Полный текст (9 651 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.
стр. 6371
[الباب الثامن عشر]
باب جامع في المزارعة والمغارسة
[الفصل -١ -
فيمن أكرى أرضه من رجل يزرعها على أن ما أنبتت بينهما]
قال مالك ﵀: ومن أكرى أرضه من رجل يزرعها قصباً، أو قصيلاً، أو قمحاً، أو شعيراً، أو قطنية على أن ما أنبتت بينهما، أو هو مع الأرض بينهما لم يجز.
قال بعض فقهاء القرويين: ويجب إذا عمل أو زرع أن يكون الزرع له، وعليه كراء مثل الأرض؛ لأن العمل والزرع من عنده، فأشبه الشركة الفاسدة إذا أخرج أحدهما الأرض والآخر البذر والعمل، ولا يبعد أن يقال: إن نصف الزرع قد أفاته العامل في نصف الأرض لرب الأرض بإذنه، فعلى رب الأرض نصف البذر وإجارة العامل فيه، ويترقب بنصف العامل الذي زرعه لنفسه، فإن تم أدى الكراء، وإن بطل بطل عنه كراء ما زرع لنفسه، وأما إجارته في نصف رب الأرض فثابتة، تم الزرع أو لم يتم، وأما قوله على أن الأرض بيني وبينك نصفين فيجب على أحد التأويلين أن تكون نصف الزريعة قد زرعها لرب الأرض، فيكون عليه مثلها؛ لأن أرضه قابضة لها، وللعامل إجارته في النصف الذي لرب الأرض في حرثه وقيامه به، ويستأني بالنصف الذي زرعه العامل لنفسه، فإن تم كان عليه كراء المثل، إذا كان قد حكم بالفسخ في إبان الزراعة، فإن لم يتم الزرع فلا كراء له، وإن لم يحكم بالفسخ حتى تم الزرع فلا كراء عليه في النصف الذي اشترى، ولا يفيته الزرع ويرده، ويمكن أن ما زرعه لرب الأرض لا يفوت أيضاً ويكون لزارعه؛ لأنه كأنه لم يدفعه إلا بعد تمامه فهو لزارعه، وعليه نصف كراء الأرض لرب
стр. 6372
الأرض. قال: فإن قال له: اغرسها لي شجراً أو نخلاً فإذا بلغت النخل كذا وكذا سعفة، والشجر كذا فالنخل والشجر بيننا نصفين، فذلك جائز.
قال ابن القاسم: وإن قال: فالأصول بيننا فقط، فإن كان مع مواضعها من الأرض جاز، وإن لم يشترط ذلك، وشرط له ترك الأصول في أرضه حتى تبلى لم يجز.
[الفصل -٢ -
في
وجه العمل في المغارسة عند العلماء]
قال ابن حبيب وعيسى بن دينار عن ابن القاسم: ووجه العمل في المغارسة عند العلماء: أن يعطيه أرضه يغرسها صنفاً من الشجر أو أصنافاً يسميها له، فإذا بلغت شباباً سمياه، أو قدراً حداه يشبه الشرط في انبساطها وارتفاعها كانت الأرض والشجر بينهما على النصف، أو الثلث، أو الثلثين، أو جزءاً مسمى، ولا يجوز أن يسميا شباباً أو قدراً يثمر الشجر قبله؛ لأن العامل تكون له تلك الثمرة إلى أن يبلغ الشجر الشباب الذي سمياه، ثم يكون له نصف الشجر بأرضه، فكأنه أجر نفسه بثمر لم يبد صلاحه، وبنصف الأرض وما ينبت فيها فلذلك لم يجز.
قالا: ولا بأس أن يجعلا ذلك إلى إثمار الشجر، وهو وقت معروف، وهو أحب إلينا.
стр. 6373
قال ابن حبيب: وإذا تغارسا، ولم يسميا حدا، ولا شباباً معلوماً، فذلك جائز، ويكون إلى الإثمار والشباب التام.
وروى حسين بن عاصم عن ابن القاسم في العتبية أن هذا فاسد حتى يسميا شباباً معروفاً، أو إلى الإثمار، ولو سميا عدة سنين يعمل العامل إليها ويغرسها ثم يكون بينهما، فذلك جائز إذا كانت الأرض مأموناً نباتها، ولا يثمر الشجر قبلها. وإن غارسه على أن له في كل نخلة نبتت حقاً مسمى، ولا شيء له فيما لم ينبت، وعلى أنه إن شاء عمل وإن شاء ترك، فذلك جائز إذا اشترط شيئاً معروفاً.
قال ابن القاسم: ولو قال لرجل: استأجرك على أن تغرس لي في هذه الأرض كذا وكذا نخلة، فإن نبتت فهي بيني وبينك، فهو جعل وليس بإجارة، ولو شاء أن يترك ترك، ولو لم يكن جعلا ما جاز؛ لأنه لا يدري أيتم أم لا.
قال ابن حبيب: قال مالك: ولا تجوز المغارسة إلى أجل؛ لأنها من معنى الجعل. قال لي مطرف: إنما يجوز الأجل في هذا أن يقول له: اغرسها لي شجر كذا، فإذا بلغت الإثمار، أو شباب كذا، فلك النصف ولي النصف على أن تقوم بنصفي كذا وكذا سنة فذلك جائز، وكأنه آجره على أن يغرس له نصف الأرض، أو يأتي هو بالغرس من عنده، ويقوم له به كذا وكذا سنة على أن أعطاه في إجارته نصف الأرض، فإن بطل الغرس بعد أن غرسه، قيل لرب الأرض: اعطه غرساً مثله يغرسه لك، ويقوم لك به إلى أجلك. قلت: فهذه المغارسة بعينها إلى أجل.
стр. 6374
ومالك إنما ينظر إلى العمل، ولا ينفع عنده حسن اللفظ إذا قبح العمل، فقال: هذا لا يعتدل في كل شيء. ألا ترى أن لو قال لرجل: أؤاجرك سنة تقوم بجنابي هذا بنصف ثمرته لم يجز، ولو قال: أساقيك إياه سنة بنصف ثمرته جاز، فهل فسرق بينهما غير اللفظ؟ فكذلك ما فسرت لك.
م/ وقال أصبغ: الأصل أن لا فرق بين أساقيك بنصف الثمرة، أو أؤاجرك، ولا يضر قبح اللفظ إذا حسن العمل.
ولم يفرق ابن القاسم بينهما، وهو أصوب.
وقال حسين بن عاصم عن ابن القاسم: إذا غارسه على أنه إذا تمت المغارسة، وأخذ نصفه قام بنصف رب الأرض سنين معلومة، فإن كان عمل هذا النصف معلوماً ومضموناً على العامل مات أو عاش، فذلك جائز، وإن شرط عمل يده بعينه فلا خير فيه؛ لأنه خطر لا يدري أيعيش العامل إلى ذلك الأجل أم لا.
وقال سحنون: هذا خطأ، ولا يجوز على كل حال؛ لأنه يكون جعلاً وبيعاً.
[الفصل -٣ -
فيما إذا غارسه إلى حد الإثمار فأثمر بعضها وبقي البعض]
قال ابن القاسم: وإن غارسه إلى حد الإثمار فأثمر بعضها وبقي البعض، فإن كان الذي أثمر منها الجل، وبقي الشيء التافه اليسير، فذلك تبع لما أثمر، ويكون العامل على شرطه، ويسقط عنه العمل في ذلك. وقاله ابن حبيب.
قال ابن حبيب: وإن كان الذي لم يثمر مما له بال وقدر، أو متناصفاً، أو متماثلاً، فإن كان متبايناً سقط عنه السقي والعمل فيما أثمر، ولزمه العمل والسقي فيما لم يثمر،
стр. 6375
وإن كان ما أثمر مختلطاً في الشجر لزمه سقي الجميع حتى يتم كله أو جله. قال: وأما ثمرة ما أثمر فبينهما، قلت أو كثرت، كان متبايناً أو مختلطاً. فإذا ثبت بعض غرسه، ومات البعض، فما مات بعد بلوغه القدر الذي شرط سقط شرط العامل فيما مات، قل أو كثر، وصار حقه فيما ثبت وبلغ، قل أو كثر، وله أن يعيد غراسة ما مات إن شاء وقوي عليه.
وقال نحوه أصبغ عن أشهب في العتبية.
قال أصبغ: وقاله ابن القاسم فيما أعلم.
وقال حسين بن عاصم عن ابن القاسم في العتبية: إذا مات أقلها وثبت جلها أو أكثرها فالأرض وما فيها بينهما، ولا يضر ما مات منها، وإن كان مات جلها أو أكثرها، فلا شيء له فيما ثبت من اليسير منها. وقاله سحنون.
قال سحنون: كما يكون للعامل نصف الجميع إذا مات منها الشيء اليسير فيما مات وفيما ثبت، وكذلك لا يكون له قليل ولا كثير إذا كان الذي ثبت هو اليسير، ومات الكثير، لا مما ثبت، ولا مما لم يثبت.
قال ابن المواز: وقال أصبغ: وإن تعدى رجل فقطع الشجر بعد تمامها، فإن طمع فيما قطع أن يرجع، وهو قائم على عمله، ولم يتركه فهو أحق بعمله، والأمر بينهما قائم، وإلا فلا شيء للعامل.
стр. 6376
[الباب التاسع عشر]
جامع القول في المغارسة الفاسدة
[الفصل ١ - في المغارسة على النصف إلى أجل غير معلوم أو إلى وقت يكون
الإثمار قبله أو إلى أجل مؤقت من عدة سنين]
قال ابن حبيب: وإذا تعاقدا على أمر لا يجوز، مثل: أن يشترط شباباً معلوماً على أن يقوم الداخل بنصيب رب الأرض ما عاش، ولم يؤقت أجلاً، أو تغارسا إلى شباب يكون الإثمار قبله، أو إلى أجل موقت من عدة سنين، فهذا كله فاسد، وينفسخ قبل العمل، فإن فات وقد عامله على النصف فذلك بينهما نصفان، وعلى العامل نصف قيمة الأرض يوم قبضها خالية، وله على رب الأرض قيمة عمله وغراسه في نصف رب الأرض، قيمته يوم بلغ وتم، وأجرته فيه من يومئذ إلى يوم الحكم، وإن اغتلا قبل ذلك غلة نصفين مضى ذلك لهما، وإن كان الغارس اغتلها وحده رد نصف ذلك إلى رب الأرض- لأنها وجبت له، وضمن نصيبه من الشجر بقيمته يوم بلغ - قال: ولو بطل الغرس قبل بلوغ الشباب المشترط في هذا الفساد فلا شيء للغارس من الأرض؛ لأن المغارسة الصحيحة أو الفاسدة مجاعلة، فإذا لم تتم فلا شيء للغارس، وإن بطل الغرس بعد بلوغ الإثمار، أو ما شرط من الشباب، فقد وجب للغارس نصف
стр. 6377
الأرض بقيمتها يوم قبضها، وله على رب الأرض قيمة غرسه يوم بلغ، ويكون ذهاب الغرس منهما.
قاله كله مطرف، وقاله أصبغ، ورواه عن ابن القاسم على أنه اختلف فيه قوله، وهذا أحسن.
م/: وكذلك استحسن عيسى عن ابن القاسم مثل قول ابن حبيب هذا.
وقد كان روى عنه مثل رواية ابن عاصم التي تأتي بعد هذا، ثم رجع ابن القاسم، وثبت على مثل رواية ابن حبيب، وكتب به إلى عيسى.
والذي روى عيسى وحسين بن عاصم عن ابن القاسم في العتبية: إذا وقعت المغارسة فاسدة، مثل: أن يغارسه على النصف، ولم يسميا شباباً: ولا قدراً ينتهيان إليه، أو إلى أجل يكون الإثمار قبله ففسخ ذلك بينهما، وقد ثبت الغرس. قال: فالغرس بينهما نصفان، ويكون على العامل قيمة نصف الأرض براحاً؛ لتوقيته إياها بالغرس؛ لأنه ابتاع نصف الأرض بعمله إلى مالا أمد له، وذلك غرر، فصار بمنزلة من اشترى أرضاً بغرر ففوتها بالغرس.
[الفصل ٢ - في الشجر يثمر في مغارسة فاسدة وقد اغتله المتغارسان زماناً]
قال: وإذا أثمرت الشجر واغتلاها زماناً فما اغتل العامل في نصفه الذي ألزمناه قيمته فهو له؛ لأنه لا كراء عليه فيه، والنصف الآخر كان ربه أكراه بثمر لم يبد صلاحه فيرد تلك الثمرة التي قبض إلى ربها، إن قبضها ثمراً رد مكيلتها، وإن قبضها
стр. 6378
رطباً رد قيمتها، ويأخذ من العامل كراء نصف الأرض خالية من الغرس يوم اغتلها.
ويصير جميع الغلة للعامل، ثم يكون رب الأرض مخيراً في نصف الغرس الذي في حصته من الأرض، إن شاء أخذه بقيمته مقلوعاً أو أمر الغارس بقلعه.
قال سحنون: بل تكون جميع الغلة لرب الأرض، وإن أخذ العامل منها شيئاً رده، وله على رب الأرض قيمة غرسه إن كان له قيمة، وأجر عمله. ولو جعلت له الثمرة لكان بيع الثمر قبل بدو صلاحه.
وروى مثله عيسى عن ابن القاسم.
م/: واختصار ذلك ثلاثة أقوال:
[١] أن الغلة بينهما، وعلى الغارس نصف قيمة الأرض يوم قبضها براحاً، وله قيمة غرسه وعمله يوم بلغ في نصف رب الأرض، وإجارة عمله من يوم اغتله في نصف رب الأرض.
[٢] وقيل: بل تكون الغلة كلها للعامل، وعليه قيمة نصف الأرض يوم قبضها، وعليه كراء نصف الأرض التي لربها، ثم تخير رب الأرض في نصف الغرس بين أن يعطيه قيمته مقلوعاً، أو يأمره بقلعه.
[٣] وقيل: بل الغلة كلها لرب الأرض، وعليه إجارة العامل وقيمة غرسه إن كانت له قيمة، ولا يكون للعامل على هذا القول في الأرض شيء.
قال حسين بن عاصم عن ابن القاسم: ولو اغتلاها زماناً، ثم بطل الغرس حتى ذهب، ورجعت الأرض براحاً فإنه أيضاً تكون نصف الأرض للعامل بقيمتها يوم أخذها براحاً؛ لأنه ساعة فوتها بالغرس وجبت عليه قيمتها وضمنها، فلا يسقط عنه الضمان رجوعها إلى حالتها الأولى، ويكون أيضاً للعامل الغلة كلها، وعليه كراء نصف الأرض من يوم اغتلها، فإن مات الغرس قبل أن يبلغ ذلك الشباب فليس للغارس في غرسه
стр. 6379
أجر، كحافر البئر تهدم قبل فراغه أنه لا شيء له، وإن انهدمت بعد فراغه منها فهو من المستأجر، وعليه للحافر أجره كاملاً.
وقال سحنون: إذا هلك الغرس بعد الغلة فجميع الغلة لصاحب الأرض، ويعطي للعامل أجر مثله بعد أن يرد جميع ما أخذ.
فصل [٣ - في المتغارسين يشترطان أن الثمرة بينهما فقط ما بقي الأصل]
قال عيسى عن ابن القاسم: فأما إن لم يشترطا أن الأرض بينهما، ولكن شرطا أن الثمرة فقط بينهما ما بقي الأصل، فهذا فاسد، وتكون جميع الغلة للعامل، ويرد رب الأرض جميع ما أخذ منها إن كان ثمراً فالمكيلة، وإن كان رطباً فالقيمة، ويؤخذ من العامل كراء الأرض من حين أخذها منه، لا من حين أثمرت الشجرة، ولرب الأرض أن يعطيه قيمة الغرس مقلوعاً، أو يأمره بقلعه.
وكذلك روى عنه يحيى بن يحيى، إلا أنه قال: وعلى العامل كراؤها يوم وضع فيها الغرس إلى يوم ينظر في أمر كرائها نقداً بقدر تشاح الناس فيها.
وكذلك روى عنه حسين بن عاصم في شرطه أن الثمرة بينهما والأصول دون الأرض بينهما، إلا أنه قال: وعلى العامل كراء الأرض يوم اغتلها.
وقال سحنون في هذا: الغلة كلها لرب الأرض، ويكون للعامل أجر مثله.
قال: لأن مالكاً قال إذا تعامل المتزارعان على ما لا يحل كان الزرع لصاحب
стр. 6380
الحب إذا تولى عمله، ولم يكن لصاحب الأرض إلا كراء أرضه، والشجر للذي غرسها وقام بها، كما أن الزرع للذي زرعه وتولى عمله.
م/: ويجب على ما علل أن تكون الغلة للعامل؛ لأنها ثمرة شجره، كما أن له ثمرة زرعه، ويكون لرب الأرض كراء أرضه.
قال ابن عاصم: وقلت لابن القاسم: لم جعلت للعامل قيمة الشجر مقلوعاً وهو إنما غرسها بوجه شبهة؟. قال: لأن رب الأرض أكرى أرضه بثمر يخرج منها، وإلى أمد مجهول، فذلك فاسد من وجهين، فلابد أن ترد الأرض إلى ربها على حال ما أخرجت من يده براحاً، وإن لم يفعل ذلك، وجعلت عليه قيمة الشجر قائماً أدخلت عليه ما يحجبه عن أرضه؛ لأنك إن ألزمته القيمة فلم يقدر عليها صرت إلى أن بعت عليه شيئاً من أرضه للعامل في أجرته، وهو إنما أكراها منه بثمر إلى مالا أمد له، فهو بخلاف الذي غرسه على أن له نصف الأرض؛ لأنه إنما عامله على أن يغرس له نصف الأرض بالنصف الذي أعطاه، فإذا أفاتها بالغرس، وفساد المعاملة كانت له بقيمتها.
قال حسين: قلت لابن القاسم: فإن ذهب الغرس، ورجعت الأرض إلى حالها الأول، والمسألة بحالها؟. فقال: تكون الثمرة كلها للعامل، ويكون عليه كراء الأرض من يوم اغتلها، ولا يكون له على رب الأرض فيما هلك من الغرس قيمة؛ لأنه إنما كان يعطيه قيمتها مقلوعاً، أو يأمره بقلعه، وقد ذهب وبطل؛ ولأنه إنما كان الغرس له، ولا لرب الأرض. وفي المسألة الأولى التي غارسه فيها على أن له النصف في الأرض مع الشجر، إنما كان نصف الغرس الذي بطل بعد أن يبلغ الشباب، أو القدر لرب الأرض، لا للغارس، فلذلك أوجبت للغارس قيمة عمله فيه على رب الأرض، فهذا بيانه.
стр. 6381
وقال سحنون: الثمرة كلها لصاحب الأرض، ويعطي العامل أجر مثله في عمله.
وقال ابن حبيب: إذا تعاملا على أن الثمرة فقط بينهما ما قامت الشجر، فإذا هلكت فلا شيء للعامل في الأرض، أو على أن الشجر دون الأرض بينهما لم يجز، وفسخ ذلك متى عثرت عليه، وردت الأرض بالشجر والغلة إلى رب الأرض، وعليه للعامل الأقل من قيمة عمله ثابتاً يوم فرغ منه وتم، أو نفقته التي أنفق، وثمن الغرس الذي غرس، وله مع ذلك أجرة يده في قيامه بالشجر إذا رجعت الغلة إلى رب الأرض، وإذا أبطلت الشجر بعد تمامها وبلوغها قبل أن ينظر فيها، فقال مطرف وابن الماجشون: ليس للعامل فيها قيمة عمل، ولا يرد ما أنفق؛ لأنه لم يخرج من يده شيئاً فيعوض منه، وإنما غرس على أن يكون ثمن غرسه في ثمره ذلك الغرس بعينه، وإن كان غرراً فلا شيء له إذا ذهبا، ولو كان محمله محمل الإجارة على شيء بغرر من غير لأعطى قيمة عمله، ذهب أو بقي، ويرد ما أخذ من الغرر إن أخذ منه شيئاً، وتمضي الغلة لمن اغتلها قبل ذهاب الشجر، اغتلاها جميعاً أو الغارس وحده، ولا ينظر بينهما في شيء إذا ذهب الغرس الذي تعاملا عليه وفات موضع تصحيحه بالقيمة، كما نظر في الذي فوت هذا.
قال أصبغ: إذا ذهب قبل الحكم بتصحيحه، وقد كان تم، وفرغ، أعطى العامل قيمة عمله يوم تم قائماً غير ذاهب كشرائه بثمن فاسد ثم فات، وفواته الفراغ منه، فلربه القيمة يومئذ، والغلة كلها لرب الأرض.
قال ابن حبيب: وبالأول أقول، وإنما تكون حجة أصبغ في المسألة الأولى؛ لأنه أعطاه فيها نصف الأرض ثمناً لغراسته النصف الآخر، فإذا غرس وجب له ما أعطى،
стр. 6382
وصار ما فرغ لرب الأرض، صحيحة كانت معاملتهما أو فاسدة، فإذا لم يعطه شيئاً على أغراسه من الأرض فلا شيء للغارس في غراسته إذا ذهب قبل الحكم.
فصل [٤ - فيما إذا غارسه على النصف ثم اختلفا بعد ذلك في تبعية الأرض
والشجر للثمرة]
قال حسين بن عاصم عن ابن القاسم: إذا غارسه على النصف، ولم يذكر الأرض والشجر، فقال العامل: عاملتك على أن نصف الأرض بغرسها لي. وقال رب الأرض: بل على أن الثمرة بيننا وحدها، أو على أن الشجر وحده بيننا. قال: إن كان للبلد سنة حملوا عليها على قول من ادعاها، يريد: بما يجوز أو لا يجوز، ويقضي فيما لا يجوز بما ينبغي مما تقدم.
قال: وإن كان أهل البلد يعملون على الوجهين فليصدق مدعي الحلال، وهو العامل.
وقال عنه أبو زيد: إن كان الغالب في عمل أهل البلد بما ادعى مدعي الحرام فهو على ما قال، فإن لم يثمر كلف العامل القلع إلا أن يعطيه رب الأرض قيمة الشجر مقلوعاً، ولا شيء له في عمله، وإن أثمرت فالثمرة للعامل، وعليه كراء الأرض من يوم أثمرت النخل، فإن كان عمل أهل البلد على الحلال سلكا بهما مسلكه، وإن كانوا يعملون بالأمرين تحالفا وفسخ الأمر بينهما.
стр. 6383
فصل [٥ - إذا غارسه على أن يحصن الأرض ويغرس فيها شجراً ثم إذا بلغ
حداً معيناً كانت الأرض والشجر والتحصين بينهما]
ومن العتبية قال أصبغ: وإذا غارسه على أن يضرب حولها جداراً، أو يزرب زرباً، أو يحفر سياجاً، وعلى أن يغرسها شجراً، فإذا بلغت حداً ذكراه، كانت الأرض، والشجر، والزرب، والجدار بينهما، وكان ذلك مما يخاف أن لا يتم إلا بهذا التحين لكثرة المواشي ومرور الناس، أو لا يخاف. فإن كانت مأمونة أو مؤنة ذلك يسيرة فهو جائز، وإن كانت كثيرة لم يجز، وهذا مثل ما يستخف شرطه في المساقاة، وما لا يستخف بشرطه.
فصل
[٦ - فيمن غارس رجلاً على النصف فعجز العامل أو غاب،
ثم عاد بعد أن دخل آخر مكانه]
وقال أصبغ فيمن أعطى أرضه مغارسة على النصف يغرس بعضها أو جلها، فلم يتم العمل الذي شرطا حتى عجز العامل أو غاب، فأدخل رب الأرض في الغرس من قام به، ثم عمل ما بقي منه، أو عمله رب الأرض بنفسه، ثم قدم العامل فقام في ذلك، قال: يكون على حقه إذا قدم. وكذلك إذا كان حاضراً لم يسلم، ولم ير أنه ترك ذلك رضا بالخروج منه فهو على حقه، ويعطي الذي عمل وأتمه قدر ما تكلفه بغير شرط مما لو وليه هو لزمه مثله، وبالله التوفيق.
стр. 6384
[الباب العشرون]
جامع مسائل من أكرية الأرضين، واكتراء الأرض الغائبة،
وبيع المراعي، وكراء الزوج والوصيّ .
[الفصل -١ -
فيمن اكترى جزءاً شائعاً من أرض]
قال ابن القاسم: ومن اكترى ربع أرض، أو جزءاً شائعاً قل أو كثر جاز ذلك، كالشراء. ومن اكترى من رجل مئة ذراع من أرضه التي بموضع كذا جاز ذلك إذا كانت متساوية، ولا يجوز في المختلفة حتى يسمي الأرض من أي موضع منها، وقال غيره: لا يجوز وإن استوت حتى يسمي الموضع.
م/: إنما لم يجزه ابن القاسم في المختلفة؛ لأنه لما ذكر عدد أذرع الأرض فهم عنه إنما اشترط أن يأخذ مئة ذراع من ناحية منها، فكذلك شرط التساوي. وأما لو قال: إن تكسير أرضك ألف ذراع، فأكترى منها مئة لجاز، ويكون شريكاً فيها بالعشر، وإنما لم يجز ذلك غيره، وإن استوت؛ لأن الأرض لا تكاد تتساوى جملة.
قال ابن أبي زمنين: إنما لم يجزه غيره؛ لأن من قول أصحاب مالك: أن من باع من رجل ثوباً من ثوبين، صفتهما وقيمتهما واحدة، على أن يضرب بينهما بالقرعة، فأينما خرج أخذه المشتري أن ذلك لا يجوز؛ لأن المبايعة في هذا ليست كالقسمة، وينبغي أن
стр. 6385
يكون الكراء كالبيع. فيكون حينئذ المتكاريان كأنهما تخاطرا؛ لأنهما إن تشاحا، ولم يتفقا، ودعوا إلى القسمة بالقرعة والتعديل لم يكن ذلك لهما، وهذا رأيته لبعض العلماء، وهو كلام صحيح المعنى إن شاء الله تعالى.
م/: ويلزم على هذا أنه لا يجوز أن يكتري ربع أرض أو جزءاً شائعاً منها؛ لأن الأمر يؤديه إلى أنه اكترى ما يخرجه السهم.
وكراء الجزء جائز باتفاق عندنا، ولا ينظر إلى ما يؤول إليه الأمر من القسمة؛ لجواز بقائه على الإشاعة، إما لانتفاع أو كراء، فتوقع أمر القسمة أمر يكون أو لا يكون، فهو كاستحقاق في البيع، فوجب ألا يعتبر به. وإنما العلة عند الغير أن الأرض لا تكاد تتساوى، والله أعلم.
[الفصل -٢ -
فيمن اكترى أرضاً على أن يقلبها ثلاث مرات ويزرعها في الرابعة أو على أن
يزبلها]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اكترى أرضاً على أن يكربها ثلاث مرات، ويزرعها في الكراب الرابع جاز ذلك، وكذلك على أن يزبلها إن كان الذي يزبلها به شيئاً معروفاً.
م/: يريد: إذا كانت مأمونة، وإن شرط على أن يحرثها له ربها جاز.
стр. 6386
م/: يريد: إذا كانت الأرض مأمونة؛ لأن زيادة الحرثات والتزبيل منفعة تبقى في الأرض إن لم يتم زرعها، فيصير كنقد اشترطه في غير المأمونة.
فإن نزل ذلك في غير المأمونة وزرع فلم يتم زرعه نظر إلى غالب عادة الناس في حرثهم لو لم يكن شرط، وهو عندنا حرثه، فينظر: كم يزيد كراؤها على حرثة في السنة الثانية لو حرثت ثلاث حرثات، فترجع عليه بالزائد؛ لأنه كنقد اشترطه فيها ولو تم زرعه فيها لانبغى أن يكون عليه كراء مثلها بشرط أن يحرث ثلاث حرثات؛ لأنه كراء فاسد للغرر الذي دخلا فيه.
ولو قيل: إنه لو حرثها حرثة فلم يتم زرعه أن ذلك يزيد في كرائها في السنة المقبلة لوجب أن يرجع عليه به إذا لم يتم زرعه.
وعلى هذا يجب أن يرجع بزيادة الثلاث حرثات المشترطة عليه، ونحوه لبعض القرويين.
وكذلك إن زبلها إن كان الذي يزبلها به شيئاً معروفاً، وإن شرط على أن يحرثها له ربها جاز ذلك، ولا بأس بالبيع والكراء في صفقة واحدة.
[مسألة: كراء الأرض أو الدار الغائبة]
ولا بأس بكراء أرض أو دار غائبة ببلد قريب أو بعيد على صفة أو رؤية متقدمة، وينقده، كالبيع، ولا رد له إن وجدها على الصفة، وإنما يجوز ذلك على الرؤية المتقدمة منذ أمد لا تتغير في مثله.
стр. 6387
[مسألة: بيع المراعي]
وللرجل بيع مراعي أرضه إذا بلغ خصبها أن يرعى، لا قبل ذلك، فيبيع مرعاها سنة، لا أكثر.
[الفصل -٣ -
في
كراء الزوج والوصي]
وليس للرجل أن يكري ربع زوجته إلا بإذنها.
ولا أحب للوصي أن يشتري لنفسه شيئاً من مال يتمية، أو يكري أرضاً لها من نفسه، فإن نزل أعيد ما اشترى إلى السوق، فإن زيد عليه بيع، وإلا لزم الوصي ما سمى.
وكذلك الكراء، إلا أن يكون إبان الكراء قد فات، فيسأل أهل المعرفة عن الكراء، فإن كان فيه فضل، غرمه الوصي، وإلا ودا ما عليه.
قال بعض فقهاء القرويين: إنما يجب أن يعاد إلى السوق قبل أن يحول سوقه يوم اشتراه، فأما إذا حال سوقه نظر، فإن اشترى بقيمته يوم اشترى مضى، وإن كان بأقل غرم الزائد.
قال: انظر لو اشترى ما لا تفيته حوالة الأسواق، مثل المكيل والموزون بقيمته يوم اشتراه إلا أنه اليوم زاد سوقه فالأشبه أن يمضي ذلك، ولا يرد إلى السوق؛ لأن ذلك ضرر بالوصي، وهو لم يضر باليتيم ولا خانه.
وقد قال ابن القاسم: إن الوصي إذا اشترى شيئاً بالقيمة لم يرد.
стр. 6388
ومن ابتاع زرعاً أخضر على أن يحصده الآن، ثم أذن له رب الأرض في بقائه بكراء أو بغير كراء لم يجز، إلا أن يشتري الأرض بعد شرائه للزرع، فيجوز أن يبقيه فيها.
م/: ولو اشترى الزرع على البقاء، ثم اشترى الأرض لفسخ بيع الزرع وحده، فإن فات وتغير عما كان عليه (بيسور) أو زيادة بعد شرائه فعليه قيمته يوم اشترى الأرض؛ لأنه يومئذ قبضه، وصار في ضمانه.
ولو اشترى الزرع، ولم يبرز من الأرض، ثم اشترى الأرض قبل بروز الزرع من الأرض لبطل بيع الأرض والزرع؛ لأن الزرع لما كان وجه الحكم رده صار كأنه اشترى الأرض على أن يبقى الزرع الذي لم يخرج من الأرض للبائع، فيبطل أيضاً بيع الأرض.
ومن أكرى أرضه من رجل سنة، ثم أكراها من غيره سنة أخرى بعد الأولى جاز ذلك.
ولا بأس أن يكري المسلم أرضه من ذمي إذا كان لا يغرس فيها ما يعصره خمراً.
وأكره للمسلم كراء أرض الجزية ذات الخراج، فإن اكتريتها فجاز السلطان عليك وأخذ منك الخراج، فإن لم يكن الذمي وداه رجعت عليه بالخراج المعلوم، لا بما جار، وزاد عليك السلطان، وإن كان الذمي قد وداه لم ترجع عليه بشيء.
стр. 6389
[الباب الحادي والعشرون]
فيما انتثر للمكتري في الأرض من الحب فنبت عاماً قابلاً
أو جره السيل من حب أو زرع أو شجر من أرض مصر إلى
أرض أخرى
[الفصل -١ -
فيما إذا انتثر للمكتري في الأرض حب فنبت عاماً قابلاً أو جر السيل حب
رجل أو زرعه فنبت في أرض أخرى]
قال مالك: وإذا انتثر للمكتري في حصاده حب في الأرض فنبت قابلاً فهو لرب الأرض، وكذا من زرع زرعاً فحمل السيل زرعه إلى أرض غيره قبل أن ينبت فنبت فيها.
قال مالك: فالزرع لمن جره السيل إلى أرضه، ولا شيء للزارع.
أبو محمد: وقيل في البذر يجره السيل إلى أرض غيره أن الزرع لرب البذر، وعليه الكراء. قال سحنون في كتاب المزارعة: وإن جره السيل بعد أن نبت وظهر، فهذا يكون لرب الأرض، وعليه كراء الأرض ما لم يجاوز كراؤها الزرع، فلا يكون عليه أكثر منه.
قال في كتاب ابنه: وليس كالمخطئ، والمخطئ كالعامد، ولا يكون أسوأ حالاً من المكتري للأرض مدة فتنقضي المدة، وله فيها زرع أخضر، وقد علم حين زرعه أنه لا يطيب في المدة.
فقال مالك: له الزرع، وعليه كراء زيادة المدة.
قال أبو محمد: يريد سحنون: وإن كان رب الزرع مكترياً كان عليه كراء الأرضين جميعاً.
وروى أيضاً عن سحنون: أن الزرع لرب الأرض، وعليه للآخر قيمته مقلوعاً كما لو جره السيل إليه.
стр. 6390
قال أبو بكر: والقول الأول أحسن.
[الفصل -٢ -
فيما إذا قلع السيل من أرض رجل شجرات فصيرها إلى أرض غيره فنبتت
فيها]
قال سحنون في كتاب ابنه: ولو قلع السيل من أرض رجل شجرات، فصيرها إلى أرض غيره فنبتت فيها، فإنه ينظر، فإن كان إن قلعت وردت إلى الأرض التي كانت فيها نبتت فلصاحبها قلعها، وإن كان إنما يقلعها للحطب لا ليغرسها في أرضه فهذا مضار، وله القيمة. وإن كانت الشجر لو قلعت لم تنبت في أرض ربها، وإنما تصير حطباً، فهذا الذي قرت في أرضه مخير بين أن يأذن لربها بقلعها، أو يعطيه قيمتها مقلوعة. ولو نقل السيل تراب أرض إلى أخرى، فإن أراد ربه نقله إلى أرضه، وكان معروفاً فله ذلك.
وإن أبى أن ينقله فطلبه من صار في أرضه بتنحيته عنه لم يلزمه؛ لأنه لم يكن عن فعله، وكذلك لو وقع إلى أشجار جاره وأضر بها.
стр. 6391
[الفصل -٣ -
فيمن زرع في أرضه كموناً فلم ينبت إلا بعد أن اكترى الأرض آخر وزرع
فيها مقثاة]
قال أصبغ في العتبية فيمن زرع في أرضه كموناً فلم ينبت، وأبطأ حتى لم يشك أنه هلك فأكراها ممن غرس فيها مقثاة فنبتت المقثاة، ونبت معها الكمون معاً، فإن الكمون لربها، والمقثاة لغارسها، ويفض كراؤها الذي أكراها به على قدر ما انتفعا، هذا بكمونه، وهذا يمقتاته، فيسقط من الكراء ما ناب الكمون. وإن أضر الكمون بالمقتاة حتى نقصها من حملها وتمامها فليس له قلعة، ولكن يوضع عنه من حصته من الكراء بقدر ما نقصت المقتاة؛ لأن هذا من سبب الأرض.
وكذلك لو أبطلها لرجع بجميع الكراء فأخذه، ومصيبة المقثاة منه، كما لو غرسها فلم تنبت أصلاً، فاعلم ذلك، وبالله التوفيق.
стр. 6392
[الباب الثاني والعشرون]
فيمن اكترى أرضاً بعبد أو عرض فاستحق، وفي تفليس
أحد المتكاريين وإقالته
[الفصل -١ -
فيمن اكترى أرضاً بعبد أو عرض فاستحق]
قال ابن القاسم: ومن اكترى أرضاً بعبد، أو ثوب بعينه، فاستحق بعد الزراعة، أو الحرث فعليه كراء مثلها. وكذلك إن اكتراها بحديد، أو رصاص، أو نحاس بعينه، وقد عرفا وزنه، فاستحق فالكراء ينتقض، إلا أن يكون قد زرعها، أو حرثها، أو أحدث فيها عملاً فعليه كراء المثل.
قال بعض فقهاء القرويين: ولو أراد مستحق العبد أن يجيز بيع عبده بكراء الأرض، ويأخذ الأرض إن لم تحرث لكان له ذلك، وإن حرثها كان له أن يدفع إلى المكتري حق حرثه ويأخذ الأرض؛ لأنه كأنه مستحق لمنفعة هذه الأرض وجل منفعتها، وهو كمن استحق أرضاً بعد أن حرثها مكتر أن يدفع إليه حق حرثه، ويأخذ هو الأرض،
стр. 6393
فإن امتنع دفع إليه المكتري كراء سنة، فإن امتنع أسلمها بحرثها، فحكم مستحق العبد في ثمنه كحكم المستحق.
وقد قالوا في غاصب العبد يبتاع به جارية فيحبلها، أن لمستحق العبد أن يجيز بيعه، ويأخذ الجارية، وقيمة ولدها كالمستحقة، فهو بخلاف مكتري الأرض بعبد فيستحق العبد، وقد حرث المكتري الأرض أنه ليس له أخذها ويعطيه قيمة حرثه، وإنما له عليه كراء أرضه؛ لتفويتها بالحرث.
ولو استحق العبد بعد أن زرع المكتري فله أن يجيز ويأخذ الأرض، ولا يكون كمن باع عبداً بقيمة كراء الأرض؛ لأنه إنما استحق الأرض؛ لأنها ثمن عبده فلما فلتت أخذ قيمتها.
[الفصل -٢ -
في
تفليس المكتري]
قال مالك: إذا فلس المكتري أو مات بعد أن زرع الأرض ولم ينقده، فربها أحق بالزرع في الفلس، وهو في الموت أسوة الغرماء.
وقيل: يكون أحق به في الموت والفلس. فوجه أنه أحق به في الفلس؛ فلأنه خرج من أرضه، فهي كسلعة خرجت من يده فهو أحق بها في الفلس. ولم يكن للمكتري فيها شركة بعمله وبذره كنفقة على العبد الصغير الذي لا منفعة له به، وكما قالوا في الأجير
стр. 6394
على سقي الزرع: أنه أولى به في الفلس، وهو إنما حيي بماء رب الزرع وأرضه إلا أنهم جعلوا الأجير أولى به؛ لأنه بعمله تم.
ووجه أنه أحق به في الفلس والموت؛ فلأن الزرع كان في يده؛ لأن أرضه كيده وحامله له، فهي كحمل دوابه للمتاع، وهو لو أسلم دوابه لكان أولى بما على ظهورها، فكذلك الزرع.
وفي كتاب التفليس إيعاب هذا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك رب الدار في فلس المكتري هو أحق بالسكنى كلها إن لم يسكن المكتري. وإن سكن شيئاً فربها مخير في أن يحاصص بجميع الكراء، أو يسلم بقية السكنى، أو يحاص بحصة كراء ما مضى، ويأخذ بقية السكن، إلا أن يدفع إليه الغرماء بقية الشهور بالتقويم، فلا كلام له إلا الحصاص بكراء حصة ما مضى.
وقد تقدم هذا.
[الفصل -٣ - في تفليس المكري]
وإن فلس الجمال فالمكتري أولى بالإبل حتى يتم حمله، إلا أن بضمن له الغرماء حملانه ويكروا له من أملياء، ثم يأخذوا الإبل، فيبيعونها في دينهم.
стр. 6395
وقال غيره: لا يجوز أن يضمنوا حملانه.
وحكى عن بعض شيوخنا القرويين أنه قال: إنما هذا الاختلاف بين ابن القاسم وغيره إذا كانت الإبل المكتراة معينة، فرأي ابن القاسم أن ضمانهم لحملانه يجوز لضرورة التفليس، ومنع غيره من ذلك.
وإذا كان الكراء مضموناً فيجوز أن يضمنوا حملانه من غير خلاف بين ابن القاسم وغيره.
ألا ترى أن الحمالة بالمضمون تجوز، فإذا جازت الحمالة به جاز تحوله على الغرماء، والحمالة بالمعين لا تجوز. فكذلك لا يجوز تحوله على الغرماء عند غيره.
ومن المدونة قال مالك: وإن فلس المكتري فالجمال أولى بالمتاع حتى يأخذ كراءه، ويكري الغرماء الإبل في مثل كرائه، وجميع الصناع أحق بما في أيديهم في الموت والفلس من الغرماء.
[الفصل -٤ -
في
الإقالة في الكراء]
وإن اكتريت أرضاً بدارهم فأقالك ربها على أن زدته دارهم فذلك جائز. يريد: مقاصة إن كان قد نقده. ولو استقاله المكري فأبى أن لا يزيد هو المكتري، فإن كان لم ينقده، وكانت الأرض مأمونة جاز. وإن نقده لم يجز؛ لأنه يرد أكثر مما أخذه في
стр. 6396
المنافع، وذلك لا يجوز على أحد القولين؛ لأن بيع المنافع كالدين لما كانت لا تقبض وضمانها من بائعها.
وكما لا تجوز الإقالة من الدار إذا سكن بعض السكنى ونقد، وفي ذلك اختلاف. وإن كانت الأرض غير مأمونة لم يجز أن ينقده رب الأرض ما يزيده؛ لأنه كالنقد في غير المأمونة؛ لأن ربها صار مكترياً لها، وذلك كالإقالة بالزيادة في الجارية في المواضعة؛ لأنه لا نقد في المواضعة؛ لأنه تارة سلفاً وتارة ثمناً.
فإن قيل: لا تجوز هذه الإقالة بحال؛ لأن رب الأرض أخذ من دين له على المكتري كراء أرض قيل لا يشبه رب الأرض في هذا من أخذ من دين له كراء أرض؛ لأن رب الأرض رجعت إليه أرضه وهي في ضمانه، وبرئت ذمة المكتري من جميع الكراء.
والذي أخذ من دين له كراء الأرض لم تبرأ ذمة من أعطاه منفعة الأرض؛ لأنه إنما يقبضها شيئاً فشيئاً، ولم يقبض المنافع التي اكتراها، وضمانها من ربها، فافترقا.
ونحو هذا لبعض فقهاء القرويين.
وبالله التوفيق.
стр. 6397
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
كتاب الشركة
[الباب الأول]
في جواز الشركة وبيان وجوهها
[الفصل ١ - في
الأصل في جواز الشركة]
والأصل في جواز الشركة قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف:١٩]. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال:٤١].
فدل أن الأربعة الأخماس للغانمين تقسم بينهم.
والشركة على ثلاثة وجوه: شركة بالأموال، وشركة بالأبدان، وشركة بالذمم لا بمال ولا بعمل بدن، فشركة المال وشركة الأبدان جائزتان.
فشركة المال من قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾.
وشركة الأبدان من قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية.
стр. 6398
والأربعة أخماس للغانمين تقسم بينهم، وهم نالوا ذلك بعمل أبدانهم.
وأما شركة الذمم فإنها غير جائزة؛ لأنها ذمة بذمة، وهي من وجه الدين بالدين، والشركة تلزم بالعقد كالبيع لا رجوع لأحدهما فيها بخلاف القراض والجعل.
[الفصل -٢ - في
وجوه الشركة الجائزة]
ومن المدونة قال مالك: ولا تجوز الشركة إلا بالأموال، أو على عمل الأبدان إذا كانت صنعة واحدة.
فأما بالذمم بغير مال على أن يضمنا ما ابتاع كل واحد منهما فلا تجوز، كانا في بلد واحد أو في بلدين يجهز كل واحد منهما لصاحبه تفاوضا، وكذلك في تجارة الرقيق أو في جميع التجارات أو في بعضها.
وكذلك إن اشتركا بمال قليل على أن يتداينا؛ لأن كل واحد يقول لصاحبه: تحمل عني بنصف ما اشتريت على أن أتحمل عنك بنصف ما اشتريت، إلا أن يجتمعا في شراء سلعة معينة حاضرة أو غائبة فيبتاعاها بدين فيجوز ذلك إذا كانا حاضرين؛ لأن العهدة وقعت عليهما. وإن ضمن أحدهما عن صاحبه فذلك جائز.
وقال بعض أصحابنا: وإنما يجوز ذلك إذا كانت أنصباؤهما متفقة. وأما إذا كانت مختلفة يكون لأحدهما الثلث والآخر الثلثان، فلا يصلح أن يضمن الذي له الثلث إلا مثل ما يضمن عنه صاحبه لا أكثر.
قال بعض فقهاء القرويين: ويتبع البائع كل واحد منهما بنصف الثمن إذا لم يعلم
стр. 6399
أنهما اشتركا على الثلث والثلثين، ويتراجعان فيما بينهما، وإن علم بأجزائهما في الشركة أتبع كل واحد منهما بما ينوبه، وإنما يجوز حمالة أحدهما لصاحبه إذا تساويا؛ لأن كل واحد منهما تحمل بمثل ما تحمل عنه صاحبه، ولا يجوز ذلك في سلعتين يختص كل واحد منهما بسلعة وتحمل أحدهما عن صاحبه على أن يتحمل عنه الآخر، كما لا يجوز أسلفني بشرط أن أسلفك، وإنما أجيز في اشتراكهما في البيع؛ لأنه من عمل الناس فيما مضى.
قال ابن المواز: وقال أصبغ: إذا وقعت الشركة بالذمم كان ما اشتريا بينهما على ما عقدا، وتفسخ الشركة بينهما من الآن.
قال ابن القاسم في باب المتفاوضين: وأكره أن يخرجا مالاً على أن يتجرا به وبالدين مفاوضة، فإن فعلا فما اشترى كل واحد بينهما، وإن جاوز رؤوس أموالهما.
قال بعض فقهائنا القرويين: وإنما لزم كل واحد منهما ما اشترى صاحبه في الشركة بالذمم؛ لأنه كأنه عنده من باب الوكالة الفاسدة.
стр. 6400
والأشبه كان على مذهب ابن القاسم أن يكون ما اشترى كل واحد له، وهذا تأويل سحنون عليه؛ لأنه لما قال له: اشتر أنت فما اشتريت لزمني نصفه، وما اشتريت أنا لزمك نصفه أشبه المفاوضة في السلعتين اللتين يشتريان فلم يلزم ذلك شريكه، كما إذا تشاركا بسلعتين شركة فاسدة لم يكن البيع فيها فوتاً يوجب على كل واحد نصف قيمة سلعة صاحبه؛ لأن يد كل واحد على سلعته.
فكذلك الشراء ها هنا وقع أن يشتري كل واحد له ولصاحبه بشرط أن ما اشترى صاحبه لازم له، فليس كالوكالة الفاسدة للمفاوضة الداخلة هاهنا فأشبه المفاوضة في السلعتين، والله الموفق.
стр. 6401
[الباب الثاني]
في شركة الصناع
[الفصل ١ - في
وجه العمل في شركة الأبدان]
قال ابن القاسم: وجه العمل في شركة الأبدان أن يكون الربح بينهما بقدر أعمالهما تساويا في ذلك أو تفاضلا، وكذلك في شركة الأموال يكون الربح والوضعية بقدر المال والعمل وإلا كانت إجارة مجهولة، ولا يلتفت في شركة الأموال إلى اختلاف تجارتهما مثل أن يكون واحد عطاراً والآخر بزازاً، ولا إلى اجتماعهما، بل جائز أن يكون في بلدين يجهز كل واحد منهما على صاحبه. وأما شركة الأبدان فلا يجوز أن يكونا في حانوتين، ولا أن تكون صنعتهما مختلفة مثل خياط وصباغ.
قال ابن القاسم: شركة أهل الصنعة جائزة بوجهين أحدهما أن تكون الصنعة متحدة، وأن يعملا في حانوت واحد وموضع واحد.
وأجاز في العتبية أن يكونا في حانوتين في صنعة واحدة.
م/: لعله يريد في موضع واحد أو في موضعين نفاقهما واحد، وتكون أيديهما تجول في الحانوتين جميعاً، وأجاز لو كانا ذوي صنعتين أن يكونا في حانوت واحد يعملانهما جميعاً.
стр. 6402
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أقعدت صانعا في حانوت على أن تتقبل المتاع عليه, فما رزقكم الله فبينكما نصفين لم يجز.
قال بعض أصحابنا: وذلك على ثلاثة أوجه إن كان صاحب الحانوت هو الذي يتقبل المتاع وعهدته عليه, فالغلة له والضمان عليه, وللصانع أجر مثله فيما عمل, وإن كان الصانع هو الذي يتقبل وعليه العهدة فالغلة له, ولصاحب الحانوت كراء حانوته. فإن كانا يتقبلان جميعا فالضمان عليهما والغلة بينهما.
م/: وللعامل على رب الحانوت نصف إجارة مثله, ولرب الحانوت على الصانع نصف كراء حانوته.
وروى عيسى عن ابن القاسم فيمن قال لرجل: اجلس في هذا الحانوت, وأنا آخذ المتاع بوجهي, والضمان عليَّ وعليك.
قال: الربح بينهما على ما تعاملا عليه, ويرجع من له فضل عمل على صاحبه. ولو قال له: اجلس وأنا آخذ لك متاعا فتبيعه ولك نصف ما ربحت ولم يصلح, فإن نزل فللذي في الحانوت أجر مثله, وللذي أجلسه الربح كله.
م/: لأن الأولين اشترطا الضمان عليهما فوجب قسمة الربح بينهما على ذلك, ويرجع العامل بفضل عمله. وفي الثانية إنما أجَّر العامل إجارة فاسدة فله فيها إجارة مثله.
стр. 6403
ومن المدونة قال: وإنما تجوز الشركة في عمل الأبدان إذا كان عملهما نوعا واحدا كالصباغين والخياطين, ويعملان في حانوت واحد, وإن فضل أحدهما الآخر في العمل وهذا ما لابد منه.
قال سحنون: ما لم يتفاحش ذلك.
قال ابن القاسم: ولا يجوز أن يشتركا على أن يتفرقا في قريتين أو في حانوتين, وإن اتفقت الصنعة. ولا يشترك ذوا صنعتين, وإن كانا في موضع واحد كقصار مع حداد ونحوه.
وإنما قال: لا يجوز إذا افترقا في موضعين وإن كانت صنعتهما واحدة؛ لاختلاف نفاق الأعمال في المواضع, فربما عمل أحدهما لكثرة العمل بموضعه, ويبطل الآخر فيكون ذلك تفاضلا في الشركة, ومن سنتها المساواة, وذلك في شركتهما في عمل الأبدان, فأما إن كانا يتجران في موضع بأموالهما فذلك جائز.
قال ابن المواز عن أشهب: لا بأس أن يخرجا مالاً متساوياً على أن يُقْعِدَ هذا بزازا وهذا عطارا.
م/ لأن الربح للمال وقد تساويا فيه.
стр. 6404
[الفصل ٢_ في
اشتراك ذوي صنعة على عمل أبدانهما مع اختلاف قدر ما على كل واحد من
العمل وماله من الربح]
ومن المدونة: وإن اشترك ذوا صنعة على عمل أبدانهما, ولا يحتاجان إلى رأس مال على أن على أحدهما ثلث العمل, وله ثلث الكسب, وعليه ثلث الضياع, وعلى صاحبه ثلثا ذلك, وله ثلثا الكسب فذلك جائز كالأموال, وكذلك شركة الجماعة على ما وصفنا. وما احتاج إليه شريكا الصنعة من رأس المال أخرجاه جميعا بينهما بالسوية وعملا جميعا, وإن أخرج أحدهما ثلث رأس المال والآخر الثلثين على أن العمل عليهما جميعا والربع بينهما نصفين لم تجز هذه الشركة.
وإن كان بقدر ما أخرج كل واحد من رأس المال في عدد أو وزن يكون له من الربح وعليه من الوضيعة والعمل فذلك جائز.
وإن اشترك قصَّاران لأحدهما الحانوت وللآخر الأداة, والكسب بينهما لم يجز, كقول مالك فيما إذا جاء أحد منهما برحى, والآخر بدابة, والكسب بينهما نصفين, أنه لا يجوز إذا كانت إجارتهما مختلفة. فكذلك مسألتك.
قال ابن المواز: لأن أحدهما لم يضمن لصاحبه ثمنا ولا كراء, ولو أكرى هذا من هذا, وهذا من هذا بشيء معلوم, وتساويا في ذلك لجاز.
стр. 6405
[الفصل ٣_ في اشتراك ذوي صنعة وتفاضلهما بشيء تافه مما يحتاجان إليه في
صنعتهما]
ومن المدونة قال مالك: وإن تطاول أحد القصارين بشيء تافه على صاحبه من الماعون لا قدر له في الكراء مثل قصرية ومدقة ونحوها جاز, كأرض لا بال لها بين المتزارعين, وأما أن تطاول أحدهما على صاحبه بأداة لا يلغى مثلها لكثرتها لم يجز حتى يشتركا في ملكها, أو يكتري من الآخر نصفها كالمتزارعين يشتركان فيخرج أحدهما أرضا لها قدر من الكراء فيلغيها لصاحبه ويعتدلان فيما بعد ذلك من العمل والبذر فلا يجوز ذلك, إلا أن يخرج صاحبه نصف كراء الأرض, ويكون جميع البذر والعمل بينهما بالسوية, أو تكون أرضا لا بال لها في الكراء خاصة كأرض المغرب وغيرها, فيجوز أن يلغي الكراء لصاحبه ويخرجان ما بعد ذلك بالسوية.
[الفصل ٤_ في الاشتراك في الآلة ورأس المال في شركة الأعمال]
واختلف في الشركة بالأعمال إذا احتاجوا إلى الآلة, فقيل: لا يجوز حتى يشتركوا في الآلة ليضمناها جميعا, أو يكري بعضهم من بعض. وقيل: جائز إذا ساوى كراء ما يخرج أحدهما كراء ما يخرج الآخر, كالاختلاف في الشركة في الحرث, وإذا احتاج الصانعان إلى رأس مال أخرجاه برأس أعمالهما, فلا يفترقان بخلاف التجر؛ لأن الصانعين وإن اختلفا أو احتاجا إلى رأس مال فالمقصود منهما الصنعة لا ما يخرجانه من رأس المال, ولو كانت صنعة لا قدر لها والمبتغى منها التجر لجاز أن يفترقا.
وقد أجاز ابن حبيب: إذا اشتركا في رقاب الدواب وعلى أن يحتشا عليها أن يفترقا, وهو ظاهر كتاب محمد.
стр. 6406
م: فلعله أراد لأن الأغلب رؤوس أموال الدواب فأشبه الشركة في المال, وأما إذا كانا يحتشان فلا يجوز إلا أن يتعاونا في موضع واحد.
قاله كله بعض الفقهاء القرويين. قال: وأما لو احتش هذا في ناحية وهذا في ناحية والموضع واحد إلا أنهما لا يتعاونان لم يجز.
فصل [٥_ في ثلاثة يشتركون في عمل أبدانهم ويأتي أحدهم بدابة والآخر برحى
والثالث بالبيت]
قال ابن القاسم: وإذا اشترك ثلاثة نفر أتى أحدهم بدابة والآخر برحى, والثالث بالبيت على أن يعملوا بأيديهم, والكسب بينهم أثلاثا, فعملوا على ذلك وجهلوا أنه لا يجوز, فإن ما أصابوه يقسم بينهم أثلاثا إن كان كراء الرحى والبيت والدابة معتدلا, وتصح الشركة؛ لأن كل واحد أكرى متاعه بمتاع صاحبه, ألا ترى أن الرحى والبيت والدابة لو كان ذلك لأحدهم فأكرى ثلثي ذلك من صاحبه, ثم عملوا جازت الشركة.
قال: وإن كان كراء ما أخرجوه مختلفا قسم المال بينهم أثلاثا؛ لأن رؤوس أموالهم عمل أيديهم وقد تكافأوا فيه, ويرجع من له فضل كراء على أصحابه, فيترادون ذلك فيما بينهم وإن لم يصيبوا شيئا؛ لأن ما أخرجوه مما يكرى, وقد اكترى كراء فاسدا, ولم يتراجعوا في عمل ايديهم لتساويهم فيه, فجعلت ذلك كرؤوس أموالهم.
قال أبو محمد: وتفسير ما قال ابن القاسم في تراجعهم في اختلاف أكرية ذلك مثل أن يكون يساوي كراء البيت ثلاثة دراهم, والدابة درهمين, والرحى درهما,
стр. 6407
فقد تساووا في درهم فلا يتراجعون فيه, وصاحب البيت له فضل درهمين له منهما ثلثا درهم على كل واحد من صاحبيه, وصاحب الدابة له فضل درهم له منه ثلث درهم على كل واحد من صاحبيه, فإذا طلب صاحب البيت صاحب الدابة بثلثي درهم طلبه صاحب الدابة بثلث درهم له قِبَلَهُ فيتقاصان, ويبقى لصاحب البيت ثلث درهم على صاحب الدابة, ولصاحب الدابة ثلث درهم على صاحب الرحى, ولصاحب البيت ثلثا درهم على صاحب الرَّحى أيضا, فآخر الأمر أن يغرم صاحب الرحى لصاحب البيت ثلثي درهمٍ, ولصاحب الدابة ثلثَ درهمٍ فيدفعه صاحب الدابة إلى صاحب البيت فيحصل له درهم ويتساوون, وإن لم يجد له شيئا وداه من عند نفسه.
م/ إذا حضروا كلُّهم وهم أملياء وطلبوا المحاسبة فيدفع صاحب الرحا لصاحب البيت درهما ثلثه عن صاحب الدابة وثلثاه عن نفسه وينصرفون؛ لأن جميع إجارة البيت والرحا والدابة ستة دراهم فلصاحب الدابة كراء دابته درهمان فلا شيء له ولا عليه, ويرجع صاحب البيت على صاحب الرحا بدرهم فيعتدلون, وبالله التوفيق.
قال ابن المواز: إذا نزل ذلك وفات بالعمل قسموا مالهم أي ما أصابوه على قدر إجارة ما لكل واحد منهم, فإن فضل شيء قسموا ما فضل على قدر ذلك.
م/: وبيان ذلك أن يعلم جميع ما أصابوه فكأنه ثمانية عشر درهما, ثم يقال كم كراء كل واحد منهم؟ فيقال: كراء البيت ثلاثة دراهم, والدابة درهمان, والرحى درهم, فيأخذ كل واحد كراء شيئته, ثم يقال: ما أجرة كل واحد؟ فكأنه قيل: درهم درهم فيأخذه أيضا فيحصل لصاحب البيت أربعة, ولصاحب الدابة ثلاثة, ولصاحب الرحى درهمان, فذلك تسعة, ويبقى ما أصابوه تسعة, فيقسمون ذلك على التسعة التي صارت لهم, فيصير لصاحب البيت ثمانية, ولصاحب الدابة ستة, ولصاحب الرحى أربعة.
стр. 6408
وقال بعض فقهاء القرويين: الأشبه أن يكون عمل أيديهم وكراء آلتهم رؤوسَ أموالهم, فيضيف كل واحد كراء عمل يده إلى كراء ما أخرج, ويجمع ذلك كله, ويقسم ما أصابوه على ذلك, فلا يختص برأس المال عمل اليد دون الآلة؛ لأن ذلك كله رأس مال, ولو عجز ما وجوده عن كراء الآلة لا نبغى أن لا يتراجعوا في الذمم بما فضل لبعضهم على بعض؛ لأن يد كل واحد على ما أكراه كراء فاسدا, فلا يضمن شريكه ما زاد على ما وجدوه من الأكرية كما لو اشتركوا في سلعتين شركة فاسدة فباعوا لم يضمن واحد لصاحبه قيمة نصيب صاحبه, وإنما تكون رؤوس أموالهم ما باعوا به سلعتهما على ما قدما.
م/: وهذا قول حسن؛ لأن عمل أيديهم, وما أخرجوه من الآلة من جنس ما يكرى, فيكون ذلك كله رأس مال تقع القسمة عليه, كان ما أصابوه قليلا أو كثيرا, فهو يرجع إلى قول محمد إذا كان ما أصابوه قدر كراء آلتهم وعمل أيديهم فأكثر لا يختلف ذلك في القسمة, فإن كان أقل من ذلك اختلف ووقع الظلم بينهم إذا بدئ بأكرية الآلة أو بأكرية الأيدي إذ قد يكون كراء آلة أحدهم عشرة دراهم وأجرة يده درهمين, وتكون أجرة آلة الآخر درهمين وأجرة يديه عشرة دراهم, فإن أصابوا قدر أجرة الآلة وبدئ بالقسمة عليهم ظُلِمَ من أجرة آلته قليلة وأجرة يده كثيرة, وإن بدأوا بالقسمة على أجرة الأيدي ظُلِمَ هاهنا صاحب الآلة, وبان بذلك أن أعدل الأقوال أن تجمع أكرية
стр. 6409
الجميع ويقسموا ما أصابوا عليه, فلا يقع ظلم على واحد منهم؛ ولأن ما أخرجوه مما يكرى فوجب أن يكون كراء رأس المال كثمن السلعتين في الشركة الفاسدة, فهما إنما تكون رؤوس أموالهما ما بيعت به سلعتهما, فكذلك أكرية أيديهما وآلاتهما, وهذا أبينها وبالله التوفيق.
[مسألة: في ثلاثة يأتي أحدهم بالبيت والآخر بالرحى والثالث بالدابة ويكون
العمل على صاحب الدابة لوحده]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن شرط صاحب البيت والرحى أن العمل على رب الدابة فعمل على هذا فكان الربح والوضيعة لصاحب الدابة, وعليه الضمان؛ لأن عمله كأنه رأس المال, وعليه أجرة الرحى والبيت, وإن لم يصب شيئا, كالدابة يعمل عليها الرجل على نصف ما يكسب.
فصل
[٦_ في أحد شريكي الصنعة يغيب يوما أو يومين ويعمل صاحبه حال غيابه]
قال: وإذا مرض أحد شريكي الصنعة فغاب يوما أو يومين فعمل صاحبه فالكسب بينهما؛ لأن هذا أمر جائز بين الشركاء إلا ما تفاحش من ذلك وطال, فإن العامل إن أحب أن يُعطيَ لصاحبه نصف ما عمل جاز ذلك إن لم يعقدا على ذلك في أصل الشركة أن من مرض منهما أو غاب غيبة بعيدة فما عمل الآخر فبينهما, فإن عقدا على هذا لم تجز الشركة, فإن ترك ذلك كان ما اجتمعا فيه من العمل بينهما على قدر عملهما, وما
стр. 6410
انفرد به أحدهما له خاصة. م/ يريد: قل أو كثر.
م/ قال بعض الفقهاء القرويين: فإن لم يعقدا على ذلك انبغى أن يكون القدر الذي لو صح هذا كان بينهما, ويكون الزائد على ذلك للعامل وحده, ويسمح في الشركة الصحيحة عن التفاصل اليسير, فأما إذا فسدت الشركة لم يسمح بذلك.
قال ابن حبيب: وهذا في عمل شركة الأبدان, فأما بالشركة في المال فللذي عمل نصف أجرته على صاحبه, والفضل بينهما؛ لأن المال جره.
[الفصل ٧_ في أحد شريكي الصنعة يتقبل شيئا بعد طول غيبة صاحبه, أو
يتقبلان شيئاً ثم يغيب أحدهما غيبة طويلة]
قال بعض الفقهاء القرويين: وإذا تقبل أحدهما شيئا بعد طول غيبة صاحبه أو مرضه فهو له, وإذا تقبلا جميعا ثم غاب أحدهما غيبة طويلة كانت الأجرة بينهما, ويرجع العمل على شريكه بإجارة مثله؛ لأنه كان حميلا عن صاحبه بالعمل بخلاف حافِرَيِ البئر يستأجران فيمرض أحدهما, فالثاني لا يلزمه أن يعمل ما وجب على صاحبه, فإن عمل فابن القاسم يجعله متطوعا لصاحبه, كمن خاط لإنسان ثوبا من غير إذنه فلا غرم على صاحبه, ومن رأى أنه متطوع لرب البئر فكأنه رأى أن بالمرض انفسخت الإجارة في
следующие страницы →