← Фикх малики

Фикх малики · id 18607

الجامع لمسائل المدونة

ابن يونس الصقلي

Полный текст (9 651 стр.). Показаны 9451–9490 · переход к 9456.

стр. 9451

وأقرب الناس إليهم أيضا من أهل العلم محمد بن المنكدر، وصفوان بن سليم، وأبو حازم وأشباههم من أهل بلد رسول الله ﷺ ، وبنى اللبن على لحده ربيعة، وهؤلاء كلهم يناوله اللبن. قال مالك: فلما كان الثالث من اليوم الذي مات فيه رآه في النوم رجل من خيار بلدنا، في أحسن صورة وهو غلام أمرد عليه بياض، معتم بعمامة خضراء، وتحته فرس أشهب، نازل من السماء، فكأنه يأتيه قاصدا إليه ويسلم عليه، ويقول له: هذا ما بلغني إليه العلم، فيقول له الرجل: وما الذي بلغك إليه

стр. 9452

العلم، فيقول: أعطاني الله بكل باب تعلمته من العلم درجة في الجنة فلم أتبلغ في الدرجات إلى درجة أهل العلم. فقال الله : زيدوا ورثة أنبيائي فقد حتمت على نفسي أنه من مات وهو عالم بسنتي وسنة أنبيائي أو طالب لذلك أن أجمعهم في درجة واحدة، فأعطاني ربي حتى بلغت إلى درجة أهل العلم، فليس بيني وبين رسول الله ﷺ إلا درجتين: درجة هو فيها جالس وحوله النبيون كلهم، ودرجة ثانية فيها أصحابه وجميع أصحاب النبيين كلهم الذين اتبعوهم بإحسان، ونحن من بعدهم فيها جميع أهل العلم وطلبتهم، فآنسوني حتى استوسطهم، فقالوا لي: مرحبا مرحبا. سوى مالي عند الله من المزيد، فقال له الرجل: ومالك عند الله من المزيد، قال: وعدني ربي أن يحشرني مع النبيين كما رأيتهم في زمرة واحدة، فأنا معهم إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة قال الله : يا معشر العلماء، هذه جنتي قد أبحتها لكم، وهذا رضواني قد رضيت عنكم، فلا تدخلوا الجنة

стр. 9453

حتى تتمنوا وتشفعوا، فأعطيكم ما شئتم وأشفعكم فيمن استشفعتم له لأري عبادي كرامتكم علي ومنزلتكم عندي، فتمنوا وتشفعوا فأعطيكم، فتمنوا تعطوا، واشفعوا تشفعوا. فلما أصبح الرجل حدث بذلك الحديث أهل العلم ببلدنا، وانتشر خبره بالمدينة. قال مالك: وكان بالمدينة أقوام بدأوا معنا في طلب هذا الأمر ثم كفوا عنه، فلما سمعوا هذا الحديث الذي حدثتك به فلقد رجعوا إليه وأخذوا بالجد، وهم اليوم من علماء بلدنا. قال يجيى بن يحيى: وأول حديث حدثني به الليث بن سعد ي أول يوم أتيته طالبا لما ألهمه الله إليه وجعله أهله، فقد كان شبيها بمالك غي علمه وحلمه وعقله، وحسن السيرة في نفسه أن قال لي: ما اسمك، فقلت له: يجيى -متعني الله بك- فقال لي ي يحيى: الله جد في هذا الأمر، وسأحدثك إن شاء الله بحديث تزداد به بصيرة.

стр. 9454

قال: وذلك أنا كنا عند ابن شهاب ونحن طالبون لهذا الأمر، فقال لنا يوما: يا معشر الطلبة أراكم تزهدون في هذا الأمر، وبالله الذي لا إله إلا هو لو أن بابا من العلم جعل في كفة ميزان وجعلت جميع أعمال البر في كفة أخرى لرجح الباب الذي من العلم بجميع أعمال البر؛ لأن الله يقول في كتابه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ والمتقون هاهنا هم أهل العلم. ومن عمل بمشورة أهل العلم فقد رشد، ومن عمل بغير علم وبغير مشورة أهل العلم فقد خسر خسرانا مبينا فالله الله جدوا في هذا الأمر. وروي أن النبي ﷺ قال: "ما جميع أعمال البر في الجهاد إلا كبصقة في بحر، وما جميع أعمال البر والجهاد في طلب العلم إلا كبصفة في بحر". قال أبو بكر محمد بن عبد الله بن يونس ﵀: وفضائل العلم كثيرة، وأخباره طويلة، وقد ذكرنا منه ما فيه كفاية هاهنا، وفي أول كتاب الوضوء فأغنى ذلك عن إعادته.

стр. 9455

ومنه ما روي عن يحيى بن عمرو ويحيى بن مسكين يرفعان ذلك إلى معاذ بن جبل قالا: قال معاذ: تعلموا العلم فإن تعليمه لله خشية، وطلبه عبادة، وذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، والفكرة فيه تعدل بالصيام، ومدارسته تعدل بالقيام، وتعليمه لمن لا يعلم صدقة، وبذله لأهله قربة؛ لأنه معالم الحلال والحرام ومنار سبيل أهل الجنة، والأنس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والتزين عند الأخلاق، والقريب عند البعداء، يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة هداة يهتدى بهم، وأئمة في الخير يقتدى بهم ويقتص آثارهم، وتزين أعمالهم، ويقتدى بفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، حتى كل رطب ويابس لهم مستغفر، حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، والسماء ونجومها؛ لأن العلم حياة القلوب من العمى، ونور الأبصار من الظلم، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ العبد منازل الأبرار، ومجالسة

стр. 9456

الملوك، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، به يطاع الله ، وبه يعلم، وبه يعبد الله تعالى، وبه يحمد، وبه يتورع، وبه يوحد، وبه توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام، امام العلم والعمل تابعه، يلهمه الله السعداء ويحرمه الأشقياء. فصل [٥ - في أرباب العلم] منه قال النبي ﷺ : "لا ينتزع العلم انتزاعا من الناس، ولكن يقبضه الله بقبض العلماء، فإذا ذهب العلماء اتخذ الناس رؤسا جهالا سألوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا". قال مالك: سئل كعب الأحبار: من أرباب العلم الذين هم أهله؟ قال: الذين يعملون بعلمهم، قال: صدقت، قال فما ينفيه من صدورهم بعد أن علموه؟ قال: الطمع، قال: صدقت. قال مالك: لم يكن إمام بالمدينة قط أخبر بحديثين مختلفين.

стр. 9457

قال أشهب: يعني لا يحدث بما ليس عليه العمل. [فصل ٦ - في التقديم والتأخير والزيادة في الحديث] وسئل مالك: هل يقدم في الحديث ويؤخر، والمعنى واحد؟ قال: أما ما كان من قول رسول الله ﷺ فإني أكره ذلك، وأن يزاد أو ينقص فيه، وما كان من قول غيره فلا أرى به بأسا إذا اتفق المعنى. وقيل لمالك ﵁ -أيضا-: أرأيت حديث النبي ﷺ يزاد فيه الواو والألف والمعنى واحد، قال: أرجو أن يكون ذلك خفيفا. م: إذ قد يكون ذلك نقص من الكاتب. [فصل ٧ - هدي العلماء في أخذهم العلم والفتيا به] وقيل لمالك: أيؤخذ ممن لا يحفظ الأحاديث وهو ثقة؟ قال: فإما أن

стр. 9458

يكتب يقول: إني كنت سمعتها، قال: لا يؤخذ منه؛ لأني أخاف أن يزاد في كتبه بالليل. وقال معن بن عيسى: سمعت مالكا يقول: لا يؤخذ العلم من أربعة، ويؤخذ ممن سواهم، لا يؤخذ من مبتدع يدعو إلى بدعته، ولا من سفيه معلن لسفهه ولا ممن يكذب في حديث الناس وإن كان يصدق في حديث النبي ﷺ ، ولا عمن لا يعرف هذا الشأن. قيل لمالك: أرأيت من أخذ بحديث به ثقة عن أحد من الصحابة، أتراه في سعة، قال: لا والله حتى يصيب الحق، وما الحق إلا واحد، قولان مختلفان لا يكونان جميعا صوابا. وذكر عن ابن المسيب مثله.

стр. 9459

قال مالك: لا يسلم رجل يحدث بكل ما سمع، ولا يكون إماما أبدا. ثم قال مالك: يلبسون الحق بالباطل. قال مالك: الذي غلب عليه أمر الناس هو المنهج وقد يكون الشيء حسنا وغيره أحسن منه وأقوى منه. قال مالك: إذا أصيب الجواب قل الكلام، وإذا كثر الكلام من صاحبه فيه الخطأ، فنهى عن الصياح في العلم كثرة واللغظ فيه. قال: وكان ابن هرمز قليل الكلام قليل الفتوى، وكان ممن أحب أن أقتدي به، وكان بصيرا بالكلام، وكان يرد على أهل الأهواء، وكان أعلم الناس بما اختلف الناس فيه من ذلك. قال محمد بن عجلان: ما هبت أحدا قط هيبتي زيد بن أسلم. وكان زيد يقول إذا سأله من لا يحسن: اذهب تعلم كيف تسأل ثم تعال. ويقال: إذا جلست إلى عالم فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول.

стр. 9460

قال مالك: وربما مر بي زياد مولى ابن عباس: فيضع يده بين كتفي ويقول: عليك بالجد في هذا الأمر فإن كان ما يقول أصحابك من الرخص حقا لم يضرك، وإن كان الأمر على غير ذلك كنت قد أخذت بالجد. قال مالك: إذا رأيت هذه الأمور التي فيها الشكوك فخذ في ذلك بالذي هو أوثق. قال مالك: كان سليمان بن يسار أعلم هذه البلدة بعد سعيد بن المسيب، وكان إذا كثر الكلام واللغظ والمراء في المسجد أخذ نعليه وقام. وكان مالك يكره العجلة في الفتوى، وربما ردد السائل، وكثيرا يقول: لا أدري. وقال: جنة العالم: لا أدري، فإذا أخطأ أصيبت مقاتله. قال مالك: من إذلالة العالم أن يجب كل من سأله. وقال ابن عباس: من أجاب الناس في كل ما سألوه عنه فهو مجنون.

стр. 9461

م: وفضائل العلم وآدابه كثيرة، وقد ذكرنا هاهنا وفي كتاب الطهارة ما فيه كفاية لمن يفهم وعمل، والله نسأله التوفيق.

стр. 9462

[الباب الحادي عشر] باب في الفتن وفساد الزمان وذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [فصل ١ - في الفتن وفساد الزمان] قال مالك: قال النبي ﷺ لعبد الله بن عمر: "كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس قد برحت عهودهم وأماناتهم واختلفوا وكانوا هكذا وشبك بين أصابعه، قال: كيف بي يا رسول الله، قال: "عليك بما تعرف، وإياك وما تنكر، وعليك بخاصة نفسك، وإياك وعوامهم". قال مالك: لا أرى عمر دعا على نفسه بالشهادة إلا أنه خاف التحول من الفتن، وقد كان يحب البقاء في الدنيا. وقال النبي ﷺ : "يأتي على الناس زمان يمسي المرء مؤمنا ويصبح كافرا، ويصبح مؤمنا ويمسي كافرا"، قيل يا رسول الله: فأين العقول ذلك الزمان، قال: "تنزع

стр. 9463

عقول أكثر أهل الزمان". وقرأ أبو هريرة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾، فقال: والذي نفسي بيده لقد دخلوا فيه أفواجا كثيرا، وسيخرجون منه أفواجا كثيرا. قال يحيى بن سعيد: لما كان زمان الفتنة اعتزل محمد بن مسلمة وغيره، فنزل محمد الربذة فأتاه أناس من أهل العراق يحرضونه فأراهم سيفه قد كسره، وقال: قال النبي ﷺ : "إذا رأيت من الأمور ما تكره فاكسر سيفك على حجر من الحرة والزم بيتك وأغمض عينيك وأمسك لسانك". قال مالك: قتل يوم الحرة سبعمائة رجل ممن حمل القرآن.

стр. 9464

قال ابن القاسم: أشك أن فيهم أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ . قال مالك: كان يقال: من لقي الله ولم يشرك في دم مسلم لقي الله خفيف الظهر. قال مالك: لما حكم علي ﵁ الحكمين خرجت تلك الخارجة فقالوا: لا حكم إلا لله، فقال علي ﵁: كلمة حق أريد بها باطل. وهي أول خارجة خرجت فتعدوا وكفروا الناس. فصل [٢ - في الصبر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند السلف] قال مالك: ضرب محمد بن المنكدر وأصحاب له في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وضرب ربيعة وحلق رأسه ولحيته في شيء غير هذا، وضرب

стр. 9465

ابن المسيب وأدخل في تبان من الشعر. وقال عمر بن عبد العزيز: ما أغبط رجلا لم يصبه في هذا الأمر أذى. قال مالك: دخل أبو بكر بن عبد الرحمن وعكرمة بن عبد الرحمن على المسيب في السجن، وقد ضرب ضربا شديدا، فقالا له: اتق الله فإنا نخاف على دمك، فقال: أخرجا عني، أتراني ألعب بديني كما لعبتما بدينكما. وقال ابن مسعود: تكلموا بالحق تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله. قال مالك: وينبغي للناس أن يأمروا بطاعة الله فإن عصوا كانوا شهودا على من عصى. قيل: أيأمر الرجل الوالي بالمعروف وينهاه عن المنكر، قال: إن رجا أن يطيعه فليفعل. قال: ويأمر والديه بالمعروف وينهاهما عن منكر ويخفض لهما جناح الذل من الرحمة.

стр. 9466

قال مالك: مر على عمر بن الخطاب ﵁ حمار عليه لبن، فطرح عمر عنه منه استكثره واستثقله ورآه يثقله. وقال سعيد بن جبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف ولا نهي عن منكر. قال مالك: ومن هذا الذي ليس فيه شيء. [فصل ٣ - في العفو عن المظلمة] قال مالك: وكان القاسم بن محمد يحلل من ظلمه يكره لنفسه الخصومة. وكان ابن المسيب: لا يحلل أحدا. قيل لمالك: أرأيت الرجل يموت ولي عليه دين لا وفاء له به، فقال: الأفضل عندي أن يحلله، وأما الرجل يظلم الرجل أو يغتابه وينقصه فلا أرى ذلك.

стр. 9467

ومن دعائه ﷺ عند النوم: يضع يده اليمنى تحت خده الأيمن واليسرى على فخذه الأيسر ثم يقول: "اللهم باسمك وضعت جنبي وباسمك أرفعه، اللهم إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك، اللهم إني أسلمت نفسي إليك وألجأت ظهري إليك وفوضت أمري إليك ووجهت وجهي إليك رهبة منك ورغبة إليك، لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك، أستغفرك وأتوب إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فاغفر لي ما قدمت وأخرت وأسررت وأعلنت" ثم يقول: "اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك" يردها. ومن دعائه ﷺ إذا خرج من بيته: "اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي". وروي عنه ﷺ أنه كان يقول في الركوع: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة"، وفي السجود: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك".

стр. 9468

ومما روي عنه ﷺ أنه كان يستحب دبر كل صلاة أن يسبح ثلاثا وثلاثين، ويكبر ثلاثا وثلاثين، ويحمد ثلاثا وثلاثين، ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". قال مالك: من دعائه ﷺ : "اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وإذا أردت بالناس الفتنة فاقبضني إليك غير مفتون". والتعوذ الذي علم جبريل للنبي ﵇ إذ رأى عفريتا يطلبه بشعلة من نار حين أسري به: "أعوذ بوجه الله العظيم وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر اينزل من السماء إلى الأرض، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن فتن الليل

стр. 9469

والنهار، ومن طوارق الليل والنهار إلا طارق بخير يا رحمن". وقال ﷺ : "من نزل منزلا فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه لن يضره شيء حتى يرتحل منه إن شاء الله".

стр. 9470

[الباب الثالث عشر] باب في الصمت والعزلة والتواضع والقصد والحياء وحسن الخلق والزهد والعبادة ومواعظ وحكم [فصل ١ - في فضل السكوت] قال مالك: قال النبي ﷺ : "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالا فتهوي به في نار جهنم". وقال ﷺ : "من وقي شر اثنين ولج الجنة، ما بين لحييه وما بين رجليه". وقال: "أكثر الناس حظا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل". وقال: "المؤمن ملجم لا يتكلم بكل ما يريد". وقال ﷺ : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

стр. 9471

وقال عيسى بن مريم صلى الله على نبينا وعليه وعلى جميع النبيين والمرسلين: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسوا قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون. وقال مالك: من لم يعد كلامه من عمله كثر كلامه. ويقال: إن من علم أن كلامه من عمله قل كلامه. وقال مالك: ولم يكونوا يهذرون الكلام هكذا، ومن الناس من يتكلم بكلام شهر في ساعة. فصل [٢ - في حسن الخلق] وقال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم". وقال رسول الله ﷺ : "إني لأمزح ولا أقول إلا حقا".

стр. 9472

وقال ﷺ : "لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء". وقال: "الحياء من الإيمان". وقال عليه والسلام للذي سأله أن يوصيه ولا يكثر عليه: "لا تغضب". وقال سفيان: صافي من شئت ثم أغضبه فليرمينك بداهية تمنعك من العيش. وقال: ما تجرع أحد أفضل من جرعة غضب. قال مالك: والفظاظة مكروهة؛ لقول الله : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. وقال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. فصل [٣ - في الزهد والقصد] قال مالك: قال سعد بن عبادة: صل صلاة امرء مودع يظن أنه لا يعود،

стр. 9473

وأظهر اليأس مما في أيدي الناس؛ فإنه الغنى، وإياك والطمع طلب الحاجات فإنه الفقر الحاضر، وقد علمت لا بد لك من قول فإياك وما يعتذر منه. قال مالك: ويقال: إن البلاء موكل بالمنطق، ومن أكثر الكلام ومراجعة الناس ذهب بهاؤه. قال مالك: ولم يكن في زمن سالم بن عبد الله أشبه منه بمن مضى في الزهد والقصد، كان يلبس الثوب بدرهمين، ويشتري الشملة يحملها، ويخرج إلى السوق في حوائج نفسه. وكان القاسم يلبس الخز والثياب الحسان. وكان ابن المسيب يسرد الصيام. قيل لمالك: فما روي فيه، قال: كان النبي ﷺ يفعل أشياء توسعة على الناس، وقد سرد قوم من الصحابة الصيام. وقال النبي ﷺ : "من كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه أمره، ولم يأته منها إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة همه جعل الله غناه في

стр. 9474

نفسه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة". وقال الصديق ﵁: الدنيا ملعونة ملعون ما كان فيها إلا ما كان من ذكر الله أو أدى إلى ذكر الله . وقال بعض الصالحين: الزهد: ترك الحرام وقصد الحلال، [وترك] المنزلة عند الناس، ولم يعجب سحنون قوله، وقال: ترك الحرام فريضة. وقال ابن شهاب: الزهد من لم يغلب الحرام صبره، ويشغل الحلال شكره. وقيل له: من الغافل؟ قال: من غلب الحرام صبره، والحلال شكره. قال سحنون: وزهد الغني بالترك، والفقير بالنية، وترك الدنيا زهد أفضل من طلبها وإلقائها في البر. وقال النبي ﷺ : "رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره".

стр. 9475

[فصل ٤ - في التواضع] وقال ﷺ لعبد الله بن عمر: "اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك". [قال] "وكن في الدنيا كأنك غريب أو كعابر سبيل". وقال: "وما من آدمي إلا وفي أسه حكمة بيد ملك، فإذا رفع رأسه ضربه بها وقال: انخفض خفضك الله، وإذا تواضع رفعه بها وقال: ارتفع رفعك الله". وقال ﷺ : "أيها الناس استحيوا من الله حق الحياء" قالوا: أولسنا نستحي يا رسول الله من الله، قال: "من استحيى من الله فليبت وأجله بين عينيه، وليحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وليذكر القبر والبلى، ومن أحب الآخرة فليترك زينة الحياة الدنيا".

стр. 9476

[الباب الرابع عشر] باب في التجمل والعجل والرياء والكبر والكذب والغيبة وسوء الظن [فصل ١ - في التجمل] قال مالك: قال رجل يا رسول الله: إني أحب أن يكون ثوبي نظيفا، وشرك نعلي خصيفا، أفذلك من الكبر؟ قال: "لا، إنما الكبر من سفه الحق وغمص الناس". [فصل ٢ - في العجب] وقال رسول الله ﷺ : "إذا سمعت الرجل يقول: هلك الناس فهو أهلكهم". قال مالك: وأما الذي يقول ذلك على وجه التحزن فليس من ذلك. يريد: إنما لمكروه من قال ذلك طعنا وتنغصا. قال مالك: وقد أدركت الناس وهم يقولون: ذهب الناس.

стр. 9477

قال ودخل رجل على عمر بن عبد العزيز فقال له: من سيد قومك؟ فقال له: أنا، فقال: لو كنت سيدهم ما قلته. وقال عمر ﵁: إن المدح هو الذبح. فصل [٣ - في الرياء] وقال النبي ﷺ : "يقول الله : من عمل عملا فأشرك فيه غيري فهو له وأنا منه بريء وأنا أغنى الشركاء عن الشرك". وقال مالك: رأى سعد بن أبي وقاص رجلا بين عينيه أثر السجود، فقال له: مذ كم أسلمت؟ فذكر له الرجل أمره، فكأنه تقربه، فقال له سعد: أسلمت أنا منذ كذا وكذا وما بين عيني شيء. وذكر مالك القصد وفضله، وقال: وإياك من القصد ما تحب أن ترفع به، وتعجب به الناس.

стр. 9478

قيل لمالك: فالمصلي يصلي لله ثم يقع في نفسه أنه يحب أن يعلم به الناس، ويحب أن يلقى في طريق المسجد، قال: إن كان أول ذلك لله فلا بأس به، وربما كان ذلك من الشيطان فيمنعه من ذلك. وإن المرء يحب أن يكون صالحا، وقد قال عمر لابنه حين سألهم النبي ﷺ عن شجرة لا تسقط ورقها شتاء ولا صيفا، وضربها مثلا للمؤمن، قال: قلت في نفسي هي النخلة ولم أتكلم بذلك، فقال عمر ﵁: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا، وهذا يكون في القلب لا يملك. قال الله : ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾. وقال ابن عمر ﵁: اللهم اجعلني من أئمة المتقين. وقال بعض العلماء: إن تعمل عملا تحب أن يعرفك به الناس ويثنون به عليك، فإن قبل قلبك هذا فهو رياء. ويقال: من خاف الرياء سلم.

стр. 9479

ويقال: من البر ألا نترك البر مخافة الرياء، ومن العجب أن ترى لنفسك الفضل على الناس وتمقتهم ولا تمقت نفسك. قال مالك: وإخفاء النوافل كلها، الصلاة وغيرها أحسن. فصل [٤ - في الكذب] قال ابن مسعود: ما من خصلة في امرئ شر من الكذب. قيل لمالك: هل يؤدب الرجل أهله وولده على الأيمان بالكذب؟ قال: نعم. وقال عمر بن الخطاب ﵁ لا تنظروا إلى صوم امرئ ولا إلى صلاته، ولكن انظروا من إذا حدث صدق، وإذا اؤتمن أدى، وإذا أشفى ورع. فصل [٥ - في النفاق] قال مالك: وكان الخير لا يعرف في عمر ولا في ابنه عبد الله حتى يقولا أو يعملا. قال ابن القاسم: أدركت الناس وما يعجبون بالقول. قال مالك: إنما ينظر إلى العمل.

стр. 9480

وروي أن النبي ﷺ قال: "المكر والخديعة والخيانة في النار". وقال ﷺ : "إن من شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه". وقال ﵇: "من اتقاه الناس لشره". فصل [٦ - في الغيبة] وروي أن النبي ﷺ قال: "الغيبة أن تذكر من المرء ما يكره أن يسمع"، قيل يا رسول الله: وإن كان حقا؟ قال: "إذا قلت باطلا فذلك البهتان". وفي بعض الحديث: أن من خلع جلباب الحياء فلا غيبة فيه، فقيل: هو المعلن بالفسق، والله أعلم. وقيل: لا غيبة في أمير جائر، ولا ذي بدعة يدعو إلى بدعته، ولا فيمن يشاور فيه لنكاح أو شهادة أو نحوه.

стр. 9481

وقد قال النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس حين شاورته فيمن خطبها، فقال: "إن معاوية صعلوك لا مال له". وكذلك رأيت الأئمة لمن يقبل قوله من أهل الفضل أن تبيين أمر من يخاف أن يتخذ إماما، فيذكر ما فيه من كذب أو غيره مما يوجب ترك الرواية عنه. وكان سعيد بن شعبة يقول: اجلس بنا نغتاب في الله . [فصل ٧ - في سوء الظن] وقال عمر بن الخطاب ﵁: لا يحل لامرئ مسلم يسمع من أخيه كلمة يظن بها شرا وهو يجد لها من الخير مصدرا. قال: وقد خلا ابن عمر بجارية، فرآه رجال، فآتى بها إليهم فقال: هي

стр. 9482

جاريتي، فقالوا: يغفر الله لك أيتهمك أحد، فقال: لا، ولكني أحببت أن تعلموا ذلك. وقال القاسم: إني لأدع حاجة في موضع أخاف أن يظن بي سوء فيها.

стр. 9483

[الباب الخامس عشر] باب في الورع والكسب وطلب الرزق وإصلاح المال والصدقة والتعفف عن المسألة وقبول الهدية والمسافر هل يأكل الثمار أو يشتري من العبيد؟ وأموال العبيد وأموال العمال وما يحل للمضطر أكله [فصل ١ - في الورع والكسب وطلب الرزق] قالت عائشة ﵂: قلت يا رسول الله: من المؤمن؟ قال: "من إذا أمسى سأل من أين قرصه، وإذا أصبح سأل من أين قرصه" قالت: ولو علم الناس أنهم كلفوا ذلك لتكلفوه، فقال ﷺ : "قد علموا ذلك ولكنهم غشموا المعيشة غشما، يقول: تعسفوا تعسفا". ونظر عمر ﵁ إلى المصلين فقال: لا يغرني كثرة رفع أحدكم رأسه وخفضه الدين: الورع في دين الله والكف عن محارم الله تعالى،

стр. 9484

والعمل بحلال الله سبحانه وحرامه . وروي عنه ﷺ أنه قال: "من أمسى وانيا من طلب الحلال بات مغفورا له". فصل [٢ - في إصلاح المال] قال عمر بن الخطاب ﵁: من كانت له أرض فليعمرها، ومن كان له مال فليصلحه؛ فإنه يوشك أن يأتي زمان من لا يعطي إلا من أحب. وقال عمر ﵁: لأن أموت بين شعبتي رجلي أبتغي من فضل الله أحب إلي من أن أموت على فراشي. قال مالك: كان ابن عمر وسالم يخرجان إلى السوق فيجلسان فيه. وكان ابن المسيب يجلس عند أصحاب العباء.

стр. 9485

فصل [٣ - في الصدقة والتعفف عن المسألة] قال النبي ﷺ : "اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول". وقال ﵇: "من يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خير وأوسع من الصبر". وقال عمر بن الخطاب ﵁ يا رسول الله: أليس قد أخبرتنا أن خيرا لأحدنا ألا يأخذ من أحد شيئا؟ فقال النبي ﷺ : "إنما ذلك عن المسألة، وأما ما كان عن غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله ". وقال ﵇: "لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب خير له من أن يأتي رجلا أعطاه الله من فضله، فيسأله أعطاه أو منعه". فقال ﷺ : " لا تحل الصدقة لآل محمد". قال ابن القاسم: ذلك في الزكاة المفروضة. وقال صلى عليه وسلم: "لا تحقرن إحداكن لجارتها ولو كراعا محرقا".

стр. 9486

ويقال: الصدقة على الأقارب يضاعف أجرها مرتين. قال مالك: الصدقة على الأقارب أفضل من عتق الرقاب. فصل [٤ - في الهدية] قال النبي ﷺ : "تهادوا بينكم، فإن الهدية تذهب الشحناء". وقال ابن عمر: لقد كنا ما أحدنا أولى بدينار من أخيه المسلم، ثم ذهب ذلك، فكانت المواساة، ثم ذهبت المواساة فكان السلف. قيل لمالك: فالرجل له الفضل يخرج إلى السوق فيقارب في ذلك لمكان فضله، قال: لا بأس بذلك. وسئل ﵁: عن معنى الحديث في إضاعة المال، فقال: منعه من حقه ووضعه في غير حقه، قال الله : ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾.

стр. 9487

فصل [٥ - في المسافر هل يأكل الثمار؟] قيل لمالك: الثمار تجد ثم يخلى عنها وفيها الشيء؟ قال: إن علم أن أنفسهم طيبة بأخذه فليأخذه. قال أشهب: ولا يدعى في الإقراط إلا ما علم أن صاحبه أذن فيه، قيل: إنه يراه، قال: ما أحبه إلا بإذنه، ولعله يستحي منه أو يخافه. وقال النبي ﷺ : "لا يحلب أحدكم ماشية أخيه إلا بإذنه وهو يحلب بكرة ويرجع عشية، والثمر لا يرجع إلا إلى عام قابل". قيل: فحائط لا الجدار عليه أيأكل منه ابن السبيل؟ قال: لا. قيل: فما سقط في الأرض؟ فكرهه، وقال: المربد بالأرض. قيل: أيأكل من جنان أبيه وأمه وأخيه؟ قال: لا، إلا أن يأذن. قيل فإن أطعمني خازن الجنان، أو باعني؟

стр. 9488

قال: إن علم أنهم قد أذنوا له، أو أعلمك أصحاب الحوائط أنهم رأوه يبيع ويمنح ويكون كالقيم في الغنم، فلا بأس أن يشتري، فأما العبد الذي يستخفي فلا خير فيه. قيل: فتأتيه الأمة ببعض المناهل بلبن أو ثمر أيشتري ذلك؟ قال: لا بأس به إن لم يرتب أمرا، وهذه أشياء يبيعها العبد ونحوه. فصل [٦ - فيما يحل للمضطر أكله] قال مسروق: ومن اضطر إلى الميتة فلم يأكل حتى مات دخل النار. قال ربيعة وابن شهاب ومالك: لا تحل الخمر للمضطر، وأما الميتة فليأكل وليشبع ويتزود حتى يجد عنها غنى عن الذي يتزود حتى يجد عنها غنى عن الذي تزود فيطرحه. قال القاسم: لو كانت الدنيا كلها حراما لما كان بد من العيش فيها. قال مالك: وكان ابن هرمز إذا قدمت غنم الصدقة لم يأكل اللحم. قال مالك: وأكره طعام عاصر الخمر، وكان يكبر. فقيل: الهدية من سوداء تبيع المزر بمصر؟ قال: لأني كنت أراها تغزل. قال الليث: إن لم يكن له مال سوى الخمر فليكف عنه.

стр. 9489

وقال: وأكره طعام العمال من جهة الورع من غير تحريم. وقال الليث: ليس شيء بعد الدماء أشد من أخذ أموال الناس بغير حق. فصل [٧ - حكم التعامل مع من يتعامل بالحرام] قال مالك: ومن قول أهل المدينة: أن من بيده مالا حراما فاشترى به دارا أو ثوبا من غير أن يكره على البيع أحدا، فلا بأس أن تشتري أنت تلك الدار أو الثوب من ذلك الذي اشتراه بالمال الحرام. قال ابن عبدوس: وذلك إذا كان البائع منه قد عرف عيب الثمن. ويذكر عن محمد بن سحنون: أنه أجاز ذلك، وإن لم يعرف البائع [عيب] الثمن. قال ابن عبدوس: فإما إن وهبك المشتري تلك الدار أو الثوب، فلا يجوز لك أخذ ذلك على الهبة؛ لأن من أحاط الدين بماله لا تجوز هبته ولا صدقته. وقال مالك: فيمن بيده مالك حلال وحرام فإن كان الحرام يسيرا في كثرة حلاه فلا بأس بمعاملته، وإن كان الحرام كثيرا فلا ينبغي معاملته.

стр. 9490

ولا تعامل من يعمل بالربا من المسلمين، وكره أن تصرف من نصراني دينارا أخذه من خمر أو ربا، ولا بأس بأخذه منه في الدين. وغير مالك يرى أن ذلك أخف من النصراني؛ لأنه لو أسلم حل له ما في يديه. م: ولأنه يرى أن ذلك حلال له في دينه، والمسلم يرى ذلك حراما، فالنصراني أخف.
следующие страницы →