Полный текст (9 651 стр.). Показаны 9346–9385 · переход к 9351.
стр. 9346
أو أسلموه فيه وما وقع على العتيق منه أتبع به.
قيل: أفيأخذون جميع كسبه حتى يستوفوا بقية الجناية مما على العتيق منه؟ قال: قد قال مالك في العبد نصفه حر يجني فيفدي السيد حصته: أن ما بيد العبد من مال يؤخذ في نصف الجناية التي لزمته، وكذلك المدبر فيما بيده من المال، وأما ما اكتسب فلا يؤخذ منه من الجزء العتيق إلاّ ما فضل عن عيشه وكسوته، والذي أخذ من العبد في جنايته إنما هو قضاء لنصيبه الذي عتق منه، فإن كان كفافا لم يتبع بشيء، وإن كان فيه فضل وقف الفضل بيده.
ابن عبدوس: وقال غيره: إنما هذا في كل ما استفاده المدبر في مرض السيد أو بعد موته، فأما كل ما استفاده في صحة السيد بعد الجناية أو قبلها فذلك قد وجب عليه لأهل الجناية أخذه حتى يستوفوا منه جنايتهم أو لا يكون فيه وفاء فيقسم ما بقي منها على ما عتق منه ومارق.
قال ابن المواز في الثاني من الجنايات: وإنما يؤخذ مال المدبر فيما جنى
стр. 9347
قبل أن يعتق أو بعضه، وسواء أقيم عليه في حياة السيد أو بعد موته فإنه يؤخذ ذلك من ماله، فأما ما جنى بعد أن عتق بعضه في ثلث سيده فهو بمنزلة المعتق بعضه يجني جناية فينظر ما يفضل من كسبه بعد عيشه وكسوته، فيؤخذ منه عن ما يصير على جزئه العتيق، وغن استوعب ذلك كل ما يبقى بيده.
قال ابن القاسم في المدونة: وإن قصر ذلك اتبع به في حصة الجزء العتيق، وأما مارق لهم منه فلا يتبعونه فيه بشيء من الجناية؛ لأنه رقيق لهم وعليهم أن يطعموه ويكسوه بقدر الذي رقَّ لهم.
١٢٤ - فصل [في إقرار العبد بالجناية]
قال مالك في عبد على برذون مشى على إصبع صبي فقطعه
стр. 9348
فتعلق به يقول: هذا فعل ذلك بي وصدقه العبد: فما كان مثل هذا يتعلق به وهو يدمى ويقر به العبد فهو في رقبته؛ إما فداه سيده أو أسلمه، وأما على غير هذا من إقرار العبد فلا يقبل إلا ببينة، وإن أقر العبد بقتل عمداً فلهم قتله وإن استحيوه ليأخذوه فليس ذلك لهم؛ للتهمة أن يكون أقر ليفر إليهم.
[١٢٥ - فصل: في جناية العبد المودع أو العارية]
وإن جنى عبد في يديك عارية أو وديعة أو رهنا أو بإجاره ومولاه غائب ففديته ثم قدم فإما دفع إليك ما فديته به وأخذه، وإلا أسلمه إليك ولا شيء عليه.
١٢٦ - فصل [في عجز العبد المكاتب وعليه دين]
وإذا عجز المكاتب وعليه دين فدينه في ذمته إلا أن يكون له مال حين عجز فيؤدي منه الدين، وكلما أفاد بعد عجزه فللغرماء أن يأخذوه في دينهم إلاّ ما كان من كسب يده وعمله في الأسواق فإن ذلك لسيده.
стр. 9349
وإذا أذن المكاتب لعبده في التجارة فرهق العبد دين، وعلى المكاتب دين فقام الغرماء فالعبد يباع في دين المكاتب ويبينون أن عليه ديناً، ويبقى دين العبد في ذمته يتبع به.
١٢٧ - فصل [في جناية المكاتبة]
وإذا جنت مكاتبة ثم ولدت فماتت فلا شيء على الولد من جنايتها، ولا مما في ذمتها من دين. وكذلك المدبرة تلد بعد الجناية فلا يدخل ولدها في الجناية. وكذلك الأمة تجني وهي حامل، او حملت بعد أن جنت ثم وضعت؛ فلا يسلم ولدها معها في الجناية، وتسلم بمالها كسبته قبل الجناية أو بعدها. وإذا جنت الأمة منع السيد من وطئها حتى يُحكم فيها.
١٢٨ - فصل [في جناية أم الولد]
وإذن قتلت أم الولد رجلا عمداً وله وليان فعفا أحدهما فعلى السيد للآخر الأقل من نصف قيمتها أو نصف الدية، فإن قال السيد:
стр. 9350
لا أدفع شيئاً إنما لكم قتل فليس ذلك له؛ كالحر يقتل رجلا له وليان فيعفو أحدهما فعليه للآخر نصف الدية، ويجبر على ذلك. بخلاف أن لو كان له واحد فعفا على الدية وأبى القاتل إلاَ القتل فذلك له.
وقال أشهب: يجبر على الدية وقد تقدم هذا.
١٢٩ - فصل [في مسائل متفرقة: بعضها في طرف من شهادة النساء في الجراح، وبعضها في المماثلة في القود]
ولا تجوز شهادة النساء في دم العمد ولا في العفو عنه، وتجوز شهادتين في قتل الخطأ وجراح الخطأ؛ لأن ذلك مال.
وإن شهدن على منقلة لرجل أو مأمومة عمداً جازت شهادتهن، لأن العمد والخطأ فيهما إنما هو مال، ليس فيه قود.
وإن شهد رجل أن فلاناً قتل فلاناً بالسيف وشهد آخر أنه قتله بالحجر؛ فذلك باطل ولا يقسم في ذلك.
стр. 9351
قال سحنون: وذلك إذا ادعى الولي شهادتهما جميعاً، وأما إن ادعى شهادة أحدهما ففيه القسامة مع ذلك الشاهد.
وقد تقدم: أن من قطع أصابع رجل عمداً ثم قطع بقية كفه، فإنما عليه أن تقطع يده من الكف إلا أن يكون فعل ذلك به على وجه العذاب فيصنع به مثل ذلك.
ولو طرح رجلاً في نهر ولم يدر أنه لا يحسم العوم فمات؛ فإن كان على وجه العداوة والقتال قتل به، وإن كان على غير ذلك ففيه الدية.
م: يريد على العاقلة ولا يقتل به.
ومن وضع سيفاً في طريق المسلمين، أو في موضع يرصد به قتل رجل فعطب به ذلك الرجل فإنه يقتل به، وإن عطب به غيره فديته على عاقلته.
стр. 9352
قال محمد بن عبد الله بن يونس: وإنما كررت هذه المسائل لأني نقلتها إلى ما يشبهها ثم كررتها لجهة التوالي، وأن لا يفوت قاريَّ موعد ما في الأمهات حسب ما شرطناه في أول هذا الديوان، والله نسأله العصمة والتوفيق بمنِّهِ.
مسائل من غير المدونة مما يتعلق بهذا الكتاب.
١ - فصل [فيمن أمر رجلاً بقتل رجل فأطاعه، أو أمسك رجلاً لمن قتله، أو أمر عبده أو ابنه بشيء من ذلك]
من المختصر قال ابن القاسم: ومن أمر رجلاً أن يقتل رجلا فقتله قُتل به القاتل دون الآمر.
стр. 9353
م: كالمحرم يأمر محرماً بقتل صيد أن الجزاء على القاتل.
قال ابن القاسم: ومن أمسك رجلاً لآخر فقتله فإن أمسكه وهو يرى أنه يريد قتله قُتِلا به جميعاً.
م: كمحرم أمسك صيداً لمحرم فقتله فعليهما جزاؤه.
قال ابن القاسم: وإن لم يظن ذلك وظن أنه يضربه كضرب الناس قتل القاتل وبولغ في عقوبة الممسك وسجن ولم يُقتَل.
وإذا أمر السيد عبده أو العامل الظالم بعض أعوانه بقتل رجل بغير حق؛ فإنه يقتل به الآمر والمأمور كما قال في جزاء الصيد.
قال ابن القاسم: وأما الأب يأمر ابنه، أو المعلم يأمر بعض صبيانه، أو الصانع يأمر متعلمه؛ فإنه إن كان المأمور منهم محتلماً فالقتل عليه وليس على الآمر قتل ولا على عاقلته دية وعليه العقوبة، وإن لم يحتلم فالقتل على الآمر، وعلى عاقلة الصبي نصف الدية، وإن كثر الصبيان فالدية على
стр. 9354
عواقلهم، وإن لم يجب على كل عاقلة إلا أقل من الثلث فإنها تحمله.
والسكران يقتل رجلا في حال سكره فإنه يقتل به.
قال أشهب: وليس كالصبي والمجنون.
٢ - فصل [فيمن أذن لرجل في الجناية عليه أو على عبده]
ومن قال لرجل اقطع يدي أو يد عبدي أو افقأ أعيننا ففعل؛ فعلى المأمور العقوبة، ولا غرم عليه في الحر ولا في غيره.
٣ - فصل [في القتل والقصاص في الحرم، والقصاص من المحرم]
قال مالك: ومن قتل رجلاً في الحرم فلا بأس أن يقاد منه في الحرم، ولو قتله في الحل فظفر به في الحرم فلا بأس بالقود منه فيه.
قال ابن القاسم: ويقتل وهو محرم ولا يترك حتى يحل.
قال مالك: يقاد من حدود الله كلها غي الحرم، ولا ينتظر
стр. 9355
بها، ولا يخرج به إلى الحل فعسى أن ينفلت من الأسر أو يأتيه من يقتله قبل خروجه.
٤ - فصل [في خير الناس بعد نبينا محمد ﷺ ]
سُئل مالك: عن خير الناس بعد نبيهم؟
فقال: أبو بكر، ثم قال: أو في ذلك شك؟
قيل له: فعلي وعثمان ﵄ أيهما أفضل؟
فقال: ما أدركت أحداً يفضل أحدهما على
стр. 9356
صاحبه. ويرى الكف عنهما.
وروى عنه أيضاً: أن أفضل الصحابة ﵃ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.
م: وسنذكر بيان ذلك في الجامع لهذا الكتاب مع ما يشبهه من الاعتقادات والآداب والسِّير والسنن والأخبار إن شاء اله .
تم كتاب الديات من الكتاب الجامع وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
стр. 9357
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه
كتاب الجامع
[الباب الأول]
باب
ما يجب على المكلفين اعتقاده ولا يسع جهله
قال القاضي أبو بكر بن الطيب ﵀ وغيره:-
الواجب على كل مكلف أن يعرف به بالأوائل والمقدمات التي لا ينم فيه النظر في معرفة الله وصفاته وحقيقة توحيده إلا بها.
стр. 9358
[فصل ١ - تعريف العلم]
فأول ذلك القول في العلم وأحكامه ومراتبه.
فحد العلم: معرفة المعلوم على ما هو به.
[فصل ٢ - أقسام العلم]
والعلوم كلها تنقسم على قسمين:-
فقسم منها علم الله سبحانه، وهو علم قديم ليس بحادث ولا عرض ولا جنس من الأجناس، ولا يحصل العلم به اضطرارا ولا استدلالا، ولا مما له ضد ينفيه، ولا يصح عدمه، ولا يختص في تعلقه بمعلوم أو معلومات مخصوصات، بل هو متعلق بما لا نهاية له منها، وهو علم الله سبحانه الذي هو لم يزل ولا يزال عالما به، وهو صفة لذاته.
стр. 9359
قال الله : ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾.
وقال جل من قائل: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾، فأثبت لنفسه علما.
والقسم الآخر: علم الخلق وهو ينقسم على قسمين:-
فقسم منه: علم اضطرار.
والآخر: علم نظر واستدلال.
فالضروري: ما لزم أنفس الخلق لزوما لا يمكنهم دفعه ولا الشك في معلومه، نحو العلم بما أدركته الحواس الخمس وما أفتي في النفس من الضرورات.
والنظري: ما احتيج في معرفته إلى الفكر والرواية.
[فصل ٣ - طرق تحصيل العلم]
وجميع العلوم الضرورية تقع للخلق من ست طرق، فمنها:-
درك الحواس الخمس وهي: حاسة الرؤية، وحاسة السمع، وحاسة الذوق، وحاسة الشم، وحاسة اللمس.
والسادس: العلم المبتدأ في النفس نحو: علم الإنسان بوجود نفسه وما
стр. 9360
يحدث فيها من لذة وألم وغم وفرح وصحة وسقم، والعلم بأن الضدين لا يجتمعان، وأن الاثنين أكثر من واحد، وأن الثمر لا يكون إلا من شجر، واللبن لا يكون إلا من ضرع، وكالعلم بالبلدان والدول، ونحو ذلك.
وما عدا هذه العلوم لا يحصل إلا مع استيفاء النظر.
وأن تعلم أن الاستدلال هو نظر القلب المطلوب به ما غاب عن الحس، والدليل ما أمكن أن نتوصل بصحيح النظر فيه إلى معرفة ما لا يعلم باضطرار.
وأن تعلم أن المعلومات على ضربين: معدوم، وموجود.
فالمعدوم: الذي ليس بشيء، قال الله : ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾.
والموجود: هو الكائن الثابت، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ وهو شيء موجود.
وقول أهل اللغة: علمت شيئا، ورأيت شيئا إشارة إلى شيء موجود، وقولهم: ليس بشيء إشارة إلى معدوم.
стр. 9361
فصل [٤ - أنواع الموجودات وأقسامها]
وأن تعلم أن الموجودات على ضربين:
قديم لم يزل: وهو الله وصفات ذاته.
ومحدث: وهو لم يكن فكان.
وأن تعلم: أن المحدثات على ثلاثة أقسام: جسم، وجوهر، وعرض.
فالجسم: هو المؤلف المركب أقل ما يجتمع من جوهرين.
والجوهر: هو الذي له حيز وهو إشغال مكان، أو ما يقدر تقديرا لمكان من غير أن يوجد فيه غيره، وهو الجزء الذي لا يتجزأ.
والعرض: كالحركات، والألوان تعرض في الجواهر والأجسام، ولا يصح بقاؤه.
فيتبين من قولهم: عرض لفلان عارض من مرض إذا قرب زواله، وقوله : ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾.
فكل شيء قرب زواله وصف بذلك.
[فصل ٥ - الدليل على وجوب وجود الخالق]
وأن يعلم: أن للعالم محدثاً أحداثه.
стр. 9362
والدليل على ذلك: وجود الحوادث بعد أن لم تكن، ولأن المحدث لو لم يتعلق بمحدث أحدثه لم تتعلق الكتابة بكاتب ولا البناء ببان.
ويدل على ذلك -أيضا- علمنا بتعلق الفعل بالفاعل في كونه فعلا، كتعلق الفاعل في كونه فاعلا بفعل، وأن تعلق الكتابة والصناعة بالكاتب والصانع، كتعلق الكاتب في كونه كاتبا بالكتابة، والصانع بالصناعة، فلو جاز فعل لا من فاعل، وكتابة لا من كاتب لجاز وجود محدث لا محدث له، وذلك محال.
فصل [٦ - في ذكر بعض صفات الخالق]
ومن صفات هذا الصانع أنه موجود قديم واحد حي عالم قادر مريد متكلم سميع بصير باق، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
والدليل على أنه موجود: أن الأفعال يستحيل أن تقع إلا بوجود القدرة، والقدرة يستحيل أن تقوم بمعدوم، فأثبت أنها قائمة بوجوده.
-وأيضا- فلو لم يقتض حدوث العالم وجود المحدث له لم يقتض البناء وجود الباني، ولا الكتابة وجود الكاتب.
والدليل على أنه قديم: لأنه لو كان محدثا لاقتضى محدثا أحدثه، واقتضى محدثه محدثا أحدثه إلى ما لا نهاية له وذلك محال، فوجب أن يكون الصانع قديما.
والدليل على أنه عالم قادر حي: ظهور الأفعال المحكمة منه، لاستحالة ظهورها من العاجز الجاهل.
стр. 9363
ولما ثبت أنه عالم قادر استحال أن يقصد إلى فعله وليس بحي، ولو جاز ذلك لم يدر فعل سائر ما يظهر من الحيوان من تدبرهم، وسائر صنائعهم تظهر منهم وهم موتى، فلما استحال ذلك ثبت أنه حي.
والدليل على أنه واحد: أنه لما ثبت أن للعالم محدثا أحدثه، ولم يكن في الأفعال ما يدل على صانع ثان، فلو أثبتنا الأفعال ثانيا لم يقم عليه دليل، ولم يكن أولى من إثبات ثالث ورابع وذلك لا نهاية له، وذلك محال، وما أدى إلى المحال محال.
-وأيضا- فلو كان للعالم أكثر من صانع لكان لا يستحيل أن يريد أحدهما خلاف ما يريد الآخر، فإن تم ما يريد أحدهما، فالذي لم يتم مراده عاجز، والعاجز لا يكون إلها، فدل أن صانع العالم واحد.
والدليل على أنه سميع بصير: أنه لما ثبت أنه حي، والحي إذا لم يكن سميعا بصيرا كان موصوفا بضد السمع والبصر، ومن ذلك من الآفات الدالة على حدث من جازت عليه وقد أثبتنا أنه قديم.
-وأيضا- فإنه لو كان غير سميع بصير لعجز عن الرؤية والسمع والعاجز لا يكون إلها.
стр. 9364
والدليل على أنه مريد قاصد لمراده: لأنه يستحيل ترتيب الأفعال ووضعها مواضعها ممن ليس بمريد ولا قاصد إلى ترتيبها، واستحالة ذلك كاستحالة ظهورها ممن ليس بعالم، وقد أثبتنا أنه عالم.
والدليل على أنه ليس كمثله شيء: لأنه لو أشبه الأشياء لجاز عليه ما يجوز عليها، ولكان محدثا من حيث أشبهها، وكانت قديمة من حيث أشبهته، وذلك محال، واجتماع لضدين.
وفيما ذكرنا من ذلك كفاية.
стр. 9365
[الباب الثاني]
باب
البيان عن إثبات الرسل صلى الله عليهم أجمعين
[فصل ١ - الدليل على إثبات نبوة الأنبياء]
لو قيل: ما الدليل على إثبات نبوة نبيكم وغيره من الرسل صلى الله عليهم أجمعين؟
قيل له: الدليل على ذلك ما ظهر عليهم من الآيات وإتيانهم بظهور المعجزات، وبعث كل رسول منهم إلى قومه لما يفوق به الضرب الذي به يعجزون وعليه يعولون، فتحداهم على الإتيان بمثله، وقرعهم بالعجز عن معارضته.
стр. 9366
[فصل ٢ - من معجزات موسى ﵇]
فبعث الله موسى على نبينا وعليه السلام إلى قوم، وجل ما يحسنون، ومعظم ما به يعجزون علم السحر، فتحداهم بقلب العصا حية، وإخراج اليد بيضاء، وفلق البحر، وإرسال الضفادع والقمل.
فتلقفت عصاه ما يأفكون، وانقلب فرعون وقومه خاسرين، وقال السحرة آمنا برب العالمين، رب موسى وهارون بعد أن قال لهم موسى: ما جئتم به السحر إن الله سيبطله.
[فصل ٣ - من معجزات عيسى ﵇]
وبعث عيسى على نبينا وعليه السلام إلى قوم عظيم عملهم الطب، فتحداهم بإحياء الموتى، وإقامة الزمنى، وإبراء الأكمه والأبرص، فأذعنوا لقومه منقادين، وتيقنوا أن ما أتاهم به خارج عن إمكان المخلوقين، وأنها شهادة له من رب العالمين
стр. 9367
[فصل ٤ - من معجزات محمد ﷺ ]
وبعث محمدا ﷺ إلى قوم بلغاء فصحاء، أصحاب نثر ونظم وخطابة، وسجع وشعر، وكانوا أفصح أهل عصرهم، ومن جميع الناسبين بعدهم.
[معجزة القرآن العظيم]
فأنزل الله عليه القرآن العزيز وأمره في قصد التلاوة بتحديهم، فتحداهم بالإتيان بمثله، وبالغ في توبيخهم بالعجز عن شبهه.
فقال : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾.
وقال عز من قائل: ﴿فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
ثم قال : ﴿فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، ولم يقل من طوالها دون قصارها فلم يستطيعوا ذلك، ولا تسرعوا إليه ولا تعاطوه، ولو كانوا على ذلك قادرين لتسارعوا إليه ولكان ذلك أخف عليهم وأيسر من المسابقة وبذل المهج،
стр. 9368
ونصب الحرب معه، وما أداه إليه من ذهاب أنفسهم، وقتل كبرائهم وإجلائهم عن ديارهم, وتملك أرضهم واسترقاقهم.
[معجزة الإخبار عن الغيوب]
وقص عليهم سير الأولين، وأخبار المتقدمين، وشرائع الماضين مع علمهم بنشئه ومسكنه، ثم ما أخبرهم به من الغيوب المستقبلية، والحوادث الكائنة التي لا يعلمها إلا علام الغيوب.
فقال : ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ فدخلوه كما وعدهم.
وقال ﵎: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي
стр. 9369
ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ فمهد لهم البلاد وأذل لهم العباد حتى افتتحوا لهم البلاد ومصروا الأمصار وجبوا الأموال وسبوا الأولاد، وأزاحوا ملك الأكاسرة والجبابرة، واستقامت لهم البلاد، وصارت كلمتهم عالية إلى يوم التناد.
[معجزة العادات الخارقة]
مع ما ظهر على يديه من كلام الذئب، وحنين الجذع، ومجيء الشجرة ومشيها إليه وانقلاعها من موضعها ثم انصرافها إليه، وتسبيح الحصاة، وجعل قليل الطعام كثيرا، وانشقاق القمر، وقصة شاة أم معبد، وابتلاع الأرض لقوائم فرس سراقة بن مالك، وكلام الزراع المسمومة إلى غير ذلك مما قد تظاهرت به
стр. 9370
أخبار الأحاديث وبمحضرة الجماعات الكثيرة إلى غيره، وظهور ذلك بمشهد منهم، والله لا يظهر الآيات ويخترع المعجزات إلا للدلالة على صدق رسله والإقامة لهم بالفضيلة من جميع خلقه، لأن فعل ذلك مع تحديهم قام مقام القول: صدقوا أنني أرسلتهم وأمرتهم بالإبلاغ عني، فوجب لذلك أن يكون تعالى قد يشهد بتصديقهم وقطع العذر في الدلالة على نبوتهم.
وهذا بيان شاف يكتفى به في إثبات التوحيد والنبوة لأنبيائه.
стр. 9371
[الباب الثالث]
[باب]
ذكر ما أنعم الله على خلقه الحسي [الإدراك]
[فصل ١ - نعمة إدراك اللذات وسلامة الحواس]
فأول ذلك خلقه فيهم إدراك اللذات وسلامة الحواس.
وقيل: ما يشبعون به من الشهوات التي تميل إليها طباعهم وتصلح عليها أجسامهم، ولو أحياهم وآلمهم ومنعهم إدراك اللذات لكانوا مستضرين بالآلام وبمثابة الأحياء المعذبين من أهل النار.
[فصل ٢ - نعمة الإيمان]
وأفضل نعم الله تعالى على عباده المؤمنين خلقه الإيمان في قلوبهم وإجراؤه على ألسنتهم، وهذه نعمة خصهم بها دون الكافرين.
ولذلك قال الله : ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
стр. 9372
[وقوله]: ﴿مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾.
وقال : ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
стр. 9373
[الباب الرابع]
[باب]
ذكر البيان عن طرق الأدلة التي يعلم بها الحق
وهي خمسة:-
أولها: كتاب الله .
والثانية: سنة رسول الله ﷺ .
والثالثة: إجماع الأمة.
والرابعة: ما استخرج من هذه النصوص وبني عليها بطريق القياس والاجتهاد.
والخامسة: حجج العقول.
[فصل ١ - الأمر باتباع الكتاب العزيز]
قال الله آمرا باتباع كتابه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرً﴾.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.
стр. 9374
وقال تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾.
[فصل ٢ - الأمر باتباع السنة المطهرة]
وقال عز من قائل في الأمر باتباع الرسول ﷺ : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.
وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
[فصل ٣ - الأمر باتباع إجماع المسلمين]
وقال في وصف عدالة أمة نبيه ﷺ ، والأمر باتباعهم والتحذير عن مخالفتهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ
стр. 9375
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
وقال : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
[فصل ٤ - الأمر بالقياس]
وقال جل ثناؤه في الأمر بالقياس والحكم بالنظائر والأمثال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.
وقال النبي ﵇ لقاضيه معاذ بن جبل حين أنفذه لإقامة الحدود واستيفاء
стр. 9376
الحقوق بم تحكم؟ فقال: بكتاب الله ، قال: فإن لم تجد؟ قال بسنة رسول الله ﷺ ، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأي وأحكم، فقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يحب ويرضى رسوله، فأمره على الحكم بالاجتهاد وجعله أحد طرق الأحكام.
[فصل ٥ - الأدلة على اتباع حجج العقول]
وقال تعالى في اتباع حجج العقول: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
стр. 9377
وقال تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾.
وقال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
وأمرهم بالاعتبار ورد الشيء إلى مثله، والحكم له بحكم نظيره.
стр. 9378
[الباب الخامس]
باب
ترتيب المكلفين، وتنزيل جميع فرائض الدين
وجميع فرائض الدين على أربعة أقسام:-
[فصل ١ - ما يلزم جميع الأعيان المكلفين]
فقسم منها يلزم جميع الأعيان المكلفين وهو: الإيمان والتصديق له ولرسوله وكتبه وما جاء من عنده، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان والحج من استطاع إليه سبيلا مرة والجهاد، والكف عن جميع المحظورات من غضب الأموال وظلم العباد، والامتناع عن دفع الحقوق ونحو ذلك، والتوبة من جميع الموبقات والخروج عن الواجبات، وتجديد التوبة عن ذكر الذنب، وما يلزم من النذور والكفارات.
فهذه فروض واجبة على جميع المتعبدين وسائر العقلاء المكلفين من راع ورعية وخاصة وعامة وذكر وأنثى وحر وعبد، ممن بلغ الحلم وجرى عليه القلم؛ غير أن العبد لا تجب عليه الزكاة ولا الحج حتى يعتق وتجتمع فيه شروط إيجاب ذلك.
стр. 9379
[فصل ٢ - ما يختص وجوبه بالأئمة دون العلماء والرعية]
والقسم الثاني: من الفرائض يختص وجوبه بالأئمة دون الرعية من العلماء والعامة وهي: إقامة الحدود واستيفاء الحقوق وفصل الحكومات والقضايا والخصومات، وجنايات الجراح، وجنايات الأموال ووضعها في حقوقها وصرفها إلى أهلها لا يلي ذلك أحد من الرعية ولا يسوغ فيه الشروع لأحد من العامة الذين ليسوا الأئمة وخلفائهم والولاة من قبلهم.
[فصل ٣ - ما يلزم العلماء دون العامة]
والقسم الثالث: من فرائض العلماء دون العامة وهي: الفتوى في النوازل والأحكام من الأمر إلى العامة بما يؤدي إليه النظر والاجتهاد، هذا الفرض مقصور على العلماء من سلطان ورعية لا يحل لأحد من العامة الذين ليسوا من أهل النظر في الأحكام الدخول فيه، وفتوى الإمام وخلفائه لا يكون حكما لازما بل هم وغيرهم في ذلك سواء.
стр. 9380
وإنما ما يلزم من ذلك ويصير حكما ما قضي به على الرعية عند التخاصم والترافع إليهم، ويكره للقاضي والإمام أن يفتيا فيما يتعلق بالخصومات والحقوق لئلا تعرف مذاهبهم ويسرع في التحرز من أحكامهم ويتوصل بالحيل في ذلك إلى إبطال الحقوق.
[فصل ٤ - ما يختص بالعامة]
والقسم الرابع: من الفروض يختص بالعامة خاصة، وهو الاستفتاء في الأحكام والرجوع إلى قول العلماء في تعريف ما يلزمهم في حكم الحلال والحرام، وهذا فرض مقصور على العامة، ومحظور على العلماء الذين لهم آية الاستنباط، وعلم بطريق القياس والاستخراج.
وقد أجاز بعض الناس تقليد العالم للعالم عند تضيق فرضه وانغلاق طريق الحكم عليه.
وأجاز ذلك آخرون على كل حال.
وأنكره آخرون، وهو أولى، والله أعلم.
стр. 9381
[الباب السادس]
باب
القول في البيان عن الإسلام والإيمان ومعنى ذلك
[فصل ١ - في معنى الإسلام والفرق بينه وبين الإيمان]
معنى الإسلام: الانقياد، قال الله : ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ يريد: لأنه انقاد إليكم ظاهره وأذعن بكلمة الحق لكنكم لا تعرفون باطنه.
وقال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ أي انقاد له، فكل طاعة انقاد بها العبد لربه فاستسلم فيها لأمره فهي إسلام.
والإيمان أعلى خصلة من خصال الإسلام، وهو الذي لا تتم طاعة الله وقربه إليه إلا به، فوجب أن يكون كل إيمان إسلاما لله من حيث كان قربه إليه وانقيادا له واستسلاما لأمره، ولا يكون كل إسلام إيمانا؛ لأن من الإسلام تصديقا وإيمانا ومنه ما ليس بتصديق.
стр. 9382
قال الله : ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ يريد بإسلامهم: الاستسلام بدقائق السيف دون انشراح الصدر للإيمان، فأثبت لهم الاستسلام ونفى عنهم التصديق.
فصل [٢ - تعريف الإيمان]
والإيمان بالله : هو التصديق بالقلب بأن الله هو الفرد الواحد الصمد القديم الخالق العليم الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
والدليل على ذلك أن الإيمان هو التصديق بالقلب قوله : ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ يريد: بمصدق لنا.
وقوله : ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أي: تصدقوا.
ويقال: فلان مؤمن بالله وبالبعث، أي: مصدق بذلك.
وقد اتفق أهل اللغة على أن الإيمان في اللغة هو التصديق.
فالإيمان بالله هو التصديق بمضمن التوحيد له سبحانه، والوصف له
стр. 9383
بصفاته، ونفي النقائص عنه الدالة على حدوث من جازت عليه.
[فصل ٣ - في زيادة الإيمان ونقائصه]
قال أبو محمد بن أبي زيد ﵀: الإيمان قول باللسان، وإخلاص بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية نقصا عن حقائق الكمال لا محبطا للإيمان.
ولم يختلف أئمة الدين في الزيادة، ولا يرفع في ذلك إلا أحاديث المرجئة الذين يقولون: أن إيمان أهل الكبائر كإيمان جبريل وميكائيل وإسرافيل وسائر النبيين صلى الله عليهم أجمعين.
وقوله هذا هو الباطل الذي أكذبه القرآن، وقد نص الله تعالى على زيادته في القرآن وهو قوله : ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.
стр. 9384
فأول الإيمان له حد ليس يكون بعده نقص إلا كان كافرا أو شاكا، فإذا سلم من هذا كان إيمانا يخرج به من الريب والشك إلى الإيمان والتصديق ثم يزيد فتقوى بصيرة من وهبه الله المزيد فيزداد يقينه بأمور الله ووعده ووعيده، ويعظم الله سبحانه في قلبه ويهون عليه الدنيا في طلب مرضاته لما عنده من مزيد الإيمان.
وقد سمى الله تعالى الأعمال إيمانا بقوله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ يعني: صلاتكم إلى بيت المقدس حين نسخت القبلة.
وإلى هذا المعنى يرجع أن العمل إيمان وأن النقص إنما يكون في تلك الزيادات فترى مؤمنين وبأحدهما من الخوف والإشفاق والزهد ما ليس بصاحبه، أفترى إيمان هذين سواء، هذا جهل من قائله، فنقص الإيمان إنما ينقص من تلك الزيادات حتى يبلغ إلى أقل الإيمان الذي النقص فيه شك وكفر.
стр. 9385
قال الشيخ أبو الحسن الفاسي: اتفق أهل السنة أن الإيمان قول وعمل:-
وذلك لقول الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾.
وقوله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي صلاتكم إلى بيت المقدس.
ولقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية، وفيها: وآتى المال على حبه، وفيها: وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون.
وما في كتاب الله من هذا فهو توكيد ويزيده بيانا.
وأما السنة فكثيرة منها:-
قوله ﷺ :" بني الإسلام على خمس" فذكر بعد الشهادة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان وحج البيت.
والإيمان يزيد وينقص، ولم يختلف أهل السنة في زيادته؛ لأنه في كتاب الله تعالى.
ووقف مالك عن القول في نقصانه وإنما توقف عن إطلاق النقصان لما يؤدي
следующие страницы →