء, وقالت المرأة: ما جامعني؟ قال: إن كان خلا بها وأمكن منها, ولم تكن خلوة بناء فعليها العدة ولا رجعة له ويلزمه الصداق كاملاً, فإن شاءت أخذته به كله أو نصفه.
وقال سحنون في العتبية: لا تأخذه أبداً حتى تصدق الزوج, فإن صدقته أخذته كله وإلا فليس لها إلا نصفه.
следующие страницы →