← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18608

روضة القضاة وطريق النجاة

ابن السمناني

Полный текст (1 505 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

[مطلب: يجوز أن يشتركا في قضية واحده] ٩٦ - ويجوز أن يشترك القاضيان في قضية، ولا يجوز ذلك في حق الإمامين. [مطلب: انتقاض الولاية] ٩٧ - والإمام لا تنتقض ولايته. والقاضي تنتقض ولايته. [مطلب: ما ينفرد به الإمام] [مطلب: الإقطاع] ٩٨ - والإمام يجوز أن يقطع الأرض (ويخص) بمال بيت المال، وليس للقاضي هذا. [مطلب: بيان حدود الولاية] ٩٩ - والإمام لا يحتاج إلى بيان ما له أن يتصرف فيه، والقاضي يحتاج إلى بيان الحكم والقضاء. ١٠٠ - وليس للقاضي أن يتصرف إلا فيما يجوز للإمام أن يتصرف فيه. ١٠١ - والإمام يتصرف فيما ليس لأحد من أهل الحل والعقد أن يتصرفوا فيه، فهو يستفيد بالولاية ما لم يكن لمن ولاه أن يفعله. ١٠٢ - فإن قيل: فهذا يدل على بطلان الاختيار لأن من ولاه الأمر لا يملك ما ولاه فعله.

стр. 72

والجواب أن ذلك غير ممتنع، كالولي يزوج وليته ولا يملك وطئها، والزوج يجوز أن يستوفي منفعة البضع ويملك ذلك ولا يجوز أن يملكه غيره. وسنبين في باب النيابة ما يجوز أن يستناب فيه ومالا يجوز إن شاء الله. باب ولاية الخوارج للقضاء ١٠٣ - وهذا باب يذكر فيه ولاية الخوارج للقضاء وما يجوز من ذلك وما لا يجوز. تعريف الخوارج ١٠٤ - اعلم أن الخوارج كل فرقة أظهرت رأيًا ودعت إليه وقاتلت عليه، وصار لها منعة وشوكة وتحيزت بخطة (بحيزة). ١٠٥ - وسنذكر في كتاب أهل البغي ما يجب عليهم ومالا يجب من الأحكام عند بلوغنا إليه إن شاء الله. [قضاء الخوارج] ١٠٦ - وإنما الكلام ههنا في صحة الولاية: فحكى الخصاف في أدب القضاء له: أنهم إذا ولوا رجلاً القضاء فقضى بقضايا وحد ناسا «وحكم بأشياء» ثم ظهر أهل العدل بعد ذلك على البلد فولوا قاضيًا، ثم رفعت أحكام أهل التأويل إليه، فإنه ينقض منها ما ينقض من أحكام غيرهم. ١٠٧ - وقال الطحاوي ﵀ في مختصره في كتاب أهل البغي: ولا ينقض من أحكامهم إلا ما كان ينقض من أحكام غيرهم.

стр. 73

١٠٨ - وحكى الشيرازي ﵀ من أصحاب الشافعي ﵀ في كتاب التهذيب له عن مذهبهم. قال: وإن ولوا فيما استولوا عليه قاضيًا نظرت فإن كان ممن يستبيح دماء أهل العدل وأموالهم لم ينفذ حكمه، لأن شرط القضاء العدالة والاجتهاد وهذا ليس بعدل ولا مجتهد. وإن كان ممن لا يستبيح ذلك نفذ من حكمه ما ينفذ من حكم قاضي أهل العدل، ورد من حكمه ما يرد من حكم قاضي أهل العدل، لأن لهم تأويلاً يسوغ فيه الاجتهاد. ١٠٩ - وقال: واستحب أن لا يقبل كتاب قاضيهم استهانة وكسرًا لقلوبهم، فإن قبله جاز. وجوب تحقيق الإمام في أسباب خروج الخوارج عليه وإنصافهم ممن ظلمهم ١١٠ - والذي مال إليه الطحاوي في المختصر أنه يسألها عما دعاها إلى الخروج فإن ذكرت شيئًا ظلمت فيه أنصفت ممن ظلمها وإلا دعيت إلى الرجوع إلى الجماعة والدخول في طاعة الإمام الذي يجب عليها طاعته فإن فعلت وإلا قوتلت فشرط أن يكون إمامًا تجب عليها طاعته ليكونوا خوارج. ١١١ - وهذه الأقوال تدل على اتفاق المذهبين على جواز ولاية من يتولى من قبلهم القضاء. ١١٢ - وسيرد [وسنذكر] حكم ما أتلفوا علينا وأتلفنا عليهم في بابه إن شاء الله. فصل خلو الزمان من الإمام ١١٣ - ينبغي علينا أن نذكر خلو الزمان من الإمام المفترض الطاعة:

стр. 74

إذا لم يكن إمام للمسلمين ثابت الإمامة فمن تغلب على الأرض وملكها ودعا لنفسه، وقام بما يجب عليه من الحقوق، وذب عن الدين، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو في الولاية من قبله وجهته أكثر من الخوارج مع الإمام، فإذا قلنا أن ولاية من ولوه جائزة، وحكمه ماض فمن ليس في مقابلة إمام أولى وأحرى بجواز الولاية من قبله. ١١٤ - وإذا خلا الزمان من الإمام والمتغلبين على سبيل الفرض والتقدير فكل حكم يلزم العامة والإمام بين أظهرهم فهو لازم لهم مع عدمه، وكل حكم لا يلزمهم ولا يجوز لهم فعله مع وجوده فهم فيه أيضاً مع عدمه غير مخاطبين بفعله، والأول كالزكاة والصلاة وسائر العبادات التي يتفردون بها، والعقود التي يعقدونها. ١١٥ - والثاني كالحدود والقطع في السرقة وضرب الجزية والإحياء وما هو مفوض إلى الإمام، فأنه لا يستوفي ولا يأخذه بعضهم من بعض، وكذلك الأحكام وتوليها. باب التحكيم وهذا باب نذكر فيه التحكيم من الرجلين لغيرهما: ١١٦ - اعلم أنه يجوز أن يحكم الخصمان رجلاً واحدًا، ويجوز أن يحكما رجلين فما زاد. ١١٧ - وقد حكم علي ﵇ أبا موسى الأشعري، وحكم معاوية عمرو بن العاص، ورضيا بحكمهما عليهما، وحكم عمر بن الخطاب ﵁ وأبي بن كعب زيد بن ثابت، وحكم عثمان وطلحة ﵄ جبير بن مطعم

стр. 75

وذلك جائز في الشرع والدين، وهو قول الشعبي وابن سيرين وعبد الله بن عتبة، وهو قول أصحابنا جميعا. ١١٨ - ولهما أن يخرجا الحكم من الحكم ولأحدهما ما لم يحكم ويمض الحكم عليهما. ١١٩ - وليس لواحد منهما أن يرجع عن ذلك بعد الحكم. ١٢٠ - وقال الشافعي لا يلزم الحكم إلا برضاهما بعد الحكم في أحد قوليه، لأن في إلزام حكمه افتئاتًا على القاضي والإمام، ولأن رضاهما معتبر في التحكيم، فكذلك في الحكم، والثاني مثل قولنا لا يعتبر رضاهما لأن من جاز حكمه لزمه حكمه. ما يجوز فيه التحكيم ١٢١ - واختلف أصحاب الشافعي فيما يجوز فيه التحكيم فمنهم من قال يجوز في كل ما يتحاكم فيه الخصمان كما يجوز حكم الحاكم الذي ولاه الإمام. ١٢٢ - ومنهم من قال يجوز في الأموال فأما النكاح واللعان والقصاص وحد القذف فلا يجوز لأنها بنيت على الاحتياط، فهذا قولهم في هذا الباب. ١٢٣ - وقال أصحابنا: وإذا حكم الحكم بشيء ثم رفع إلى القاضي نظر في ذلك، فإن كان موافقًا للحق ورأيه أمضاه، وإن كان لا يوافق رأيه والحق رده. ١٢٤ - وقال بعضهم إذا كان مخالفًا لرأيه ومذهبه فهو بالخيار: إن شاء

стр. 76

أمضاه وإن شاء رده. ١٢٥ - وقالوا: لو حكمًا محدودًا في قذف أو أعمى أو ذميًا أو عبدًا فذلك باطل لأن حكمهم كشهادتهم. ١٢٦ - وإذا كان الحكم رجلين لم يمض الحكم حتى يجتمعا عليه. ١٢٧ - وإذا لم يشهد الحكم في مجلس حكمه الذي حكم فيه على حكمه لم يصدق على ذلك، ولم يقبل قوله أنه يحكم بكذا. ١٢٨ - قال الخصاف: «ولا يجوز أن يحكما في حد ولا قصاص، وإن حكماه في دم خطأ فحكم على العاقلة بالدية لم يجز لأن العاقلة لم ترض به». ١٢٩ - وإن قضى ما بيا (كذا) يمين أو إقرار أو بينة فذلك جائز. ١٣٠ - ولو قال الحكم: قد أقررت عندي بكذا أو شهد عليك هذا، وعدلت الشهود وقد ألزمتك ذلك وحكمت عليك [به لهذا وأنكر المقضي عليه] أن يكون أقر عنده أو قامت بينة عليه لم يلتفت إلى قوله وأمضى القضاء عليه ما دام لم يخرجه من التحكيم. ١٣١ - فإن كان قد عزله ثم قال ما قال لم يقبل منه، ولم يجز حكم عليه،

стр. 77

كالقاضي إذا عزله الإمام لم يقبل أنه كان قد حكم، وإن كان قد حكم من لا يجوز قضاؤه له كالابن والزوج وكل من لا تجوز شهادته له، فإن حكم لابنه أو أبيه أو من ذكرناه أبطل القاضي حكمه، وإن قضى عليه أمضاه كما يمضي الشهادة. ١٣٢ - ولا يحكم فاسقا ولا صبيا ما لم يبلغ، كما لا يصح منهما ولاية القضاء ولا ينفذ الحكم من الحكم على غير الخصم الذي حكمه، كما لو ادعى دينًا على رجل أنه كفل عن هذا وشهدت بذلك بينة قبل الحكم على الحاضر دون الكفيل. وإن كان الكفيل هو الحاضر لزمه الحكم دون المكفول عنه. ١٣٣ - ومتى كان الحكمان رجلين فاختلفا في الحكم والاجتهاد لم يجز (حكم) واحد من الحكمين حتى يجتمعا على شيء واحد، وكان وجود حكم أحدهما كعدمه. ١٣٤ - ولو شهد عند الحكمين شاهدان بالحق فلم يحكما حتى غابا أو ماتا، أو حكمًا فسأل المدعى الحكمين أن يشهدا عند الحاكم على شهادة من شهدا عندهما لم يكن للحكمين ذلك. ١٣٥ - ولو شهدا رد الحاكم شهادتهما لأنهما لم يشهداهما على شهادتهما ولا حملاهما ذلك. ١٣٦ - وكما يجوز أن يكون الحكمان اثنين فكذا عندنا يجوز أن يلي القضاء اثنان وما زاد. فصل عدد من يتولى القضاء في البلد الواحد ١٣٧ - قال أصحابنا لا يجوز أن يولي القضاء الاثنين في الشيء الواحد

стр. 78

والبلد الواحد لأنهما قد يختلفان فلا تنفصل الحكومة، ومنهم من أجاز ذلك كما قلناه فقد ذكرنا أحكام الولاة وهذا يقضي أن نذكر هل يجوز لهم الدخول أو يجب عليهم الدخول في ذلك أم لا؟ وما الذي نقول في ذلك وذكر الخلاف فيه. باب في جواز الدخول في القضاء ١٣٨ - وهذا باب نذكر فيه جواز الدخول في القضاء اعلم أن القضاء قد دخل فيه رجال صالحون وأئمة الصحابة، ووجوه التابعين، وسنذكر في آخر الكتاب أعيان من دخل فيه من الناس. وامتنع جماعة من الدخول فيه، منهم أبو حنيفة ﵁، فمنهم من أجاز الدخول فيه ومنهم من كرهه ولم يدخل فيه. ١٣٩ - وعندنا أنه مباح له الدخول فيه، ولا يجب عليه، وكذلك الدخول في الإمامة العظمى، لا يجب عندنا، بل اختلف أصحابنا في ذلك فمنهم من قال هي فرض على الكفاية إذا قام بها الغير سقطت عنه، ومنهم من قال إذا علم أنه ليس أحد يقوم بفرضها لزمه الفرض، ووجب عليه الطلب والقتال حتى يؤدي إلى استقامة الدين وإزالة المنكر، ولو أدى ذلك إلى إهلاك نفسه وماله وسفك الدماء. ١٤٠ - ومن أصحابنا من قال لا يجب ذلك عليه، ومتى أدى إلى إهلاك مسلم وجب ترك ذلك فكيف هلاك نفسه، وحكمها عنه ساقط وإثمها زائل، ولا يصح إجباره عليها (ولا) إكراهه على الدخول فيها. ١٤١ - واتفقوا على أن القاضي لا يجب عليه الدخول في القضاء وإن كان عالماً وليس في الناس مثله. ١٤٢ - وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من تقلد القضاء فكأنما ذبح بغير سكين».

стр. 79

١٤٣ - ولا يعرف لأصحابنا لفظ في كتاب يقتضي وجوب الدخول في القضاء فنحيكه. ١٤٤ - وقال أصحاب الشافعي: إذا كان لا يصلح للقضاء إلا واحد تعين ولزمه فعله، فإذا امتنع أجبر عليه، لأن الكفاية لا تحصل إلا به وجعله هذا القائل فرضًا على الكفاية، فإذا لم يقم به غير وجب عليه، قال وإن كان هناك غيره يصلح له نظرت فأنه كان خاملاً وإذا ولي القضاء انتشر علمه استحب له طلبه لما يحصل به من المنفعة بنشر العلم، وإن كان مشهورًا فإن كانت له كفاية كرهت له الدخول فيه لأنه ربما يعجز عن القيام بذلك ويحتاج إلى أن يلتزم الأمانات فكره له ذلك، وهذا يقتضي أن يكره الدخول فيه، وإن لم يكن غيره لأنه يجوز أن لا يأمن ذلك أيضًا، وليس القضاء أمرًا يسيرًا بل عظيم، وليس كل عالم يصلح للقضاء والصرف في الأمور، وقد رأينا من يتقلد القضاء وهو يعتقد أنه العالم الكافي القيم بما يرد في ذلك، فلا يلبث حتى يظهر عجزه وحيرته وتبلده في الأحوال، حتى يتغير طبعه، وتتبدل أخلاقه، ولولا كراهة ذكر الناس لحكيت في ذلك ما رأيت وعددت الناس، ولكن كل زمان لا يخلو أمره من مثل ما رأينا. ١٤٥ - وقال أصحاب الشافعي: وإن كان فقيرًا يرجو بالقضاء كفاية من بيت المال لم يكره له الدخول فيه لأنه يكتسب كفاية بسبب مباح. ١٤٦ - قالوا: وإن كانوا جماعة يصلحون للقضاء اختار الإمام أفضلهم وأورعهم فقلده، وبهذا قولنا أيضًا إذا اختار الحاكم ذلك ورغب فيه وغلب على

стр. 80

ظنه أنه يقوم بشرائطه، وهذا لابد من اعتباره في القاضي والإمام جميعًا، ولا يجوز أن نطلق القول. وإن اختار الإمام غير الأفضل انعقد العقد له، وهذا يبنى على جواز إمامة المفضول، وقد جعل عمر بن الخطاب ﵁ الخلافة شورى في ستة نفر وهم يتفاضلون عند جميع الناس، فلولا أنه يجوز العقد للمفضول لما خبر عن فاضل ومفضول، وهذا في القاضي أجوز من الإمامة. ١٤٨ - قال الشيرازي ﵀: وإن امتنعوا عن الدخول أتموا، لأنه فرض وجب عليهم فهو كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. [الإجبار على تولي القضاء] ١٤٨ - قال: وهل للإمام إجبار واحد على القضاء أم لا؟ ففيه وجهان: أحدهما لا يجبر لأنه فرض على الكفاية فلو أجبر عليه لتعين عليه، والثاني يجبره لأنه لابد من قاض للمسلمين. ١٤٩ - وهذا الوجه لا يصح لأن الإمام نصب للحكم بين المسلمين، فالفرض يتوجه عليه، فلا يجوز له إجبار غيره عليه وإسقاط فرضه عن نفسه. ١٥٠ - وذكر الخصاف حديث أنس أن النبي ﷺ قال: «من سأل القضاء وكل إلى نفسه، ومن أجبر عليه وكل به ملك يسدده، ومن طريق آخر: من طلب القضاء وطلب الشفعاء وكل إليه ومن أكره على القضاء وكل به ملك يسدده. ١٥١ - وإذ صح هذا الخبر جاز للرجل الدخول في القضاء بالإكراه.

стр. 81

١٥٢ - وكره له سؤال القضاء في كل حال. ١٥٣ - وقد ذكر الخصاف عن الحسن (بن زياد اللؤلؤي) أن الله تعالى أخذ على الحكام ثلاثة: أن لا يتبعوا الهوى وأن يخشوه ولا يخشوا الناس ولا يشتروا بآياته ثمنًا قليلاً لقوله: «يا داود الآية وإنا أنزلنا التوراة الآية»، ولأنه قال عنه: لأجر حاكم عدل يومًا واحدًا أفضل من أجر رجل يصلي في بيته سبعين سنة لأنه يدخل من عدله في ذلك اليوم على كل أهل بيت من المسلمين. ١٥٤ - وإذ قد بينا الرخصة في الدخول في القضاء، وما في الدخول فيه، فلنذكر أخذ الرزق عليه وما قيل. باب أخذ الرزق على القضاء ١٥٥ - اعلم أن القاضي من عمال المسلمين وأجل عمالهم وهو القيم بمصالح الجميع. ١٥٦ - وقد قال أصحابنا جميعًا: لا بأس أن يطلق الإمام للقاضي من الرزق ما يكفيه من بيت المال، حتى لا يلزمه ولا أحد على بابه مؤونة ولا كلفة، ولا أحد أسبابه، فأن جميع ما يأخذه من على بابه يفضحه ويضع من قدره، وإن علم به فلم ينكره لحقه وزر: كذا قال الطحاوي في أدب القضاء الصغير له. ١٥٧ - وقال الخصاف: ولا بأس أن يأخذ القاضي الرزق من بيت المال

стр. 82

لأنه عامل المسلمين، وقد أوجب الله له أجرًا، والنبي ﷺ فعل ذلك وأبو بكر وعمر ﵄ فرضًا لأنفسيهما من بيت المال، وهكذا فعل الأئمة. ١٥٨ - ويفرض له ما يكفيه، ويوسع عليه حتى لا يشره إلى أموال المسلمين. ١٥٩ - وذكر في الباب أن عمر ﵁ كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل بالشام أن انظروا رجالاً من أهل العلم من الصالحين من قبلكم فاستعملوهم على القضاء، وأوسعوا عليهم في الرزق ليكون لهم قوة وعليهم حجة. ١٦٠ - وكان زيد بن ثابت يأخذ على القضاء أجرًا وأرزق علي ﵇ شريحًا خمس مائة درهم. وأرزق النبي ﷺ عتاب بن أسيد حين استعمله على مكة أربعين أوقية في السنة. قال إسحق: لا أدري ذهب أو فضة. وأرزق عمر بن الخطاب ﵁ أبا موسى في السنة ستة آلاف درهم وهو على البصرة، وكان مسروق لا يأخذ على القضاء رزقًا وكان شريح يأخذ. ١٦١ - وقال القاسم بن عمير لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجرًا، ولا صاحب بعثهم. ١٦٢ - فأما الشافعي فقال: «ومن تعين عليه القضاء وهو في كفاية لم يجز أن يأخذ رزقًا، لأنه فرض تعين عليه، وإن لم يكن له كفاية فله أن يأخذ الرزق عليه، لأن الكفاية لابد منها،

стр. 83

والقضاء لابد منه، وإن لم يتعين عليه: فإن كان له كفاية كره أن يأخذ عليه الرزق، وإن لم تكن له كفاية لم يكره. ١٦٣ - ويعطيه مع ذلك شيئًا لأعوانه، وما يصرفه في القرطاس. وأصحابنا لم يفصلوا هذا التفصيل بل لفظهم في الكتب مطلق. ١٦٤ - وإذا كان (القاضي) عاملاً على المسلمين فهو كالعامل على الزكاة يجوز أن يأخذ الأجر والرزق مع غناه فكذلك هذا، فهذا ما قيل في هذا الباب. فصل في الرشوة على الحكم ١٦٥ - فأما الرشوة على الحكم فأجمع أصحابنا جميعًا على أنه إذا قبل (القاضي) الهدية على إقامة الحق فقد فسق، وأكل الحرام. قال الطحاوي: لأن رسول الله قال: هدايا العمال غلول وأكبر العمال القضاة.

стр. 84

١٦٦ - وقال الخصاف: «ومن خشي سلطانًا على نفسه أو ولده أو ماله فصانعه على شيء فلا أثم عليه». ومن رشا قاضيًا فحكم له بحقه وهو حق له لم يسعه ذلك. ١٦٧ - وإذا قبل القاضي الرشوة سقطت عدالته، ولا ينفذ حكمه لمن رشاه وإن حكم بالحق. ١٦٨ - ومن رفع إليه من القضاة أبطله إذا صح عنده. ١٦٩ - وإن رشا ولد القاضي أو كاتبه أو جاره حتى ساعده على الحكم فحكم القاضي وهو لا يعلم والطالب محق فهو آثم وما حكم به له فهو جائز لازم. ١٧٠ - ولا يقبل القاضي هدية رجل إلا من كان يهاديه قبل الولاية وليس له خصومة، ولا يقبلها في حال الخصومة، فإن قبل بعد ذلك فهو على العدالة. وهذا قول الشافعي في الهدية فيمن كان يهاديه. ما جاء في تحريم الرشوة من الآثار ١٧١ - وقد ورد عن النبي ﷺ أنه لعن الراشي والمرتشي

стр. 85

في الحكم، وقال «هما في النار» وذكر الخبر ثوبان وقال فيه: «والرائش الذي يمشي بينهما». وعن ابن مسعود: أن الرشوة في الحكم كفر، إنما السحت أن يهدي الرجل إلى الرجل هدية فيما يعين على حاجته. وقال مسروق: أن القاضي إذا أكل الهدية فقد أكل السحت. وقيل لعمر بن عبد العزيز: مالك لا تقبل الهدية وقد قبلها رسول الله ﷺ ؟ - قال تلك هدية وهذا لنا رشوة. وحديث أبي حميد الساعدي أن النبي ﷺ استعمل ابن اللتبية على صدقات بني سليم، فلما جاء قال: - هذا لله وهذا أهدي إلي. فقام ﷺ فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: - ما بال رجال نوليهم أمورًا مما ولانا الله فيجيء أحدهم فيقول هذا لكم وهذا أهدي إلي، فهلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هدية إن كان صادقًا! ١٧٢ - وروى عن جابر بن زيد قال: - لا بأس بالرشوة إذا خاف الرجل على نفسه الظلم. وقال: - لم نجد في زمن عبد الله بن زياد أنفع لنا من الرشوة. وقال الشعبي وإبراهيم:

стр. 86

- لا بأس بالرشوة إذا خاف الرجل على نفسه الظلم. وقال مجاهد: - اجعل مالك جنة دون دينك، ولا تجعل دينك جنة لمالك. وكان الحسن لا يرى بأسًا بأن يعطي الرجل من ماله ما يصون به عرضه. وفي هذا الباب أخبار كثيرة ذكرها الخصاف بإسناد لكل منها، وفي الذي ذكرته كفاية. ١٧٣ - وإذ قد ذكرنا أحوال الدخول في القضاء وأحوال الرزق عليه، فلنذكر أحوال القاضي التي يكون عليها. أحوال القاضي التي يقضي فيها ١٧٤ - وهذا باب أحوال القاضي التي يقضي فيها، وما يتقدم ذلك، ويترتب عليه. ١٧٥ - أعلم أن القاضي إذا ولاه الإمام بلدًا غير البلد الذي هو فيه وكتب عهده فقد قلنا أنه يشهد على العهد في قول، وفي آخر يكفي مجرد العهد، وتثبت الولاية بالاستفاضة. ١٧٦ - فإذا اقترب من البلد غير بزته، ولبس من أجمل ثيابه. ١٧٧ - وإذا قرب من البلد دعا لنفسه بما روى من الدعاء عن النبي ﷺ أنه دعا به فقال: «اللهم رب السموات السبع وما أظلت. ورب الأرضين السبع وما أقلت ورب الشياطين وما أضلت ورب الرياح وما ذرت اسألك خير هذه البلدة، وخير أهلها وما فيها».

стр. 87

وروى هذا الخبر الطحاوي في أدب الحكام. دعاء القاضي عند دخول البلد ١٧٨ - وأما إذا دخل البلد قال: (اللهم اجعله لنا قرارًا واجعل لنا فيه رزقًا طيبًا) كذا قال لما دخل المدينة ﷺ . وروى عنه أنه كان يقول إذا دخل مدينة (أعوذ به من الأسد والأسود والحية والعقرب ومن شر ساكني البلد، ومن شر والد وما ولد، ومن شر كل أحد). هكذا روى الطحاوي ﵀. فصل في صفة لباسه وفرشه ١٧٩ - ويستحب له أن يلبس السواد، فإن لم يكن فعمامة سوداء، لأن النبي ﵇ دخل يوم (فتح مكة) وعلى رأسه عمامة سوداء. رواه جابر وأنس. وتكون العَذَبة على كمه الأيسر.

стр. 88

١٨٠ - ويختار له من الفرش في الشتاء اللبود البيض وفي الصيف الحصر والبوارى. مركب القاضي ١٨١ - قال الطحاوي: يستحب له أن تكون مراكبه البغال الذكور فإنه أحسن من الإناث، وإناث البغال أشبه بالحكام من البراذين، والبراذين أشبه بالحكام من الخيل العراب. وما رأيت قط شيخنا قاضي القضاة ﵀ ركب فرسًا، وكان يركب إناث البغال الكبير السن منها. ١٨٢ - ويستحب للقاضي أن يسلم على من يجتاز به، فقد كان النبي ﷺ يفعل ذلك. ١٨٣ - وقد قالوا أنه يستحب له أن يقلل كلامه إذا سايره أهل البلد، ويتحفظ في ذلك فإن كلامه عليه محفوظ، وذلك يقلل هيبته. أحوال قاضي القضاة الدامغاني ١٨٤ - وقد شاهدت شيخنا قاضي القضاة ﵀ إذا ركب حدث من يسايره، وكان إذا جلس في مجلسه لم يخل من حكاية يوردها ومضحكة يحكيها، وبقى في القضاء فوق من ثلاثين سنة لأنه ولى من ذي القعدة من سنة سبع وأربعين وأربعمائة ومات في ليلة السبت رابع وعشرين من رجب سنة ثمان وسبعين، وما نقصه ذاكر ولا عائب ولا حط عند أحد من قدره لعظم في نفسه، وما رأيته قط حلف خصمًا ولا حكم بملك أحد لأحد، ولا قال قط ثبت عندي كذا، ولا صح لدي، بل يقول: شهد بذلك في مجلس الحكم، وأقر في مجلس الحكم، وشهد المعدلون بذلك، وهذه شهادة المعدلين وخطوطهم

стр. 89

وقوبل الأصل الذي هو شهادة الشهود، وما قال قط صح عندي أن هذا الملك لفلان، وقد حكمت به لفلان وأوجبت على فلان الخروج منه. وكان يقضي في داره، وربما سمع الشهادة على الطريق وفي السكة إذا عبر وعلى باب الديوان وما رأيته عقد قط مجلس حكم في الجامع ولا في المسجد، ﵀ ورحمنا إذا صارت أرواحنا إليه. فصل ما يفعله القاضي قبل مصيره إلى البلد الذي وليه ١٨٥ - وينبغي للقاضي قبل مصيره إلى البلد الذي وليه أن يتعرف أحوال من به من الفقهاء والشهود والأعيان. ١٨٦ - وينفذ قبل ذلك إلى الموضع من يشعر الناس بقدومه ليكونوا على أهبة من قدومه واستقباله. ١٨٧ - وأن يرجع إليه من أنفذه ليكون إلى جانبه (عند دخوله) يعرفه كل إنسان ليكرمه بما يجب إكرامه، فلا يرفع وضيعًا ولا يحط من مرتبة كريم ويكون رسوله ثقة أمينا بما يخبر به. كيفية دخول البلد الذي وليه وهذا باب كيفية دخول البلد الذي وليه: ١٨٨ - أعلم أن القاضي إن كان لا محمل له ولا تبع فالمستحب له أن يدخل ليلاً إلى البلد، ويكون قبل ذلك قد أخذ منزلاً يصلح للقضاء والحكم فلا يطلع الناس على حاله ولا ما دخل فيه.

стр. 90

وإن كان له محمل وتبع فالمستحب له أن يدخل البلد نهارًا. ١٨٩ - ويستحب له من الأيام يوم الاثنين، لأنه النبي ﷺ دخل المدينة يوم الاثنين من غرة شهر ربيع الأول وقيل لعشر، وبعث في شهر رمضان ﷺ قبل ذلك بثلاث عشرة سنة، وتوفى في شهر ربيع الأول يوم الاثنين لاثني عشرة ليلة مضت منه سنة إحدى عشرة، واختلف في سنه ﷺ ، فقال ابن عباس وعائشة وابن المسيب ﵃ ثلاثة وستون سنة، وقال أبو حنظلة عمره ستون سنة، وقال عروة بن الزبير ستون سنة ﷺ . ١٩٠ - وينبغي له أن يقصد المسجد الجامع فيصلي فيه ركعتين، ثم يأمر بعهده فيقرأ على من بحضرته، ثم يأمر مناديًا ينادي: من كانت له حاجة فليحضر فينظر فيما رفع إليه، لأن النبي ﷺ كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى ركعتين ثم جلس للناس فقضى بينهم روى ذلك كعب بن مالك وأم هاني.

стр. 91

١٩١ - وإن لم يقرأ العهد ومضى إلى منزله أذن للناس أذنًا عامًا وقريء عهده عليهم في منزله والأول أحب إلينا من الثاني. ١٩٢ - وكان خاتم النبي ﷺ حديدًا مكتوبًا عليه شريط فضة نقشه: محمد رسول الله، ﷺ . ما ورد في كتابه العهد من الآثار ١٩٣ - وإنما قلنا يكتب له العهد لأن النبي ﷺ كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن. وكتب أبو بكر الصديق ﵁ للأشتر حين بعثه إلى اليمن كتابًا وختمه بخاتم رسول الله ﷺ .

стр. 92

وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أهل الكوفة: «أما بعد، فإني بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرًا وعبد الله قاضيًا ووزيرًا فاسموا لهما أطيعوهما فقد آثرتكم بهما» يعني عمارا وابن مسعود. الإشهاد على التولية ١٩٤ - وقال الشافعي: إذا كان البلد بعيدًا أشهد على التولية شاهدين لتثبت بهما التولية. ١٩٥ - وقال أصحابه: وإن كان قريبًا بحيث يتصل به الخبر بالتولية ففيه وجهان: أحدهما يجب الإشهاد لأنه عقد فلا يثبت بالاستفاضة كالبيع، وهو قول أبي إسحق، وقال الاصطخري: لا يجب الإشهاد لأنه يثبت بالاستفاضة فلا يفتقر إلى الشهادة، وقد تقدم ما قلناه في ذلك. ١٩٦ - فإذا دخل البلد واستقر فيه وحصل في داره وجب ذكر الحالة التي يجلس عليها والصفة التي يكون عليها. باب كيفية جلوس القاضي وإخوانه والمكان الذي يقضي فيه وهذا باب يذكر فيه كيفية جلوسه وأحواله والمكان الذي يقضي فيه. ١٩٧ - وينبغي للقاضي إذا أراد الجلوس للقضاء أن يخرج وهو على أعدل الأحوال لا جائع ولا عطشان ولا كضيض من الطعام ولا كسلان. ١٩٨ - ولا يقضي وهو غضبان.

стр. 93

١٩٩ - ولا يمزح مع خصم ولا يساره ولا يضحك في وجهه ولا يعبث بثيابه. ٢٠٠ - ولا يضجر ولا يعجل. ٢٠١ - ولا يلتفت عن خصم. ٢٠٢ - ولا يتكيء على وسادة حال القضاء. ٢٠٣ - ولا يلقن خصمًا حجته. ٢٠٤ - ولا يقضي (في) حالة مرض ولا حزن ولا حر شديد ولا برد مؤلم. ولا في حالة فتنة. لأن النبي ﷺ قال: «لا يقضي القاضي وهو غضبان». ولأن هذه الأمور تشله عن الفهم، وتمنعه من الحكم، فإذا حدث له شيء مما ذكرناه وجب أن يقوم أو يسكت، حتى يذهب ذلك عنه. ٢٠٥ - وقد كان شريح إذا جاع قام ولم يقض. فصل: قضاء النبي ﷺ في شراج الحرة ٢٠٦ - فإن حكم في هذه الأحوال بحكم نفذ حكمه وجاز قضاؤه، إذا كان مما يجوز في حال اعتداله، وذلك لما روى أن الزبير ورجلاً من الأنصار اختصما إلى رسول الله ﷺ في شراج الحرة فقال النبي صلى الله عليه للزبير:

стр. 94

- اسق زرعك ثم أرسل الماء إلى جارك فقال الأنصاري: - إن كان ابن عمتك! فغضب رسول الله ﷺ حتى أحمر وجهه ثم قال للزبير: - أسق زرعك وأحبس الماء حتى يبلغ الجدر ثم أرسله إلى جارك، فنزل قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾. فحكم في حال الغضب فدل على أن الأول منه على سبيل المعاونة والثاني كان من الحق، ودل على نفوذ الحكم حال الغضب. فصل القضاء في المسجد ٢٠٧ - قال أصحابنا جميعًا: والمستحب أن يجلس في مجلس الحكم في الجامع، فإن كان مسجد بجنب داره فله ذلك وإن قضي في داره جاز، والجامع أرفق المواضع بالناس وأجدر أن لا يخفي على أحد جلوسه ولا يوم حكمه. ٢٠٨ - وقد كان الشعبي يقضي في الجامع، وشريح يقضي في المسجد إلا يوم المطر فإنه يقضي في داره، وكان محارب بن دثار يقضي في المسجد ويخطب بالسواد.

стр. 95

وقد قضى النبي في مسجده بين الأنصار في مواريث، وكان الأئمة يقضون في المسجد ولأن المسجد أرفع المواضع وأوسعها عليهم. ٢٠٩ - وقال الشافعي: وكره أن يجلس للقضاء في المسجد لأن الخصومة يحضرها اللغط والسفلة، فنزه المسجد من ذلك، ولأنه قد يقضي بين الحائض والجنب فلا يمكنهما المقام في المسجد. ٢١٠ - قال: وإن جلس في المسجد لغير الحكم فحضر خصمان أكره له أن يحكم بينهما وذكر في الحجة حديث الحسن في عثمان ﵁ أنه دخل المسجد ورأى سقاء على رقبته قربة فحطها ومعه خصم فقضى بينهما عثمان ﵁. ٢١١ - وقد قال عمر بن عبد العزيز:

стр. 96

لا يقعد قاض في المسجد فيدخل فيه المشركون فإنهم نجس، وتلا الآية. ٢١٢ - وكان يحي بن معمر يقضي في الطريق، وقصده رجل إلى منزله فقال: القاضي لا يؤتى في منزله. ٢١٣ - قال الشافعي: والمستحب أن يجلس للحكم في موضع بارز يصل إليه كل واحد، ولا يحتجب من غير عذر. ٢١٤ - ويستحب له أن يكون المجلس فسيحًا حتى لا يتأذى بضيقه الخصوم ولا يزاحم فيه الشيخ والعجوز، ويكون موضعًا لا يتأذى فيه بحر ولا برد ولا برائحة نتنة. فصل ٢١٥ - ويجب أن يعرف للعالم والشريف والشيخ وأهل الفضل حقوقهم، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، ونزلوا الناس منازلهم، وأقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم. ٢١٦ - وينبغي له إذا دخل عليه سلطان أن يرفعه ويوسع له ويكرمه. ٢١٧ - وكذلك يكرم صاحب العلم والقرآن فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من إكرام الله إكرام ذي الشيب المسلم وحامل القرآن، وغير الغالي فيه، ولا الجافي عنه». ٢١٨ - وإن قام لرجل من أهل العلم في مجلسه كان حسنًا لا بأس به، فقد قام النبي ﷺ إلى زيد بن حارثة، ورأى قومًا من الأنصار مقبلين فقام إليهم.

стр. 97

وقام ﷺ لعكرمة بن أبي جهل لما جاءه مسلمًا، وقال للأنصار: قوموا إلى سيدكم سعد بن معاذ. فصل ٢١٩ - وإن قام القاضي ليخرج أو يدخل إلى بيته أو قام ليستريح فينبغي لجميع من في مجلسه أن يقوموا له، فقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ كان إذا قام يدخل منزله قمنا له قيامًا حتى يدخل. ٢٢٠ - وإنما كره أصحابنا القيام على التكفير كما قال ﷺ : «الأعاجم يقوم بعضهم لبعض تكفيرًا». ٢٢١ - وإن قام إلي إنسان فعانقه فلا بأس، فقد قام النبي ﷺ لزيد بن حارثة فعانقه وقام لجعفر بن أبي طالب لما أتاه يوم خيبر فقال: «لست أدري بأي الفتحين أسر بقدوم جعفر أو بفتح خيبر». ٢٢٢ - قال الطحاوي: وإذا استأذنه إنسان ليقبل رأسه ويديه ورجليه فعل! ٢٢٣ - وقال أبو حنيفة أكره من الرجل أن يقبل من الرجل يده أو فمه وأكره المعانقة ولا بأس بالمصافحة. ٢٢٤ - وروى عن أبي يوسف أنه قال: تجوز القبلة والمعانقة والمصافحة، ذكر الخلاف، في كتاب الكراهة أبو الليث وغيره، والذي ذكره الطحاوي قاله في أدب الحكام الصغير له.

стр. 98

٢٢٥ - وروي عن بريدة الأسلمي أن أعرابيًا قال للنبي ﷺ : ائذن لي فأقبل رأسك ورجليك. فأذن له فقبل رأسه ورجليه. ٢٢٦ - وإن قال رجل للقاضي جعلت فداك جاز، فقد قال ابن عمر ذلك للنبي ﷺ وقاله عقبة بن عامر وأبو بكر وعمر وابن عباس وعمرو بن عتبة وأبو ذر وقرة المزني، كذا روى الطحاوي ﵀. ٢٢٧ - وإن قال لبعض ولده بمحضر من الناس فداك أبوك فلا بأس، فقد قال النبي ﷺ ذلك لفاطمة ﵍. ٢٢٨ - وإن قال له رجل: - فداك أبي وأمي. أو قال هو ذلك فلا بأس فقد قال النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص: أرم فداك أبي وأمي. وجمع النبي ﷺ للزبير يوم الخندق بين أبويه. ٢٢٩ - وإن قال له رجل:

стр. 99

- جزاك الله خيرًا. قال له مثله، فقد قالت ذلك الأنصار وقال ﵇ لها مثله. ٣٣٠ - وإن دعا له رجل فقال: - أعزك الله وأصلحك الله أو عمرك الله فحسن. وقد روى ذلك عن النبي ﷺ أنه قيل له وأجاب عنه. ٢٣١ - وإن دعاه داع فلباه، أو قال:- لبيك وسعديك أو قال له: جملك الله فلا بأس به، فقد روى ذلك كله عن النبي ﷺ . ٢٣٢ - ولو أمر رجلاً بشيء فقال: سمعًا وطاعة فلا بأس. قال ظهير ذلك للنبي ﵇. ٢٣٣ - وإن أخبره رجل بخبر فقال: بخ بخ فحسن (فقد) قال النبي ﷺ لابن عمر: بخ بخ. ٢٣٤ - قال الطحاوي: - وإن حبس رجلاً ليؤدبه فتشفع فيه شافع شفعه، فقد روى فهد بن حكيم عن أبيه عن جده أن أباه أتى النبي ﷺ فقال له: جرابي فيما أخذوا؟ فقال النبي ﷺ : خلوا له عن جرابه. فصل ٢٣٥ - قال أصحاب الشافعي:

стр. 100

ويكره أن يكون القاضي جبارًا عسوفًا وأن يكون ضعيفًا مهينًا. لأن الجبار يهابه الخصم، ولا يستوفي حجته، والمهين يطمع فيه، وينبسط عليه. وهذه أقوال بعض أصحابنا أيضًا. وقد روى عن بعض السلف. وجدنا هذا الأمر لا يصلحه إلا شدة من غير عنف ولين من غير ضعف. وقد قال أبو بكر ﵁ في خطبته أن أقواكم عندي لضعيف حتى آخذ له الحق، وأن أضعفكم عندي لقوي حتى أخذ منه الحق، فإن استقمت فأعينوني وإن زغت فقوموني. فصل ٢٣٦ - قال الطحاوي ﵀: وينبغي له في اليوم الذي يريد الجلوس للحكم أن يتخشع، وأن تاقت نفسه إلى إصابة النساء فعل، وكذلك الطعام والشراب، ويتقدم ليبسط له في الجامع ليعلم الناس موضعه، وإن جعل ليد أبيض ووسادة فلا بأس، ويطرح لشهود الحصر والبواري إذا لم يكن حصر. ٢٣٧ - وإن قدر القاضي أن يجلس على مثل الشهود فعل، فإن المصليات والمخاد والمرافق ليس من آلة الحكام. ٢٣٨ - ولا يتروح بالمراوح الطوال ولا للخصيان القيام على رأسه بالمذاود. ٢٣٩ - وينبغي له أن يتخذ من الغلمان كل من لا يتوهم عليه الجاهل من

стр. 101

الناس سوءًا، ويرسم لهم أخذ القصص من غير أن ينظروا إلى ما فيها أو عليها. ٢٤٠ - ويتقدم إلى الشهود والأمناء أن لا يلزموا إنسانًا لهم ولا يأتوا أحدًا في أمر الحكم والشهادة إلا بأمره، وأن يجتنبوا الضحك في المجلس وشرب الماء والمراوح وما يدعو إلى الوضع من قدرهم. فصل ٢٤١ - وإذا خرج إلى المسجد بعد الأكل والشرب وما يحتاج إليه من فعل حاجة خرج متواضعًا متذللاً لئلا يعلم أنه يريد أمرًا عظيمًا. ٢٤٢ - فلا يأكل من الطعام ما يكظه ويحوجه إلى كثرة شرب الماء، فإن ذلك يضع من قدره، والعطش يشغل قبله، والامتلاء بدنه، والجوع يضجره ويعسر خلقه. ٢٤٣ - ويكون قمطره محمولاً بين يديه لا يغيب عن بصره وتحت خاتمه. ٢٤٤ - ويسلم على من يمر به. ٢٤٥ - وقد روى عن إياس أنه حين استقضى جلس مجلس القضاء فنكس رأسه فجعل يبكي والخصوم ناحية، ثم دعاهم اثنين اثنين ففصل بلا شاهد إنما هو الإقرار.

стр. 102

فصل ٢٤٦ - وبعد دخوله المسجد ينبغي أن يصلي فيه ركعتين أو أربعا، إن أحب إذا كان في وقت تجوز فيه الصلاة ويخفف ذلك ويدعو الله تعالى أن يفرغ عليه السداد ويجري على لسانه الصواب، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. ٢٤٧ - وليكن من قوله: ما شاء الله، توكلت على الله، اعتصمت بالله. ٢٤٨ - ويقول: اللهم سلمني من مجلسي هذا، وأعني عليه. ٢٤٩ - ويجعل القمطر عن يمينه. ٢٥٠ - قال الطحاوي: ولا أحب له القيام إلى من جرت عادة بالقيام إليه إذا جلس للحكم، ولكن يرد السلام. ٢٥١ - ويجلس الشهود والأمناء مجلسًا لا يسمعون كلامه حيث يراهم كلهم. ٢٥٢ - ويكون اجتماع الخصوم بين يديه، يكون بينهم وبينه مكان واسع. ٢٥٣ - وأن يتقدم إلى الحاجب بأن يأمر بكف الأصوات والسكوت وأن لا يسار أحد بين يديه أخر ولا يحدثه، فإن ذلك يشغل قلبه. مجلس قاضي القضاة الدامغاني ٢٥٤ - وقد رأينا شيخنا قاضي القضاة ﵀ يقعد في مجلسه وسط الدست المضروب، والشهود حوله، يتقدم من يشهد أولاً على من تأخر، والقمطر بين يديه والمخاد على يساره، والمسد خلف ظهره، والناس حوله فمنهم من يقعد في طرف المخاد ومنهم في مجلس خلف المخاد ومنهم من يستند

стр. 103

إلى الحائط وعلى طرف المطرح له حلقة، يستر بعض الشهود وجه بعض يوم المجلس ويتقدم الوكلاء بين يديه، ويكثر الكلام، ويقع الضجيج، وربما ناظر في الفقه، وربما عنت بعض الوكلاء والشهود، وربما مزح مع بعضهم، وكان إذا دخل عليه داخل ممن يقام إليه قام له ولا يبالي، وربما خرج متطبلسا وربما ترك الطيلسان وإذا أراد الإسجال جرت له عادة نحكيها في أثناء الكتاب عند ذكر كيفية ما يثبت عند الحاكم، وكيفية إسجاله في باب مفرد إن شاء الله. فصل (الفقهاء المشاورون) ٢٥٥ - وإن أحب أن يحضر القاضي مجلسه جمعًا من الفقهاء وأهل العلم والمعرفة بالدين والشرع فعل، وليس ذلك بواجب. ٢٥٦ - وإن شاورهم فيما يقضي فلا بأس، فقد روى عن أبي هريرة أنه

стр. 104

قال: ما رأيت أحدًا بعد رسول الله ﷺ أكثر مشاورة لأصحابه منه. ٢٥٧ - وكان الحسن يقول في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ «والله ما تشاور قط إلا وفقهم الله لأفضل ما بحضرتهم». ٢٥٨ - روى عن زياد أنه قال: إن الرجال ثلاثة: رجل ونصف رجل ولا شيء فالرجل هو الذي له رأي ولا يحتاج إلى غيره ونصف الرجل الذي لا رأي له، وإذا أحضره أمر شاور ذا الرأي، والذي لا شيء لا رأي له ولا يشاور. ٢٥٩ - وإذا كان الحكم في الكتاب والسنة أو الإجماع وهو يعلم ثبوته لم يحتج إلى مشاورة، وإن كان في القياس والاستدلال يشاور ولا يعجل في ذلك بحكم حتى ينقطع العدد، وإن شاور فقيهًا واحدًا أجزاه. فصل أدلة الأحكام ٢٦٠ - وينبغي للقاضي أن يقضي بنصوص الكتاب الناسخة، فإن لم يجد ذلك ووجد الحكم في السنة قضى، وإن كان فيه إجماع من الصحابة قضى به. ٢٦١ - وقد قال محمد بن الحسن (الشيباني) الأصول أربعة: الكتاب وما في معناه والسنة وما في معناها والإجماع وما في معناه.

стр. 105

وإذا اختلف الصحابة تخير أقوالهم وعمل بأقربها من الحق إن كان له رأي. ٢٦٢ - وأعلم أنه لا فرق عندنا بين ما ثبت بصريح اللفظ في الكتاب والسنة أو ثبت بفحواه أو كان نصًا جليًا أو خفيًا أو لفظًا وضع لفائدة واحدة

стр. 106

أو لفوائد كثيرة أو كان عامًا أو خاصًا بعد أن يكون ثابتًا ناسخًا. ٢٦٣ - ولا يثبت نسخ القرآن إلا بقرآن مثله أو بسنة مجمع عليها غير مختلف فيها ولا ينسخ بخبر واحد ولا قياس. ٢٦٤ - واختلف في جواز تخصيص القرآن بخبر الواحد والقياس فمن أصحابنا من منع من ذلك ومنهم من أجازه في حال دون حال واختلف في تفصيل تلك الحال فمنهم من قال إذا دخله تخصيص جاز تخصيصه، ومنهم من منع ذلك. ٢٦٥ - وكذلك خلافهم في السنة. غير أن المعلوم منها ينسخ بالمعلوم، والمظنون بالمظنون، وينسخ المظنون بالمعلوم كأخبار الآحاد تنسخ بالتواتر، ولا ينسخ المتواتر بخبر الواحد. ٢٦٦ - وما ثبت بالإجماع فيقدم على القياس.

стр. 107

ويخص بالإجماع وخبر الواحد وبالعمل من الأمة، ولا فرق بين عمل العامة والعلماء. ٢٦٧ - وإذا أجمع التابعون على حكم فهو مثل إجماع الصحابة ﵃ عندنا. ٢٦٨ - وإذا اختلف الفقهاء في مسألة عمل بأصوب الأقاويل عنده في رأيه إن كان له رأي. ٢٦٩ - وإن اعتدلت عنده الأقوال شاور في ذلك أهل العلم وكتب إليهم، ولا يعجل. ٢٧٠ - وإن تساوت الأدلة والحجج عنده فمن أصحابنا من قال يقف الحكم حتى يظهر له وجه مرجح، ومنهم من قال هو بالخيار في ذلك يعمل بأيها شاء. ٢٧١ - وإن شاور فقيهًا واحدًا ورأى ما قال صوابًا جاز له العمل به، وإن كان رأيه بخلاف رأي من شاوره لم يقض به وإن كان أعلم منه وافقه. ٢٧٢ - ولا يقضي بشيء يراه عنده خفيًا وإن قال به بعض العلماء. ٢٧٣ - وفي هذا الباب علم كثير ومسائل صعبة وإذ قد ذكرنا هذه الأحوال والصفات فلنذكر بعد ذلك قبض ديوان الحكم وتسلمه. باب قبض ديوان الحكم وهذا باب نذكر فيه قبض ديوان الحكم وتسلمه وكيفية العمل في ذلك. ٢٧٤ - أعلم أن ديوان الحكم به قوام المعاملات وبه تحفظ الشهادات والوقوف

стр. 108

والمداينات وبه يتذكر الحاكم ما حكم به من العقود وشهادة من شهد عنده من الشهود، وأوقات القضايا وتواريخ أزمان السجلات والمحاضر، وفيه تعديل الشهود ومن عدلهم، وفيه ذكر الجرح لمن شهد وبيان ما ردت به شهادة المجروح فهو أمين القاضي الذي لا يخون وخليفته الذي لا يشين فلا ينبغي له أن يتوانى في حفظه، ولا يقصر عن مراعاته وضبطه، وهو الذي يجب أن يبدأ بالنظر فيه ويتسلمه من الموكل به، وإن كان له حافظًا وعليه قائمًا. ٢٧٥ - والقاضي الأول إما أن يكون ميتًا أو معزولاً، فالقاضي الثاني يجب عليه حفظ الديوان وتسلمه ممن هو تحت يده. ٢٧٦ - فإن أحب أن يحضر بنفسه والثقات فيتسلم ذلك ويثبت ذلك في نسخ وتكون واحدة في ديوان الحكم، والثانية حجة في يد من تسلم ذلك منه والثالثة تكون في يد النفر الذين حضروا معه، وإن اختار أن يقبضه بغيره فينبغي له أن يوكل رجلاً ثقة، ويشهد على وكيله بقبض الديوان من الحاكم المعروف أو من وكيله الذي كان الديوان تحت يده. ٢٧٧ - وإن شاء أرسل كاتبه وأرسل معه من ثقاة البلد من المقبول قولهم أو من الثقاة غيرهم فيأمره بتسلم الديوان من الحاكم أو ممن دفعه إليه، يفرد هو لذلك موضعًا ليكون تحت يده وقبضته أو تحت يد كاتبه. ٢٧٨ - ويكتب لما يقبض جميعه كتابًا كتابًا وسجلاً سجلاً. ٢٧٩ - ويختم ذلك كله بعد أن يثبت عنده أن ذلك محكوم به ويثبته على أمينه أو كاتبه. ٢٨٠ - وإذ قد ذكرنا الكاتب فينبغي أن نذكر الصفة التي يكون عليها.

стр. 109

باب كاتب القاضي وهذا باب ذكر كاتب القاضي وما ينبغي أن يكون عليه من الصفات. ٢٨١ - اعلم أن النبي ﷺ كان له كُتَّاب منهم علي بن أبي طالب ﵇ وزيد بن ثابت ومعاوية بن أبي سفيان ﵃. ٢٨٢ - وكان لأبي بكر الصديق ﵇ ورضوان الله زيد بن ثابت وعثمان بن عفان ﵃ يكتبان. ٢٨٣ - وكان كاتب عمر رضوان الله وسلامه عليه عبد الله بن أرقم وزيد بن ثابت ﵃. ٢٨٤ - وكاتب عثمان مروان. ٢٨٥ - وكاتب علي بن أبي طالب ﵇ عبد الله بن أبي رافع ﵃ أجمعين. ٢٨٦ - وهو فعل أئمة المعدلة وولاة الجور. ٢٨٧ - وإذا استكتب القاضي رجلاً فقد أقامه مقامًا يجب عليه أن يختاره، وأن يستفرغ الوسع والمجهود في ذلك فيكون معروفًا بالسداد في مذاهبه والاستقامة في طرائقه، ويكون عدلاً في دينه. ٢٨٨ - قال الخصاف: ويتخذ كاتبًا ورعًا مسلمًا عارفًا بالفقه وقاله غيره من أصحابنا كالطحاوي وابن الحسن وغيرهما وألفاظهم متقاربة. ٢٨٩ - فقال الطحاوي في «مختصره» في الفقه: وينبغي أن يتخذ كاتبًا من أهل الصلاح والعفاف، ولا ينبغي أن يتخذ كاتبًا ذميًا ولا عبدًا ولا مكاتبًا ولا محدودًا في قذف ولا ممن لا تجوز شهادته. ٢٩٠ - وقال غيره: ينبغي أن يكون مع هذه الشرائط مستقلا بما يتقلده، ومؤثرًا البر بين من

стр. 110

يصحبه ويكون أمينًا فقيهًا، يجري على هذا فيتوخى الصدق فيما يحضره ويغيب عن مشاهده، صادقًا فإن القاضي قد أمنه من أمر الحكم على من لا يؤمن على مثله إلا أمين، وفوض إليه (من) حجج الخصوم والمرفوعين إليه ما لا يفوضه إلا إلى ذوي العفاف والدين. ٢٩١ - وكذلك ينبغي أن يكون كاتب الإمام والسلطان لأنهما أعظم رتبة وأوفى منزلة والسيف في يد السلطان والشرع في يد الإمام. سيرة نظام الملك وإصلاحاته ٢٩٢ - وقد شاهدنا في عصرنا هذا من الصاحب الأجل نظام الملك قوام الدين العالم العادل المظفر المنصور مولى النعم أبي علي الحسن بن علي بن إسحق رضي أمير المؤمنين أعز الله نصره الصدر المأمون على الدين والمسلمين وأهل الذمة والمعاهدين، الذين تكملت فيه صفات الإمامة واشتهرت بسيرته السير، العفيف نفسه الكريم طبعه الحافظ سره الرؤف في نظره المنزه عن دنس الكتاب والوزراء المحافظ على تلاوة القرآن وسماع الآثار والصوم في الهواجر والقفار، الباني المدارس في كل خطة وديار، لا يشتغل بسماع وتر ولا صوت فتنة ولا نظر في لهو ولا لعب بنرد ولا شطرنج ولا ينادم على خمر، ولا يستحسن قبيحًا ولا يقبح حسنًا فجزاه الله أحسن الجزاء عن الخلق وعن سلطانه الذي فعله يناسب خلقه وأصله يسد فرعه، الذي أسقط في وقته جميع المواخير التي من بغداد إلى جيحون، في سائر أعماله، ولا يعرف له حبس ولا قيد، ولا قتل ولا فساد طريق ولا نظر إلى حرمة السلطان المعظم جلال الدولة وجمال الملة ركن الإسلام والمسلمين معز الدنيا والدين أبي الفتح ملك شاه عضد الدولة الب ارسلان محمد بن داود بن مكائيل يمين أمير المؤمنين ﵀. ثم يرجع بنا القول إلى ما كنا فيه.
следующие страницы →