Полный текст (1 505 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
أو لفوائد كثيرة أو كان عامًا أو خاصًا بعد أن يكون ثابتًا ناسخًا.
٢٦٣ - ولا يثبت نسخ القرآن إلا بقرآن مثله أو بسنة مجمع عليها غير مختلف فيها ولا ينسخ بخبر واحد ولا قياس.
٢٦٤ - واختلف في جواز تخصيص القرآن بخبر الواحد والقياس فمن أصحابنا من منع من ذلك ومنهم من أجازه في حال دون حال واختلف في تفصيل تلك الحال فمنهم من قال إذا دخله تخصيص جاز تخصيصه، ومنهم من منع ذلك.
٢٦٥ - وكذلك خلافهم في السنة.
غير أن المعلوم منها ينسخ بالمعلوم، والمظنون بالمظنون، وينسخ المظنون بالمعلوم كأخبار الآحاد تنسخ بالتواتر، ولا ينسخ المتواتر بخبر الواحد.
٢٦٦ - وما ثبت بالإجماع فيقدم على القياس.
стр. 107
ويخص بالإجماع وخبر الواحد وبالعمل من الأمة، ولا فرق بين عمل العامة والعلماء.
٢٦٧ - وإذا أجمع التابعون على حكم فهو مثل إجماع الصحابة ﵃ عندنا.
٢٦٨ - وإذا اختلف الفقهاء في مسألة عمل بأصوب الأقاويل عنده في رأيه إن كان له رأي.
٢٦٩ - وإن اعتدلت عنده الأقوال شاور في ذلك أهل العلم وكتب إليهم، ولا يعجل.
٢٧٠ - وإن تساوت الأدلة والحجج عنده فمن أصحابنا من قال يقف الحكم حتى يظهر له وجه مرجح، ومنهم من قال هو بالخيار في ذلك يعمل بأيها شاء.
٢٧١ - وإن شاور فقيهًا واحدًا ورأى ما قال صوابًا جاز له العمل به، وإن كان رأيه بخلاف رأي من شاوره لم يقض به وإن كان أعلم منه وافقه.
٢٧٢ - ولا يقضي بشيء يراه عنده خفيًا وإن قال به بعض العلماء.
٢٧٣ - وفي هذا الباب علم كثير ومسائل صعبة وإذ قد ذكرنا هذه الأحوال والصفات فلنذكر بعد ذلك قبض ديوان الحكم وتسلمه.
باب قبض ديوان الحكم
وهذا باب نذكر فيه قبض ديوان الحكم وتسلمه وكيفية العمل في ذلك.
٢٧٤ - أعلم أن ديوان الحكم به قوام المعاملات وبه تحفظ الشهادات والوقوف
стр. 108
والمداينات وبه يتذكر الحاكم ما حكم به من العقود وشهادة من شهد عنده من الشهود، وأوقات القضايا وتواريخ أزمان السجلات والمحاضر، وفيه تعديل الشهود ومن عدلهم، وفيه ذكر الجرح لمن شهد وبيان ما ردت به شهادة المجروح فهو أمين القاضي الذي لا يخون وخليفته الذي لا يشين فلا ينبغي له أن يتوانى في حفظه، ولا يقصر عن مراعاته وضبطه، وهو الذي يجب أن يبدأ بالنظر فيه ويتسلمه من الموكل به، وإن كان له حافظًا وعليه قائمًا.
٢٧٥ - والقاضي الأول إما أن يكون ميتًا أو معزولاً، فالقاضي الثاني يجب عليه حفظ الديوان وتسلمه ممن هو تحت يده.
٢٧٦ - فإن أحب أن يحضر بنفسه والثقات فيتسلم ذلك ويثبت ذلك في نسخ وتكون واحدة في ديوان الحكم، والثانية حجة في يد من تسلم ذلك منه والثالثة تكون في يد النفر الذين حضروا معه، وإن اختار أن يقبضه بغيره فينبغي له أن يوكل رجلاً ثقة، ويشهد على وكيله بقبض الديوان من الحاكم المعروف أو من وكيله الذي كان الديوان تحت يده.
٢٧٧ - وإن شاء أرسل كاتبه وأرسل معه من ثقاة البلد من المقبول قولهم أو من الثقاة غيرهم فيأمره بتسلم الديوان من الحاكم أو ممن دفعه إليه، يفرد هو لذلك موضعًا ليكون تحت يده وقبضته أو تحت يد كاتبه.
٢٧٨ - ويكتب لما يقبض جميعه كتابًا كتابًا وسجلاً سجلاً.
٢٧٩ - ويختم ذلك كله بعد أن يثبت عنده أن ذلك محكوم به ويثبته على أمينه أو كاتبه.
٢٨٠ - وإذ قد ذكرنا الكاتب فينبغي أن نذكر الصفة التي يكون عليها.
стр. 109
باب كاتب القاضي
وهذا باب ذكر كاتب القاضي وما ينبغي أن يكون عليه من الصفات.
٢٨١ - اعلم أن النبي ﷺ كان له كُتَّاب منهم علي بن أبي طالب ﵇ وزيد بن ثابت ومعاوية بن أبي سفيان ﵃.
٢٨٢ - وكان لأبي بكر الصديق ﵇ ورضوان الله زيد بن ثابت وعثمان بن عفان ﵃ يكتبان.
٢٨٣ - وكان كاتب عمر رضوان الله وسلامه عليه عبد الله بن أرقم وزيد بن ثابت ﵃.
٢٨٤ - وكاتب عثمان مروان.
٢٨٥ - وكاتب علي بن أبي طالب ﵇ عبد الله بن أبي رافع ﵃ أجمعين.
٢٨٦ - وهو فعل أئمة المعدلة وولاة الجور.
٢٨٧ - وإذا استكتب القاضي رجلاً فقد أقامه مقامًا يجب عليه أن يختاره، وأن يستفرغ الوسع والمجهود في ذلك فيكون معروفًا بالسداد في مذاهبه والاستقامة في طرائقه، ويكون عدلاً في دينه.
٢٨٨ - قال الخصاف:
ويتخذ كاتبًا ورعًا مسلمًا عارفًا بالفقه وقاله غيره من أصحابنا كالطحاوي وابن الحسن وغيرهما وألفاظهم متقاربة.
٢٨٩ - فقال الطحاوي في «مختصره» في الفقه: وينبغي أن يتخذ كاتبًا من أهل الصلاح والعفاف، ولا ينبغي أن يتخذ كاتبًا ذميًا ولا عبدًا ولا مكاتبًا ولا محدودًا في قذف ولا ممن لا تجوز شهادته.
٢٩٠ - وقال غيره:
ينبغي أن يكون مع هذه الشرائط مستقلا بما يتقلده، ومؤثرًا البر بين من
стр. 110
يصحبه ويكون أمينًا فقيهًا، يجري على هذا فيتوخى الصدق فيما يحضره ويغيب عن مشاهده، صادقًا فإن القاضي قد أمنه من أمر الحكم على من لا يؤمن على مثله إلا أمين، وفوض إليه (من) حجج الخصوم والمرفوعين إليه ما لا يفوضه إلا إلى ذوي العفاف والدين.
٢٩١ - وكذلك ينبغي أن يكون كاتب الإمام والسلطان لأنهما أعظم رتبة وأوفى منزلة والسيف في يد السلطان والشرع في يد الإمام.
سيرة نظام الملك وإصلاحاته
٢٩٢ - وقد شاهدنا في عصرنا هذا من الصاحب الأجل نظام الملك قوام الدين العالم العادل المظفر المنصور مولى النعم أبي علي الحسن بن علي بن إسحق رضي أمير المؤمنين أعز الله نصره الصدر المأمون على الدين والمسلمين وأهل الذمة والمعاهدين، الذين تكملت فيه صفات الإمامة واشتهرت بسيرته السير، العفيف نفسه الكريم طبعه الحافظ سره الرؤف في نظره المنزه عن دنس الكتاب والوزراء المحافظ على تلاوة القرآن وسماع الآثار والصوم في الهواجر والقفار، الباني المدارس في كل خطة وديار، لا يشتغل بسماع وتر ولا صوت فتنة ولا نظر في لهو ولا لعب بنرد ولا شطرنج ولا ينادم على خمر، ولا يستحسن قبيحًا ولا يقبح حسنًا فجزاه الله أحسن الجزاء عن الخلق وعن سلطانه الذي فعله يناسب خلقه وأصله يسد فرعه، الذي أسقط في وقته جميع المواخير التي من بغداد إلى جيحون، في سائر أعماله، ولا يعرف له حبس ولا قيد، ولا قتل ولا فساد طريق ولا نظر إلى حرمة السلطان المعظم جلال الدولة وجمال الملة ركن الإسلام والمسلمين معز الدنيا والدين أبي الفتح ملك شاه عضد الدولة الب ارسلان محمد بن داود بن مكائيل يمين أمير المؤمنين ﵀.
ثم يرجع بنا القول إلى ما كنا فيه.
стр. 111
تصفح عمل الكاتب
٢٩٣ - وينبغي للقاضي مع ذلك أن يتفقد أمر كاتبه ويتصفح عمله، ويشرف على ما تحت يده حتى يؤدي ذلك إلى حفظ أحكامه وضبطه فيؤمن من وقوع خلل فيما يكتبه ويحكيه ويدونه ويمضيه من الأحكام التي تبقى على الدهر ولا ينقضها ممر عصر ويكون مع ذلك حسن الخلق لا يقبل هدية ولا يتبسط في حاجة، يتجنب ما يتجنبه القاضي، ولا يأنس بكل أحد فإن ذلك يضع من قدره فيضع من قدر صاحبه.
٢٩٤ - وإذا أمره القاضي بشيء فيه غلط أو خطأ فينبغي للكاتب أن يقول نعم، ثم يعود فيوافقه على سبيل التعلم من القاضي لا على سبيل الرد عليه فإن الأول يقربه منه والثاني يبعده.
٢٩٥ - وينبغي للكاتب أن يتحرز من خطأ يقع عليه حتى لا يراه صاحبه بذلك فإن خطأه راجع على صاحبه، وعيبه لا حق به.
٢٩٦ - وينبغي أن يكون مجلسه من القاضي عن يمينه أو عن شماله، ومجلس الشهود لقراءة الكتب والشهادات عن يمينه وعن يساره، وإن كثروا فجلس بعضهم عن اليمين وعن اليسار فجائز.
ما كان عليه العمل في مجلس قاضي القضاة
٢٩٧ - وقد حكينا ما رأيت عليه شيخنا قاضي القضاة ﵀ في مجلسه، وكانوا في المجلس عن يمينه وشماله وبين يديه، وكان كاتبه إذا قرأ السجل بحضرته يكون الأصل في يد آخر من الشهود ينظر فيه وآخر ينظر فيه النسخة الأخرى.
٢٩٨ - وكان الشهود إذا شهدوا قال لهما:
- هكذا شهدتما؟
فإذا قالا: نعم عَلمَّ عليه.
٢٩٩ - وكان في بعض الأحوال إذا قربت السجلات من بين يديه يقول للمدعي:
-
стр. 112
هكذا ادعيت؟
إذ ربما أعاد الوكيل الدعوي.
٣٠٠ - ثم يسأل المدين وهو المدعي عليه:
- هل لك حجة تدفع بها ما ثبت عليك؟
فإذا قال: لا حجة لي تدفع ما ثبت ولا شيئًا منه، اشهد حينئذٍ الشهود عليه.
٣٠١ - وسنذكر من ذلك طرفًا عند الدعاوي، وكيف تكون الشهادة إن شاء الله.
٣٠٢ - وينبغي أن يقول القاضي للمدعي:
- هكذا ادعيت؟
فإذا قال نعم، يقول للمدعي عليه:
- أنت فلان بن فلان.
فإذا قال نعم، قال.
- وهكذا أقررت أو أنكرت أو لك حجة تدفع ما قال؟
فإذا قال لا، قال للشهود.
- اشهدوا.
٣٠٣ - وكان لفظ شيخنا قاضي القضاة ﵀.
- أنا اشهد الجماعة على حكمي وإنفاذي لهذه النسخ على حسب ما كتب إلي فيها من حكمي وإنفاذي.
٣٠٤ - وكان يعلم في رأس السجلات ولا يعلم في أسفلها.
٣٠٥ - وكان يعلم في الكتب المشهود بها في أعلاها وتحت شهادة من شهد بها، وكان في السجل يجتزى بالعلامة في رأسه، ويؤرخ اليوم المحكوم فيه بيده في خلال السجل.
٣٠٦ - وينبغي للكاتب أن رأى في الكتاب خللاً أن ينهي ذلك إلى القاضي
стр. 113
حتى يغير هو أن سها القاضي، ولم يكن عنده علم من ذلك الأمر، ويذكر المقاضي على سبيل أن يتعلمه من القاضي لا على سبيل الموافقة عليه فإن ذلك يقربه من صاحبه والثاني بعده.
٣٠٧ - ولا ينبغي للكاتب أن يفشي لصاحبه سراً ولا يتحدث عنه بكذب ولا يغتاب عنده أحداً ولا يعارضه في أمره، ولا يعترض عليه، ولا يقطع أمراً دونه.
٣٠٨ - وينبغي له أن يدرس المحاضر والسجلات وكتب الوقوف والوصية وكتب الأشرية والبياعات والمعاملات وما هو عون له على صنعته وما ندب إليه من كتابته، لأنه إذا لم يعرف ذلك لم يحسن أن يضع الأمور في مواضعها.
كتاب كنز العلماء والمتعلمين
٣٠٩ - وقد صنفنا في الشروط كتابًا سميناه كنز العلماء والمتكلمين في علم الشروط على نمط يخالف في الترتيب سائر كتب من تقدم، وهو مما لا يستغني عنه عالم ولا متعلم، وفيه من الفقه والتعليل لكل شرط، وذكرت خلاف الناس فيه، وخدمت به أيضًا الصاحب مولانا نظام الملك خلد الله ملكه وحليته باسمه ولأجله، فينبغي لمن حصل هذا الكتاب إليه أن لا يطلب الأجر فهو مجلد مقتصد لا كبير ولا صغير ففيه ما يعين على هذا الكتاب، كما أن في هذا الكتاب ما يعين على ذاك.
رفع قدر الكاتب
٣١٠ - وينبغي للقاضي أن يرفع من قدر كاتبه ويعظمه ويذكره بأحسن ما فيه حتى يعرف له تقديمه عنده وتعظيمه إياه.
الشروط الواجبة في كاتب القاضي في نظر الشافعية
٣١١ - فأما أصحاب الشافعي فقالوا: إن احتاج القاضي إلى كاتب فمن شرطه أن يكون عارفًا بما يكتب به القضاة من الأحكام وبما يكتبه من المحاضر والسجلات، لأنه إذا لم يعرف ذلك أفسد ما يكتبه بجهله.
٣١٢ - وهل من شرطه أن يكون مسلمًا عدلاً؟
стр. 114
فيه وجهان:
احدهما أن ذلك شرط، ولا يجوز أن يكون كافرًا كما قلنا نحن في ذلك لأن أبا موسى الأشعري قدم على عمر ومعه كاتب نصراني فانتهزه عمر ﵁ وقال له:
باينوهم فقد خذلهم الله، ولا تدنوهم فقد أبعدهم الله ولا تعزوهم فقد أذلهم الله.
ولأن الكافر عدو للمسلمين فلا يؤمن أن يكتب ما يبطل - حقوقهم.
٣١٣ - ولا يجوز أن يكون فاسقًا لأنه لا يؤمن أن يجور.
٣١٤ - والوجه الآخر لهم أن ذلك مستحب لأن ما يكتبه لا بد أن يقف عليه القاضي ثم يمضيه فتؤمن به الخيانة، وما فعله عمر ﵁ يدل على إبطال هذا الوجه لأنه لم ينكر عليه من السلف والخلف ذلك.
٣١٥ - والوجهان حكاهما الشيرازي ﵀ في المهذب في المذهب، وأظنه لما رأى ما عليه النصارى واليهود من كتاب دار الخلافة وما يذللون به المسلمين ويمتهونهم في المعاملات وأرباب الدواوين والجهابذة على الأموال خرج هذا الوجه، وخرجه غيره من الأصحاب لهم.
٣١٦ - وإذ قد ذكرنا صفة الكاتب والكاتب يحتاج إلى سفير بينه وبين القاضي يتردد في الأمور والأحوال، وليس ذلك إلا الحاجب.
باب الحاجب
وهذا باب يذكر فيه الحاجب، وما ينبغي أن يكون عليه من الصفات.
٣١٧ - اعلم أن المرجع في هذا الباب في جواز اتخاذ الحاجب للقاضي والأمير إنما هو الشرع، وقد كان هذا أيضًا في الجاهلية، وكان بنو شيبة حجبة
стр. 115
البيت الحرام، وقد حجب النبي ﷺ أنس، وكان لأبي بكر الصديق ﵁ حاجب هو سديف مولاه، وكان لعثمان بن عفان حمران، ولعلي ابن أبي طالب ﵇ منبر مولاه.
٣١٨ - وقد قال النبي ﷺ :
«عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي فعضوا عليها بالنواجذ».
٣١٩ - وقد فعل ذلك أئمة العدل وولاة الجور، وهو فعل الناس في كل زمان، ومع كل إمام وسلطان.
٣٢٠ - وقال أصحابنا:
ينبغي أن يختار (من) الحجبة من لا يتجهم الخصوم ولا يختص بعضهم دون بعض بالوصول وتكون له معرفة بأوقات ما يجوز أن يستأذن فيها بالحضور لمن يقصد القاضي. ويعرف من جاء خصمًا أو زائرًا أو سائلاً له أو طالبًا لرفده أو مستفتيًا له في الحكم والشرع.
стр. 116
٣٢١ - ويوعز القاضي إليه في بسط الوجه ولين الكنف وحسن اللفظ ورفع المؤونة، وكف الأذية والسرعة في أمره، بإدخال كل إنسان مع خصمه إذا أذن بدخوله من غير تأخير لا حد منهما عن صاحبه بأوجز بيان، ويسهل لهما السبيل.
٣٢٢ - وإذا كان الداخل رجلاً له قدر (و) لا خصومه (له) مع أحد، وإنما أتى لزيارة القاضي فينبغي للحاجب أن يتقدم بين يديه ويستقبله قبل دخوله على القاضي، ويدخل بين يديه ينبه الجماعة على موضعه ومكانه.
٣٢٣ - وينبغي أن يكون دخول الحاجب على القاضي قبل جميع الناس ليعرف من حضر على الباب من الناس ثم يأذن لمن يريد الدخول عليه والحديث معه فقد روى أنه كان لإياس بن معاوية موضع يجلس فيه وينظر الخصوم ويسمع كلامهم قبل الدخول عليه.
٣٢٤ - وسنحكى في آخر الكتاب (شيئًا) من ملح قضاياه إن شاء الله.
٣٢٥ - وحكي شيخنا قاضي القضاة أن أبا خازم القاضي كان يقضى في الجانب الغربي ببغداد وأن أبا عمرو القاضي كان يقضي في (الجانب) الشرقي فحصل في حبسهما رجل عليه دين، وكان له قريب يخدم علي بن عيسى الوزير، فسأله لعله يمشي في الرجل المحبوس، فأنفذ علي بحاجب له إلى أبي خازم وأبى عمر يسألهما في الرجل فمنعه حاجب أبي خازم، وكان إذا جلس إلى قبل الزوال ونهض (و) غلق الباب لا يستأذن عليه لأحد من الخلق، فحضر الحاجب فسأل البواب أن يستأذن فقال له:
- ما جرت العادة بذلك.
стр. 117
فقال:
- أنا صاحب الوزير، وقد أتيت في حاجة فقال:
- ما جرت العادة فإن كان لك شغل ترجع وقت العصر حتى تصل إليه.
فقعد الحاجب في مسجد قرب داره، وكان يومًا صائفًا شديد الحرير، فقاسى كل أذى من الصبر، فلما كان وقت العصر خرج البواب ورش الباب، ودخل المسجد فقال للحاجب:
قد جلس القاضي.
فقام الحاجب ودخل علي أبي خازم وعرفه ما فعل البواب من الجفاء وسوء العشرة اعتقادًا منه أنه يتقدم بهوانه، فقال له:
- كذا جرت العادة، وما أذن له بعد قيامي أن يستأذن لأحد فاغتاظ الحاجب، وبلغ الرسالة بأحسن لفظ، فقال له ابن خازم:
ليس هذا الرجل في حبسي فأخرجه، وإنما هو في حبس صاحب الدين فسلوه أو أعطوه حقه حتى يخرج.
فقام الحاجب أشد غضبًا مما كان فقصد أبا عمر فساعة رأوه أصحابه بادر إليه حاجب أبى عمر وسائر الأعوان فاستقبلوه وأكرموه ودخلوا بين يديه، فقام له أبو عمر وعظمه وأكرمه، وادي الحاجب الرسالة، فقال له أبو عمر.
- ذاك المولى والعضد والسمع والطاعة، لننظر بما حبس عليه من دفتر المحبس، فلما وقف علي ذلك قال لأمينه.
- لك هذا المال عن الرجل وفك حبسنا عنه، واعتذر إليه.
فقام الحاجب مسرورًا بما لقي، وحدث الوزير بما جرى وأحسن فيما بلغ عن أبى عمر، وقبح ما قال له أبو خازم وما فعل معه بغاية ما قدر عليه، فقال علي بن عيسى:
- أي الرجلين أعظم.
فقال الحاجب:
- أبو عمر.
стр. 118
فقال له الوزير.
- أبو عمر عقل كله (وأبو خازم) دين كله، وصدق أبو خازم فيما قال لك، وهذا كان الواجب أن يفعل في المحبوس.
٣٢٦ - وقال الشافعي:
نكره له أن يتخذ حاجبًا لأنه ربما منع من له ظلامة، وإذا كان كما وصفناه أمن ذلك.
وقد قال لا يكره للإمام أن يتخذ الحاجب فالقاضي ينبغي أن يكون مثله.
٣٢٧ - وإذ قد ذكرنا صفة الحاجب، وهو يتقدم في الدخول على الوكلاء، وجب ذكر صفة الوكلاء.
باب الوكلاء
وهذا باب نذكر فيه وكلاء القاضي وما يجب عليهم.
٣٢٨ - قال أصحابنا:
- وينبغي للقاضي أن يتخذ من الوكلاء الشيوخ والكهول من أهل الستر والعدل والعفاف، ومن يكون مأمونًا على الخصومة، وعلى دقيق ما يجري فيها، ولا يخضع فيمن يتوكل له "كذا" ولا يتوقف عن حجة إذا لاحت له على خصمه فإنه قد أقامه مقام نفسه.
٣٢٩ - ولا ينبغي أن يغش موكله ولا يستعجل جعلا على حجة من خصمه، ولا يواطيء عليه في الباطن، فمتى فعل ذلك فقد باء بإثمه وتحمل وزره والله حسبه.
٣٣٠ - ويقيم الحجة للصغير الذي يتكلم عنه كما يقيمها للكبير.
٣٣١ - وينبغي أن يكون مأمونًا على الحرم، فإنه ربما يتوكل للنساء فينبغي أن يكون ممن لا يتهم بريبة في كلام النساء.
٣٣٢ - ولا يتوكل فيما يعلم أنه باطل، فقد روى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال:
стр. 119
«من خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى يفرغ».
وروى أيضاً عن النبي صلى الله عليه أنه قال:
«من أعان على خصومه بظلم فقد باء بغضب من الله».
٣٣٣ - وإنما اعتبرنا هذه الشرائط لأن أبا حنيفة يجيز إقرار الوكيل على موكله في مجلس الحكم.
٣٣٤ - وسنذكر في كتاب الوكالة ما يجوز من ذلك، وما لا يجوز، ونذكر الخلاف في ذلك.
نقد وكلاء قاضي القضاة
٣٣٥ - وقد شاهدنا وكلاء شيخنا قاضى القضاة رحمة الله، وهم بالضد من هذه الصفات التي ذكرها أصحابنا، وكان فيهم إنسان يتباهي بالشر في الخصام، ويقول:
- إنما ينبغي أن يتبين الوكيل بما يبصره، وأنني أكره أن أحكى صفات كل واحد منهم وما فعله في حال حياته وانبساطهم عليه والتلاحي في الأحكام عليه بالكتاب والمحتسبين؟ وكان فيهم من يؤثر الوكالة وفيهم من لا يؤثر ذلك وتركها مع القدرة عليها لما رأى أحوال الناس والخليط.
٣٣٦ - وإذ قد ذكرنا الوكلاء فلنذكر أعوان الوكلاء وأتباعهم.
باب أعوان القاضي وأتباعهم
وهذا باب أعوان القاضي وأتباعه والمحضرين.
٣٣٧ - قال أصحابنا:
ينبغي أن يتفقد من على بابه من أصحابه وأعوانه والمحضرين، ومن يجري مجراهم، ويمنعهم من المآكل الردية ويقوم منهم من يحب تقويمه، ويبعد منهم من كان معروفاً بالفساد والخيانة ويباعده عن بابه لأن عيبهم راجع عليه وفعلهم عار عليه.
стр. 120
٣٣٨ - وإذا اطلع منهم على الفساد والخيانة ولم ينكر ذلك شاركهم في الإثم، وربما كان ذلك مما يوجب فسقه إذا أمرهم عليه مع قدرته على إنكاره وإزالته لأنهم أعوان الشرع والدين فيجب عليهم أن يكونوا أعرف بالشرع وأقوم بالدين والله أعلم.
فصل
تفقد النواب
٣٣٩ - وإذ قلنا يجب عليه تفقد الوكلاء والأتباع فتفقد الخلفاء والتائبين عنه في المواضع أولى وأحرى.
٣٤٠ - ويجب أن يسأل عنهم في السر من حيث لا يعلمون فمن انتهى إليه أنه أمين أقره وأكرمه وزاد في الإحسان إليه وأعظمه، وإن كان بخلاف ذلك أسرع في صرفه، وأشهره ونادى عليه حتى لا يستعمله آخر غيره ولا يغتر به سواء، ويصلح البعيد بالقريب واللاحق بالسابق، وسنذكر لخلفائه بابًا إن شاء الله.
٣٤١ - وإذ قد ذكرنا الوكلاء والإتباع فينبغي أن نذكر أصحاب مسائله وأخباره وما يجب أن يكونوا عليه من الصفات.
باب أصحاب المسائل عن الشهود
وهذا باب ذكر أحوال أصحاب المسائل عن الشهود.
٣٤٢ - كان الواجب أن يؤخر هذا الباب إلى الموضع الذي نذكر فيه الشهود والعدالة والجرح، لأن ما يصير به الرجل عدلاً، وما يصير به فاسقًا والمجهول الحال والطريق إلى ذلك إنما هو بأصحاب المسائل فينبغي أن يذكر هناك، غير أن أصحاب المسائل لما كانوا في حكم أعوان القاضي وأتباعه وحاشيته وجب ذكرهم في هذا الموضع تبعًا لما ذكرناه في الأعوان.
٢٤٣ - ونذكر هناك كيفية الجرح والتعديل وههنا صفة أصحاب المسائل.
стр. 121
٣٤٤ - قال الطحاوى:
يجب أن يختار القاضي للسؤال عن الشهود الثقات المستورين العقلاء، أهل الورع والأمانة والصلاح والصيانة، ومن ليس عنده على من سأله عنهم علم فلا يزال يسأل عنهم ويستخبر عن أمر من يسأل عنه من غير أن يكشفه ولا يفضحه بسوء أن وقف عليه منه.
٣٤٥ - وأن وقف على أنه موضع للشهادة عرف الحاكم الذي سأله بما وقف عليه من أمره الذي يصلح.
قاله (الطحاوي) في أدب الحكام الصغير له.
وقال الخصاف:
٣٤٦ - قال أبو يوسف: ويجوز في التزكية سراً تزكية العبد والمرأة والمحدود في القذف إذا كانوا عدولا، لأنه خبر وليس شهادة.
٣٤٧ - وسنذكر في باب الجرح والتعديل ما قاله هو وغيره في ذلك إن شاء الله.
٣٤٨ - وأما أصحاب الشافعي فقالوا:
"ويتخذ قوماً من أصحاب المسائل ليعرف بهم أحوال من جهلت عدالته من الشهود.
٣٤٩ - وينبغي أن يكونوا عدولا، براء من الشحناء بينهم وبين الناس بعداء من المعصية في تكسب أو مذهب حتى لا يحملهم ذلك على جرح عدل أو تزكية غير عدل. وأن يكونوا وافري العقول ليصلوا بوفور عقولهم الى المطلوب ولا يسترسلوا فيسألوا عدواً أو صديقاً.
٣٥٠ - قالوا:
ويجتهد حتى لا يحتالوا في تعديل الشهود ولا عند (كذا) المشهود عليه
стр. 122
حتى لا يحتال في جرح الشهود ولا عند (كذا) الشهود حتى لا يحتالوا في تعديل أنفسهم ولا عند (كذا) المسئولين عن الشهود حتى لا يحتال لهم الأعداء في الجرح ولا الأصدقاء في التعديل.
٣٥١ - ويجتهد أن لا يعلم أصحاب المسائل بعضهم ببعض فيجمعهم الهوى على التواطئ على الجرح أو التعديل.
٣٥٢ - وسنذكر كيفية الحكم بالعدالة والجرح بقول من يثبت من الشهود والجيران.
٣٥٣ - وإذ قد ذكرنا أصحاب المسائل، ولما كان من أعوان الحكم والحفظة صاحب السجن وجب ذكره.
باب صاحب السجن
وهذا باب ذكر السجان وما يجب أن يكون عليه:
٣٥٤ - اعلم أن هذا باب كان ينبغي أن نذكره عند ذكر ما يقضي به القاضي من العقوبة وهي حبس الخصم.
٣٥٥ - وكان ذكر السجان هناك يجب تبعاً لذكر الحبس، غير أنه لما كان ذكر السجان مع جماعة الأعوان وجب ذكره هاهنا.
٣٥٦ - وإذا فعلنا ذلك وجب ذكر الحبس وجوازه في الشرع ليصح أن يكون له حافظاً.
٣٥٧ - والأصل في هذا الباب ما ثبت عن النبي ﷺ والأئمة بعده أنهم حبسوا في الديون وغيرها.
٣٥٨ - ونحن نذكر في هذا الباب ما ذكر فيه:
стр. 123
فمن ذلك ما ذكره الخصاف بإسناد عن الحسن (بن زياد اللؤلؤي) أن أناساً من أهل الحجاز اقتتلوا فقتلوا بينهم قتيلا فبعث إليهم رسول الله ﷺ فحبسهم. وذكر عن ... بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ حبس في تهمه.
٣٥٩ - وعن أبي مخلد أنه ﵇ حبس رجلاً من جهينة أعتق شخصاً له في مملوك حتى باع غنيمة له.
٣٦٠ - وعن عمر رحمة الله عليه أنه أتاه رجل بالجابية؟ فقال:
عبدي وجدته على امرأتي
قال:
- أنظر ما تقول فإنك مأخوذ بما تقول
فأعاد الرجل القول
فأمر عمر أبا واقد الليثي فقال:
стр. 124
خذ بيده فأجنه عندك، حتى تغدو أنت وهو عليها، فانظر أحق ما قال أم باطل فعد الينا، وقد حفرت حفيرة.
فقال لها أبو واقد:
- أحق أن هذا جاء عليك بأمر ينكر؟ فإن كان كذباً فلا تصدقيه.
رجاء أن تتوب
فقالت:
- صدق، لا والله لا أتحملها مرتين.
فأمر بها عمر ﵁ فرجمت.
٣٦١ - وذكر غير الخصاف في كتابه أن عمر ﵁ اشترى داراً بمكة بأربعة آلاف درهم وجعلها سجناً، وحبس عمر ﵁ الخطيئة الشاعر فقال:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ حمر الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قمر مظلمة فارحم عليك سلام الله يا عمر
وحبس آخر فقال:
يا عمر الفاروق طال حبسي ومل مني أخوتي وعرسي
في حد سكر تفتريه نفسي ألا ترى ضوء شعاع الشمس
٣٦٢ - وروى عن علي ﵇ أنه لما بنى السجن قال:
ألا تراني كيسا مكيساً ... بنيت بعد نافع مخيسا
٣٦٣ - وروى عنه أنه حبس في الدين.
стр. 125
٣٦٤ - وقد كان للحسن وشريح والشعبي وابن سيرين وغيرهم من القضاة حبوس، وهو فعل جميع القضاة والأئمة من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا لا يدفع ذلك دافع، ولا ينكره منكر، فصار ذلك إجماعاً.
٣٦٥ - ولا يحبس بغير حق يتوجه عليه أو تأديب يراه القاضي واجبا لأنه عقوبة.
٣٦٦ - وقد قال أصحابنا:
اذا ثبت الدين على الغريم بينه أو بإقرار وطلب الخصم حبسه فإن القاضي لا يعجل في ذلك ويأمره بالدفع.
٣٦٧ - وأن اعاده وطلب حبسه وقد أمتنع من قضائه فعل به ذلك، وكتب له حبسه في ديوانه، وشرح الحال.
٣٦٨ - وقال بعض أصحابنا- وهو اختيار الخصاف-:
الصواب أن لا يحبسه حتى يسأله ألك مال؟ ويستحلفه على ذلك، فإن أقر أن له مالا حبسه.
٣٦٩ - وقد ذكر الخصاف أن عليا ﵁ كان إذا أتاه الرجل بالرجل فقال:
- لي دين عليه
قال: أله مال؟ أن كان أخذنا ذلك.
فإن قال نعم قد أخفاه
قال: أقم البينة أنه أخفاه، وإلا حلف بالله ما أخفاه.
وإن قال أحبسه قال: لا أعينك على ظلمه.
(فإن) قال فإني ألزمه قال إن لزمته كنت له ظالما، ولا أحول بينك وبينه.
٣٧٠ - وقد روى أن رجلاً أتى أبا هريرة بغريم له فقال: أحبسه
فقال أبو هريرة:
- هل تعلم له مالاً فآخذه به؟
стр. 126
قال: لا
قال: فهل تعلم له عقارا
قال: لا
قال: فما تريد؟
قال: أحبسه
قال: لا، ولكن أدعه يطلب لك ولنفسه ولعياله.
٣٧١ - وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد يحبسه حتى يتبين عدمه ما بين شهرين أو ثلاثة فيما روى محمد بن الحسن.
وفى رواية الحسن بن زياد ما بين أربعة أشهر أو ستة أشهر ثم يسأل عنه، فإذا ثبت عدمه بمسئلة الثقات من جيرانه وأهل الخبرة وإذا قالوا ماله مال نعلمه وأنا نعرف عسرته وضيق معاشه أطلق القاضي سراحه وأخرجه ولم يحل بينهما أن أراد خصمه ملازمته في قول أبي حنيفة وأبى يوسف.
٣٧٢ - ومن أصحابنا من قال يحول بينه وبين ملازمته وهو قول الشافعي ومالك.
٣٧٣ - وقال أبو حنيفة أنه مؤتمن؟ فيما يطالب به إلا في المهر والكفالة وكل ما لم يأخذ به مالا فيصير به غنيا وفى المال الظاهر بقاؤه فى يده فهو غني حتى يثبت عدمه.
٣٧٤ - وإذا أحضر بينة فشهدت بالعدم قبل المدة المعروفة سمعها القاضى وأخرجه وفلّسه، ولا تسمع قبل الحبس عند أبي حنيفة.
٣٧٥ - وقال الشافعي يسمع منه البينة قبل الحبس أيضا، ويفلسه، ولا تسمع قبل الحبس عند أبي حنيفة.
стр. 127
٣٧٦ - وإذا حبس وله مال أو عقار فأمتنع من قضاء الدين، قال أبو حنيفة أدعه في الحبس ولا أبيع عليه ولا أحجر.
٣٧٧ - وقال أبو يوسف ومحمد يبيع عليه العقار وجميع أمواله فيقضي دينه ثم يخرجه من الحبس، وهو قول الشافعي ومالك.
٣٧٨ - وإن غاب الطالب وثبت عدم المحبوس أخذ منه كفيلا وأطلقه القاضي من الحبس عند أبي يوسف.
٣٧٩ - وقال محمد بن الحسن إذا طلب الطالب ملازمة الغريم بعد ثبوت الدين عليه، وطلب المديون الحبس فللطالب أن يلازمه ولا يحبسه، وقال محمد ان أشكل أمره حبسه وسأل بعد الحبس عنه، وان لم يشكل سأل عاجلا وأطلقه وفلسه.
٣٨٠ - قال أصحابنا:
وإذا مرض فى الحبس، فإن كان له من يخدمه فى الحبس وهو لا يستضر به لم يخرجه، وأن كان لا خادم له وهو يستضر بالسكون فيه أخرجه وخلى سبيله لأن الحبس عقوبة فلا تثبت في الحال المريض كالتعزير وإقامة الحد.
٣٨١ - وقال محمد بن الحسن فى ملازمة المرأة إذا طلب ذلك الطالب أمره أن يجعل معها امرأة ثقة ولا يمكنه من ملازمتها.
٣٨٢ - وقد قال أصحابنا:
لا يمنعه في الحبس ان يطأ جاريته إن كان الموضع خاليا، وإن كان فيه غيره يمنعه من ذلك، ولا يخرجه إلى خارج الجبس ليطأ، لأن في ذلك فك الحبس.
٣٨٣ - فإذا عرفت هذه الجملة وكان الحبس عقوبة لم يكن بد للقاضي أن يكون له عليه حافظا فيجب أن يكون السجان أمنيا حافظا، له يقظة ومعرفة
стр. 128
بأحوال المحبسين وأعينهم فيكتب يوم دخول المحبوس إليه وصفه وما أخذ به ويكون عارفا بكل أحد منهم، حتى إذا وقع إليه القاضي بإطلاق رجل لم يغلط فيه ولم يخرج سواه، ويكون صادق اللهجة ليعرف منه أحوال المحبسين وأمراضهم ومأكلهم ومشاربهم ومن يتردد إليهم.
٣٨٤ - وقد قال محمد بن الحسن أن خفت من المحبوس الهرب نقلته الى حبس اللصوص، إذا كان ذلك مأمونا عليه، وأن لم أخف لم أنقله إليه.
٣٨٥ - ولا أكلف الطالب السكون معه في الحبس.
٣٨٦ - ويكون للنساء حبس على حدة، وتكون عليه امرأة حافظة برزة أمينة عارفة بأحوال النساء وما يحتجن إليه، كما اعتبرناه في الرجل إذا كان حافظا.
٣٨٧ - وينبغي أن ينهي السجان كل يوم أحوال المحبسين إلى القاضي، وما يجري في الحبس.
٣٨٨ - وإذ قد ذكرنا صفة السجان وحافظ الحبس فلنذكر صفه بواب القاضي.
باب ذكر بواب القاضي
وهذا باب ذكر بواب القاضي.
٣٨٩ - اعلم أن القاضي يجوز أن يتخذ بوابا كما يجوز أن يتخذ حاجبا.
٣٩٠ - وينبغي أن يكون البواب شيخا ورعا صالحا متدينا، له عفة، وله كفاية، ولا يكون فقيرا معترا شرها يحجب عن القاضي الخصوم، ويدخل من لا يريد القاضي إدخاله، ويمنع من يريد القاضي دخوله، فهو لمراعاة الأحوال أولى ولتفقد طرائقه أحرى.
٣٩١ - ويكون رزقه من بيت مال المسلمين بحسب كفايته، وكذلك سائر أعوان القاضي حتى لا يأخذ ما لا يجب أخذه، وهم كالقاضي في ذلك لأنهم في مصالح المسلمين، فكما لا يجوز للقاضي أن يأخذ من أحد الخصوم شيئا فكذلك أعوانه.
стр. 129
نقد بواب قاضي القضاة ومحضريه
٣٩٢ - وهذه صفات إنما ترد في الكتب وتذكر في الألسنة، فإما أن يكون لهذه الصفات وجود فهذا أمر كالمأيوس منه اليوم، لأن الأمر يجري اليوم في أعوان الحكم على خلاف ذلك، فقد رأيت بواب شيخا قاضي القضاة ﵀ وسائر المحضرين والوكلاء يأخذون الأجر على الاحضار والفتاوى والوكالات ويوافقون علي الأجر في المحاكمات.
٣٩٣ - وسنذكر في كتاب الوكالة من هذا الكتاب ما يجوز للوكيل أخذ الأجرة عنه، ومالا يجوز، وما يؤخذ من الموكل من الأجرة وما يؤخذ من الموكل عليه فيطلب هناك لتجده في موضعه أن شاء الله.
باب ذكر الجلواز بين يديه وفي مجلسه
٣٩٤ - اعلم ان الجلواز هو الذي يقوم علي رأس القاضي ويدعو بين يديه إذا ركب ويقيم الخصوم إذا انتهت الخصومة.
٣٩٥ - وقد ذكر الخصاف أن شريحا كان علي رأسه شرطي بيده سوط.
٣٩٦ - وذكر عمرو بن قيس قال:
رأيت رجلا قائما علي رأس شريح، وكان يقول للخصمين: ايكما المدعي فليتكلم.
٣٩٧ - والجلواز يأخذ الرقاع بين يدي القاضي ويوصلها إليه، ويحد
стр. 130
الناس عن القاضي إذا جلس القضاة حتى لا يسمع أحد ما جري للخصوم.
٣٩٨ - وإن كان الجلواز ثقة فلا بأس أن يقف يسمع، وبعده أولى، لأن الخصوم تكون في أمور ربما كانت شنيعة بين الرجال والنساء أو مضحكة فلا يؤمن أن يؤدي ذلك الى ما يكره.
٣٩٩ - وقد شاهدت قاضيا علي باب دار الخلافة المعظمة يقضي في دهليز باب النوبة، والخصوم قيام بين يديه، وأعوان الشرطة والعامة والهدهاد يسمعون ما يجري ويجتمعون على ذلك كما يجتمع العوام على حلق المشعوذين والمساخرة، ولا ينكر القاضي على أحد (و) منذ ثلاثين سنة وفوقها وشيخنا قاضي القضاة ﵀ يبلغه ذلك من أعوانه على الحكم ودقيق ما يجري فلا ينكر ذلك على خليفته ولا غيره حتى صار ذلك شرعا مألوفا يعتقد أن غيره لا يجوز.
جلواز قاضي القضاة
٤٠٠ - وكان له جلواز يمشي بين يديه، ويدعو في الأسواق والطرق إذا ركب فيقول:
- اللهم أحرس سيدنا، السيد الاجل الإمام الأوحد قاضي القضاة، وأدم له ظل المواقف الشريفة.
ويذكر ما يجري هذا المجرى.
الركابية
٤٠١ - وبين يديه الركابية يقولون:
بروه بروه بروه! ويباعدون ويدفعون الناس عن الطريق يمينا وشمالا.
٤٠٢ - والذي قاله الفقهاء في كثرتهم غير الذي شاهدناه من جميع هذه الأحوال كلها، ولعل القانون تغير!
стр. 131
٤٠٣ - وإذ قد ذكرنا حكم الأتباع وسائر ما في هذه الأبواب، وجب ذكر ما يبدأ به.
باب ما يبدأ به من النظر بعد الولاية والجلوس
النظر في أمر المحبوسين
٤٠٤ - قال أصحابنا:
ويستحب للقاضي أن يبدأ بالنظر في أمر المحبوسين وعددهم وفيما حبسوا والأوقات التي حبسوا فيها، والأسباب التي من أجلها حبسوا، فإن الحبس عقوبة، ولعل في الحبس من لا يجب حبسه، أو من قد توجه علي القاضي أخراجه من الحبس.
٤٠٥ - ويسأل كل محبوس عن ذنبه، وما حبس لأجله لأنه لا يجب على الثاني أن يصدق الأول ولا السجان يعرف ما عندهم.
٤٠٦ - ويتقدم بالنداء في البلد بأن القاضي يريد النظر في المسجونين، فمن كان له على رجل حق أو في حبسه فليحضر إلى القاضي في الوقت الفلاني فيجمع بينهم وبين خصومهم.
٤٠٧ - فإن ذكروا ما يجب به الحبس حبسهم أن طلب ذلك من له حق الحبس منه، وإن لم يطلب لم يحبس.
٤٠٨ - وأن أنكروا أن يكونوا حبسوا بأمر يلزمهم الكشف عن كل واحد مع خصمه، ولتعاد دعواه عليه، فإن أقر له بما يوجب الحبس حبس، وأن أنكر ذلك طلب البينة العادلة.
٤٠٩ - فإن قامت بينة عليه أمره بالخروج مما شهدوا به، وأن لم يخرج منه أعلم الخصم ما ثبت، فإن طلب الحبس منه حبسه وأعاده إلى الحبس.
стр. 132
٤١٠ - وأن عدم المدعي عليه البينة أو كانت غير أنها لم تزك عنده أطلق المحبوس من الحبس وأخذ منه كفيلا بنفسه.
٤١١ - أن عدلت البينة أو صدق الخصم أو قامت بينة سواها عادلة رده إلى الحبس، أن طلب الخصم ذلك.
٤١٢ - فإذا لم يحضر للمحبوس خصم وقال أنه حبس بغير حق، وماله خصم فإن القاضي ينادي اياما: من كان له على فلان بن فلان حق فليحضر ليحكم بينهما.
٤١٣ - فإن لم يحضر أحد يتأنى في اطلاقه ولا يعجل لعل الخصم غائب عنه، ثم يأخذ منه كفيلا بنفسه ثم يطلقه.
٤١٤ - فإن أقر المحبوس أنه أقر لرجل بما ذكره وذكر الرجل بينة فحبسني أحضره القاضي فإن عرفه أو عرفه الشهود، أو قال المقر هذا هو، وقد أحضرت ماله عندي نقل له يأخذه ويخرجني من الحبس، أخذ الرجل ماله.
٤١٥ - ثم ينظر القاضي هل له خصم سواه، فإن لم يجد له خصما أطلقه.
٤١٦ - وإن لم يقف على حقيقة الحال أخذ منه كفيلا وأطلقه، وإن أراد المقر له إخراجه من الحبس بغير أخذ مال بل رفقا به تأنى في ذلك خوفا أن يكون محبوسا لغيره ثم يطلقه بعد أخذ الكفيل.
٤١٧ - وإن كان لا يعرف القاضي الطالب ولا يعرفه الشهود، وقال المطلوب لهذا الرجل حبست، وهذا ماله علي، فإن القاضي يأمره بدفع المال إلى الطالب، ولا يطلقه، لجواز أن تكون حيلة من المحبوس، ولكنه ينادى عليه أياماً ثم يطلقه.
٤١٨ - فإن قال المحبوس لا كفيل لي أو لا يجب علي ذلك لأني قد دفعت ما علي فمن أصحابنا من قال: يتأنى القاضي في ذلك نحو من شهر بعد النداء ثم يطلقه، ومنهم من قال هذا على حسب ما يراه القاضي، ويشهد له الظاهر ويراه مصلحة من غير حد.
стр. 133
٤١٩ - فإن قال المحبوس:
إنما حبسني لأني أقررت بالزنا لأربع مرات وأنا محصن أو غير محصن أو أقررت بشرب الخمر ليقيم علي الحد فإن القاضي يستأنف الأمر في ذلك ويجعل كأنه حضر الآن، فإذا أقر بالزنا أربع مرات على ما يعتبر في المرات من خلاف أصحابنا فمنهم من يقول أربع مجالس من مجالس القاضي، ومنهم من قال أربع مجالس من مجالس المقر، يذهب ويجيء فيقر على ما سنذكره في كتاب الحدود إن شاء الله من اعتبار الأربع عندنا. وعند الشافعي، ونذكر حكم الإقرار والشهادة على الحدود إن شاء الله، فإنه يقيم الحد عندنا في الزنا.
٤٢٠ - أما الشرب فلا يقيم إلا أن يكون ريحها يوجد منه في الإقرار والشهادة، وإن كان قديماً (لم) يأخذه به، ويكون ذلك حدا لكل، قذف تقدم ذلك.
٤٢١ - فإن أقر المحبوس بقطع طرف رجل عمدا، أو حضر المقر له وطلب القصاص (اقتص).
٤٢٢ - وكل حق يقر به المحبوس لغيره وهو حق صحيح عند القاضي يلزمه الحكم والخروج إليه وابتغائه منه فإن القاضي الثاني يستوفيه منه ويأخذه به.
٤٢٣ - ولو أقر بما لا يجب به عنده ضمان ولا عقوبة ولا قود ولا دية بأن يكون مذهبه بخلاف مذهب الأول في ذلك لم يأخذه به، إلا أن يكون الأول قد قضى فيه، وهو مما لا ينقض حكمه به لأنه غير مخالف للأصول التي يجب رده إذا خالفها.
٤٢٤ - وسنذكر ذلك في الباب الذي ينقض فيه قضاء القاضي إذا قضى به إن شاء الله.
стр. 134
فصل
النظر في أمر الوقوف
٤٢٥ - فإذا فرغ من أمر المحبسين وقبض الديوان وما ذكرناه، نظر بعد ذلك في أمر الوقوف.
٤٢٦ - وينبغي للقاضي بعد ذلك أن يأمر مناديه فينادي على بابه:
إلا أن القاضي يقول لمن كان يتولى شيئاً من أموال الوقوف والأيتام والودائع والأمناء من قبل القاضي فلان الميت أو المعزول على مال صغير أو كبير محجور عليه أو غائب أو غير ذلك مما ينظر فيه القاضي فليتوجه إلينا، ولا يقصر أحد فيما أمر به من الحضور في البلد وليحضر ولا يتأخر إلا من له عذر، وليبلغ الشاهد الغائب.
٤٢٧ - فإذا حضروا عنده نظر في أحوالهم، وصحح ما بأيديهم، فمن أحب أن يقره على نظره أقره، وأن رأى صرفه صرفه.
٤٢٨ - والمستحب له أن يجرى فيهم بسنة الأول أن كان حسن السيرة وأن لا يستبدل بهم أن كانوا ثقاةً، بل يجريهم على ما هم عليه.
فصل
قبول قول القاضي المعزول
٤٢٩ - ويقبل قول القاضي المعزول، ومن تحت يده المال فيما يقر به ويصرفه إلى الوجه الذي يذكره القاضي أن كان تحت يده وإن كان في يد غيره اعتبر ذلك الغير.
٤٣٠ - وإذا قال الأمين دفعته إلى القاضي المعزول ولا أعلم لمن هو، فإن القاضي الثاني يقبل قول الأول المعزول في المال ويسلمه إلى من قال.
стр. 135
٤٣١ - وهذا حكم الأموال والعقارات والعروض كلها لأن هذا كله في يد القاضي إذا أقر الأمين أنه هو الذي سلمه إليه.
فصل
اختلاف المعزول والذي بيده المال
٤٣٢ - قال أصحابنا:
إذا اختلف المعزول والذي بيده المال فقال المعزول هو لفلان، وقال الأمين بل هو لفلان، إنسان آخر، فالقول قول الأمين الذي في يده المال، لأنه في يده (و) ليس في يد القاضي فلا يقبل قوله، وقيل قول الأمين لا يقبل .. وهذا إذا أنكر الأمين دفع القاضي إليه.
٤٣٣ - وإن قال: دفعه القاضي وقال لي أنه لفلان، وقال القاضي بل هو لإنسان آخر، فالقول قول القاضي، ومن في يده بمنزلة الشاهد.
فصل
٤٣٤ - وإن كان المال في يده، فقال الأمين ما في يدي لفلان بن فلان دفعه إلى القاضي، وقال أنه له، فقال القاضي بل هو لفلان لإنسان آخر، فإن الأمين يدفع المال الي الذي أقر له به، ويغرم مثل ذلك للذي ذكره له القاضي لأنه اعترف بأنه أخذه من القاضي فعليه رده إليه، لأنه سلمه إليه بقوله وإقراره أنه له.
فصل
٤٣٥ - وإذا قال القاضي المعزول: عند فلان عشرة آلاف درهم لأبن فلان اليتيم من أبيه فهي لليتيم إذا لم يدع ذلك باقي الورثة.
стр. 136
٤٣٦ - وإن كذب باقي الورثة القاضي فالمال بينهم، ولا يقبل قول القاضي ولا الأمين على الورثة.
٤٣٧ - وكذلك الضياع والعروض.
٤٣٨ - ويستحلف الورثة لليتيم على ما يجب عليهم، ولا نعرف في ذلك خلافا.
٤٣٩ - ولو كان القاضي المعزول اشهد على نفسه في صك مكتوب أنه قسم المال بين الورثة وهذا حصة اليتيم والكتاب موجود فإن هذا حكم على الورثة، وكان المال لليتيم.
٤٤٠ - وإن كان القاضي قال هذا المال لليتيم ولم يقل أنه حصة من الميراث فهو لليتيم، وليس لباقي الورثة من ذلك شيء ولا خصومة بينهم وبين القاضي، ولهم خصومة اليتيم بعد البلوغ.
فصل
٤٤١ - ولو قال القاضي المعزول:
ثبت عندي بشهادة الشهود أن فلاناً وقف الضيعة المعروفة بكذا على وجهة كذا وأني حكمت بذلك وجعلتها وقفاً على يد فلان لينفق دخلها على سبيلها، وصدقه الأمين وورثة الموقف أمضى القاضي الثاني إقرار الورثة.
٤٤٢ - وكذلك أن قامت بينة على حكم المعزول بذلك.
٤٤٣ - وإن جحد الورثة ذلك ولا بينة استحلفوا على ذلك وردت في الميراث.
٤٤٤ - وإن قال القاضي: هذه هي صدقة ووقف وصدقة الأمين ولم يزد على ذلك فهي على ما قال ولا يكلف المعزول التفسير.
стр. 137
محاسبة الأمناء
٤٤٥ - وإذا حوسب الأمناء على ما في أيديهم من أموال اليتامى، فمن كان القاضي أقامه قبل قوله فيما يقبل فيه قول الوصي.
٤٤٦ - ومن لم يقمه القاضي وصياً، وإنما جعله قيما في الضيعة وقابضاً وأن يتفق على اليتيم في كل شهر كذل قبل قوله فيما يدعي من النفقة على الضيعة إذا كان مثل ذلك ينفق في المدة، وفيما صار في يده من (الأثمار) والأثمان.
٤٤٧ - وأن أتهم أحد منهم استحلفه على ما نرى.
ادعاء الأمين الأجر
٤٤٨ - قال أصحابنا:
ولا يقبل قول الأمين أن القاضي المعزول فرض له أجراً على ذلك إلا بينة (تشهد) أن المعزول فرض له ذلك.
٤٤٩ - وأن كان قد أخذ من ذلك شيئاً رده على اليتيم.
٤٥٠ - وإذا لم يكن للأمين بينة على أن المعزول أقامه وصياً وقيماً لم يقبل قولهم ولزمهم رد ما ادعوا انفاقه في العمارة وغيرها من المال.
فصل
٤٥١ - قال أصحابنا:
وإذا أقر أحد الأمناء أن الضيعة التي في يده لليتيم، وأن في يده من دخلها كذا ولم يقل بعت ولا أنفقت شيئاً، فالقول قوله فيما أقر به، وللقاضي المولي أحلافه أن رأى ذلك.
فصل
٤٥٢ - قال أصحابنا:
стр. 138
وإذا قال القاضي المولي أدوا حساب جميع ما جرى في أيديكم سنة سنة، لجميع الأمناء أو لبعضهم فقالوا قد حاسبنا القاضي المعزول إلى وقت كذا وأبرأنا وأتوا على ذلك بينة قبل ذلك منهم وحاسبهم على ذلك في المستقبل.
فصل
٤٥٣ - وإن قالوا نخشى أن نقر لك فيلزمنا إقرارنا، ولا بينة لنا على ما فعل القاضي معنا وفعلنا والذي بأيدينا إنما هو كذا وكذا لم يكن للقاضي أن يحملهم على الإقرار، وينظر في هذا بما هو الأصلح، فمن كان معروفاً بالأمانة قبل قوله، وإن كان مدغلاً طالبه بالتفسير.
٤٥٤ - وله أن يستحلف الأمين منهم على ما يرى.
٤٥٥ - قال الخصاف:
والقياس في الأمناء واحد: أن يقبل قولهم على ما في أيديهم مع الإيمان وذاك أن من في يده شيء فالقول قوله فيه.
فصل
٤٥٦ - وهذا حكم الأمناء والقاضي إذا كان معزولا وإذا كان ميتاً، فيسئل القاضي في الأمناء والمحبسين وقبض الديوان على ما ذكرناه على سواء، إلا فيما تحت يد الميت فإنه يحتاج الى إقرار الورثة أو شهادة الشهود، ولا يقبل قول أمين ولا وصي أنه كذلك بغير بينة تشهد له، لأن الأصل عدم ذلك.
٤٥٧ - وإذا أقام بينه على الوصية والأمانة فإن كان عدلاً قوياً أقره على
стр. 139
الوصية، وإن كان فاسقاً لم يقره على الوصية، عند الشافعي، لأن الوصية ولاية والفاسق ليس من أهل الولاية.
٤٥٨ - وعند أصحابنا يقر على الوصية إذا تاب ويصح، كما يقر على الوكالة، وكما يقر على التصرف في مال نفسه.
٤٥٩ - فإن كان عدلاً ضعيفاً لا يقوم بها ضم إليه غيره ليتقوى به، وهذا قولنا، وقول الشافعي في الذي لا يضطلع بما وصى به.
٤٦٠ - قال الشافعي:
وإذا أنفذ القاضي الوصية لم يسئل عدالته لأن الظاهر أن القاضي الأول لم ينفذ إلا وهو عدل.
٤٦١ - وهذا قولنا أيضاً.
٤٦٢ - فإن كان وصياً في تفرقة ثلثه، فإن كان لم يفرقه فالحكم في إقراره على الوجه الذي ذكرناه.
وإن كان عدلاً لم يلزمه شيء بالإنفاق وإن كان فاسقاً فإن كانت الوصية لمعين لم يلزمه شيء لأنه دفع الموصى به الى مستحقه وإن كان لغير معين لم يلزمه لأنه دفع إلى مستحقه كما لو كانت لمعين.
٤٦٣ - وهذا قولنا وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، والوجه الآخر لهم أنه يغرم ما فرقه، قالوا لأنه فرق ما لم يكن له تفريقه كما لو فرق ما لم يسند إليه، وهذا لا يصح، لأن ما لم يسند إليه يلزمه الغرم في الوكالة فيلزمه في الوصية وما فوق إلا ما جعل إليه.
في الضوال
٤٦٤ - ثم ينظر بعد ذلك في أمر الضوال، ومال من ليس بحاضر، لأنه لا حافظ من الناس، فعليه حفظه والقيام به، فهذا حكم هذه الأموال والنظر فيها.
٤٦٥ - وأما أحكام الخصوم والنظر في الدعاوى فقد أخرنا ذلك إلى المواضع
стр. 140
التي تستدعيها والمسائل والكتبة وهناك نذكر كيفية أخذ الرقاع وتقديم بعض الخصوم على بعض وترتيب القاضي والخصوم والشهود والوكلاء لأن ذكره في موضعه أليق، وإن كان الطحاوي والخصاف وغيرهما قد ذكروا هذه الأبواب المؤخرة في أوائل كتبهم، ولم يرتبوا الكلام فيها على ما رتبناه نحن.
٤٦٦ - وإذ قد ذكرناه ما يبتدأ به من النظر وكان له أن ينظر في ذلك بنفسه، وله أن ينظر في ذلك بغيره وجب ذكر أحوال النيابة عنه.
باب النيابة في القضاء
٤٦٧ - وهذا باب يذكر فيه حالة النيابة عنه ما قيل في ذلك.
٤٦٨ - اعلم أن أصحابنا قالوا لا يجوز أن يستخلف رجلاً يحكم بين الناس، إلا أن يكون الإمام الذي ولاه قد جعل إليه ذلك ونص عليه فيجوز ذلك وأن نها، لم يجز له أن يستخلف أحداً.
٤٦٩ - وهو عندنا بين أن يطلق القول ولا يقيده وبين أن يسكت عن ذكر النيابة، في أنه لا يجوز له أن يستتب لأنه نائب عنه فيتبع أمره ونهيه.
٤٧٠ - وقال أصحاب الشافعي: إذا لم يأذن له وله ينهه نظرت فإن كان ما قلده يقدر أن ينظر فيه بنفسه ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي سعيد الاصطخري أنه يجوز أن يستخلف لأنه ينظر في المصالح فجاز أن ينظر بنفسه وبغيره.
والثاني قالوا وهو المذهب أنه لا يجوز له، لأن الذي ولاه لم يرض بنظر غيره.
стр. 141
٤٧١ - وإن كان ما ولاه لا يقدر أن ينظر فيه بنفسه لكثرته جاز أن يستخلف فيما لا يقدر عليه لأن تقليده لما لا يقدر عليه بنفسه إذن له في الاستخلاف فيما لا يقدر عليه، كما أن وكيل الوكيل فيما لا يقدر عليه بنفسه أذن له في استنابة غيره.
٤٧٢ - وهل له أن يستخلف فيما يقدر عليه أن ينظر فيه بنفسه؟ ففيه وجهان: أحدهما أن له ذلك لأنه من جاز أن يستخلف في البعض جاز أن يستخلف في الجميع كالإمام. والثاني لا يجوز، لأنه لما أجيز له أن يستخلف فيما لا يقدر عليه للعجز فوجب أن يكون مقصوراً على ما عجز عنه.
تقييد القاضي بسماع الأدلة والبينات
٤٧٣ - قال أصحابنا:
ولو استخلف رجلاً فقضى بين الناس لم يجز قضاؤه، وأن رفع الى غيره أبطله، ولا ينفذ ذلك بحال، وأن كان الخليفة قد أمره أن يسمع من الخصوم ويثبتوا عنده البينة والإقرار ولا يقطع حكماً فذلك على ما جعله لا يتجاوزه، ثم يرفعه الى القاضي فيكون هو الحاكم بما يصح عنده من ذلك.
٤٧٤ - وللقاضي أن يفعل مثل ذلك إذا جعل إليه الاستخلاف.
٤٧٥ - وقد كان شيخنا قاضي القضاة ﵀ لا يجعل إلى القضاة سماع بينة ولا حكم ويطالعونه بما يثبت ثم يتقدم بفصل الحكم إليهم أو بالشهادة عنده (فيما) جرى، وكذلك قضاة السواد، وكان يفعل معهم ذلك وكان يشهد
стр. 142
عند خلفاءه بالاستفاضة وعند المعدلين ثم يتقدم بفصل الحكم إليهم أو الشهادة عنده بما جرى ثم يتوسط الحال على الخصوم.
٤٧٦ - قال أصحابنا:
وإن كان الشهود عند خليفته قد غابوا أو ماتوا، فأعلمه خليفته بحالهم لم يقبل ذلك، ولم يحكم حتى يعيدوا الشهادة إذا لم يجعل لهم بت الحكم.
٤٧٧ - وكذلك الإقرار إذا غاب المدعى عليه أو جحد الإقرار لم يقبل من خليفته أن أقر عنده إلا أن يأتي معه من يشهد بذلك فيقبل القاضي ذلك على سبيل الشهادة.
شروط الاستخلاف
٤٧٨ - وإذا جعل الإمام له أن يستخلف في القضاء فله أن يستخلف كل من يجوز للإمام أن يستقضيه، ولا يجوز له أن يستخلف في القضاء من لا يجوز أن يكون قاضياً.
٤٧٩ - وقد ذكر ابن الأصبغ في شروطه وكان صاحباً لأبي الحسن الكرخي ﵀ أنه لا يجوز له أن يولي ابنه القضاء، وقال غيره ولا من لا تجوز شهادته له، وجعل ذلك كالوكيل لا يجوز أن يبيع بمطلق الوكالة من ابنه ولا أبيه ولا من لا تجوز شهادته له عند أبي حنيفة.
٤٨٠ - وقال الطحاوي في أدب الحكام الصغير له: "وله أن يستعمل أباه وأخاه وجميع ذوي أرحامه، إذا كانوا عنده ثقاة فيما أسنده إليهم، ويحتاط في جميع من يستعمله ممن يكون أحوط عليه وأعود بصلاحه فيما حمله واكتسبه من الثواب وسلمه من التبعات في الدنيا والآخرة".
٤٨١ - وقال الشافعي:
"وله إن أراد أن يستخلف في عمله والده أو ولده جاز، لأنهما يجريان
стр. 143
مجرى نفسه، ثم يجوز أن يحكم في أعماله فجاز أن يستخلفهم في الحكم في ذلك".
٤٨٢ - قال:
وإذا فوض الإمام إلى رجل أن يختار قاضياً لم يجز أن يختار والده ولا ولده لأنه لا يجوز له أن يختار نفسه.
وهذا قولنا أيضاً في الاختيار.
٤٨٣ - وإن صير له الإمام أن يختار ولده أو والده جاز ذلك بالاتفاق.
٤٨٤ - وإذ قد ذكرنا جواز النيابة عنه فهل يجوز أن يقف الحكم على إجازته أم لا؟
باب وقوف الحكم على إجازته
٤٨٥ - اعلم أن أصحابنا قالوا:
يجوز أن يقف الحكم على إجازة حاكم البلد إذا كان حكم الحاكم به لا ينفذ، فقالوا لو أن الخليفة لم يجعل إلى القاضي أن يستخلف فاستخلف رجلاً فحكم لم يجز ذلك الحكم، فإن أجازه القاضي وأنفذه جاز إذا كان الحاكم به، ممن لو كان حاكماً نفذ حكمه، وإن كان ممن لا يجوز حكمه لم يجز بإجازته وكان باطلاً وجعلوا ذلك كسائر العقود الموقوفة على الإجازة.
العقد الموقوف
٤٨٦ - وقالوا: كل عقد لو تقدم عليه الإذن نفذ إذا تأخر عنه الإذن انعقد موقوفاً على من له حق العقد.
٤٨٧ - فجعل القضاء مثل ذلك، واعتبروا صفة الحاكم كما اعتبروا صفة العاقد أن يكون من أهل العقد والمعقود له من أهل العقد والمحل قابلاً للعقد.
٤٨٨ - وقال الشافعي: لا ينعقد شيء من العقود موقوفاً على الإجازة، وأجاز أن ينعقد الإذن موقوفاً على العقد، فإذا وجد العقد لزم، وأجاز أن يقف
стр. 144
الإيجاب على القبول والوصية على القبول بعد الموت، وجوز لزوم البيع على المجلس ومدة الخيار، وأوقف أحكاماً كثيرة على الصلح من المدعين.
٤٨٩ - وسنذكر في النكاح والموت ما قال من ذلك إن شاء الله.
٤٩٠ - وإذا قد ذكرنا جواز ولاية القاضي، وما يصح به وما لا يجوز له أن يستخلف فيه، وجب أن يذكر ما يبطل ولايته.
تصرف القاضي بعد الفسق
باب ما يبطل ولاية القاضي والإمام
٤٩١ - أعلم أن القاضي يتصرف بإذن الإمام كما يتصرف الوكيل بإذن الموكل، فله أن يبطل ولايته فيما ولاه، وهذا قول أصحابنا أن للإمام عزل القاضي عن القضاء كما للموكل عزل الوكيل.
٤٩٢ - وقال أصحاب الشافعي:
ليس للإمام أن يعزل (القاضي) عن القضاء، ولا ينعزل بعزله، وإنما ينعزل إذا فسق وخرج عن الصفة التي يصلح أن يكون قاضياً.
٤٩٣ - وقال الفريقان: إذا فسق بطلت ولايته بالفسق، وكذلك الإمام تبطل إمامته.
٤٩٤ - وقال القدوري ﵀ في خلافه أن من أصحابنا من قال: تصرف القاضي بعد الفسق جائز حتى يخرجه الإمام من القضاء، حكاه عن بعض أصحابنا.
стр. 145
بطلان الولاية بطرؤ العمى
نقد القول بصحة تصرف القاضي بعد فسقه
٤٩٥ - ولو جاز أن يبقى مع الفسق على القضاء لجاز أن يولي الفاسق ابتداءً مع العلم بفسقه وقد أجمعوا على أنه لا يجوز أن يولي فاسق لا يؤمن فعله ولا قوله ولا حكمه وإذا لم تجز شهادة الشاهد مع الفسق فكيف يجوز حكم الحاكم مع الفسق؟
٤٩٦ - وتبطل ولاية الإمام والقاضي إذا عمى لأنه لا يصح له معرفة ما يحتاج إلى نظره فهو كزوال العقل.
٤٩٧ - وهذا قول أبي حنيفة ومحمد في الشهادة أيضاً أنه تبطل شهادته إذا عمى.
٤٩٨ - ومن أجاز شهادة الأعمى يلزمه جواز قضائه وأن يكون لا يبطل قضاءه، وهذا قول شريح والشعبي والزهري والقاسم بن محمد ويحيى بن سعد، وهو قول أبي يوسف وابن أبي ليلى في الشهادة.
٤٩٩ - ويبطل ولاية الجميع زوال العقل لأنه يمنع التكليف، فيمنع الولاية.
بطلان الولاية بالنسيان
٥٠٠ - وكذلك يبطل ولايته نسيانه العلم على قول من جعل ذلك شرطاً في الصحة.
ردة القاضي والإمام
٥٠١ - وتبطل ولاية القاضي والإمام إذا ارتدا عن الدين لأن ردتهما توجب زوال ملكهما عن مالهما ويحل دمهما.
عزل نفسه
٥٠٢ - وتبطل ولايته إذا عزل نفسه هو عن القضاء وكذلك الإمام، كما تبطل الوكالة إذا عزل الوكيل.
следующие страницы →