Полный текст (1 505 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
٤٧١ - وإن كان ما ولاه لا يقدر أن ينظر فيه بنفسه لكثرته جاز أن يستخلف فيما لا يقدر عليه لأن تقليده لما لا يقدر عليه بنفسه إذن له في الاستخلاف فيما لا يقدر عليه، كما أن وكيل الوكيل فيما لا يقدر عليه بنفسه أذن له في استنابة غيره.
٤٧٢ - وهل له أن يستخلف فيما يقدر عليه أن ينظر فيه بنفسه؟ ففيه وجهان: أحدهما أن له ذلك لأنه من جاز أن يستخلف في البعض جاز أن يستخلف في الجميع كالإمام. والثاني لا يجوز، لأنه لما أجيز له أن يستخلف فيما لا يقدر عليه للعجز فوجب أن يكون مقصوراً على ما عجز عنه.
تقييد القاضي بسماع الأدلة والبينات
٤٧٣ - قال أصحابنا:
ولو استخلف رجلاً فقضى بين الناس لم يجز قضاؤه، وأن رفع الى غيره أبطله، ولا ينفذ ذلك بحال، وأن كان الخليفة قد أمره أن يسمع من الخصوم ويثبتوا عنده البينة والإقرار ولا يقطع حكماً فذلك على ما جعله لا يتجاوزه، ثم يرفعه الى القاضي فيكون هو الحاكم بما يصح عنده من ذلك.
٤٧٤ - وللقاضي أن يفعل مثل ذلك إذا جعل إليه الاستخلاف.
٤٧٥ - وقد كان شيخنا قاضي القضاة ﵀ لا يجعل إلى القضاة سماع بينة ولا حكم ويطالعونه بما يثبت ثم يتقدم بفصل الحكم إليهم أو بالشهادة عنده (فيما) جرى، وكذلك قضاة السواد، وكان يفعل معهم ذلك وكان يشهد
стр. 142
عند خلفاءه بالاستفاضة وعند المعدلين ثم يتقدم بفصل الحكم إليهم أو الشهادة عنده بما جرى ثم يتوسط الحال على الخصوم.
٤٧٦ - قال أصحابنا:
وإن كان الشهود عند خليفته قد غابوا أو ماتوا، فأعلمه خليفته بحالهم لم يقبل ذلك، ولم يحكم حتى يعيدوا الشهادة إذا لم يجعل لهم بت الحكم.
٤٧٧ - وكذلك الإقرار إذا غاب المدعى عليه أو جحد الإقرار لم يقبل من خليفته أن أقر عنده إلا أن يأتي معه من يشهد بذلك فيقبل القاضي ذلك على سبيل الشهادة.
شروط الاستخلاف
٤٧٨ - وإذا جعل الإمام له أن يستخلف في القضاء فله أن يستخلف كل من يجوز للإمام أن يستقضيه، ولا يجوز له أن يستخلف في القضاء من لا يجوز أن يكون قاضياً.
٤٧٩ - وقد ذكر ابن الأصبغ في شروطه وكان صاحباً لأبي الحسن الكرخي ﵀ أنه لا يجوز له أن يولي ابنه القضاء، وقال غيره ولا من لا تجوز شهادته له، وجعل ذلك كالوكيل لا يجوز أن يبيع بمطلق الوكالة من ابنه ولا أبيه ولا من لا تجوز شهادته له عند أبي حنيفة.
٤٨٠ - وقال الطحاوي في أدب الحكام الصغير له: "وله أن يستعمل أباه وأخاه وجميع ذوي أرحامه، إذا كانوا عنده ثقاة فيما أسنده إليهم، ويحتاط في جميع من يستعمله ممن يكون أحوط عليه وأعود بصلاحه فيما حمله واكتسبه من الثواب وسلمه من التبعات في الدنيا والآخرة".
٤٨١ - وقال الشافعي:
"وله إن أراد أن يستخلف في عمله والده أو ولده جاز، لأنهما يجريان
стр. 143
مجرى نفسه، ثم يجوز أن يحكم في أعماله فجاز أن يستخلفهم في الحكم في ذلك".
٤٨٢ - قال:
وإذا فوض الإمام إلى رجل أن يختار قاضياً لم يجز أن يختار والده ولا ولده لأنه لا يجوز له أن يختار نفسه.
وهذا قولنا أيضاً في الاختيار.
٤٨٣ - وإن صير له الإمام أن يختار ولده أو والده جاز ذلك بالاتفاق.
٤٨٤ - وإذ قد ذكرنا جواز النيابة عنه فهل يجوز أن يقف الحكم على إجازته أم لا؟
باب وقوف الحكم على إجازته
٤٨٥ - اعلم أن أصحابنا قالوا:
يجوز أن يقف الحكم على إجازة حاكم البلد إذا كان حكم الحاكم به لا ينفذ، فقالوا لو أن الخليفة لم يجعل إلى القاضي أن يستخلف فاستخلف رجلاً فحكم لم يجز ذلك الحكم، فإن أجازه القاضي وأنفذه جاز إذا كان الحاكم به، ممن لو كان حاكماً نفذ حكمه، وإن كان ممن لا يجوز حكمه لم يجز بإجازته وكان باطلاً وجعلوا ذلك كسائر العقود الموقوفة على الإجازة.
العقد الموقوف
٤٨٦ - وقالوا: كل عقد لو تقدم عليه الإذن نفذ إذا تأخر عنه الإذن انعقد موقوفاً على من له حق العقد.
٤٨٧ - فجعل القضاء مثل ذلك، واعتبروا صفة الحاكم كما اعتبروا صفة العاقد أن يكون من أهل العقد والمعقود له من أهل العقد والمحل قابلاً للعقد.
٤٨٨ - وقال الشافعي: لا ينعقد شيء من العقود موقوفاً على الإجازة، وأجاز أن ينعقد الإذن موقوفاً على العقد، فإذا وجد العقد لزم، وأجاز أن يقف
стр. 144
الإيجاب على القبول والوصية على القبول بعد الموت، وجوز لزوم البيع على المجلس ومدة الخيار، وأوقف أحكاماً كثيرة على الصلح من المدعين.
٤٨٩ - وسنذكر في النكاح والموت ما قال من ذلك إن شاء الله.
٤٩٠ - وإذا قد ذكرنا جواز ولاية القاضي، وما يصح به وما لا يجوز له أن يستخلف فيه، وجب أن يذكر ما يبطل ولايته.
تصرف القاضي بعد الفسق
باب ما يبطل ولاية القاضي والإمام
٤٩١ - أعلم أن القاضي يتصرف بإذن الإمام كما يتصرف الوكيل بإذن الموكل، فله أن يبطل ولايته فيما ولاه، وهذا قول أصحابنا أن للإمام عزل القاضي عن القضاء كما للموكل عزل الوكيل.
٤٩٢ - وقال أصحاب الشافعي:
ليس للإمام أن يعزل (القاضي) عن القضاء، ولا ينعزل بعزله، وإنما ينعزل إذا فسق وخرج عن الصفة التي يصلح أن يكون قاضياً.
٤٩٣ - وقال الفريقان: إذا فسق بطلت ولايته بالفسق، وكذلك الإمام تبطل إمامته.
٤٩٤ - وقال القدوري ﵀ في خلافه أن من أصحابنا من قال: تصرف القاضي بعد الفسق جائز حتى يخرجه الإمام من القضاء، حكاه عن بعض أصحابنا.
стр. 145
بطلان الولاية بطرؤ العمى
نقد القول بصحة تصرف القاضي بعد فسقه
٤٩٥ - ولو جاز أن يبقى مع الفسق على القضاء لجاز أن يولي الفاسق ابتداءً مع العلم بفسقه وقد أجمعوا على أنه لا يجوز أن يولي فاسق لا يؤمن فعله ولا قوله ولا حكمه وإذا لم تجز شهادة الشاهد مع الفسق فكيف يجوز حكم الحاكم مع الفسق؟
٤٩٦ - وتبطل ولاية الإمام والقاضي إذا عمى لأنه لا يصح له معرفة ما يحتاج إلى نظره فهو كزوال العقل.
٤٩٧ - وهذا قول أبي حنيفة ومحمد في الشهادة أيضاً أنه تبطل شهادته إذا عمى.
٤٩٨ - ومن أجاز شهادة الأعمى يلزمه جواز قضائه وأن يكون لا يبطل قضاءه، وهذا قول شريح والشعبي والزهري والقاسم بن محمد ويحيى بن سعد، وهو قول أبي يوسف وابن أبي ليلى في الشهادة.
٤٩٩ - ويبطل ولاية الجميع زوال العقل لأنه يمنع التكليف، فيمنع الولاية.
بطلان الولاية بالنسيان
٥٠٠ - وكذلك يبطل ولايته نسيانه العلم على قول من جعل ذلك شرطاً في الصحة.
ردة القاضي والإمام
٥٠١ - وتبطل ولاية القاضي والإمام إذا ارتدا عن الدين لأن ردتهما توجب زوال ملكهما عن مالهما ويحل دمهما.
عزل نفسه
٥٠٢ - وتبطل ولايته إذا عزل نفسه هو عن القضاء وكذلك الإمام، كما تبطل الوكالة إذا عزل الوكيل.
стр. 146
بطلان ولايته باستحقاق رقبته
٥٠٣ - وتبطل ولايته باستحقاق رقبته لغيره لأن المملوك لا يملك الولاية وإن ملك، وليس من حيث جاز أن يكون العبد وكيلاً يجوز أن يكون قاضياً، لأن الكافر يجوز أن يكون وكيلاً ولا يجوز أن يكون قاضياً.
وسنذكر في الشهادات حكم شهادة العبد إن شاء الله.
سقوط ولاية الإمام بأسره
٥٠٤ - وإذا أسر الإمام وحصل في دار الحرب وتعذر على الناس الوصول إلى إذنه جاز لهم نصب غيره، وسقط عنهم حكم ولايته.
٥٠٥ - وقد بينا ما يتفق فيه الإمام والقاضي ويفترقان من الصفات في باب متقدم فلا معنى لذكره هاهنا.
طروء الخرس
٥٠٦ - وتبطل ولايته بالخرس الذي لا يتبقى معه كلام، ولا يقضي بالإشارة ومن أجاز شهادة الأخرس يلزمه جواز قضاءه.
القاعدة فيما يطرؤ على القاضي من الأحوال
٥٠٧ - واتفق أصحابنا أن كل صفة لو كان عليها لم يصح أن يتولى الحكم إذا صار إليها يبطل حكمه فيما يستقبل.
٥٠٨ - وكذلك الشهادة وهذا كالجنون والخرس وزوال العقل والفسق.
٥٠٩ - واختلفوا في العمى فأجاز أبو يوسف في الشهادة ما شهده وهو بصير أن يشهد به وهو أعمى، أو حمله غيره الشهادة وهو كذلك أنه يجوز له أن يشهد شاهد الفرع بها وهو أعمى.
стр. 147
موت الشاهد والقاضي
٥١٠ - واتفقوا على أنه إذا مات لا تبطل شهادته التي شهد بها، وكذلك حكمه الذي حكم به.
٥١١ - وقد ذكرنا حكم موت القاضي فلنذكر ما يترتب عليه.
باب موت القاضي
وهذا باب موت القاضي والإمام
٥١٢ - اعلم أن أصحابنا قالوا:
إذا مات الخليفة أو خلع، وله قضاة قد ولاهم، فإنهم على ما كانوا عليه نافذة أحكامهم ماضية قضاياهم، لأن القضاة قوام المسلمين وأعوان الدين، وهو عقد ماض على المسلمين فلا يبطل بموت من عقده، كما أن الإمامة لا تبطل بموت أهل الحل والعقد.
فحكم القاضي في الولاية حكم أهل الحل والعقد. وكما لا نبطل ولاية الإمام بموت من ولاه فكذلك لا تبطل ولاية القاضي إذا مات من ولاه، وكذلك قاضي القضاة إذا مات لا تبطل ولاية قضاته بموته، كما لا تبطل ولايته بموت الخليفة الذي ولاه.
٥١٣ - ولا أعرف في هذا خلافاً بين العلماء لأن العلماء على قولين: منهم من قال ليس للخليفة أن يعزله بعد ولايته بقوله، ومنهم من قال له ذلك وهم أصحابنا.
وفي الموت نصوا على أنه لا تبطل ولايته.
٥١٤ - وسمعت شيخنا قاضي القضاة ﵀ يقول:
- "في الناس من يقول تبطل ولايته بموت الخليفة". ولم أر ذلك في كتاب فأحكيه وليس من حيث بطلت الوكالة بموت الموكل ينبغي أن تبطل
стр. 148
ولاية القاضي، لأن الوكالة إن بطلت بالموت لأنها مستفادة بالإذن، فالوصية تصح بعد الموت بالإذن، والقضاء بالوصية أشبه منه بالوكالة.
٥١٥ - وإذ قد ذكرنا موت القاضي فلنذكر حكم العزل له.
باب عزل القاضي وخلع الإمام
وهذا باب عزل القاضي وخلع الإمام.
٥١٦ - اعلم أن حكم قضاة الإمام بعد خلعه حكمهم بعد موته نافذة أحكامهم جائزة قضاياهم.
متى يخلع الإمام
٥١٧ - والإمام إنما يخلع إذا ارتكب من الأمور ما لا يجوز أن يبتدئ له معه ولاية، ولأنه نائب عن المسلمين، يستوفي ما وجب لهم من الحقوق ويوفيهم ما يجب لهم، ويستوفي منهم ما يجب استيفاؤه لله تعالى، فهو الأمين، والذائد عن الدين، فإذا جار واعتدى وتمرد واحتوى على الأموال وجب على أهل الدين وعلى المسلمين خلعه ومنعه والاستبدال به، وبهذا جرت عادة المسلمين فيمن خرج عن الطريقة ولم يستقم بهم في المسيرة.
متى يمتنع خلع الإمام
٥١٨ - ولا يجوز خلعه بغير ذنب، ولا الاستبدال به من غير جرم لأنه الحافظ الأمين، فالخروج عليه بغير سبب كالمخالفة للرسول ﷺ والخروج عليه.
الفرق بين عزل القاضي وعزل الإمام
٥١٩ - فإن قيل: قد قلتم أن للإمام عزل القاضي من غير سبب يوجب العزل،
стр. 149
فقولوا للأمة نصب إمام من غير سبب وعزل الأول، قيل إن القضاء يقع مخصوصاً بين الناس، ويجوز أن يقضي بين الفين وأهل بلدة، فإذا خربت أو انتقل أهلها لم يجز قضاؤه على غيرهم، وكذلك إذا مات الخصمان اللذان على الإمام الحكم بينهما لم يجز له أن يقضي على غيرهما، فكان مقصوراً على الإذن.
والإمامة بخلاف ذلك لا تخصص بالتخصيص والبقاع، ولا يجوز أن يشترك إمامان في النظر في الأمة فهذا فرق ما بينهما.
أقضية القاضي قبل عزله
٥٢٠ - وإذا عزل الإمام القاضي فأحكامه نافذة وقضاياه ماضية، حتى يصله كتاب العزل وشهادة الرسول بذلك، فحينئذ لا ينفذ له حكم في المستقبل.
تصرفات الوكيل قبل العزل
٥٢١ - وكذلك قال أصحابنا في الوكيل هو على وكالته وتصرفه جائز إلى أن يرد عزله إليه أو يشافهه بذلك الموكل.
متى يعزل الوكيل نفسه
٥٢٢ - وكذلك الوكيل ليس له عزل نفسه بغير علم الموكل.
٥٢٣ - وقد خالفنا الشافعي في الفصلين جميعاً وقال لكل واحد منهما أن يعزل هذا العزل الوكيل، والوكيل يعزل نفسه، وقال في عزل القاضي بخلاف ذلك أنه لا يملك الإمام عزله.
فصل
ما يدعى على القاضي بعد العزل
٥٢٤ - وإذ قد ذكرنا جواز عزل القاضي، وجب أن نذكر ما يدعى عليه بعد العزل.
стр. 150
٥٢٥ - قال أصحابنا:
وإذا ادعى رجل على القاضي المعزول أنه قتل ابنه وهو قاض، أو أخذ ماله، أو أرضه، أو ما في يده، أو شيئاً ذكره من العقود والطلاق والعتاق، وإنك فعلت بي ذلك ظلماً وتعدياً فقال القاضي:
قامت عليك البينة عندي بما فعلت، أو أقررت بذلك لمن حكمت له بما حكمت، فالقول قول القاضي المعزول، ولا يمين عليه في ذلك كائناً ما كان ذلك، ولا تقبل بينة يقيمها على ذلك.
٥٢٦ - ولو قال الطالب للمعزول:
- ما أقر ابني عندك، ولا قامت عليه بينة أنه فعل ما يجب به القود، وحضر الرجل الذي ذكر المعزول أنه قضى له بالقود والحق وكذب القاضي في ذلك، وقال لم يقر لي عندك، ولا قامت بينة بذلك، فالقول قول المعزول في ذلك، ولا يسئل عليه إذا كان المدعى يقر أنه فعل ذلك وهو قاض.
٥٢٧ - وكذلك سائر الحقوق إذا كانت مستهلكة ليست بقائمة.
٥٢٨ - وإن كانت داراً أو عقاراً فقال المدعي:
- أخرج هذا القاضي من يدي هذا الشيء ودفعه إلى هذا ظلماً فقال القاضي: كانت عليك بينة أو إقرار فلا شيء على القاضي في ذلك.
٥٢٩ - وأما ما هو في يده فإن صدق القاضي أنه حكم له بهذا الشيء لم يقبل قوله، ولا قول المعزول ودفع إلى الطالب، إلا أن يقدم بينة أنه قضى به و"هو قاض".
٥٣٠ - وهذا حكم كل شيء قائم في الحال.
٥٣١ - وإن قال الذي في يده الشيء:
هذا لي، وما حكم به هذا أبداً لي، فالقول قول من في يديه الشيء، ولا يقبل قول الخصم ولا القاضي في ذلك.
ولا ضمان على القاضي لأنه يقول حكمت بالحق اللازم، فلا شيء عليه.
стр. 151
٥٣٢ - وكل موضع اعترف الذي في يديه الشيء أنه أخذه بالحكم فأنه يرد على الطالب إلا أن يقيم بينة على الحكم.
٥٣٣ - وإن كان الشيء مستهلكاً فالقول قول الذي هلك في يديه، وقول القاضي المعزول، ولا ضمان على واحد منهما.
٥٣٤ - وإنما لم يقبل إقرار القاضي بعد العزل لأنه لا يملك إنشاء الحكم بذلك فلا يملك الإقرار إذا كان قائماً، وليس عن أصحابنا نص أن يكون في ذلك بمنزلة الشاهد، إلا ما حكيناه في خليفته الذي لم يجعل له استخلافه، أنه لا يقبل منه إلا أن يأتي معه من يشهد بذلك، فيقبل قوله مثله؟
٥٣٥ - واختلف أصحاب الشافعي في ذلك:
هل يكون بمنزلة الشاهد؟ على وجهين:
أحدهما يكون بمنزلة الشاهد، لأنه ليس فيه أكثر من أن يشهد على فعل نفسه، وهذا لا يوجب رد شهادته، كما إذا قالت المرأة: أرضعت هذا الفتى، وهذا قول الاصطرخي.
والثاني أنه لا يكون شاهداً فيه لأن شهادته لنفسه بالحكم تثبت له العدالة وهذا ينبغي أن يكون قولنا.
فصل
كتب المعزول تصل بعد العزل
٥٣٦ - وما كتبه قبل العزل من الكتب الحكمية فوصل إلى المكتوب إليه بعد العزل، لم يقبله، ولم يحكم به، وهو بمنزلة الكاتب إذا مات لم تقبل كتابته.
٥٣٧ - وقال الشافعي تقبل، كما تقبل إذا مات.
فصل
التظلم من القاضي المعزول
٥٣٨ - وإذا تظلم من المعزول متظلم، وسأل القاضي المولى إحضاره لم
стр. 152
يحضره حتى يسأله عما بينهما، لأنه ربما تقصد أن يقدمه ليحلف من غير حق.
٥٣٩ - وإن قال:
لي عليه مال من معاملة أو غصب أو إتلاف أو رشوة أخذها مني على حكمه أحضره، وهذا أيضاً قولنا في الدعوى عليه.
٥٤٠ - قالوا:
وإن قال: حكم على رجل بشهادة عبدين أو فاسقين ففيه وجهان: أحدهما أنه يحضره كما يحضره إذا ادعى عليه مالاً، والثاني لا يحضره حتى يقيم عليه بينة بما يدعيه، لأنه لا تتعذر إقامة البينة.
٥٤١ - فأن أحضره فقال:
ما حكمت عليه إلا بشهادة حرين مسلمين فالقول قوله لأنه أمين، ولا يمين عليه عندنا، وقال بعض أصحاب الشافعي عليه اليمين كالمودع إذا ادعى عليه بجناية.
فصل
الإدعاء على القاضي بالجور في الحكم
٥٤٢ - وإذا ادعى عليه أنه حكم بجور نظرت في ذلك: فإن كان مما يسوغ فيه الاجتهاد أمضاه، وإن كان لا يسوغ فيه الاجتهاد أبطله، كما يبطل حكم نفسه إذا رده الإجماع.
٥٤٣ - وهذا قول الشافعي أيضاً في هذا الفصل.
فصل
الإدعاء بأن القاضي أخطأ في حكمه
٥٤٤ - وإذا ادعى عليه الخطأ في حكمه فهو يترتب على خطأ القاضي إذا كان قاضياً قبل العزل.
стр. 153
٥٤٥ - وخطأ القاضي على وجهين:
أولهما ما هو من حقوق الله تعالى كالحدود فهو في بيت المال.
والثاني حق العباد فذلك راجع على من حكم له به، يغرم ذلك المقضي له، ولا شيء على القاضي فيه كالقتل والمال إذا لم يقدر على رده بعينه غرم المثل أو القيمة أو الدية، فإن كان قائماً بعينه رده على صاحبه، وهذا بأن يتبين أن الشهود ذمة أو محدودون في قذف أو عبيد، وترد المرأة إلى زوجها والعبد يرد إلى الرق والمال إلى صاحبه، ولا غرم على القاضي لأنه تعلق على الحكم الظاهر وما كلف بعلم الغيب.
فصل
إقرار القاضي المعزول بتعمد الجور
٥٤٦ - وإذا أقر المعزول أنه فعل ذلك عمداً، وأنه جار وقضى بما لا يلزم لزمه ذلك في ماله، وزالت عدالته.
٥٤٧ - ويعزل إن كان والياً ويؤدب مع الضمان وإن كان معزولاً.
هذا قول أصحابنا جميعاً.
٥٤٨ - وقد قال أصحابنا إذا أقر القاضي أنه حكم لهذا الرجل بجور وباطل سقطت عدالته بإقراره، وعزل عن القضاء، وغرم ذلك الحق ولا ينقض قضاؤه، ولا يصدق على نقض ما قضى ولا فرق بين أن يكون معزولاً أو قال ذلك وهو قاض.
٥٤٩ - وكذلك قالوا: لا يقبل قول الشهود أنهم شهدوا بباطل إذا كان الحكم قد نفذ ومضى.
وسنذكر في الشهادات من ذلك ما يجب.
стр. 154
٥٥٠ - وإذ قد ذكرنا حكم الولاية والعزل فلنذكر حكم معاملة القاضي.
باب معاملة القاضي
وهذا باب معاملة القاضي للناس في ماله ومال من يلي عليه:
٥٥١ - قال الطحاوي ﵀ في أدب الحكام:
الحاكم أجير المسلمين فلا ينبغي له أن يتشاغل بمتجر يقطعه عن النظر في أمورهم، فإن نظر في متجر أو صنعة من غير أن ينقطع بذلك عما أسند إليه جاز.
٥٥٢ - قال أصحابنا:
- ولا يكره له الشراء والبيع بنفسه لأن النبي ﵇ باع واشترى، وكذلك الأئمة الأربعة باعوا واشتروا، وفعلهم حجة وإتباعهم سنة.
٥٥٣ - وقال الشافعي: يكره له البيع والشراء بنفسه.
٥٥٤ - وروى عن النبي ﷺ عن طريق أبي الأسود الدؤلي
стр. 155
أنه قال: (ما عدل وال اتجر في رعيته أبداً).
٥٥٥ - وذكر عن شريح أنه قال:
شرط على عمر ﵀ حين ولاني القضاء أن لا أبيع ولا ابتاع ولا أرتشي ولا أقضي وأنا غضبان.
ولأنه يحابي.
٥٥٦ - فإن احتاج إلى ذلك وكل وكيلاً ينوب عنه، ولا يكون معروفاً، فإن عرف استبدل به من لا يعرف، فإن لم يجد تولى بنفسه، لأنه لابد له منه.
٥٥٧ - فإذا وقعت لم يبايعه حكومة استخلف من يحكم بينه وبين خصمه لأنه لا يؤمن أن يميل معه.
٥٥٨ - ولو كان ما قالوه يقوى عند الله ويلزمه بين الناس لما كان أولى بأن يفعل ذلك إلا أئمة العدل، والعدالة والأمانة يمنعان الميل وهما رأس مال القاضي فإذا لم يوجدا لم يصح القضاء، ولو كره ذلك للقاضي لكره للشاهد، ولمنع قول الشهادة، وهذا لا يجوز.
وقد قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾.
فصل
الإشراف على كتابه وأصحاب مسائله
٥٥٩ - وينبغي للقاضي أن يشرف على كاتبه وأصحاب مسائله وأمنائه،
стр. 156
ويتفقد أمورهم، ويجوز له أن يحاسب بنفسه الأمناء والأوصياء، ويقتصد في أمر الرزق على من يستعمله على مال يتيم أو وقف.
٥٦٠ - وما كان من مال يتيم في يد وصيه، وهو أمين عليه قيم به فأمره إليه.
٥٦١ - وإن لم يكن له وصي اختار له وصياً من قرابته ممن يوثق به، فإن لم يكن فمن الجيران، فإن لم يكن في الجيران من يصلح لذلك فمن غيرهم فيجعله وصياً، ويفرض له رزقاً ويشهد له بذلك ويصير كالوصي، يجوز له ما يجوز للوصي.
٥٦٢ - وإن لم يجعله وصياً بل حافظاً لماله ولدخله ونفقته وخرجه لم يجز له إلا ما جعله إليه من ذلك.
فصل
إقراض أموال الأيتام بشرط قيام المقترض بمؤونة الصبي
٥٦٣ - وللقاضي أن يقرض أموال الأيتام على الثقات ويكتب عليهم بذلك فهو أحوط من الودائع وآمن العواقب.
٥٦٤ - ويتفقد أحوال من يقرضه ذلك في كل مدة فإن وقف على تغير حال أبدل به سواه من الموسرين من الثقات لأنه قد يصير معسراً بعد اليسار.
٥٦٥ - ويفعل في ذلك ما يرى أنه أحوط وأصلح لليتيم.
٥٦٦ - وقد رأينا شيخنا قاضي القضاة ﵀ يودع ذلك عند الأمناء ويجري على الأيتام ويبيع عليهم حتى يأكلوا ذلك.
٥٦٧ - وربما أعطى في بعض الأحوال من يتجر للصبي.
٥٦٨ - وكان في بعضها يكتب المال على من يسلمه إليه ويكلفه مؤنة الصبي من عنده وهذا أحوط إذا كانا المدفوع إليه ثقة.
٥٦٩ - وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال اسعوا في أموال اليتامى لا تأكلها النفقة، ودفعت عائشة ﵂ مال أيتام إلى مولاها أسلم تجارة.
стр. 157
فصل
تعيين أيام للقضاء
٥٧٠ - وللقاضي أن يخص نفسه بزمان يصرفه في مصالحه وحوائجه والنظر في أهله وخلوته، ويعين للقضاء يوماً يكون قد صرف إليه وسعه ويحضر فيه الناس ويعرفونه به، فيقصد في ذلك اليوم وليس عليه صرف زمانه أجمع إلى القضاء.
قضاء الرباع
٥٧١ - وكل ربع له قاض يقضي فيه، وعلى بابه من يقضي في الفرض والدين.
يوم مجلس الدامغاني
٥٧٢ - وكان شيخنا قاضي القضاة ﵀ يوم مجلسه الثلاثاء فيحضره الشهود والوكلاء والخصوم ويستغرق اليوم جميعه في المحاضر والسجلات وقراءة الكتب، فلما صارت شهوده من التجار والمتعيشين في البيع والشراء جعل مجلسته في يوم السبت.
٥٧٣ - وكان يجلس طرفي النهار فيدخل عليه الناس، وربما وصل الدرس، وأكثر الأحوال لا يصله لاسيما بعد توليه القضاء.
تعليقه الخلاف على الدامغاني
٥٧٤ - وما عرفت أحداً من جماعة أصحابه علق عليه تعليقة كاملة من أول الفقه إلى آخره لا في الخلاف ولا في المذهب، وقد علق كل إنسان غير ما علق الآخر، ولعله إذا جمع يكمل الخلاف، وما أظنه يكمل لأحد من الناس.
فصل
عيادة القاضي المريض ... الخ
٥٧٥ - قال أصحابنا وللقاضي أن يعود المريض ويشهد الجنازة، ويجيب إلى الدعوة العامة والخاصة إذا كان ممن جرت عادته به.
стр. 158
قبول الهدية
٥٧٦ - وقال الشافعي إن كانت له عادة بأن يهدي إليه من ذوي رحم أو مودة، فإن كانت له حاجة في الحال لم يقبل الهدية، وإن لم تكن له حاجة نظر: فإن كان ما أهدى له أزيد مما جرت به العادة أو أرفع لم يجز له قبولها لأن الزيادة بالولاية، وإن كانت مثل الأول جاز له قبولها.
٥٧٧ - (و) قال بعض أصحابه: الأولى أن لا يقبل (إذ) يجوز أن تكون له حكومة منتظرة في المستقبل.
حضوره الولائم
٥٧٨ - قالوا: ويجوز أن يحضر الولائم لأن وليمة غير العرس تستحب الإجابة إليها.
٥٧٩ - قالوا: وفي وليمة العرس وجهان: أحدهما أنها فرض على الأعيان والثاني فرض على الكفاية، ولا يخص بعضهم بالإجابة دون بعض لأن في ذلك ميلاً وترك العدل.
٥٨٠ - فأن كثرت عليه وقطعته عن الحكم ترك الحضور في حق الجميع لأن الإجابة إما أن تكون سنة أو فرضاً على الكفاية أو فرضاً على الأعيان، وذلك كله لا يضر بالمسلمين تركه، وترك القضاء يضر بالمسلمين فكان تقديم القضاء أولى.
٥٨١ - وسنذكر في أبواب المدعى من يجوز له أن يعدى عليه ومن لا يجوز، ومن يجوز أن يقضي له ومن لا يجوز، وما يحله قضاؤه لغيره وما لا يحله قضاؤه وحكم القضاء له وعليه، وعلى من يتعلق به من الناس، فهذه الأبواب يقع الكلام فيها في القاضي، وما يتعلق به من المسائل والشروط.
٥٨٢ - وأما الكلام في المقضي له وهو المدعى عليه وما يتعلق به من الأبواب والفصول فأول ذلك:
стр. 159
ذكر المدعي والصفة التي يكون عليها
٥٨٣ - أعلم أن النبي ﷺ قال:
البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه .
٥٨٤ - وهذا كلام: يجب أن يعرف من المدعى ليعمل ببينته، والمدعى عليه ليعمل على يمينه.
٥٨٥ - والذي قاله شيخنا قاضي القضاة ﵀ في شرح كتاب الدعوى من مختصر المحاكم مما علقناه عنه ودرسناه عليه فذكر الدعوى وذكر بعدها المدعي، وهذا أصح، لأن المدعي من له دعوى، فقال:
تعريف الدعوى
٥٨٦ - الدعوى عبارة عن قول يقصد به إثبات شيء عار عن برهان.
ومتى كان فيها حجة أو برهان لم تكن دعوى.
٥٨٧ - ولهذا لا يقال للنبي أنه مدع بعد قيام المعجز على ما قاله، ولا لمن استدل بذلك على قوله أنه مدع. ويقال لمن ليس له حجة مدع.
هذا حده في اللغة.
٥٨٨ - واختلف أصحابنا فيه هل يعتبر بالشرع أم لا؟
стр. 160
٥٨٩ - فكان أبو سعيد البردعي يقول هو على ما كان لم يتغير.
٥٩٠ - وقال غيره قد تغير ونقل إلى شيء دون شيء.
٥٩١ - وقد كانت في شرع من تقدم أيضاً كذلك.
٥٩٢ - روى عن قتادة في قوله (تعالى): ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾.
قال: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه.
وقال الحسن البصري ﵀ "فصل الخطاب" طلب العلم بالقضاء.
وقال شريح: الشهود والإيمان.
٥٩٣ - وروى الخصاف عن مجاهد في قوله (تعالى): ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾، قال: ليست النبوة ولكنه العلم والقرآن والفقه.
٥٩٤ - وذكر عن عمر بن عبد العزيز (أنه) قال:
خمس إذا اخطأ القاضي فيهن خصلة كانت فيه وصمة:
стр. 161
أن يكون فهيماً.
وأن يكون عفيفاً.
وأن يكون صابراً.
وأن يكون عادلاً.
سؤولاً عن العلم.
فصل
٥٩٥ - واختلف أصحابنا في المدعي من هو؟
٥٩٦ - فقال الكرخي ﵀:
هو الذي يقصد بدعواه إثبات حق على الغير في يده أو في ذمته، والمدعى عليه من لا توجد هذه الصفة فيه.
٥٩٧ - واعترض عليه بأن من في يديه الشيء إذا ادعاه على الخارج أنه اشتراه منه فهو مدع، ولا يقصد ما قال.
٥٩٨ - ومن أصحابنا من قال المدعي هو الذي يقصد أمراً خفياً ليزل به أمراً جلياً.
٥٩٩ - ومنهم من قال:
المدعي هو الذي يدعي أمراً حادثاً، والمدعى عليه من يتمسك بالظاهر،
стр. 162
وألزم عليه مسألة الشك.
٦٠٠ - ومنهم من قال:
المدعي هو الذي في قوله نعم وبلى وايش والمدعى عليه من في قوله لا ولم وما.
٦٠١ - ومنهم من قال:
المدعي هو الذي إذا تَرك تُرك والمدعى عليه إذا ترك لم يترك.
٦٠٢ - ومنهم من قال:
المدعي هو الذي (يقول) ما يضر به الغير وينفع به نفسه والمدعى عليه من يقول ما ينفع به نفسه وأن لم يضر به غيره.
٦٠٣ - وقال محمد في كتاب الدعوى:
المدعي هو الطالب.
والمدعى عليه هو المنكر.
٦٠٤ - وكل هذه الوجوه ذكرها ﵀ وعليها كلام حذفته.
شرط الصفة (المصلحة)
٦٠٥ - وينبغي أن يكون المدعي عاقلاً على صفة يصح معها قوله، وتسمع دعواه، ولا فرق في المدعي بين الحر والعبد، والذكر والأنثى، والبالغ والصبي المأذون له، والطالب لنفسه أو لغيره، إذا كان له ولاية على الغير أو قد أذن له. في ذلك مما تجوز فيه النيابة.
٦٠٦ - وإذا قد ذكرنا صفة المدعي فينبغي أن نذكر جواز العدوى بقوله:
стр. 163
جواز العدوى بقول المدعي
٦٠٧ - اتفق أصحابنا على جواز العدوى بقول المدعي قبل أن يعلم أنه محق أو مبطل إذا كان المدعى عليه في المصر.
٦٠٨ - قال أبو يوسف: على هذا أدركنا الناس، وكان ابن أبي ليلى يفعله ولا ينكره أبو حنيفة ولا يعيبه.
٦.٩ - وهو قول الشافعي أيضاً وأصحابه.
٦١٠ - وقد رأيت شيخنا قاضي القضاة ﵀ إذا جاءه أحد يستعدي على بعض الكبار راسله وقال له:
- أما أن ترضي خصمك أو تحضر مجلس الحكم وكان ربما أنفد إلى كل واحد بوكيله على باب الحكم.
وكان لا يعجل بالاستدعاء، وهو فعل لا يبعد عن الصواب، وله وجه.
٦١١ - وقال الطحاوي في أدبه:
- إذا استعدى على رجل قال له:
من هو؟
فإذا قال: فلان.
قال له:
- ادعه إلي
فإن قال: دعوته فلم يجب.
قال:
стр. 164
سأدفع إليه طابعاً "حينئذ، وإن شاء الله احلفه أنه امتنع وهو قادر على المجيء".
٦١٢ - فإذا دفع إليه طابعاً فإن قال لا يحضر بهذا الطابع فلان فلو ناديناه بشاهدين يشهدان على امتناعه، كان ذلك صواباً.
٦١٣ - وقد روى الخصاف في جواز العدوى بقول الخصم أخباراً منها أن رجلاً من أراش (كذا) قدم مكة بابل وقباعها من أبي جهل فمطله وظلمه فقام في المسجد فقال:
- يا معشر قريش! أتى رجل غريب ابن سبيل، وأني بعت إبلاً من أبي جهل فمطلني وظلمني، فمن رجل يعديني عليه فيأخذ لي بحقي؟
قال، ورسول الله ﷺ في المجلس جالس، فقالوا:
ذلك الرجل يعديك عليه، فانطلق إليه فذكر له ذلك فقام معه.
وبعثت قريش في أثرها رجلاً، وإنما فعلوا ذلك استهزاء لما قد علموا بين النبي ﷺ وبين أبي جهل من العداوة.
قال فأتى الباب فضربه، فقيل من هذا؟
فقال محمد:
فخرج أبو جهل وما في وجهه رائعة من الذعر.
فقال:
- اعط هذا حقه.
قال:
стр. 165
نعم، فدخل فأخرج حقه وأعطاه إياه فجاء الرسول فأخبرهم، وجاء الرجل فوقف عليهم فقال:
- جزاه الله خيراً فقد أخذ لي بحقي.
قال فلم ينصرفوا إن جاء أبو جهل فقالوا:
- ويلك ما صنعت؟!
فقال:
- والله ما هو إن ضرب على الباب.
فقال محمد فذهب قوامي فخرجت إليه وإذا معه فحل ما رأيت مثل هامته وأنيابه لفحل قط إن كان ليأكلني لو امتنعت، فوا الله ما ملكت نفسي إن أعطيت حقه.
٦١٤ - وهذا الخبر قد دل على جواز العدوى بقول الخصم، لأنه قبل ﵇ قوله في ذلك، ودل على أن الفحل الذي معه وما لحق أبا جهل منه معجزة له ﷺ إذ مثل ذلك لا يكون إلا لنبي والشاهد له بذلك مثل أبي جهل الذي لو قدر على غير ذلك لفعل.
٦١٥ - وقد تقدم حديث عمر ﵁ وإنفاذه إلى زوجة الذي قال له أنه وجد معها عبده بأبي واقد.
٦١٦ - وقد روى في ذلك أخبار (كثيرة) وهو فعل الحكام اليوم في البلاد.
٦١٧ - ورأيت في بلد الرحبة في باب الجامع مسماراً عليه ختم القاضي، فإذا أراد أحد إحضار خصمه قصد باب الجامع وطبع عليه الشمع، وحمل خصمه إلى القاضي، ولا يجسر أحد على رد الخاتم، وفيه منفعة كثيرة للضعيف وهيبة على القوي، ولا أعلم من سن ذلك من القضاة، ولا سمعت في ذلك شيئاً فأحكيه.
٦١٨ - وذكر الخصاف أنه كان على خاتم سعيد بن أشوع الهمداني قاضي الكوفة: أجب (القاضي) سعيد بن أشوع.
стр. 166
٦١٩ - وإذ قد ذكرنا جواز العدوى بقوله فإلى أي موضع يعدى عليه القاضي.
باب الموضع الذي يعدى عليه
وهذا باب الموضع الذي يعدى القاضي على الخصوم:
٦٢٠ - اتفق أصحابنا وأصحاب الشافعي على أنه يعدى على الخصم إذا كان في المصر أو خارجاً عن المصر في موضع يمكن الرجوع إليه، وأن يبيت المدعى عليه فيه في بقية يومه، فأما إذا كان خارجاً عن المصر، بعيداً لا يقدر على الرجوع في يومه إلى بيته ومنزله لم يحضره حتى يقيم البينة عليه بالحق، ويكتب إلى الوالي بإحضاره، ولا يعطيه خاتماً لأنه يصعب على من خارج المصر الشهود على رد الخاتم، وفي الحاضر لا يصعب ذلك.
٦٢١ - وقد قال أصحاب الشافعي في الغائب أنه لا يحضره حتى يحقق الحق، غير أنهم قالوا إن كان الغائب في موضع فيه حاكم كتب إليه لينظر بينهما، وإن لم يكن من ينظر بينهما يحضره حتى يحقق الدعوى كما يقول، قالوا لأنه يجوز أن يكون ما يدعيه عنده لا يستحق إحضاره كثمن الكلب وقيمة الخمر للنصارى.
"لأنه يشق عليه الحضور لما لا يجب عليه، وليس هذا كالحاضر فإنه لا يشق عليه الحضور. قالوا فإذا حقق الدعوى على الغائب أحضره لأن أبا بكر ﵁ كتب إلى المهاجر بن أميه أن ابعث إلي بقيس بن المكشوح وأحلفه
стр. 167
على قبر رسول الله ﷺ خمسين يميناً أنه ما قتل داودية (كذا).
لأنه لو لم يلزمه الحضور أدى ذلك إلى إبطال حقه.
٦٢٢ - وإذا قد بينا الموضع يحضر منه في البلد وخارجه فلنذكر كيفية إحضار الخصم".
باب كيفية إحضار الخصم إلى القاضي
٦٢٣ - وينبغي للقاضي إذا أراد إحضار خصم أن يدعوه بأرفق الوجوه، وأجمل الأقوال، لأنه يدعوه إلى حكم الله ودينه.
٦٢٤ - وعلى المدعى عليه الإجابة إلى ذلك، ولا يسعه التأخير.
دليل القاعدة
٦٢٥ - قال الله تعالى:
﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَاتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ
стр. 168
أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾.
فأدب الله تعالى أحسن الآداب، وقوله أصدق القول.
٦٢٦ - فكما يجب على المدعي الترفق بخصمه ليتمكن من استيفاء حقه، فكذلك يجب على المطلوب الإجابة إلى ما يدعى إليه، وأيهما تعدى ما قلناه إثم، وربما فسق إن لم يكن له عذر.
٦٢٧ - وإن امتنع عليه: فإن كان لغير عذر أثم، وإن كان لعذر لم يأثم.
٦٢٨ - وهذا يوجب أن نذكر العذر الذي يسقط الحضور.
باب العذر الذي يسقط الحضور
وهذا باب العذر الذي يسقط الحضور.
٦٢٩ - اتفق الفقهاء على أن المرض الذي لا يستطيع معه الحضور بنفسه إلى الحكم يسقط الحضور عنه، لأن المرض يسقط الصيام وأركان الصلاة الواجبة والصوم، فجاز أن يسقط الحضور.
٦٣٠ - ويسقط الحضور أن تكون امرأة غير برزة، لأن الحياء في النساء يمنع من استيفاء مالها من الحق.
وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال: "وأغد يا أنس على امرأة هذا فإن اعترفت فأرجمها" ولم يكلفها الحضور مع اعتراف من اعترف أنه زنا بها.
وكذلك قال عمر لأبي واقد الليثي في امرأة الرجل الذي زعم أنه وجد عبده معها ولم يكلفها الحضور.
٦٣١ - والجنون يسقط الحضور، وكذلك زوال العقل بالسكر والإغماء.
стр. 169
٦٣٢ - وأما كيفية القضاء عليهم فسنذكر ذلك في باب ما يجوز القضاء على المريض والمخدرة إن شاء الله.
٦٣٣ - وإذ قد ذكرنا العذر فلنذكر الامتناع.
باب الامتناع من الحضور إلى القاضي
وهذا باب يذكر فيه الامتناع من الحضور إلى القاضي:
٦٣٤ - وإذا امتنع الخصم من الحضور مع خصمه قبل أن يدعوه القاضي إلى الحكم لم يكن للحاكم تأديبه على ذلك إذا صح عنده، وإن قلنا أنه يأثم.
٦٣٥ - وأما إذا وردته طينة القاضي وخاتمه والمحضر فإن القاضي يحضره بالوالي.
٦٣٦ - ويتقدم بما يراه من تأديبه إذا شهد عنده شاهدان بامتناعه، ولا يسأل عنهما بعد أن يكونا مستورين، إن شاء حبسه قليلاً وإن شاء كثيراً وإن رأى تأديبه بكشف الرأس وغير ذلك مما يكون فيه إقامة حشمة الحكم.
فصل
٦٣٧ - وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة:
أربعة من الشهود لا يسأل عنهم:
شاهد رد الطينة.
وشاهد تعديل العلانية.
وشاهد المعرفة الذي يدعو به القاضي من غير قرعة.
والرجل يستعدي على الرجل يريد اشخاصه إلى المصر فيقيم عليه شاهدين بحق يدعيه قبله.
стр. 170
٦٣٨ - وقال ابن سماعة: اسأل عن شاهدي رد الطينة والأشخاص.
٦٣٩ - وإن حضر المدعي وقال:
- ق توارى خصمي في منزله ولا يحضر معي الحكم.
فإنه يأمر الوالي بإحضاره.
٦٤٠ - فإن قال الوالي لم أظفر بالرجل وأنا أطلبه، وإذا ظفرت به أحضرته فقال المدعي للقاضي:
- أختم لي على منزله فإنه فيه.
لم يحبه القاضي إلى ذلك حتى يشهد عنده اثنان أنه في منزله، بعد أن يقولوا اليوم رأيناه أو أمس أو منذ ثلاثة أيام فيجيبه إلى ذلك ويختم.
٦٤١ - وإن كانت رؤية قديمة لم يختم.
٦٤٢ - فإذا ختم على منزله بشهادة الشهود فحضر المدعى عليه، والخاتم على بابه، فقال المدعي أنه لا يحضر، وقد جلس في منزله فانصب له وكيلاً، واستمع من شهودي عليه، فإن أبا حنيفة ومحمد قالا: لا ينصب لا وكيلاً ولا يقضي.
لأن نصب الوكيل قضاء عليه.
٦٤٣ - وقال أبو يوسف:
إذا صح عند القاضي أنه في منزله نادى على بابه ثلاثاً: أنه إن لم تحضر قضيت عليك.
فإن لم يحضر أقام قيما وسمع من البينة.
٦٤٤ - وقد روى عن أبي يوسف مثل قول أبي حنيفة أنه لا ينصب عنه وكيلاً.
стр. 171
٦٤٥ - وقال الخصاف عنه أنه قال في كتاب «أدب القاضي»: «ولو حضر بكتاب إلى قاضٍ بحق على رجل فلم يحضر المطلوب، ولو يوكل فشهد بذلك الشهود فإنه يقبل كتاب القاضي والبينة وينفذ القضاء عليه.
الهجوم على الغائب والتسمير
٦٤٦ - وقد حكى الطحاوي في «أدب القضاء الصغير» له أن بعضهم كان يرى الهجوم على الغايب، وبعضهم لا يراه، وبعضهم يرى التسمير على الأبواب وبعضهم لا يراه.
٦٤٧ - وقال بعض الحكام:
أجلس رجلاً على بابه، ويمنع من الدخول والخروج من منزله، إلا من الطعام والشراب فإنه لا يمنع عنهما، ويضيق عليه حتى يخرج فيحكم عليه.
ترتيب الهجوم
٦٤٨ - قال الخصاف:
ومن رأى الهجوم من أصحابنا على الخصم في منزله إذا تبين ذلك فيكون ذلك بالنساء والخدم والرجال فيقدم النساء في الدخول ويدخلون نساء المطلوب في بيت ثم يفتش الدار ثم يدخل البيت الذي فيه النساء خاصة، فإذا وجد أخرج.
الهجوم على غفلة
٦٤٩ - ولا يكون الهجوم إلا على غفلة من غير استثمار، يدخل النساء أولاً، فإذا تقدمن في المنزل من النساء دخل الرجال.
стр. 172
نقد مبدأ الهجوم على الغائب
٦٥٠ - وهذا الوجه عندي ضعيف، لأنه ربما كان الخصم وحده في البيت، فكما لا يجوز دخول الرجال على النساء، لا يجوز أيضاً دخول النساء على الرجال، وهذا أمر يتوهم، فعلة المنع حاصلة، فينبغي أن لا يجوز.
٦٥١ - وقدي روى الخصاف أن علي بن أبي طالب ﵁ استعمل عبد الرحمن بن محزم على الري فأخذ المال وتواري عند نعيم بن دجاجة الاسدي، فأرسل عليه ﵁ من يخرجه من دار نعيم، فجاء معهم إلى علي فقال له:
- إن مفارقتك لكفر وإن المقام لذل.
فأمر بالكف عنه.
٦٥٢ - وعن عمر ﵁ أنه بلغه عن نائحة في ناحية في المدينة يجتمع عندها فأتاها فهجم عليها في منزلها ثم ضربها بالدرة حتى سقط خمارها.
فقيل له:
- يا أمير المؤمنين! أن خمارها قد سقط.
فقال:
لا حرمه لها:
ذكره الخصاف أيضاً.
٦٥٣ - ولا أعرف لأصحاب الشافعي في الهجم والتسمير وما ذكرناه قولاً فاحكيه، إلا ما قدمناه أن الوالي يحضره إذا امتنع، فأما هذا التفضيل فلم أره فيما حضر من كتبهم عند تأليف هذا الكتاب.
стр. 173
٦٥٤ - وإذ قد ذكرنا حكم الامتناع من الحضور فهل يستوي الرجال والنساء أم يخلفون؟
وهذا يقتضي ذكر مالهن وعليهن.
باب دعوى النساء والدعوى عليهن
وهذا باب يذكر فيه دعوى النساء والدعوى عليهن.
٦٥٥ - أعلم أن حكم النساء حكم الرجال في الخصام والمنازعات: الحرة كالحر والأمة كالعبد لا يختلفان في الدعاوى والبينات ولا الإيمان ولا المحاكمات: ملكها كملك الرجل فيما يملك من الأموال وحدها كحده وقذفها كقذفه وقتلها كقتله، وما يفترقان فيه من الأحكام فإنما هو مستثنى من هذا الأصل.
٦٥٦ - وإذا استعدى رجل على امرأة أو امرأة على امرأة إلى القاضي، وادعى عليها مالاً في يدها أو ديناً في ذمتها أو حقاً يجب القضاء به والحكم إذا وجد شرط الحكم فإن القاضي يحضرها كما يحضر الرجل إلا أن تكون غير برزه فلا يحضرها ولكنه ينفذ إليها من يسألها عن دعوى خصمها.
٦٥٧ - وسنذكر كيفية القضاء عليها في باب القضاء على من له عذر يمنعه من الحضور.
٦٥٨ - وأما إذا كانت مخدرة، وكان لها حق على غيرها، من قريب أو بعيد أو زوج فأرسلت إلى القاضي وسألته الدعوى على خصمها، فإنه ينفذ إليها شاهدين وبعض الوكلاء فتوكل في ذلك، ويشهد الشهود عليها، ويدعي الوكيل بما يتوجه لها من حق، فإن وجب عليها يمين فيما يقضي به للوكيل لها فإنه يرسل إليها من يسأل عن ذلك، ويستوفي اليمين إن كان اليمين يجب عليها.
٦٥٩ - وسنذكر فيما بعد ما يقبل قولها فيه بلا يمين، وما يقبل مع يمينها، ونذكر الخلاف في ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى.
стр. 174
٦٦٠ - هذا حكم الأحرار والحراير إذا كانوا من أهل التكليف قد ذكرناه. وبقى حكم الرقيق.
باب دعوى العبيد والمكاتبين
ومن فيه رق
٦٦١ - والعبيد والرقيق على ضربين: منهم من يتصرف لنفسه ومنهم من يتصرف لغيره.
٦٦٢ - فالمكاتب يتصرف لنفسه في سائر عقود المعاملات من البيع والشراء والشركة والمضاربات والمطالبة بالشفعة والإجارات، وهو كالحر فيما يدعي على غيره من العقود والجنايات، ويثبت بينه وبين مولاه أروش الجنايات، وقيم المتلفات والشفع والأشرية والرد بالعيب، وهو في هذه الأحكام معه كالأجنبي وهو كالعبد في النكاح والهبة والتبرعات وعتق ما في يديه من الرقيق.
٦٦٣ - وسنذكر ما فيه من الخلاف في كتابه إن شاء الله.
٦٦٤ - والعبد المأذون كالمكاتب إذا كان عليه دين، وكالعبد المحجور إذا لم يمكن عليه دين.
٦٦٥ - والمعتق بعضه كالمكاتب عند أبي حنيفة.
٦٦٦ - وإذا ادعى رجل على مكاتب دعوى في نفس أو طرف أو مال أو غصب أو اتلاف فأن القاضي يسمع الدعوى ويعدى عليه.
٦٦٧ - وكذلك إذا ادعي المكاتب تسمع دعواه، وأعدى القاضي على خصمه، ونظر فيما يدعيه فحكم عليه إذا كان مثله مما يحكم به.
٦٦٨ - وكذلك حكم المأذون له في التجارة.
стр. 175
٦٦٩ - والمكاتبة كالمكاتب، والمأذونه كالمأذون، وكذلك المعتق بعضها كالمعتق بعضه.
٧٧٠ - وأما العبد القن والأمة القن فهما في الدعاوي بخلاف من ذكرنا إلا في دعوى العتق والكتابة والتدبير على المولي، فإن دعوى العبد القن على مولاه تسمع، ويسأل المولي عنها، وكذلك التدبير والكتابة والاستيلاد.
٦٧١ - فأما الجنايات والعقود بغير إذن المولي لا تسمع، بل الخصم في ذلك هو المولي.
٦٧٢= وإذا قد ذكرنا حكم دعوى البالغ الحر والعبد المأذون ومن ذكرناه فبقى دعوى الغير عن الغير.
باب دعوي الولي عن الصغير
وهذا باب دعوي الولي عن الصغير:
٦٧٣ - أعلم أن الصغير لما كان غير مكلف وكان يحتاج إلي ما يحتاج البالغ من المأكول والمشروب والملبوس والتعليم، وكان عاجزاً عن ذلك غير كامل ولا مكلف رخص الشرع في التصرف في ماله لوليه كأبيه وجده إذا كانا من أهل الولاية.
стр. 176
صفات الولي على الصغير
٦٧٤ - وإنما يكونان كذلك إذا كان عدلين أمينين، لا اختلاف بينهما في دين ولا دار ولهما ضبط وتمييز.
شرط تصرف الولي عليه
٦٧٥ - ولا يجوز تصرف الولي عليه حتى يكون للصبي فيه النفع، ولا يكون عليه في مضرة.
٦٧٦ - ولا يبيع ما فيه غبن ماله.
٦٧٧ - وليس له إسقاط حقوقه الواجبة له بغير عوض يحصل له، أو عرض يوفى على ذلك.
٦٧٨ - وسنبين في المعاملات ما يجب من ذلك وأما الغرض ها هنا أنه يجوز للولي أن يدعي الحق الذي يجب للصغير على غيره من أثمان البياعات وقيم المتلفات وأروش الجنايات.
٦٧٩ - وله أن يقيم البينة بذلك.
٦٨٠ - ويتسلم ما قضى به للصبي من ثمن أو مهر أو أجرة أو نفقة.
٦٨١ - وهو أولى بالتصرف من الحاكم والأم وسائر الأقارب.
٦٨٢ - وقد روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "أنت ومالك لأبيك".
٦٨٣ - وأول فائدة هذه الإضافة أن تفيد جواز التصرف.
٦٨٤ - وله أن يستنيب في الخصومة، ويوكل في كل ما يجوز أن يتولاه بنفسه.
стр. 177
٦٨٥ - وكل تصرفه يلزم الصبي بعد بلوغه، وليس له إبطال ما أجزنا له التصرف فيه بعد البلوغ.
٦٨٦ - ولما كان له التصرف بنفسه وبغيره، وجب ذكر جواز نيابة الغير.
باب جواز دعوى الوكيل لغيره
وهذا باب يذكر فيه جواز دعوى الوكيل لغيره.
٦٨٧ - أعلم أن الوكيل إذا صحت وكالته ولزمته حجته جاز للقاضي أن يسمع دعواه، والدعوى عليه فيما يصح أن يتولاه لغيره.
٦٨٨ - وهو كالولي، لأن النبي صلي الله عليه وسلم وكل عمرو بن أمية الضمري في تزويج أم حبيبة، وعروة البارقي في شراء أضحية، وكذلك أئمة العدل ووجوه الصحابة والتابعين، وهو عمل الناس في جميع الأمصار.
٦٨٩ - وللوكيل المخاصمة فيما وكل به ما لم يخرج من الوكالة بموت
стр. 178
الموكل أو موت من وكل عليه أو عزل نفسه أو عزل من وكله أو بلوغ من وكل له من الصغار أو موتهم.
٦٩٠ - وسنذكر في كتاب الوكالة ما يجوز من ذلك وما لا يجوز، ونذكر الخلاف في مسائل الخلاف في ذلك.
٦٩١ - وتصرف الوكيل موقوف على الأمر، فليس له أن يتصرف في غير ما أمر به.
٦٩٢ - وقد يتصرف عن البالغ تارة وعن الصغير أخرى.
٦٩٣ - ولما جاز أن يموت الوكيل والولي ويحتاج الصغير إلى من يتصرف عليه وجب ذكر ذلك، وليس ذلك إلا إلى الأمين.
وهذا باب يذكر فيه دعوى الأمين
نصب الأمناء
٦٩٤ - ولما كان القاضي منصوباً للتصرف في مصالح المسلمين، وهو نائب عن الإمام، وكان يجب عليه حفظ ما انتهي إليه من أمر أو مال أو حفظ ضالة أو تسلم مال تركة أو وقف أو وصية، وكان لا يجوز له أن يتولي ذلك بنفسه، ولا يقوم بحفظ ما يجب عليه لكثرته، جعل الشرع له أن ينصب الأمناء على الأيتام والوقوف ومال من غاب من الناس، وبيع ما يجب بيعه وحفظ ثمنه، وكان مصوناً عن أن يدعي عليه الدعاوى في عقوده وما يأمر به جعل ذلك إلى أمينه ليخرج من هذه العهدة فلهذا قلنا يجوز للأمين أن يدعي عن غيره وأن يدعى عليه ما يجب على الغير إذا لم يمكن أن يقضى عليه.
стр. 179
٦٩٥ - ويكون الأمين كالولي والوكيل في ذلك.
٦٩٦ - وهذا لا خلاف فيه أن للقاضي أن يفعله بمطلق الولاية، ويستفيده بنظر الحكم.
إطلاق التصرف للأمين وتقييده
٦٩٧ - وقد يجعل القاضي إلى الأمين التصرف على سبيل العموم تارة وعلى سبيل الخصوص أخرى.
٦٩٨ - وهذا يقتضي ذكر ما يصير به تصرفه عاماً، وذلك إنما يكون بأن يجعله وصياً.
باب دعوى الوصي
وهذا باب يذكر فيه دعوى الوصي:
٦٩٩ - أعلم أنه لما كان التصرف يقع على وجهين عن الغير: في حالة الحياة وفيما بعد الموت جوز له أن يوكل حالة الحياة وأن يوصي إلى غيره بعد الموت.
٧٠٠ - فالوكيل لا يتصرف بعد موت الموكل فيما وكل به، والوصي لا يتصرف حال حياة الموصي فيما أسند إليه بلا خلاف في هذه الجملة.
٧٠١ - ويكون الوصي وصياً من جهة الإنسان في ماله، وفيما يتعلق به، ويكون وصياً فيما يتعلق بغيره كولده.
٧٠٢ - وتثبت الوصية للوصي بالأب والجد وأن علا في حق صغار ولده، ويكون وصيا بقول القاضي له: جعلناك وصيا على مال فلان أو ورثته الصغار.
٧٠٣ - وسنذكر في الوصايا ما يجوز تصرفه فيه وما لا يجوز، ونذكر الخلاف في مسائل الوصايا إن شاء الله، وإنما ذكرنا هاهنا جواز دعواه والدعوى عليه.
стр. 180
٧٠٤ - وإذ قد ذكرنا ذلك، وجب أن نذكر حكم الدعوى له ولغيره.
باب دعوى الشريك والدعوى عليه
وهذا باب دعوى الشريك والدعوى عليه.
أنواع الشركات
٧٠٥ - والشركة على ضربين: شركة عقود، وشركة أملاك.
شركة الأملاك
٧٠٦ - وشركة الأملاك تصح ويثبت حكمها من المكلف وغير المكلف كالميراث والوصية واروش الاتلاف، وما يدعي على الميت ويدعيه له، فالواحد ينوب فيه عن الجماعة.
شركة العقود وأنواعها
٧٠٧ - والشركة في العقود تنقسم إلى أربعة أقسام:
منها مفاوضة.
ومنها عنان.
ومنها شركة أبدان.
والرابع شركة وجوه.
٧٠٨ - وسنذكر في كتاب الشركة حكم ذلك، والخلاف فيه.
وإنما ذكرنا هاهنا دعوي الشريك على غيره بما يجب لشريكه، والدعوى عليه، وهذا مجمع على صحته إذا صحت الشركة بأن يدعي أنه اشتري له ولشريكه.
٧٠٩ - وإذا قد ذكرنا جواز دعوى الشريك في الوجوه الأربعة، وكان من الشركة ما يكون من أحد الجانبين مال ومن الآخر عمل وجب ذكر ذلك.
следующие страницы →