← Фикх малики

Фикх малики · id 18607

الجامع لمسائل المدونة

ابن يونس الصقلي

Полный текст (9 651 стр.). Показаны 9381–9420 · переход к 9386.

стр. 9381

[الباب السادس] باب القول في البيان عن الإسلام والإيمان ومعنى ذلك [فصل ١ - في معنى الإسلام والفرق بينه وبين الإيمان] معنى الإسلام: الانقياد، قال الله : ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ يريد: لأنه انقاد إليكم ظاهره وأذعن بكلمة الحق لكنكم لا تعرفون باطنه. وقال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ أي انقاد له، فكل طاعة انقاد بها العبد لربه فاستسلم فيها لأمره فهي إسلام. والإيمان أعلى خصلة من خصال الإسلام، وهو الذي لا تتم طاعة الله وقربه إليه إلا به، فوجب أن يكون كل إيمان إسلاما لله من حيث كان قربه إليه وانقيادا له واستسلاما لأمره، ولا يكون كل إسلام إيمانا؛ لأن من الإسلام تصديقا وإيمانا ومنه ما ليس بتصديق.

стр. 9382

قال الله : ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ يريد بإسلامهم: الاستسلام بدقائق السيف دون انشراح الصدر للإيمان، فأثبت لهم الاستسلام ونفى عنهم التصديق. فصل [٢ - تعريف الإيمان] والإيمان بالله : هو التصديق بالقلب بأن الله هو الفرد الواحد الصمد القديم الخالق العليم الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. والدليل على ذلك أن الإيمان هو التصديق بالقلب قوله : ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ يريد: بمصدق لنا. وقوله : ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أي: تصدقوا. ويقال: فلان مؤمن بالله وبالبعث، أي: مصدق بذلك. وقد اتفق أهل اللغة على أن الإيمان في اللغة هو التصديق. فالإيمان بالله هو التصديق بمضمن التوحيد له سبحانه، والوصف له

стр. 9383

بصفاته، ونفي النقائص عنه الدالة على حدوث من جازت عليه. [فصل ٣ - في زيادة الإيمان ونقائصه] قال أبو محمد بن أبي زيد ﵀: الإيمان قول باللسان، وإخلاص بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية نقصا عن حقائق الكمال لا محبطا للإيمان. ولم يختلف أئمة الدين في الزيادة، ولا يرفع في ذلك إلا أحاديث المرجئة الذين يقولون: أن إيمان أهل الكبائر كإيمان جبريل وميكائيل وإسرافيل وسائر النبيين صلى الله عليهم أجمعين. وقوله هذا هو الباطل الذي أكذبه القرآن، وقد نص الله تعالى على زيادته في القرآن وهو قوله : ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.

стр. 9384

فأول الإيمان له حد ليس يكون بعده نقص إلا كان كافرا أو شاكا، فإذا سلم من هذا كان إيمانا يخرج به من الريب والشك إلى الإيمان والتصديق ثم يزيد فتقوى بصيرة من وهبه الله المزيد فيزداد يقينه بأمور الله ووعده ووعيده، ويعظم الله سبحانه في قلبه ويهون عليه الدنيا في طلب مرضاته لما عنده من مزيد الإيمان. وقد سمى الله تعالى الأعمال إيمانا بقوله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ يعني: صلاتكم إلى بيت المقدس حين نسخت القبلة. وإلى هذا المعنى يرجع أن العمل إيمان وأن النقص إنما يكون في تلك الزيادات فترى مؤمنين وبأحدهما من الخوف والإشفاق والزهد ما ليس بصاحبه، أفترى إيمان هذين سواء، هذا جهل من قائله، فنقص الإيمان إنما ينقص من تلك الزيادات حتى يبلغ إلى أقل الإيمان الذي النقص فيه شك وكفر.

стр. 9385

قال الشيخ أبو الحسن الفاسي: اتفق أهل السنة أن الإيمان قول وعمل:- وذلك لقول الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾. وقوله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي صلاتكم إلى بيت المقدس. ولقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية، وفيها: وآتى المال على حبه، وفيها: وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون. وما في كتاب الله من هذا فهو توكيد ويزيده بيانا. وأما السنة فكثيرة منها:- قوله ﷺ :" بني الإسلام على خمس" فذكر بعد الشهادة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان وحج البيت. والإيمان يزيد وينقص، ولم يختلف أهل السنة في زيادته؛ لأنه في كتاب الله تعالى. ووقف مالك عن القول في نقصانه وإنما توقف عن إطلاق النقصان لما يؤدي

стр. 9386

ذلك إليه من الخصام، إذ لم ينص على النقص في كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ ، فلما كان إطلاق ذلك يدخل الشك على العوام أن من أبى من قبول نقصه يكون ما صدق به إيمانا لا يضره ما ارتاب فيه، ووقف الكلام في نقصه. وأما من أطلق القول من أهل السنة بأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية فمعناه: أنه إذا كان الإيمان قولا وعملا اقتضى أنه من وفى بالقول والعمل فقد جاء به كاملا بشروطه، ومن خالف بالعمل باقتراف الذنوب فقد نقص شروط الإيمان. وقد تختلف -أيضا- معرفة المؤمنين بالإيمان من غير أن يدخل على أقل المؤمنين معرفة به ريب فيما أمر به وإن تساووا في القبول والإقرار وفي السلامة من الشك والريب في شيء من الإيمان. فالقلوب تختلف في يقينها وشكها وحسن توكلها، وتختلف في القوة والضعف عند الابتلاء بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي البأساء والضراء وحين البأس.

стр. 9387

قال أبو محمد بن أبي زيد: ولا يكمل قول إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة. [فصل ٥ - في عدم تكفير أهل القبلة] وأنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة وإن كان كبيرا، ولا يحبط الإيمان غير الشرك بالله؛ كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وفيما ذكرنا من ذلك كفاية لمن يفهم، والله الموفق لمن يشاء برحمته.

стр. 9388

[الباب السابع] باب في التوحيد والأسماء والصفات وسائر الاعتقادات [فصل ١ - في إثبات الأسماء والصفات] والتوحيد لله هو: الإقرار بأنه ثابت موجود، وأنه واحد ليس له ثان، فرد صمد معبود ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ على ما ورد به قوله تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وأنه الأول قبل المحدثات، الباقي بعد فناء المخلوقات على ما أخبر به ، وقوله : ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ إلى قوله : ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، والعالم الذي لا يخفى عليه شيء، والقادر على اختراع كل مصنوع وإبداع كل جنس

стр. 9389

معقول على ما أخبر به من قوله : ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾. وأنه الحي الذي لا يموت، والدائم الذي لا يزول، وأنه إله كل مخلوق ومبدعه ومنشئه ومخترعه، وأنه لم يزل مسميا لنفسه بأسمائه الحسنى، واصفا لها بصفاته العلا قبل إيجاد خلقه، وأنه قديم بأسمائه وصفات ذاته التي منها الحياة التي فارق بها الموات والأموات، والقدرة التي بها أبدع الأجناس والذوات، والعلم الذي به أحكم جميع المصنوعات، وأحاط بالمعلومات، والإرادة التي صرف بها أصناف المخلوقات، والسمع والبصر الذي أدرك بهما جميع المسموعات والمبصرات، والكلام الذي به فارق الخرس والسكوت وذوي الآفات، والبقاء الذي به سبق المكونات ويبقى بعد فناء جميع الفانيات، كما أخبر في قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾

стр. 9390

[وقوله تعالى]: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾. وقوله تعالى: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. فنص على إثبات أسمائه وصفات ذاته، وأخبر أنه تعالى ذو الوجه الباقي بعد انقضاء الباقيات كما قال سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. [صفة اليدين] واليدان اللتان نطق بإثباتهما له القرآن في قوله : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. وقوله : ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. وأنهما ليستا بجارحتين ولا ذواتي صورة وبنية.

стр. 9391

[صفة العينين] والعينان اللتان أفصح بإثباتهما من صفاته القرآن، وتواترت بذلك أخبار الرسول ﵇. فقال : ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ و ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾. وأن عينيه ليستا بجارحتين ولا بحاسة من الحواس ولا يشبه الجوارح ولا الأجناس. [صفة الإرادة] وأنه سبحانه لم يزل مريدا وشافيا ومحبا ومبغضا وراضيا وساخطا ومواليا ومعاديا ورحيما ورحمانا، وأن جميع هذه الصفات راجعة إلى إرادته في عباده ومشيئته، لا إلى غضب يعتريه ورضى يسكن طبعا له وحنق وغيظ يلحقه وحقد يجده؛ إذا كان سبحانه متعاليا عن الميل والنفور، وأنه سبحانه لم يزل راضيا في أزليته عمن علم أنه بالإيمان يختم عمله ويوافي به ربه إذ خلقه، وأنه لم يزل غضبانا على من يعلم أنه بالكفر يختم عمله وتكون عاقبة أمره.

стр. 9392

فقد قال : ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. وقال : ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وقال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. فدل أنه يشاء ويريد. قال ابن فورك: وأن تعلم أن الله ما خلق شيئا لعلة موجبة لخلقه سوى خلقه، وأن قول المعتزلة: خلق الخلق لينفعهم كلام باطل، وأنه سائغ في حكمه أن يخلق خلقا ينفعهم كلام باطل دائما أبدا دون وقت، أو يضرهم أو يضر بعضهم دائما أو منقطعا كل ذلك منه حكمة وصواب. فصل [٢ - في الاستواء] قال القاضي ﵁: وأنه سبحانه مستو على عرشه كما قال : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ بغير مماسة ولا كيفية ولا مجاورة. وأنه تعالى في السماء إله وفي الأرض إله كما أخبر بذلك.

стр. 9393

قال أبو محمد: قال رجل لمالك: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب، وأراك صاحب بدعة، أخرجوه. وأن تعلم أن الله فوق سماواته وعلى عرشه دون أرضه، وأنه في كل مكان بعلمه، وأن له تعالى كرسيا كما قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. ولما جاءت به الأحاديث أن الله يضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء. قال مجاهد: وكانوا يقولون: ما السماوات والأرض في الكرسي إلا كحلقة في فلاة من الأرض.

стр. 9394

[فصل ٣ - في رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة] قال القاضي: وأنه تعالى يتجلى لعباده المؤمنين في المعاد فيرونه بالأبصار على ما نطق به القرآن في قوله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وأكد ذلك بقوله في الكافرين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ تخصيصا منه تعالى برؤية المؤمنين، والتفرقة بينهم وبين الكافرين، وعلى ما وردت به السنن الصحيحة في ذلك عن رسول الله ﷺ فمن ذلك:- حديث أبي هريرة: أن الناس قالوا يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال ﵇: "هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ " قالوا: لا يا رسول الله. قال: "هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ "، قالوا: لا يا رسول الله. قال: " فإنكم ترونه كذلك" ومنه حديث أبي سعيد الخدري قلنا يا رسول الله: هل نرى ربنا؟ قال: " هل تضارون في رؤية الشمس إذا كانت صحوا؟ " قلنا: لا، قال: "فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ كما لا تضارون في رؤيتها".

стр. 9395

ومنه حديث ابن شهاب عن قيس بن حازم عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : " إنكم سترون ربكم عيانا". وقال محمد بن يحيى النيسابوري: السنة عندنا، وهو قول أئمتنا مالك بن يونس، والأوزاعي، والثوري، وابن عيينة، وابن حنبل، وعليه عهدنا أهل العلم قالوا: إن الله يرى في الآخرة بالأبصار، يراه أهل الجنة دون من سواهم من بني آدم، وفي ذلك سنن كثيرة يطول ذكرها، وعليه حذاق أهل الكلام والله الموفق للصواب.

стр. 9396

فصل [٤ - في الإدراك] وأن تعلم مع كونه سميعا بصيرا أنه مدرك لجميع المدركات التي يدركها الخلق من الطعوم والروائح واللين والخشونة والحرارة والبرودة بإدراك غير مكيف. وأنه مع ذلك ليس بذي جوارح وحواس توجد بها هذه الإدراكات، فتعالى عن التصوير والجوارح والآلات. وأن تعلم أنه مع إدراك سائر الأجناس المدركات وجميع الموجودات أنه غير ملتذ، فلا ألم لإدراك شيء منها ولا شبيه لها ولا نافر عنها ولا منتفع بإدراكها ولا متضرر بها ولا يجانس شيئا منها. وأن تعلم أنه سبحانه ليس بمغاير لصفات ذاته وأنها في أنفسها غير متغايرة؛ إذ كان حقيقة الغيرين ما يجوز مفارقة أحدهما للآخر بالزمان أو المكان أو الموجود أو العدم، فإنه سبحانه يتعالى عن المفارقة لصفات ذاته عن أن توجد الواحدة منها مع عدم الأخرى. فصل [٥ - في أقسام الصفات] وأن تعلم أن صفات ذاته التي لم تزل ولا يزال موصوفا بها، وأن صفات أفعاله

стр. 9397

هي التي سبقها. قال ابن شاذان: والذي تقول به في أسماء الله أنها على ثلاثة أضرب:- منها ما يرجع إلى مجرد الذات لا إلى معنى، كقولنا: أنه موجود وذات ونفس وقديم، وهو الله . ومنها ما يرجع إلى صفات الذات كعالم وقادر وحي ومتكلم وسميع وبصير ومريد وما أشبه ذلك فهو من العلم والقدرة والحياة والكلام والإرادة، وهذه الصفات خطأ أن يقال هي هو، وخطأ أن يقال هي غيره. وصفات أفعال كرازق وخالق ومحي ومميت وما أشبه ذلك، وما كان من ذلك فهو من الخلق والرزق وحياتها وموتها وهذه غيره. وزعمت المعتزلة أن أسماء الله هي غيره, وأنها مخلوقة، وأسماؤه: الله الرحمن الرحيم، والمخلوقات تبيد، وأنه كان تعالى في الأزل بلا اسم ولا صفة، وهذا ما اجتمعت الأمة على خلافه.

стр. 9398

ويجب أن يكون النبي ﷺ دعا الناس إلى عبادة غير الله ؛ لأنه قال لهم: اعبدوا الله، والله اسم مخلوق، ويجب أن يكون قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فيسبح معنى: سبح غير ربك، وكذلك قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ معناه: تبارك غير اسم ربك إذا كان اسمه غيره، وهذا كفر صراح من قائله. قال القاضي أبو بكر: وتعتقد أن مشيئة الله سبحانه ورضاه ورحمته وكراهيته وغضبه وسخطه وولايته وعداوته هو أجمع راجع إلى إرادته، وأن الإرادة صفة لذاته غير مخلوقة لا على ما يقوله القدرية، وأنه مريد لكل حادث في سمائه وأرضه مما ينفرد سبحانه بالقدرة على إيجاده، وما يجعله منه كسبا لعباده من خير وشر، ونفع وضر وهدى وضلال وطاعة وعصيان، ولا يخرج حادث عن مشيئته، ولا يكون إلا بإرادته وقصده.

стр. 9399

قال أبو بكر بن فورك: وأن الله علم أن أقواما يسعدون بتوفيقه إذا خلقهم وكلفهم، فكان مريدا في الأزلية أن يسعدوا بذلك كما علمهم فخلقهم سعداء. وعلم أن آخرين يشقون عند خلقه بحرمانه إياهم العطا والتوفيق فأراد أن يكونوا كما علمهم فخلقهم أشقياء، وهو ما ذكره في كتابه: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾. وأنه قد أراد الخير لأهل الخير، وأن يكونوا هم الخيرين به، وأراد الشر لأهل الشر وأن يكونوا هم الشريرين به. وأنه تعالى لا يخرج عن الحكمة بإرادة شيء من أفعاله، كما لا يخرج عنها بعلمه بها، بل يجب أن يكون كلما جرى في ملكه قصورا على علمه وحكمته وقضائه.

стр. 9400

فصل [٦] في الكلام وأن تعلم أن كلام الله صفة لذاته لم يزل ولا يزال موصوفا به، وأنه قائم به ومختص بذاته، وأنه لا يصح وجوده لغيره، وإن كان محفوظا في القلوب ومتلوا بالألسن ومكتوبا في المصاحف، ومعزوا في المحاريب على الحقيقة لا المجاز، وغير حال في شيء من ذلك، فإنه لو حل في غيره لكان ذلك الغير متكلما به وآمرا وناهيا ومخبرا وقائلا إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني، وذلك خلاف دين المسلمين. وأن كلامه سبحانه لا يجوز أن يكون جسما ولا جوهرا ولا عرضا، وأنه لو كان كذلك لكان من جنس كلام البشر ومحدثا كهو فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا أن يتكلم بمثل كلام المخلوقين. وتعلم أن كلامه مسموع بالآذان وإن كان مخالفا لسائر اللغات وجميع الأصوات، وأنه ليس من جنس المسموعات، كما أنه مرئي في القيامة بالأبصار وإن كان مخالفا لأجناس المرئيات، وكما أنه موجود مخالف لسائر الحوادث الموجودات.

стр. 9401

وأن سامع كلامه سبحانه منه بغير واسطة ولا ترجمان كجبريل وموسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم سمعوه من ذاته غير متلو ولا مقروء، ومن عداهم ممن لم يتول الله خطابه بنفسه، إنما سمع كلاما متلوا مقروءا. وكذلك قال الله : ﴿كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. وقال تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾. وإن قراءتنا للقرآن كسب لنا نثاب عليها ونلام ونذم على تركها إذا وجبت علينا في الصلوات، وأنه لا يجوز أن يحكى كلام الله ولا أن نلفظ به لأن حكاية الشيء مثله أو مقاربة، وكلام الله لا مثل له من كلام البشر، ولا يجوز أن يلفظ به ويتكلم الخلق به؛ لأن ذلك يوجب كون كلام الله للمتكلمين قائم بذاتين قديم ومحدث؛ وذلك فاسد بالإجماع والمعقول. وأن كلامه غير منتقض ولا متغاير. قال ابن شاذان: الدليل على أن القرآن غير مخلوق:-

стр. 9402

قوله : ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ففصل بين الخلق والأمر، فلو كان أمره مخلوقا لكان كأنه قال: ألا له الخلق والخلق، وهذا تكرار من الكلام ولا فائدة فيه، فعلمنا أن أمره غير مخلوق. وآخر قوله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ والسماء والأرض لا تقوم بمخلوق، فعلمنا أن أمره غير مخلوق. وجواب آخر: قوله : ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ وما لا نفاذ له فغير مخلوق. وقد روي أن النبي ﷺ قال: "أعوذ بكلمات الله التامات"، والنبي ﵇ لا يستعيذ بمخلوق، وإنما يستعيذ بالله وصفاته. وروي عنه أنه ﷺ قال: "القرآن كلام الله ليس بمخلوق".

стр. 9403

وروي عنه أنه قال: "فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه" فلما كان الله غير مخلوق وهو مخلوقين كان كلامه غير مخلوق، وكلامهم مخلوق. وقال علي بن أبي طالب ﵁ في قصة الحكمين: ما حكمت مخلوقا إنما حكمت القرآن. ودليل عقلي: أنه لو كان القرآن مخلوقا لكان لا يخلوا:- أن يكون الباري خلقه في نفسه، أو قائما بنفسه، أو قائما بغيره. فيستحيل أن يحدث بنفسه؛ لأنه تعالى ليس بمحل للحوادث. ويستحيل أن يحدثه قائما بنفسه؛ لأنه صفة، والصفة لا تقوم بنفسها. ويستحيل أن يحدثه في غيره؛ لأنه لو خلقه في غيره لوجب أن يكون كلاما لذلك الغير. فلما فسد جميع ذلك صح أنه غير مخلوق. آخر: أن الباري سبحانه لا يخلوا:- أن يكون لم يزل متكلما، أو غير متكلم؟ فإن كان لم يزل متكلما ثبت أن كلامه غير مخلوق. وإن كان لم يزل غير متكلما ثبت أن كلامه غير مخلوق. وإن كان لم يزل غير متكلم وجب أن يوصف بضد الكلام كالسكوت والآفات الدالة على حدث من جازت عليه، وقد أثبتنا قدمه تعالى.

стр. 9404

-وأيضا- فلو لم يزل غير متكلم لكان عاجزا عن الكلام، والعاجز لا يكون إلها. فثبت أنه لم يزل متكلما، وأن كلامه قديم كهو. وفيما ذكرنا من ذلك كفاية مقنعة. فصل [٧ - في مسائل شتى من الاعتقادات] قال القاضي أبو بكر بن الطيب: وأن تعلم أن صفة الشيء ما قامت بالشيء الموصوف، وأن الوصف: هو قول الواصف الدال على الصفة، بخلاف ما تذهب إليه القدرية. وأنه مقدر لأرزاق جميع الخلق ومؤقت لآجالهم، وخالق لأفعالهم، وقادر على مقدوراتهم، وأنه رب لها لا خالق لها غيره، ولا رازق سواه. كما أخبر تعالى في قوله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾. وقال : ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾. وأن بيده الخير والشر, والنفع والضر, وأنه مقدر جميع الأفعال لا يكون حادثا إلا

стр. 9405

بأمره وإرادته، ولا يخرج مخلوق عن مشيئته، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه فعال لما يريد، وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ولا هادي لمن أضله، ولا مضل لمن هداه. كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾. وكل ينتهي إلى سابق علمه، ولا محيص لأحد عنه. وأنه موفق لأهل محبته وولايته لطاعته، وخاذل لأهل معصيته، عدل ذلك من تدبيره وحكمته. وأنه عادل على خلقه بجميع ما يبتليهم به ويقضيه عليهم من خير وشر، ونفع وضر، وغنى وفقر، ولذة وألم، وصحة وسقم، وهداية وضلالة، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وأن على العباد حفظة يكتبون أعمالهم كما قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، ولا يسقط شيء من ذلك عن علم الله ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.

стр. 9406

وأن ملك الموت يقبض الأرواح كلها بإذن الله كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾. وأن الخلق ميتون بآجالهم، وأنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، كما بدأهم يعودون حفاة عراة غرلا. وأن الأجساد التي أطاعت أو عصت هي التي تبعث يوم القيامة لتجازى، والجلود التي كانت في الدنيا والألسنة والأيدي والأرجل هي التي تشهد عليهم يوم القيامة على من يشهد عليه منهم. وأنه سبحانه يعيد العباد، ويحي الأموات، وأنه يجيء يوم القيامة لفصل القضاء، ويجيء بالملائكة صفا صفا. ويمد الصراط، وتوزن صحائف الأعمال كما قال : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وأنهم أهل يمين وشمال، يؤتون كتبهم بأيديهم، فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك هم المفلحون، ومن أوتي كتابه وراء ظهره فأولئك هم الخاسرون.

стр. 9407

وأنه سبحانه قد خلق الجنة والنار وأعدهما لأهل الثواب والعقاب، وقد أخبر بذلك في كتابه في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. وقال تعالى: ﴿﴾. وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾. وذكر الصراط في غير موضع من كتابه، وورد بثبوته صحيح الروايات، وما يلحق الناس عليه من الأهوال، ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾. فيجوزه العباد بقدر أعمالهم مناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم، وقوم أوبقتهم فيها أعمالهم فيطرحون في غير الحياة فينبتون كما تنبت الحبة. وأن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء لمجتنبي الكفر، وهو الذي أراد بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾.

стр. 9408

وأنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وأنه يغفر لمن يشاء من المذنبين من أمة نبيه محمد ﷺ مع المقام على ظلمهم كما قال : ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾. وأنه يشفع نبيه محمد ﷺ وأهل بيته وأصحابه ومن يشاء من صالح عباده في عصاة أهل ملته ويخرج بشفاعة رسوله ﷺ قوما من النار بعد أن صاروا جمعا وامتحشوا فيها. وأنه لا يديم عذابه إلا على الكافرين، ولا يخلد في ناره إلا الجاحدين المكذبين، كما قال تعالى: ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾. وأنه تعالى يجازي بالحسنة عشر أمثالها، وبالسيئة مثلها، ويعفو عن كثير، ولا يضيع عمل عامل من المؤمنين، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾.

стр. 9409

﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾. ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾. وأن ورود حوض النبي ﷺ لحق، لا يظمأ من شرب منه من المؤمنين، ويمنع منه من انحرف عن الدين وخالف الطريق المستقيم. وأن المؤمنين والكافرين يحيون في قبورهم، وأنهم يفتنون ويسألون، ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن أرواح المؤمنين منعمة إلى يوم الدين، وأرواح الكافرين في سجين في العذاب الأليم إلى يوم الدين. وأن الله سبحانه قد احتج على عباده برسله، وكشف قناعهم، وقطع عذر العباد في الدلالة على صدقهم بما آتاهم به من الآيات وظاهر المعجزات، وتابع الرسل وأنزل عليهم الكتب، وشرع الشرائع وفرض الفرائض، وختم النبوة برسالة محمد ﵇، وقال ﷺ : "لا نبي بعدي"، فجعله آخر

стр. 9410

المرسلين، وفضله على العالمين، وجعل دينه وكتابه مقدما على جميع الكتب والأديان. ـ[فصل ٨ - في فضل الصحابة ومراتبهم والكف عنهم] وأن خير القرون قرنه الذي بعث فيه، وأفضل أمته الذين شاهدوه فصدقوه ونصروه، وأخذوا عنه وبلغوا الخطاب عنه، ثم الذين يلونهم، كما قال ﷺ : "خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". وقال في أصحابه ﵃: "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه". وأفضل أصحابه ﵃ أهل عصره المهاجرون معه الذابون عنه، ثم الأنصار، ثم التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين ﵃ أجمعين. وأن أفضل المهاجرين ﵃ العشرة المعدودون في الجنة. وأن أفضل العشرة ﵃ الأئمة الأربعة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم أجمعين.

стр. 9411

وقيل: ثم عثمان وعلي، ويكف عن التفضيل بينهما، وروي ذلك عن مالك، وقال: ما أدركت أحدا أقتدي به يفضل أحدهما على صاحبه، ويرى الكف عنهما. وروي عنه القول الأول وعن سفيان وغيره، وهو قول أهل الحديث. ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر من المهاجرين، ثم من الأنصار، ومن جميع أصحابه على قدر الهجرة والمسابقة والفضيلة. وكل من صحبه ولو ساعة ولو رآه مرة فهو بذلك أفضل من أفضل التابعين ﵃ أجمعين. والكف عن ذكر أصحاب رسول الله ﷺ إلا بخير ما يذكرون به، وأنهم أحق أن تنشر محاسنهم، ويلتمس لهم أفضل المخارج، ويظن بهم أحسن المذاهب، وقال رسول الله ﷺ : "لا تؤذوني في أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه". فصل [٩ - في الإمامة] وأن الإمامة في قريش محصورة عليهم دون سواهم من جميع العرب والعجم. وأن إقامة الإمام مع القدرة عليه والإمكان منه فرض على الأمة لا يسع تركه ولا التخلف عنه، وأنه موكول إلى أهل الحل والعقد دون النص من الرسول ﷺ ، وأنه

стр. 9412

من فروض الكفاية، وإذا قام به البعض سقط عن الباقين، وأنه واجب طاعة الأئمة وإعظامهم وتوقيرهم، وطاعة خلفائهم والنائبين عنهم، وترك المسابقة لهم، وذلك متفق في عليه العادل المستقيم منهم. وأما العادل عن ذلك منهم بظلم وتعطيل حد فإنه بجب وعظه وترك طاعته فيما هو عاص فيه ومعونته على ذلك، ويلزم إذكاره بالله ودعاؤه إلى طاعته ومراجعته وإقامة العدل والقسط. قال أبو محمد: وكل ولي المسلمين عن رضى أو عن غلبة فاشدت شوكته [و] وطأته من بر وفاجر فلا يخرج عليه جار أو عدل، ويغزى معه العدو، ويحج البيت، وتدفع الصدقات إليهم وهي مجزية إذا طلبوها، وتصلي خلفهم الجماعة والعيدين. قال غير واحد من العلماء، وقاله مالك: لا تصلي خلف المبتدع منهم إلا أن تخافه فصل وراءه، واختلف في الإعادة. ولا بأس بقتال من دافعك من الخوارج واللصوص من المسلمين وأهل الذمة عن نفسك ومالك.

стр. 9413

قال الرسول ﵇: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . وقال ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليهم بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار". وحذر ﷺ من الفتن والأهواء والبدع، ومن زلة العالم. فصل [١٠ - في التزام السنن وتأويل السلف] ويلزم تسليم السنن وأن لا تعارض برأي ولا ترفع بقياس، وما تأوله منها السلف الصالح تأولناه، وما عملوا به عملناه، وما تركوه تركناه، ويسعنا أن نمسك عما أمسكوا، ونتبعهم فيما بينوا، ونقتدي بهم فيما استنبطوه ورأوه في الحوادث، ولا نخرج عن جماعتهم فيما اختلفوا فيه وفي تأويله.

стр. 9414

وكل ما قدمنا ذكره هو قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث على ما بيناه، وكله قول مالك ﵁، فمنه منصوص من قوله ومنه معلوم من مذهبه. قال مالك: قال عمر من عبد العزيز ﵁: سن رسول الله ﷺ سنة الأخذ بها تصديق لكتاب الله ، واستكمال لطاعته سبحانه، وقرة على دين الله ، ليس لأحد تبديلها ولا تغيرها، ولا النظر فيما خالفها، من اهتدى بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا. قال مالك: أعجبني عزم عمى في ذلك. قال مالك: والعمل أثبت من الأحاديث، قال من اقتدى به: وإنه لضعيف أن يقال: حدثني فلان عن فلان، وكان رجال من التابعين يبلغهم الحديث عن غيرهم فيقولون: ما نجهل هذا ولكن مضى العمل على خلافه. وكان أبو بكر محمد بن أبي بكر بن حزم ربما قال له إخوة: لم لم تقض

стр. 9415

بحديث كذا! فيقول: لم أجد الناس عليه. قال النخعي: لو رأيت الصحابة ﵃ يتوضؤن إلى الكوعين لتوضأت. كذلك، وأنا أقرؤها إلى المرفقين؛ وذلك لأنهم لا يتهمون في ترك السنن، وهم أرباب العلم وأحرص خلق الله على اتباع رسوله ﷺ ، ولا يظن ذلك بهم أحد إلا ذو ريبة في دينه. قال عبد الرحمن بن مهدي: السنة المتقدمة من سنة أهل المدينة خير من الحديث. وقال ابن عيينة: الحديث مضلة إلا للفقهاء. يريد: أن غيرهم قد يجهل شيئا على ظاهره وله تأويل من حديث غيره، أو دليل يخفى عليه، أو متروك أوجب تركه غير شيء مما لا يقوم به إلا من استبحر وتفقه. قال ابن وهب: كل صاحب حديث ليس له إمام في الفقه فهو ضال، ولولا أن الله أنقذنا بمالك والليث لضللنا. وروي أن النبي ﷺ قال: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون

стр. 9416

عنه تحريف الضالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين". وقال ابن مسعود: من كان مستنا فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا أفضل هذه الأمة وأنورها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. قال عمر ﵁: قد سننت لكم السنن وفرضت لكم الفرائض وتركتكم على الواضحة إلا أن تميلوا بالناس يمينا وشمالا. قال مالك: وإنما فسدت الأشياء حين تعدى لها منازلها، وليس هذا الجدل من الدين بشيء. وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: من جعل دينه عرضا للخصومات أكثر الشغل، والدين قد فرغ منه، وليس بأمر يتوقف فيه النظر. قال عمر بن عبد العزيز: لست بمبتدع ولكني متبع.

стр. 9417

قال مالك: وكان يقال: لا تمكن زائغ القلب من أذنيك؛ لأنك لا تدري ما يبلغك من ذلك. ولقد سمع رجل من أهل المدينة شيئا من بعض أهل القدر، فعلق بقلبه، فكان يأتي إخوانه الذين ينصحهم فإذا نهوه قال: فكيف بما علق بقلبي، ولو علمت أن لله رضى ألقي نفسي من فوق هذه المنارة فعلت. قال مالك: ولقد قال رجل: دخلت هذه الأديان كلها فلم أر شيئا مستقيما، فقال له رجل من أهل المدينة من المتكلمين: أنا أخبرك لم ذلك؛ لأنك لم تتق الله ، ولو اتقيته لجعل لك مخرجا. قال مالك: ولقد قال رجل: دخلت هذه الأديان كلها فلم أر شيئا مستقيما، فقال له رجل من أهل المدينة من المتكلمين: أنا أخبرك لم ذلك؛ لأنك لم تتق الله ، ولو اتقيته لجعل لك مخرجا.

стр. 9418

ومن قول أهل السنة: أن لا يعذر من أداه اجتهاده إلى بدعة؛ لأن الخوارج اجتهدوا في التأويل فلم يعذروا إذ خرجوا بتأويلهم عن الصحابة فسماهم النبي ﷺ : مارقين في الدين، وجعل المجتهد في الأحكام مأجورا وإن أخطأ. قال مالك: والقدرية أشر الناس، ورأيتهم أهل طيش وسخافة عقول، ونزع بآي كثيرة عليهم منها:- قول الله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾. ومنها: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾. وقال : ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾. فصل [١١ - في ثبوت بعض الأحاديث] قيل لمالك: فمن يحدث بالأحاديث: أنه الله خلق آدم على صورته، وأن الله يكشف عن ساقه يوم القيامة، وأنه يدخل يده في جهنم فيخرج منها من

стр. 9419

أراد، وأن ابن عجلان يحدث بذلك! فأنكر ذلك إنكارا شديدا، وقال: لم يكن ابن عجلان من الفقهاء. ولم ينكر حديث التنزيل ولا حديث الضحك، وأنكر حديث أن العرش اهتز لموت سعد. [فصل ١٢ - في جملة اعتقاد المكلفين] قال القاضي وغيره: ويجب أن يعتقد المكلف، ويقول إن أمكنه القول: إنني رضيت بالله وبمحمد ﷺ نبيا، وبالقرآن إماما، وبالسنة والأثر حجة وبيانا، وبالكعبة قبلة، وبالمسلمين إخوانا، وبالسلف الصالح والتابعين لهم بإحسان والذين جاؤا من بعدهم والمتمسكين بهديهم أئمة للدين أعلاما، وإنني دائن بكل ما أوجبه الله على خلقه من الإقرار بالشهادتين، وتصديق جميع ما أتت به الرسل والكتب،

стр. 9420

وجميع فرائض الله في الدين، وما ندب الله إليه ورغب في فعله، وإباحة جميع ما أحله وأطلقه لعباده، وتحريم جميع ما حرمه من سفك الدماء والسرقة والزنا واستحلال الأموال، وترك الواجبات، ونكاح ذوات المحارم من النسب والرضاع والصهر والمحصنات إلى غير ذلك من جميع المحرمات. واعتقاد هذه الجملة التي ذكرنا والتصديق بها وبما جاء من خبر الإسراء بالنبي ﷺ إلى السماوات على ما صحت به الروايات، وأنه رأى من آيات ربه الكبرى، وبما ثبت من خروج الدجال، ونزول عيسى ﵇ وقتله إياه، وبالآيات التي بين يدي الساعة من طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وغير ذلك مما صحت به الروايات.
следующие страницы →