Полный текст (9 651 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.
стр. 6651
قال ابن حبيب عن مطرف: إذا حيزت على رجل أرضه أو داره وهو غائب، فإن لم يعلم فهو على حقه إذا قدم وإن طالت الحيازة، قربت غيبته أو بعدت، وهو على أنه لم يعلم حتى تقوم البينة بعلمه، فتنقطع حجته إن كان قريب الغيبة كالخمسة الأيام وشبهها، إلا أن يأتي بوجه يعذر فيه مثله، والسبعة من الأيام والثمانية طول من الغيبة وعذر يترك به القدوم، وإن علم بما حيز عليه لم يضره، ولكن استحب له أن يشهد بأنه على حقه، وإن لم يشهد لم يضره، وذكر عن مالك.
فصل [٤ - في الحيازة بين القرابة]
ومن المدونة: قيل لابن القاسم: أرأيت لو أن داراً في يدي ورثتها من أبي فأقام ابن عمي بينة أنها دار جده وثبت موروثه؟
قال: هذه من وجه الحيازة التي أخبرتك.
م/: قال بعض فقهائنا: جعل في هذا القول الحيازة بين القرابة وبين الأجانب سواء بخلاف ماله في غير المدونة.
قال غيره: ما كان في الحيازة من تأثير هدم أو بناء أو نحوه، فيستوي في ذلك القرابة والورثة والأجانب، وما كان ليس فيه تأثير وإنما هي حيازة بسكنى ونحوها، فيفرق بين الأقارب والأجانب في طول ذلك.
وكذلك روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في العتبية.
م/: قال بعض الفقهاء: اختلف في الحيازة على القرابة، فإن كانوا يتسامحون في حيازة بعضهم على بعض فيما يرثونه العشرين سنة والثلاثين لم يكن ذلك حيازة، ثم ينتظر أيضاً ما الغالب أنهم يسكنون إليه فيكون حينئذ حيازة، وإن كانوا كالأجانب، ويقع بينهم التشاح فهم في الحيازة كالأجانب، ولو حاز بعضهم على بعض العشر سين والثمانية وما قارب ذلك فهو حوز عليه.
стр. 6652
وأما الهدم والبناء في الأجانب فذلك حوز، وإن قرب الأمد.
واختلف هل ذلك بين القرابة حوز فينبغي أن ينظر أيضاً فإن كانوا لا يفعلون الهدم والبناء إلا بعد المقاسمة فذلك حوز، وإن كانوا يتسامحون في هذا فليس بحوز إلا أن يطول الزمان كالخمسين سنة ونحوها.
[فصل ٥ - في الحيازة بين الورثة والشركاء]
وأما حيازة الوارث بالوطء والبيع والتدبير والكتابة والعطية فذلك يقطع حق باقي الورثة بلا اختلاف فيه.
ومن غير المدونة: وقد اختلف قوله فيما حازه الورثة ببناء أو هدم أو غرس أو كراء باسمه.
فقال مرة هم في هذا كالأجانب إذا حازها بمثل هذا عشر سنين فهو أولى بها، ثم رجع فقال: لا يقطع بذلك حق الورثة، وثبت فيما حازه الوارث بالوطء والبيع والتدبير والكتابة والعطية أن ذلك يقطع حق باقي الورثة بمثل هذا.
وقال في الغرس والبناء: إلا أن يطول الزمان جداً، ولم ير الأربعين سنة طوشً بين الورثة خاصة، وسواء مات أحد الوارثين أو كلاهما أو لم يموتا لا يقطعه إلا طول الزمان جداً.
قال: وكذلك المرأة مع ولد زوجها تقوم هي أو ولدها من زوج بعده على ولد الأول، وقد حازوا بالزرع والسكنى، وإن بعد عشرين سنة، فلا يقطع ذلك حقها ولا حق ولدها، إلا أن يقسموا أو يبيعوا أو يعتقوا بعلمها أو علم من يرثها فذلك يقطع حقهم.
قيل: فإن فعلوا ذلك في بعض الرقيق؟
قال: إن كان ذلك في يسير منهم أخذت حقها فيما أعتقوا وبعوا؛ لأنها تعذر
стр. 6653
بالسكوت عن اليسير في جنب كثير الميراث، وإن أحدثوا ذلك في جل الميراث فإن حقها يبطل من الجميع.
ومن كتاب ابن حبيب قال مطرف: ولا حيازة بين الورثة والشركاء فيما يزرع أو يسكن بغير عمارة طال الزمان أو قصر، في بعض ذلك أو كله، حضروا أو غابوا، إلا أن يطول الزمان جداً خمسين سنة أو أكثر، أو يحدث فيما لم يطل بيع أو هبة أو قسم أو إصداق النساء، والباقون حضور لا ينكرون ولا يغيرون ذلك، فلا حق لهم إلا أن يقوموا بحدثان ذلك، وإلا فلا شيء لهم لا في ثمن ولا في غيره.
قال: وما حيز منه بالهدم والبناء والغرس والإحياء فهم فيه كالأجنبيين، هذا إذا مضت عشر سنين وشركاؤه حضور عالمون لا يغيرون، فهو أحق به إذا ادعاه ملكاً لنفسه بأمر لا يريد أن يظهره واحتج بحيازته، فإن حاز هذا جميع ذلك فهو له، وإن كان إنما حاز بعضاً ولم يحز البعض وكان ما حاز مثل سهمه فهو له بسهمه، ولا شيء عليه فيما بقي، وإن ادعى أنه إنما عمر له دونهم، وأن حقه ثابت فيما بقي إذا ادعى أشراكه أنهم إنما تركوه يحدث ذلك ليكون له بسهمه وسهامهم فيما بقي، وحلفوا على ذلك. وإن عمر أقل من سهمه أتم له بقية سهمه فيما بقي، وإن كان أكثر من سهمه فهو له كله قدر سهمه بسهمه، وما زاد على سهمه بالحيازة.
قال: والحيازة بقبض الغلات والثمار، وإن قبض غلة ذلك كله كالحيازة بالسكنى والزرع، وإن زعم شركاؤه أنه إنما قبض ذلك له ولهم بتوكيلهم أو التقديم له حلفوا، وهم على حقهم من الأصل والغلة الماضية.
وإن قالوا: تجافيا له عن ذلك فهم على أصلهم خاصة، وما حاز بعضهم من العبيد والإماء والحيوان والدواب وجميع العروض تختدم وتركب وتجلب وتمتهن العروض فلا يقطع ذلك حق الباقين ما لم يطل، والطول في ذلك دون الطول بينهم في حيازة الدور والأرضين بالسكنى، والازدراع، وفوق حيازة الأجنبي على الأجنبي، ما لم يحدث الحائز عتقاً أو تدبيراً أو بيعاً أو هبة أو صدقة أو يطأ الأمة أو يقطع الثياب والباقون لا يغيرون
стр. 6654
ولا يقومون بحدثانه، فإن أحدث ذلك فيها كلها قضي له بها كلها.
وإن كان في بعضها فله ذلك خاصة، والباقي بينهم بعد يمين الباقين أنه ما خرج من أيديهم، ولو قاموا عند هذا الإحداث وحلفوا أنهم ما سوغوا له ذلك، فلهم قيمة نصيبهم فيما أعتق وفيما وطئ، وما باع أو تصدق أو وهب أو أصدق فهو مردود وهم فيه على حقهم.
فإن طال ذلك قبل قيامهم فلا شيء لهم لا في ثمن المبيع ولا في غيره، وما طال حيازته له بالامتهان والاستخدام حتى طال الزمان فذلك لحائزه دون الباقين، والطول فيه فوق عشر سنين بقدر الاجتهاد.
وأما في غير الورثة والشركاء فالحيازة فيه أقل من عشر سنين.
قال: والورثة والشركاء وآباؤهم بمنزلة أبنائهم لا يستحقون شيئاً بموت من مات وقال أصبغ مثله.
وقال أيضاً: وما حاز بعضهم بهدم أو بناء يشبه الإصلاح والزيادة فالسكنى لا يضر معه طول زمان ولا موت بعضهم إلا في طول الزمان جداً كخمسين سنة أو ستين سنة، فذلك يقطع حق من بقي، وما دون الخمسين وما قاربها فليس بحوز في الشركاء والورثة، وأما البناء والهدم الذي لا يشبه الزيادة فذكر فيه ما تقدم لمطرف.
فصل [٦ - في حيازة الابن على أبيه وحيازة الورثة والأصهار والموالي]
وبلغني عن محمد بن إبراهيم بن دينار أنه قال: ما حاز الابن من أرض أبيه في حياته بالغرس والبناء والإحياء، ولم ينقله الأب منه حتى مات، وطال الزمان فهو للولد بحيازته إياه إذا ادعاه ملكاً لنفسه.
стр. 6655
قال: وإن كان أبوه ينقله من موضع إلى موضع، ويعمل في كل موضع، فلا شيء له بحيازته، وإن مات أبوه على ذلك، وقاله مطرف.
وروى أصبغ عن ابن القاسم أن ليس بين الولد ووالده في مثل ذلك حوز وإن طالت عمارته؛ لأنهم كالخول لآبائهم إلا ما نسبوه لأنفسهم بشراء أو هبة أو صدقة أو إصداق امرأة أو بنوا أو غرسوا في موضع واحد. وقاله أصبغ وابن حبيب.
ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم في الذي يعمر ابنه أومواليه أو أختانه حتى هلك ولا بينة لهم على عطية أو هبة أو صدقة، فأما الولد فلا شيء له إلا أن يقيم بينة على عطية أو صدقة أو هبة.
وأما المولى والختن فكالأجنبي إن عمروا أو غرسوا بمحضر رب الأرض، ولا يغير ولا ينكر، ولا يشهد بعارية ولا يغيرها فذلك لهم إذا عمروا زماناً طويلاً، أو بنوا بناءاً معروفاً بعلم رب الأرض عشر سنين أو تسع أو ثماني، وأما حيازة الابن على أبيه فيما ثبت أصله لأبيه من حيوان أو دابة أو رأس رقيق، فلا ينتفع بتقادم ذلك في يديه إلا أن يأتي ببينة على صدقة أو هبة.
وقال ابن حبيب: قال مطرف: ما عدا الشركاء والورثة من جميع القرابات، الإخوة وبنوهم، والأعمام وبنوهم، والأخوال والأصهار والموالي، فهم كالأجانب فيما حازوه.
قال أصبغ: إلا موالي الخدمة المدبرين لماله. يريد مثل الخول والقوام وشبههم من
стр. 6656
الخاصة، فلا يجرون مجرى الأجانب، وكذلك الموالي والأصهار يكونون خولاً ووكلاء لصاحب الأصل أو مختلطين به جداً، إلا أن يكونوا منقطعين عنه فيكونون كالأجانب، ولا حيازة للابن على أبيه وإن كان منقطعاً عنه.
واختلف قول ابن القاسم في ذلك: فمرة قال بقول مطرف وأصبغ، ومرة قال بخلافه.
قال أشهب وابن وهب: إن الورثة والأصهار كالأجانب فيما يحاز إذا حازوه عشر سنين، وكذلك عن أشهب في المجموعة أن الورثة كالأجانب.
وقال سحنون في العتبية في الصهر كزوج الأخت أو العمة يعمر قريتي بمحضري، قال: هو كالغريب في الحيازة، ولا يستحقها بعمارة عشر سنين بخلا الأجنبي.
وقد اختلف فيه أصحابنا وهذا أحسن. وكذلك الموالي من فوق ومن أسفل كالقرابة في ذلك أيضاً. واختصار ذلك كله على ثلاثة أقوال، قول أن الورثة والشركاء صنف لا يقضى لهم إلا أن تطول الحيازة كالخمسين سنة مثلاً أو ستين، وأن الأجنبي والقرابة غير الورثة. والأصهار والموالي صنف يقضي لهم بحيازة عشر سنين وما قاربها، ويستوون كلهم في بيع الشيء المحاز وصدقته وهبته ووطئه وكتابته وتدبيره أن ذلك حوز وإن قرب، واختلف في حوز الورثة بالبناء والهدم فقيل: هم فيه كالأجانب، وقيل: بل ذلك كالزرع والسكنى.
وقال سحنون: إن الورثة وغيرهم من القرابة والأصهار والموالي من فوق أو من أسفل لا يقضي لهم إلا بعد طول الحيازة بخلاف الأجانب.
وقال أشهب: الورثة والأصهار والموالي كالأجانب يقضي لهم بحيازة عشر سنين وما قاربها.
стр. 6657
[مسألة: حيازة الأزقة والطرق]
وسئل سحنون عمن يدخل في داره من زقاق المسلمين النافذ فلم يرفع ذلك إلى الحاكم إلا بعد عشر سنين؟ قال: يهدم ويرد إلى الزقاق، ولا تملك الأزقة ولا تحاز.
وعما يحدث في طرق المسلمين من الكنيف والحمامات، ولا يرفع ذلك إلى الحاكم إلا بعد عشر سنين أو عشرين سنة؟ قال: لا تحاز طرق المسلمين بخلاف الأملاك بين الناس، إلا أن يأتي من ذلك أمر قديم مثل الستين سنة ونحوها فيترك ذلك؛ لأنه لا يعلم بأي وجه وضع ذلك، وأما عشر سنين ونحوها فلا.
стр. 6658
[الباب الثامن]
في الشهادة في المواريث وبيع ما فيه مناظرة
[الفصل ١ - الشهادة في المواريث]
قال ابن القاسم: ومن قامت له بينة أنه ابن فلان الميت لم يستحق ميراثه حتى يقولوا: لا نعلم له وارثاً غيره، وكذلك إن شهدوا مع ذلك بأن هذه الدار لأبيه أو جده فلا تتم الشهادة حتى يقولوا: لا نعلم أنها خرجت عن ملكه إلى أن مات وتركها ميراثاً، وأنا لا نعلم له وارثاً غير هذا، فإن شهدوا أن هذا وارث أبيه أو جده مع ورثة آخرين، يريد يعرفونهم وهم غيب سمعت البينة، وقضيت للحاضر بقدر حظه منها، ولم أنزع باقيها من يد المقضي عليه؛ إذ لعل الغيب يقرون له بها، فإن قدموا وادعوا كدعوى الحاضر كان ذلك القضاء لهم نافذاً، وإن قدموا قبل القضاء أو بعد أن عجز الأول عن منافعه فهم على حجتهم.
وروى أشهب وابن نافع عن مالك: أنه إذا قضى للحاضر بحظه نزع باقيها من يد المقضي عليه ووقف للغائب.
وقال ابن القاسم مرة هكذا، نقلها في كتاب الولاء وهم أتم.
[الفصل ٢ - بيع ما فيه دعوى قائمة]
م/: قال بعض أصحابنا عن بعض شيوخنا القرويين: وينبغي على قول ابن القاسم إذا قام غرماء بدين على الغائب أن يباع له حظه الموقوف بيد المدعى عليه؛ لأن الغائب لو كان حاضراً ونكل عن اليمين لكان للغرماء أخذها وبيعها في دينهم.
م/ يريد بعد يمينهم لتي كان يحلفها الغائب. قال: أخذها الغرماء ثم قدم الغائب
стр. 6659
فحلف فقد مضى ذلك، وإن نكل غرم للمدعى عليه ما أخذه الغرماء، ويتبع بذلك في عدمه، ولا شيء له على الغرماء.
قال بعض أصحابنا: وقول ابن القاسم في بقاء نصيب الغائب بيد المدعى عليه أولى؛ لأن الغائب عليه اليمين أنه ما باع ولا وهب، ولا علم أن أباه باع ولا وهب، فكأن الحكم لم يتم ولم يجب له شيء حتى يحلف؛ فلذلك أوقفه ابن القاسم بيد المدعى عليه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا قالت البينة لا نعلم كم الورثة لم يقض لهذا بشيء من الدار، ولا ينظر إلى تسمية المدعي للورثة، وتبقى الدار للذي هي بيده حتى يثبت عدد الورثة ببينة.
قال مالك: ومن ادعى أرضاً وتبين لدعواه وجه، والذي هي بيده يحفر فيها عيناً، فإنه يمنع ويوقف، وليس له أن يقول: دعوني أعمل فإن ثبت له هدمت ذلك. ومن أقام بينة غير قاطعة في ربع فللذي هو بيده أن يبيع ويصنع ما شاء، ولا يبطل بذلك دعوى هذا.
م/: وطرح سحنون هذا، وقال ليس للذي هو بيده أن يبيع؛ لأن البيع حينئذ غرر. وهذا نقل أبي محمد، وهو لابن القاسم في غير المدونة.
وسئل عنها ابن القاسم في الأم فقال: لم أسمع من مالك فيه شيئاً، إلا أن له أن يبيع ويصنع ما شاء ما لم يقض لهذا بها.
وقال غيره مثل قول سحنون، والله الموفق للصواب.
стр. 6660
[الباب التاسع]
جامع القول في الدعوى والإيمان وعلى من تجب وأين تجب
قال النبي ﷺ : «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة» وقال: «من حلف على منبري بيمين كاذبة فليتبوأ مقعده من النار».
وقال ﵇: «اليمين على المدعى ع ليه».
[الفصل ١ - من ادعى عيناً قائمة وأتى ببينة على ذلك فمن تمام الشهادة أن
يقولوا ما علمناه باع ولا وهب ولا خرج عن ملكه بوجه من الوجوه]
قال مالك: ومن ادعى عيناً قائمة من رقيق أو من حيوان أو طعام أو عروض أو ناض أو غير ذلك بيد رجل، فأتى ببينة على ملكه لذلك، فمن تمام الشهادة أن يقولوا: ما علمناه باع ولا وهب ولا خرج من ملكه، ثم لا يقضي له به حتى يحلف على البت أنه ما باع ولا وهب ولا خرج عن ملكه بوجه من الوجوه، فإن قال: أعرتها أو استودعتها لم يكن ذلك خروجاً عن ملكه.
وفي كتاب العارية: فإن شهدوا أن الدار له، ولم يقولوا لا نعلم أنه باع ولا وهب، فإنه يحلف أنه ما باع ولا وهب ولا تصدق، ويقضي له به.
وقال أشهب مثله إن لم يقدر على كشف البينة، فيسألون، وإن وجدوا سئلوا.
стр. 6661
قال ابن القاسم: فإن أبوا أن يقولوا ما علمناه باع ولا وهب ولا تصدق فشهادتهم باطلة.
وقال مالك: وليس عليه أن يأتي ببينة يشهدون على البت أنه ما باع ولا وهب، ولو شهدوا بذلك كانت زوراً وإن أقام بما ذكرنا شاهداً واحداً حلف معه وقضي له.
م/ يريد أن يحلف مع شهادة الشاهد على أصل الملك، وأنا ما باع ولا وهب ولا خرج ذلك عن ملكه بوجه من الوجوه.
[الفصل ٢ - من أقام شاهدين على حق فليس عليه أن يحلف مع شاهديه]
قال مالك: ومن أقام شاهدين على حق له فليس عليه أن يحلف مع شاهديه إلا أن يدعي عليه المديان أنه قضاه ذلك الحق فيما بينه وبينه، فإنه يحلف، فإن نكل حلف المطلوب وبرئ، فإن نكل غرم.
ولو كان الحق على ميت أو غائب لم يقض به للطالب حتى يحلف مع شاهديه أنه ما قبض ذلك منه ولا سقط عنه.
قال مالك: وإذا قامت بينة لميت بدين، وادعى المطلوب أنه قد قضاه للميت لم ينفعه ذلك، وله اليمين على من يظن به علم ذلك من بالغي ورثته على العلم، ولا يمين على من لا يظن به علم ذلك ولا على صغير، ومن نكل ممن تلزمه اليمين منهم سقط من الدين حصته فقط.
стр. 6662
[فصل ٣ - التورية في اليمين وفي إنكار المدعى عليه]
وقال في رواية يحيى بعد يمين الذي عليه الحق: ومن اشترى منك ثوباً ونقدك الثمن فقبضته منه ثم جحدته الاقتضاء، وطلبت يمينه، فأراد هو أن يحلف أنه لا حق لك قبله، فليس له ذلك.
قال مالك: ولك أن تحلفه أنه ما اشترى منك سلعة كذا بكذا؛ لأن هذا يريد أن يورك في اليمين.
قال ابن القاسم: يعني بقوله يورك الألغاز.
قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: إذا حلف مالك على من كل ما تدعيه قليل ولا كثير فقد برئ.
وبه أخذ ابن حبيب إن كان المدعى عليه ممن لا يتهم، والمدعي من أهل الظنة والطلب بالشبه.
قال ابن سحنون: وكان سحنون إذا قال الخصم: لا أقر ولا أنكر، وقال: مالك عندي حق، والآخر يدعي دعوى مفسرة يقول: أسلفته أو بعته أو أودعته فكان لا يقبل قول المدعى عليه: ما له عندي شيء، حتى يقر بالدعوى نفسها أو ينكرها فيقول: ما باعني ولا أسلفني ولا أودعني، فإن تمادى على اللدد سجنه، وإن تمادى أدبه وكذلك إذا تمادى على ألا يقر ولا ينكر، فأما قوله ماله عندي حق فكان ربما قبل ذلك منه، وأمر فكتب دعوى المدعى وإنكار الآخر، وربما لم يقبل منه حتى يقر بالشيء نفسه أو ينكر، ورجع إلى هذا في آخر أيامه.
стр. 6663
[مسألة: دعوى أحد المتفاوضين على رجل ديناً من شركتهما]
ومن المدونة: وإن ادعى أحد المتفاوضين على رجل ديناً من شركتهما وجحده فليس للمطلوب أن يقول لهذا المفاوض: لا أحلف إلا على حصتك، وليحلف على حصته وحصة شريكه؛ لأنه في حصة شريكه مفوض إليه؛ ولأن فعل أحدهما كفعلهما فإن حلف لهذا ثم أتى صاحب لم يكن له أن يحلفه؛ لأنه قد حلف لشريكه.
م/ لأنه وكيل لصاحبه على أن يحلف من أنكرهما، فيمينه لهذا يمين لهما جميعاً.
وقال بعض القرويين: لا يلزمه يمين في الجامع إذا ادعى عليه ثلاثة دراهم؛ لأن كل واحد منهما إنما له عليه درهم ونصف درهم، وليس ما كان موكلاً عليه من حصة صاحبه يجب أن يكون كماله، وكذلك لو نكل هو ما لزمهما يمين في الجامع؛ لأن كل واحد إنما يجب له مما حلف عليه درهم ونصف، ولو كان ما ادعاه هو عليهما ثلاثة دراهم لحلفهما في الجامع؛ لأن كل واحد عليه النصف وهو حميل بالنصف فكأن الثلاثة دراهم على كل واحد منهما.
ومن المدونة: وكذلك لو وكلت رجلاً لقبض مالك على فلان فجحده فحلفه الوكيل، ثم لقيته أنت لم يكن لك أن تحلفه ثانية؛ لأن يمينه لوكيلك يمين لك.
فصل [٥ - في صيغة اليمين وتغليظها بالمكان والزمان]
قال مالك: ويحلف المدعى عليه أو من حلف مع شاهده بالله الذي لا إله إلا هو، لا يزيد على هذا.
стр. 6664
وكذلك فعل الرسول ﵇.
ابن المواز: قال ابن القاسم: ورأيت المدنيين يزيدون في اليمين عند المنبر الرحمن الرحيم، وأبى ذلك مالك.
قال ابن القاسم وأشهب: ولا يؤخذون بأن يقولوا مع ذلك عالم الغيب والشهادة، ولا الطالب المدرك.
قال مالك: هذه أيمان الأعراب.
قال أشهب: وإن حلف فقال: والذي لا إله إلا هو لم يقبل منه، وكذلك لو قال والله فقط. فلا يجزئه حتى يقول والله الذي لا إله إلا هو.
[مسألة: فيمن توجهت إليه اليمين يحلف قائماً]
ابن سحنون: قيل لمالك: أيحلف قائماً أو قاعداً؟ قال: قائماً أبين. قال عنه ابن القاسم: يحلف قائماً إلا من به علة.
وقال ابن كنانة عن مالك: يحلفون في القسمة واللعان وفيما بلغ من الحقوق ربع دينار فأكثر عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، فيما يحلف فيه يميناً واحدة حلف هكذا وما تردد رددت هكذا قال: ويحلفون في مدائنهم وأمصارهم في مساجد جماعتهم جلوساً لا قياماً، ويتحرى في أيمانهم في المال العظيم، وفي الدماء واللعان الساعات التي يحضر الناس فيها المساجد ويجتمعون للصلاة، وما سوى ذلك من حق أو مال ففي كل حين.
стр. 6665
وذكر ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون الأيمان في الحقوق والدماء واللعان بالله الذي لا إله إلا هو، وفي كل ما فيه اليمين على المسلمين والنصارى واليهود والمجوس.
ومن المدونة قال: وكل شيء له بال فإنه يحلف فيه في جامع بلده في أعظم مواضعه، وليس عليه أن يستقبل به القبلة.
ولا يعرف مالك اليمين عند المنبر إلا منبر الرسول ﷺ في ربع دينار فأكثر.
ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: يستحلف الرجال والنساء قائمين مستقبلي القبلة في ربع دينار فأكثر في المدينة عند منبر الرسول ﷺ ، وبغيرها في مسجدهم الأعظم حيث يعظمون منه عند منبرهم، وتلقاء قبلتهم، فإن لم يبلغ الحق ربع دينار حلفوا جلوساً إن أحبوا، ويحلف الرجل في أقل من ربع دينار في مكانه الذي قضي عليه فيه، والمرأة في بيتها، ولا تخرج في ذلك. ومن كلف فيما له بال أن يحلف في المسجد عند المنبر وما أشبهه من المواضع فقال: إنما أحلف في مكاني فهو كنكوله عن اليمين إن لم يحلف في مقاطع الحقوق غرم ما ادعى عليه.
م/: يريد بعد يمين المدعي في تلك المواضع.
قال ابن حبيب: إن كان مدعياً بطل حقه، وكذلك قضى مروان على زيد بن ثابت.
قال أبو محمد: قال مالك: ومن أبى أن يحلف عند المنبر فهو كالناكل عن اليمين. وأما القسامة فإنه يحلف عليها أهل مكة في مسجدها، ويحلف أهل المدينة وبيت المقدس في مسجديهما. قيل: فلو كانوا على عشرة أيام؟ قال: لم أوقف مالكاً عليه، ولا أشك أن عمل أهل مكة يحلفون إلى مسجدها حيث كانوا.
стр. 6666
وكذلك أهل المدينة وبيت المقدس، ولا يجلبون إلى سائر البلدان إلا مثل عشرة أميال ونحوه.
قال عبد الوهاب: اعلم أن التغليظ في الإيمان عندنا في الموضع والزمان، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يغلظ بالمكان.
واحتج من نصره بقول النبي ﷺ «البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه»، فأطلق ولم يقل في مكان دون مكان. وقوله ﵊ للأنصار: «تحلفون وتستحقون دم صاحبكم» ولم يخص؛ ولأن الحجة حجتان حجة للمدعي وهي البينة، وحجة للمدعى عليه وهي اليمين.
وقد ثبت أنه ليس من شرط إحدى الحجتين التغليظ بالمكان فكذلك الأخرى؛ لأنه استحلاف في حق فوجب أن لا يختص بمكان دون مكان. أصله ما دون الربع دينار.
قال عبد الوهاب: ودليلنا قوله ﵇: «من حلف عند منبري هذا يميناً كاذبة فليتبوأ مقعده من النار».
م/: وأبين من هذا ما رواه ابن وهب في التلاعن أن النبي ﵇ أمر الزوج والزوجة فحلفا بعد العصر عند المنبر، فهذا حديث مفسر فهو يقضي عليه المجمل.
قال عبد الوهاب: فدل ذلك أن في شرعه ﵇ يميناً تختص بمنبره، وذلك
стр. 6667
للتغليظ بالمكان.
ومن الدليل أيضاً إجماع الصحابة، لما روى أن أبا بكر وعمر استحلفا عند المنبر، وأن عثمان طولب بذلك في يمين توجهت عليه فافتدى من يمينه. وقال أخاف أن أوافق قدراً.
م/: وفي المدونة أن الذي فعل ذلك عبد الله بن عمر.
قال عبد الوهاب: وروي عن علي بن أبي طالب. م/: وفي المدونة عن عمر أنه قال لرجل قال لامرأته: حبلك على غاربك، فقال له: تحلف عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو ما أردت الطلاق. ونحوه عن ابن العباس فثبت بذلك أنه إجماع الصحابة.
وأما ما روي عن زيد بن ثابت أنه كان بينه وبين رجل خصومة، فترافعا إلى مروان فتوجهت اليمين على زيد فقال له مروان: تحلف على المنبر. فقال: أحلف في موضعي. فقال له: بل على المنبر. فرد المال ولم يحلف. فإنه شاهد لنا أنه فعل ذلك افتداء ليمينه؛ وذلك اعتراف منه بلزومه له إذا طالبه؛ لأنه لو كان لا يلزمه لكان يمتنع منه،
стр. 6668
وأيضاً فإن اليمين تراد للزجر والردع فغلظ فيها؛ ليتحرج الحالف ويمتنع من الإقدام عليها إن كان مبطلاً.
ولهذا المعنى قلنا نحن وأبو حنيفة ومن تبعه: إن القسامة يغلظ فيها بكثرة العدد، فإذا ثبت ذلك وكان الحلف عند المنبر أردع وأبلغ في الزجر وجب أن يكون أولى.
م/ وأكثر هذا الاحتجاج في المدونة وبالله التوفيق.
[مسألة: تخويف المطلوب باليمين قبل اليمين]
قال محمد بن عبد الحكم: ويستحب للإمام تخويف المطلوب باليمين قبل اليمين، وقد كتب به ابن عباس إلى ابن أبي مليكة" ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران:٧٧] فاعرف.
[الفصل ٦ - خروج المرأة فيما له بال من الحقوق لتحلف في المسجد]
ومن المدونة: وتخرج المرأة فيما له بال من الحقوق فتحلف في المسجد.
قال ابن الماجشون في الواضحة: وذلك في ربع دينار فأكثر.
قال مالك في المدونة: وإن كانت ممن لا تخرج نهاراً فلتخرج ليلاً فتحلف في المسجد.
قيل لابن المواز: فإن كانت ممن لا تخرج نهاراً هل تخرج ليلاً في ربع دينار؟ فقال: لا.
стр. 6669
إلا في الشيء الكثير الذي له بال.
وفي كتاب ابن حبيب جعلها تخرج في ربع دينار كالرجل.
ومن المدونة قال مالك: إذا كان الحق يسيراً لا بال له حلفت في بيتها إن كانت ممن لا تخرج، فيبعث إليها القاضي من يحلفها لصاحب الحق، ويجزئه رجل واحد. وأم الولد مثل الحرة فيمن تخرج أو لا تخرج.
وأما المدبرة وكذلك المكاتبة فهي كالحرة في اليمين. ولا يحلف الصبيان إذا ادعى عليهم حتى يبلغوا، وكذلك لو ثبت لهم حق بشاهد واحد فلا يمين عليهم حتى يبلغوا.
[الفعل ٧ - في أيمان أهل الكتاب]
ولا يحلف النصارى واليهود في حق أو لعان أو غيره إلا بالله، ولا يزاد عليهم الذي أنزل التوراة والإنجيل، ويحلفون في كنائسهم حيث يعظمون، ويحلف المجوس في بيت نارهم، وحيث يعظمون.
قال في رواية يحيى: ويحلفون بالله.
ابن وهب: وأن عمر بن عبد العزيز نهى أن يستحلف النصارى بغير الله، وأخبرني رجال من أهل العلم عن رجال من أهل العلم بذلك.
وذكر عن الشيخ أبي الحسن القابسي قال: إذا وجبت يمين على يهودي أو نصراني
стр. 6670
فأحب الطالب أن يحلفه يوم السبت أو يوم الأحد أن ذلك له، وإن طلب الذمي التأخير إلى ذهاب يوم السبت أو الأحد وأبى المسلم لم يمكن الذمي من مراده.
وقال: أرأيت لو قتل يوم السبت أو سرق أما يحكم عليه؟ فكما يحلفون في موضع يكرهون أو يعظمون فكذلك في يوم يعظمونه.
م/ وأما النصارى فكما ذكرنا؛ لأنه ليس من دينهم الامتناع عن اليمين في يوم الأحد ولا في غيره.
وأما اليهود فمن شريعتهم فيما يزعمون أنهم يسبتون يوم السبت، فلا يبيعون ولا يشترون ولا يطلبون ولا يطالبون ولا يستحلفون، فإذا ثبت أن ذلك من شريعتهم ونهم إنما بذلوا الجزية على أن يقروا على شرائعهم، فيجب أن يوفى لهم بذلك، ويؤخرون إلى زوال السبت إذ لا ضرر على الطالب في ذلك.
وأما استحلافهم حيث يعظمون فليس من شريعتهم الامتناع من ذلك، بل هو مذهبهم. وأما ما يجب عليهم من قطع أو قتل أو حد فبخلاف يمينهم؛ لأن ذلك شيء يفعل به، واليمين هي شيء يفعلها. والله أعلم بالصواب.
فصل [٨ - مقدار المال الذي يستحلف فيه عند المنبر]
قال ابن القاسم عن مالك في كتاب ابن سحنون وابن المواز والعتبية: من باع ثوباً فرد عليه بعيب فادعى عليه بعيب فادعى أنه بينه له وأنكره وأراد يمينه عند المنبر. قال: إنا لنقول: لا يستحلف عند المنبر إلا في ربع دينار.
قال ابن المواز: قال أصبغ: فإن كان نقصان الحق أكثر من ربع دينار لميحلف إلا في الجوامع.
стр. 6671
م/: وأنكره بعض القرويين.
وقال: إن كان الثوب قائماً فإنه يطلب جميع ثمنه، فيجب ألا ينظر فيه إلا إلى قيمة العيب، فإن نظر إلى قيمة العيب فإن كان ربع دينار حلفه في الجامع، ولا يحتاج إلى أن يكون أكثر من ربع دينار.
قال في كتاب ابن المواز: إذا كان لرجل ربع دينار على رجال أو لرجلين على رجل لم يحلف في المسجد الجامع ولا عند المنبر، ولا يحلف في مساجد القبائل في ربع دينار ولا أقل ولا أكثر.
ومن العتبية وكتاب ابن سحنون قال ابن القاسم عن مالك: إذا كان على جماعة ذكر حق بربع دينار لم أر أن يحلفوا عند المنبر.
стр. 6672
[الباب العاشر]
في تعديل البينة وتجريحهم وعقوبة شاهد الزور
[الفصل ١ - شهادة العبد والخصم والظنين والجار لنفسه]
قال الله : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] فكان ظاهر الخطاب للأحرار كما قاله سبحانه في قوله: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]. والعبد يمنعه سيده أن يشهد أو يؤدي فكان ممن لم تكمل فيه شروط الشهادة في حق الذين لا يأبون إذا ما دعوا، وقال ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢].
وقال ﵊: «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ولا جار لنفسه».
وقد تقدم هذا.
[الفصل ٢ - في تزكية البينة قبل الحكم]
قال ابن القاسم: فينبغي للقاضي ألا يقضي ببينة حتى تزكى عنده، وإن لم يطعن فيهم الخصم، وإن علمهم القاضي بجرحة أو عدالة أجزأه علمه، فإن لم يخبرهم كشف عنهم في السر، فإن زكوا عنده في السر أو في العلانية أجزأه ذلك، ولا يقبل في سر أو علانية إلا تزكية رجلين عدلي، ولا أبالي فيما كانت الشهادة ي حق أو حد، ولا يجزئ في التعديل إلا القول بأنهم عدول مرضيون.
стр. 6673
قال بعض القرويين: قال سحنون: فإن قالوا: هم عندنا عدول ولم يزيدوا على ذلك قال: هذه تزكية.
قال ابن القاسم: وتجوز تزكية الشاهد وهو غائب.
قال سحنون: وذلك إذا كان مشهوراً بالبلد. وإن ارتضى القاضي رجلاً للكشف جاز أن يقبل منه ما نقل إليه من التزكية عن رجلين لا عن أقل من ذلك، وكذلك في استحلاف المرأة.
وأما في قيم السلع والعيوب وقيمة السرقة ونحوه فرجلان.
وقد اختلف في ذلك كله: فقيل: يجزئ واحد، وقيل: لابد من اثنين، وكذلك في القافة قيل: يجزئ واحد، وقيل: لابد من اثنين.
[الفصل ٣ - في تجريح البينة]
ومن المدونة: وإذا زكيت البينة والمدعى عليه يجهل وجه التجريح من جهلة الناس أو من ضعفة النساء، فليخبره الإمام أو القاضي بما له من ذلك ويبينه له، فلعل بينه وبين الشاهد عداوة أو ظنة أو شركة. وإن كان مثله لا يجهل التجريح لم يدعه إليه، وليس كرد اليمين؛ لأن الحكم لا يتم إلا بردها. ومما يجرح به الشاهد أن تشهد عليه بينة أنه شارب خمر أو آكل ربا أو صاحب قيان أو كذاب في غير شيء واحد.
ابن المواز: والذي يعصر الخمر ويبيعها مجرح وإن لم يشربها.
قال في العتبية: أو يكري بيته من الخمارين.
ومن المدونة: ولا يجرحه إلا اثنان عدلان.
стр. 6674
وقد تقدم أكثر هذا في كتاب الأقضية. وفي كتاب القطع والسرقة وفي كتاب الرجم شيء من هذا.
قال ابن وهب: قال ربيعة: ترد شهادة الخصم الذي يجر إلى نفسه والظنين المغموص عليه في خلائقه وشكله ومخالفته للعدول في سيرته، وإن لم يظهر منه قبيح عمل، وترد شهادة العدو الذي لا يؤمن على ما شهد عليه.
فصل [٤ - عقوبة شاهد الزور]
قال مالك: وإذا ظهر الإمام على شاهد الزور ضربه على قدر ما يرى، وطاف به في المجالس.
قال ابن القاسم: يريد المسجد الجامع.
قال مالك: ولا تقبل شهادته أبدأً، وإن تاب وحسنت حالته.
قال ابن وهب: وقد كتب عمر بن الخطاب إلى عامله بالشام (وإذا أخذتم شاهد الزور فاجلدوه أربعين جلدة وسخموا وجهه وطوفوا به حتى يعرفه الناس).
ويقال: يسجنه ويحلق رأسه.
стр. 6675
[الباب الحادي عشر]
جامع في مسائل التعديل والتجريح من غير المدونة
[الفصل ١ - مسائل في تعديل البينة]
ومن المجموعة والواضحة قال ابن الماجشون: الشهداء ثلاثة عدل بين العدالة معروف بذلك فامضه، أو بين جرحته فاردده، أو مشكل عليك فاسأل عنه وأكثر حتى يتواطأ لك منه سر وعلانية ما هو عليه، وإن أشكل على من سألته عنه دعوته بالتعديل.
قال محمد بن عبد الحكم: ولا يقبل إلا شهادة العدل المأمون على ما يقول، وقد يكون عدلاً ولا يؤمن أن يغتفل ويضرب على خطه، ويشهد على الرجل ولا يعرفه، ويتسمى بغير اسمه، فمن كانت هذه حالته فلا تقبل شهادته.
قال ابن القاسم في العتبية في الشاهد لا يعرفه القاضي بعدالة منقطعة ولا بفساد ظاهر، ولكنه ممن يشهد الصلوات الخمس في المساجد ولا يعرف بأمر قبيح. قال: لا ينبغي له أن يقبل شهادته إلا بتزكية تامة وعدالة بينة، وينبغي للقاضي أن ينظر فيمن يعرفه الناس ولا يعرفه هو، ومن يجوز له الوقوف في أمره حتى يعدل عنده، فإذا كان الرجل ممن يعرفه لو لم يكن قاضياً لزمه أن يعدله عند غيره فهو الذي ييسعه قبول شهادته، ومن عرفه بجرحه رد شهادته.
قال في المجموعة: وإن لم يعرف القاضي الشاهد فعرفه به بعض من يعرفه بالعدالة أرأيت أن يجيز شهادته بمعرفة ذلك العدل له، ولا يجوز في التعديل إلا معدلان، ولو سأل عنه بعض من جعله القاضي يكشف له في القبائل فيعرفه بعدالته فليقبل ذلك منه.
قال مالك في العتبية ولا أحب أن يسأل في السر أقل من اثنين، ولا يقبل في التعديل أقل من اثنين.
стр. 6676
قال ابن سحنون عن أبيه: ومن عدل رجلاً لم يعرف اسمه فليقبل تعديله.
وقال ابن كنانة. قال: ولا يقبل تزكية الأبله من الناس، ولا يقبل تزكية من يرى تعديل كل مسلم.
وقاله ابن كنانة. قال سحنون: وليس كل من تجوز شهادته يجوز تعديله، ولا يجوز في التزكية إلا المبرز الناقد الفطن الذي لا يخدع في عقله ولا يستزل في رأيه. ولا تطلب التزكية من الشاهد، وذلك على المشهود له لا على الشاهد، وإنما عليه أن يخبر المشهود له بمن يعرفه وبمن يعدله.
[الفصل ٢ - في تعديل مستور الحال ومن أتى شيئاً من المعاصي والشبهات]
قال في العتبية: ولا يعدل إلا من يعرف باطنه كما يعرف ظاهره؛ لأنك قد تعرفه بظاهر جميل من أهل المساجد والجهاد فلا ينبغي لك أن تزكيه بذلك، إلا بالصبحة الطويلة والمعاملة والأخذ والعطاء فحينئذ تزكيه.
قال مالك: كان يقال لمن مدح رجلاً أصحبته في سفر؟ أخالطته في مال؟ قيل: فمن تقارف بعض الذنوب؟ قال: لم يسلم من ذلك أحد، ولكن إن كان الأمر الخفيف من الزلة والفلتة لم يضره ذلك في عدالته.
قال مالك: ومن الرجال رجال لا تذكر عيوبهم، يقول يكون عيباً حفيفا، والأمر كله حسن، فلا يذكر اليسير الذي ليس يعصم منه أحد في الصلاح الكثير.
وقد قال مالك في اللاعب بالشطرنج: إذا لم يكن مدمناً فإنه تقبل شهادته. ولو كان لا يقبل إلا من لا يقارف شيئاً من العيوب ما قبلت لأحد شهادة. وقد قال الله تعالى لنبيه ﵇: «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر».
стр. 6677
وقد كان يقال ليس المتحري حدود الإسلام كاللاعب فيه.
وقد كان يقال اتقوا زلة العالم، وهذا يعني به البدعة وهو يسقط شهادته. أما من قبل جوائز العمال المضروب على أيديهم فهو ساقط الشهادة، وأما الأكل عندهم فكذلك، وأما من كان ذلك منه المرة والفلتة فغير مردود الشهادة، وهو مثل صغار الذنوب، وأما المدمن على ذلك فساقط الشهادة.
وأما جوائز الخلفاء فمجمع على قبول جوائزهم من يرضى منهم ومن لا يرضى، وجل ما يدخل بيوت الأموال فهو على الأمر المستقيم، والذي يظلمون فيه قليل في كثير.
ولم يعلم من العلماء من أنكر أخذ العطاء من زمان معاوية إلى اليوم.
وقد قبلها ابن شهاب ومالك، يعني الجوائز. وأنكر أن يكون ابن عمر قبلها من الحجاج.
[الفصل ٣ - في الرجل ينازل الرجل شهراً ولا يعلم منه إلا خيراً فيزكيه بهذا]
وقال مالك في الرجل ينازل الرجل شهراً، ولا يعلم منه إلا خيراً قال: لا يزكيه بهذا، أنت ليس ل كبه علم، وهو كبعض من يجالسك هكذا.
قال ابن سحنون عن أبيه: لا تزك إلا من خالطته في الأخذ والعطاء وطالت صحبته إياك في الحضر والسفر.
قال مالك: وأما التجريح بالصحبة اليسيرة وباللقاء وبأيسر ما يكون من أمره يطلع عليه أنه من غير أهل الورع أو يسمع منه أو يطلع منه على ما لا تجوز به شهادته أو يقع ذلك في قلبه فلا يزكيه.
стр. 6678
[الفصل ٤ - في الرجل يشهد ثم يعدل ثم يشهد ثانية فهل يكتفي بالتعديل الأول]
ومن المجموعة قال أشهب عن مالك في الذي يشهد ثم يعدل ثم يشهد ثانية قال: تقبل شهادته بالتعديل الأول. وليس الناس كلهم سواء منهم المشهور بالعدالة، ومنهم من يغمض فيه بعض الناس.
قال ابن كنانة: أم الذي ليس بمعروف فليؤتنف فيه تعديل ثان، وأما المعروف بالعدالة في بلده فالتعديل الأول يجزئ فيه حتى يجرح بأمر بين.
وقال أشهب: إذا شهد فعدل ثم شهد ثانية فإن كان بعد زمان نحو خمس سنين فليسأل عنه المعدول الأول، فإن مات فليسأل عنه معدلاً ثانياً، وإلا لم تقبل شهادته.
قال ابن القاسم في العتبية: إن شهد قريباً من الشهادة الأولى مثل شهر وشبه ذلك ولم يطل جداً فلا يكلفه تزكيته، وإن كان قد طال فليكشف عنه ثانية طلب ذلك المشهود عليه أو لم يطلبه، والسنة فيه كثيرة.
قال أشهب: المشهور المعروف بالخير فلا يؤتنف فيه سؤال.
وقال سحنون: إذا شهد بعد شهرين فأكثر فليسأله التعديل كما شهد، حتى يكثر تعديله وتشتهر شهادته وتزكيته وبتأكيد فلا يسأله تزكية بعد.
[مسألة: في الشاهد يعدله غير أهل مكانه ومسجده وسوقه]
قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون في الشاهد يعدله غير أهل مكانه ومسجده وسوقه، وفيهم من يقبل تعديله، فإن كان الشاهد غير مشهور بالعدالة فلا يعدل بذلك، وترك أولئك تعديله ريبة.
стр. 6679
[الفصل ٥ - صيغة التعديل والتجريح]
ابن سحنون: وقال ابن كنانة: التعديل أن يقول: أعرفه وأعلمه عدلاً رضا جائز الشهادة، ولا يقبل منه أن يقول: لا أعلمه إلا عدلاً رضا. وذكر نحوه عن مالك.
قال: ويقبل منه في التجريح إذا قال: لا أراه عدلاً، ولا أعلمه عدلاً.
قال العتبي عن سحنون: فإن قالوا: هو عندنا عدل، ولم يزيدوا على هذا فهي تزكية.
قال عنه ابنه: ولا يقبل منه أن يقول هو صالح.
وسئل مالك عن من شهد شهادة فسألك أن تعدله، وأنت تعلم أنه عدل واجب عليك أن تعدله؟ قال: لا أدري ما واجب ولكن حسن أن تعدله.
قال سحنون في المجموعة: ولا يقبل من المعدلين أو المجرحين أن يقولوا: سمعنا فلاناً وفلاناً يقولون إن فلاناً عدل أو غير عدل؛ لأن هذه شهادة على السماع إلا أن يكون المشهود على شهادته قد أشهدهم على التزكية أو التجريح.
قال سحنون: وإذا عدل الشاهد ثم جاء شاهدان يشهدان أن القاضي رد شهادته لأمر تبين له منه، والقاضي لا يحفظ ذلك فإن شهادتهما بذلك تقبل.
فصل [٦ - في تزكية الشهود بعضهم بعضاً]
قال ابن كنانة وابن القاسم في المجموعة: وإذا شهد رجلان في حق فلا يجوز تزكية من عرفت عدالته منهما للآخر.
стр. 6680
قال عبد الملك: ويصير الحق قد حيي به وحده. وقاله سحنون في كتاب ابنه. وقال سحنون في شاهدين شهدا لرجل بحق على رجل، ثم جاء الطالب بآخرين فشهدا بمثل ذلك، وزكت كل طائفة منهما الأخرى. قال: تتم الشهادة والتزكية ويثبت الحق؛ لأن شاهدين ثبتا لا محالة.
ثم قال: أرأيت إن شهد كل فريق بحق غير الحق الآخر لرجلين مختلفين، وزكى كل فريق الآخر فلا تجوز تزكية بعضهم لبعض؛ لأن بعضهم يشهد لبعض، ويقال للطالب: زكى بينتك بغيرهم، وقد كان يقول شهادتهم وتزكيتهم جائزة.
م/: والصواب أن لا تجوز شهادتهم؛ لأنه إذا كان لا تجوز شهادتهم إلا بتزكية بعضهم لبعض فكيف يزكي من يحتاج أن يزكي!
وقد قال في العتبية في شاهدين شهدا بحق، فزكى أحدهما صاحبه، فلا تجوز تزكيته إياه إلا أن يكون مع المزكي غيره من عدول الناس، فليحلف صاحب الحق مع المزكي؛ لأنه لم يثبت له إلا واحد، وهو الذي زكاه صاحبه والأجنبي.
قال: ولو شهد شاهدان على حقين مختلفين وزكى أحدهما الآخر لم يجز ذلك. وقال: ولو زكى الواحد رجل آخر مع الشاهد الآخر، وزكى الشاهد الآخر رجل آخر مع الشاهد الذي زكاه أولاً فشهادتهما جائزة، ويحلف مع شهادته ويستحق.
قال ابن الماجشون في المجموعة: وفي كتاب محمد: وإذا شهد رجلان في حق وعدلا رجلاً شهد في ذلك الحق فتزكيتهما إياه جائزة.
قال بعض القرويين: لأنه غير محتاج إليه، وقد أغنت شهادتهما عنه، فإن شهدا على شهادة رجل في حق، وعدلاه فذلك جائز.
стр. 6681
ابن المواز: وليس نقلهما الشهادة عنه بتعديل. وقد قال أشهب: إن عدله غيرهما فذلك جائز. وقاله سحنون في المجموعة.
وقال في العتبية: ويجوز للذين شهدوا لرجل في حق أن يجرحوا من شهد عليه في ذلك الحق قال في كتاب ابنه: وإذا نقلا عن شاهد وعدلا شاهدا معهما في ذلك الحق فذلك جائز، وقاله عبد الملك.
م/: لأن نقلهما عن الشاهد إثبات لشهادته، وكذلك تزكيتهما الشاهد إثبات لشهادته، فهو كما لو زكياهما جميعاً، أو نقلا عنهما جميعاً، وإذا نقلا عن شاهد فلا يعدل أحدهما من نقل معه عن الرجل.
م/: كما لا يعدل الشاهد من شهد معه؛ لأنه يصير الحق حيي بالمزكي وحده.
قال ابن القاسم: ولا يجوز أن يشهد في حق على علمه، وينقل مع رجل آخر عن شاهد آخر؛ لأن واحداً أحيا الشهادة، ونحوه في العتبية.
فصل [٧ - في تجريح البينة]
قال أشهب عن مالك في العتبية في البينة تعدل عند الحاكم، فلا يقول للمطلوب دونك فجرح، وذلك توهين للشهادة.
قال ابن نافع: أرى أن يقول له ذلك، وقد يكون المعدل عدواً للمشهود عليه. وقد فرق في المدونة بين من يجهل وجه التجريح وبين من لا يجهل. قيل لسحنون: أيمكن
стр. 6682
الخصم من تجريح الرجل البين الفضل المبرز إذا طعن فيه؟ قال: نعم يمكنه من ذلك.
قال ابن حبيب عن أصبغ: لا يمكن الخصم من تجريح المعدلين المبرزين في العدالة بجرحة الإسفاه إن ادعى ذلك، إلا جرحه عداوة أو هجرة فقد يكون ذلك في الصالح والبارز.
وقال مطرف: يجرح الشاهد بمن هو مثله وفوقه ودونه بالإسفاه والعداوة إذا كان المجرح عدلاً عارفاً بوجه التجريح.
وقال ابن الماجشون: يجرح بمن هو فوقه ومثله، ولا يجرح بمن هو دونه، إلا بالعداوة والهجرة وأما بالإسفاه فلا.
وقال أصبغ وابن حبيب كقول مطرف.
قال محمد بن الحكم: وإذا قال عدلان ممن يعرفان العدالة والجرحة: فلان غير عدل عندنا اجتزأ بذلك المكشف والقاضي.
قال ابن كنانة: وإن جرحه غير مبرزين بالعدالة، فليسألا فإن تبين للإمام ما يرد شهادته به ردها، وإلا لم يقبل ذلك.
ومن المجموعة والعتبية: قال ابن نافع عن مالك في الشاهد يعدله رجلان ويأتي المطلوب بشاهدين يجرحانه.
قال: ينظر إلى الأعدل من الشهود فيؤخذ به. قيل: ألا ترى أن المجرحين أولى؛ لأنهما زادا؟ قال: لا، ولكن يقال لهما: بماذا تجرحانه فينظر في ذلك أمعروف أو مشهور، ولعله أمر قديم. وقال ابن نافع: إذا كان المجرحان عدلين فقيهين فهما أولى، ويسقط التعديل.
стр. 6683
وقال سحنون في العتبية مثله.
وقال ابن أبي حازم في المجموعة: قيل لسحنون: فإن عدله أربعة وجرحه اثنان، وهم متكافئون في العدالة، أو الأربعة أعدل؟ قال آخذ بشهادة المجرحين؛ لأنهما علماً ما لم يعلم الآخرون.
وقال سحنون في كتاب الرجوع عن الشهادة: إذا شهد أربعة على رجل بالزني، فأتى المشهود عليه بأربعة قبل الحكم فقالوا: نشهد أن هؤلاء شهدوا في هذه الشهادة بزور، فلا يكون هذا تجريحاً لهم، حكم بشهادتهم أو لم يحكم، وإنما التجريح أن ينسبوا إليهم فعلاً يجرحهم من كذب أو شرب خمر أو غير ذلك مما يجرح به، أو يقولون إن أحد البينة مولى عليه، فهذا تجرح به قبل الحكم، وإن جرحهم بعد الحكم لم ينقض إلا المولى عليه.
قال أبو محمد: وقد اختلف في شهادة المولى عليه.
قال ابن سحنون: إذا جرح الشاهد رجلان كل واحد بمعنى غير الآخر، قال هي جرحه لاجتماعهما أنه ليس من أهل الشهادة وأنه رجل سوء.
وقد قال أيضاً: لا يجرح حتى يجتمع عدلان على معنى واحد من التجريح، إما كذب أو شرب خمر أو أكل حرام أو نحوه، وأما أن يقول أحدهما كذاب ويقول الآخر أكل ربا فلا.
قيل: وإذا قال الواحد خائن، وقال الآخر يأكل أموال اليتامى، قال هذا معنى واحد، وهو تجريح. وقال أيضاً: إذا جرحته بينة بأمر لم يسموه، وقالوا لا نسمي غير أنه رجل سوء غير مقبول الشهادة، قال: هي جرحة، ولا يكشفون عن أكثر من هذا.
стр. 6684
قال ابن حبيب: وهذا إذا كانا عارفين بوجه التجريح.
ومن المجموعة قيل لابن القاسم: أيقبل التجريح سراً؟ قال: نعم، إذا كانوا أهل عدالة.
قال سحنون: وأما الجرحة فإنها تكون سراً، وأما التزكية ففي العلانية أولى، ولا آمرهم أن يشتموا الناس في العلانية.
قال أشهب عن مالك: ولا يجرح بشهادة واحد.
وقال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: يجرح بالواحد كما يعدل به إذا كان عدلاً. قال ابن المواز: ويجب على الرجل أن يزكي الرجل إذا كان عنده عدلاً؛ لأن ذلك إحياء للحق، فلا يسعه ترك تزكيته، وكذلك في تجريح من هو عنده غير عدل إذا شهد فخاف إن لم يؤد علمه فيه أن يحيى بشهادته باطل أو يموت بها حق.
وقد قال مالك فيمن سأله رجل أن يعدل له شاهداً وهو ممن يعرف بالعدالة. قال: حسن أن يعدله، والله الموفق.
стр. 6685
[الباب الثاني عشر]
جامع مسائل مختلفة مما ليس في المدونة
[الفصل ١ - في المشهود له ينفق على الشهود]
ابن سحنون: قال سحنون في الشهود يدعون إلى الشهادة في غير البلد فيقولون: يشق علينا النهوض إلى الحاضرة. فيعطيهم المشهود له دواباً أو ينفق عليهم قال: إن كانوا على مثل البريد أو البريدين وهم يجدون النفقة والدواب فلا يأخذوا ذلك منه، فإن فعلوا سقطت شهادتهم. وإن كانوا لا يجدون جاز ذلك وقبلوا، ولو أخبر بذلك القاضي لكان أحسن. وإن كان على مثل ما تقصر فيه الصلاة فأكثر لم يشخص الشهود من مثل ذلك، ويشهدون عند من يأمرهم القاضي في تلك البلاد، ويكتب بما شهدوا به عنده إلى القاضي.
فصل [٢ - في الرجل يشهد لمن شهد له]
ومن العتبية قال ابن القاسم فيمن شهد لرجل بعشرة دنانير، وشهد له الرجل بدين له على آخر فذلك جائز إن كانا عدلين.
وقال مطرف وابن الماجشون: إن كانت الشهادتان على رجل واحد في مجلس واحد لم تجز، وإن كان شيئاً بعد شيء جاز ذلك، وإن تقارب ما بين الشهادتين. وإن كان ذلك على رجلين مفترقين جاز ذلك، وإن كان ذلك في مجلس واحد أو مجالس مفترقة. وقاله أصبغ.
стр. 6686
فصل [٣ - في الرجل يشهد على من شهد عليه في الزمن القريب]
قال ابن سحنون: وكتب إلى سحنون فيمن شهد عليك بشهادة ثم شهدت أنت عليه بحدثان ذلك بعد الشهرين ونحوهما والأول في خصومته بعد؟ قال أرى في ذلك ظنة قائمة، ولا تجوز شهادته عليه.
فصل [٤ - في شهادة الشهداء لأنفسهم]
ومن العتبية قال ابن القاسم في المسلوبين يشهدون أن هؤلاء سلبونا هذا المتاع وهذه الدواب، وذلك بيد اللصوص، قال: يقام عليهم حد الحرابة. ولا يستحقون تلك الأموال بشهادة هؤلاء إلا بشهادة غيرهم من شهيدين، أو بشاهد يحلفون معه.
قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون في القوم يقطع عليهم اللصوص فيشهد عليهم منهم عدلان. قال المغيرة وابن دينار: وأنا أقول أنه لا يجوز في ذلك أقل من أربعة، وإنما يجوز ذلك في القطع وأموال الرفقة غير الشهداء، ولا تجوز شهادة الشهداء لأنفسهم.
وقال مطرف: شهادة عدلين منهم جائزة في القطع وفي أموالهم وأموال غيرهم، ولو لم تجز في المال لم تجز في القطع.
وقال مالك: لا يقبل بعض الشهادة ويرد بعضها.
قال أصبغ عن ابن القاسم: تجوز شهادة عدلين منهم في القطع وفي أموال الرفقة عدا أموالهما، إلا أن يكون مالهما يسيراً فتجوز لهم ولغيرهم، كقول مالك في الوصية لهما فيها اليسير.
قال أصبغ: وإن كان الذي لهما كثيراً سقطت كلها.
قال سحنون في المتكاربين لسفينة وقد نقدوا الكراء، فعطبت قبل البلاغ فأنكر
стр. 6687
صاحبها قبض الكراء. قال: شهادة بعضهم لبعض جائزة ويرجعون عليه، ثم رجع فقال: لا تجوز؛ إذ ليس بموضع ضرورة، وقد كانوا يجدون من يشهدون سواهم إذا أرادوا نقد الكراء.
فصل [٥ - في الرجل يشهد عند القاضي ثم يأتي معصية أو ظنة قبل الحكم أو قبل
تنفيذه]
ومن المدونة والمجموعة: قال عبد الملك: إذا كتب القاضي شهادة رجل فلم يحكم بها حتى قتل قتيلاً على فائرة أو قذف رجلاً أو قاتل من شهد عليه، فلا تسقط بهذا شهادته التي وقعت عند الحاكم إلا أن يحدث ما يستره الناس من الزنى والسرقة وشرب الخمر فتسقط شهادته تلك.
قال ابن المواز: لأنه مما يظن أنه فعله قديماً.
قال: ولو حكم بشهادة بينة في حد وأمر به ولم يقم حتى ظهر منهم شرب خمر أو فسق أو ارتداد فالحكم نافذ ولا يرد، وإن لم يحكم بها بطلت شهادتهم.
وقاله أشهب، وهو مثل الرجوع قبل الحكم أو بعده.
ابن حبيب: وقال أصبغ أما في حق العباد فكذلك أقول، وأما الحدود التي هي لله لا لغيره فلا تنفذ، ويفارق عندي حقوق الآدميين، وقاله مطرف، وبه أخذ ابن حبيب.
وقال أشهب: ولو قاتل المشهود عليه البينة قبل الحكم وبعد الشهادة لم يبطل ذلك شهادتهم. وقاله ابن القاسم في العتبية.
قال أصبغ فيها: ومن شهد لامرأة بشهادة فلم يحكم بها حتى تزوجها أن شهادته
стр. 6688
ماضية، بخلاف من أوصى لرجل بوصية وليس بوارثه ثم يكون وارثه بعد ذلك فلا تجوز تلك الوصية.
والفرق بينهما: أن الشهادة إنما ترد بالظنة، والظنة في الزوجة إنما حدثت بعد تمام الشهادة، كما لو شهد عليه فلم يحكم به حتى صار بينه وبينه خصومة فإن شهادته ماضية. م/ والوصية إنما ينظر فيها يوم تجب وذلك بعد الموت فلم تجب حتى صارت لوارث فوجب ردها.
فصل [٦ - في الشاهدين يشهدان على ما يؤدي إلى ما لا تجوز معه شهادتهما من
رقهما أو حد يلزمهما أو نحو ذلك]
ومن المجموعة والموازية قال ابن الماجشون: وإذا شهد رجلان أن فلاناً طلق امرأته البتة، أو أعتق جاريته، ثم قالا رأيناه يزني بهما، فلا تقبل شهادتهما في الطلاق والعتق؛ لأن ذلك يوجب عليهما حد القذف، ولا حد عليهما إذا لم يثبت الطلاق والعتق.
وكذلك قال ابن سحنون: إذا شهدا بالطلاق وبأنهما رأياه يطأها بعد الطلاق بطلت شهادتهما في الطلاق والحد.
وقال أصبغ في العتبية: يجدان ولا تجوز شهادتهما؛ لأنهما يقولون إن هذا زان.
قال هو وابن الماجشون: ولو شهدا عليه بطلاقهما، ثم شهدا أنهما رأياه على بطنها أو في لحاف عريانين فالطلاق لازم ويؤدبان.
م/ يريد الرجل والمرأة.
قال ابن المواز: في المسألة الأولى اختلاف؛ لأن ابن القاسم يقول شهادة القاذف لا ترد أبداً حتى يحد، وأرى جواب عبد الملك أن لو صدقهما الرجل في الطلاق والعتق
стр. 6689
وأكذبهما في الوطء لكان عليهما حد القذف. وقال أشهب.
ومن العتبية قال سحنون في كتاب ابنه: لا تجوز في المائة، ولا في أنفسهما.
فصل [٧ - فيمن شهد بشهادة عند حاكم فردها لوجه ثم شهد بعد ذلك هل
تقبل؟]
قال سحنون في كتاب ابنه: أجمع أصحابنا أن كل من شهد بشهادة عند قاض فردها بجرحة أو بظنة أو لوجه لا تجوز معه، ثم شهد بها بعد ذلك عند ذلك القاضي أو غيره بعد أن زالت الجرحة أو الظنة أو المانع الذي لم تجز من أجله فإن تلك الشهادة لا تقبل؛ لأن قاضياً حكم بردها.
وقاله أهل العراق في الجرحة والظنة وشبهها. قالوا: وأما إن شهد عبد أو نصراني أو صبي فردت شهادته، ثم شهد الصبي بعد الحلم والعبد بعد العتق والنصراني بعد الإسلام فإنها تقبل؛ لأن العلة التي ردت من أجلها زالت.
قال سحنون: لا فرق بين ذلك.
стр. 6690
قلت لسحنون: فهؤلاء أهل العراق قد قامت حجتك عليهم بالمناقضة، وأهل البصرة ساووا بين الجميع وقالوا: إذا زالت العلة من الجرحة والظنة، وعتق العبد واحتلم الصبي وأسلم النصراني فإن الشهادة تجوز، وإن ردت في الحال الأول. فقال: لا تناظر هؤلاء إذ لا سلف لقولهم من صدر الأمة لا من صاحب ولا تابع ولا تابع تابع، ولولا الحكم بن عيينة ما كان لأهل الكوفة سلف فيما خالفونا فيه.
فصل [٨ - في الشاهد ينكر أو ينسى شهادة عنده ثم يشهد بها]
ومن المجموعة والعتبية وكتاب محمد: قال ابن القاسم عن مالك في مريض سئل عن شهادة فأنكرها، وقال كل شهادة أشهد بينكما فهي باطل ثم شهد بعد ذلك فإنه يسأل عن عذره، فإن قال: كنت مريضاً فخفت ألا أثبت ما أشهد به، أو جاء بعذر يعرف وجهه فهي جائزة. قال ابن وهب في المجموعة: وإن أبا بكر بن حزم سأل القاسم بن محمد عن شهادة عنده فلم يذكرها، وخرج عنه فلما كان في الطريق ذكرها، فرجع فأداها فقبلها أبو بكر، وقال: لو كان غيرك ما أجزنا شهادته.
قال سحنون: وكان القاسم فقيهاً، ولولا علمه أن شهادته جائزة ما شهد بها، والشاهد في شهادته كالحاكم إن رأى أنها تجوز رفعها وإلا لم يرفعها، وقد رفع بعضهم شهادته وأخبر أن بينهم عداوة.
قال مالك فيمن دعى إلى شهادة فلم يذكرها ثم ذكرها فإنها تقبل منه إن كان مبرزاً لا يتهم، ولم يمر من طول الزمان ما يستنكر.
ابن وهب: وقال الليث: إنما يقبل هذا من البين الفضل الذي لا يتهم. وقاله ابن القاسم.
قال سحنون: إذا كان مبرزاً جازت شهادته إذا قال: أخروني لأنظر وأتفكر، فإن
следующие страницы →