Полный текст (1 505 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
صفات الولي على الصغير
٦٧٤ - وإنما يكونان كذلك إذا كان عدلين أمينين، لا اختلاف بينهما في دين ولا دار ولهما ضبط وتمييز.
شرط تصرف الولي عليه
٦٧٥ - ولا يجوز تصرف الولي عليه حتى يكون للصبي فيه النفع، ولا يكون عليه في مضرة.
٦٧٦ - ولا يبيع ما فيه غبن ماله.
٦٧٧ - وليس له إسقاط حقوقه الواجبة له بغير عوض يحصل له، أو عرض يوفى على ذلك.
٦٧٨ - وسنبين في المعاملات ما يجب من ذلك وأما الغرض ها هنا أنه يجوز للولي أن يدعي الحق الذي يجب للصغير على غيره من أثمان البياعات وقيم المتلفات وأروش الجنايات.
٦٧٩ - وله أن يقيم البينة بذلك.
٦٨٠ - ويتسلم ما قضى به للصبي من ثمن أو مهر أو أجرة أو نفقة.
٦٨١ - وهو أولى بالتصرف من الحاكم والأم وسائر الأقارب.
٦٨٢ - وقد روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "أنت ومالك لأبيك".
٦٨٣ - وأول فائدة هذه الإضافة أن تفيد جواز التصرف.
٦٨٤ - وله أن يستنيب في الخصومة، ويوكل في كل ما يجوز أن يتولاه بنفسه.
стр. 177
٦٨٥ - وكل تصرفه يلزم الصبي بعد بلوغه، وليس له إبطال ما أجزنا له التصرف فيه بعد البلوغ.
٦٨٦ - ولما كان له التصرف بنفسه وبغيره، وجب ذكر جواز نيابة الغير.
باب جواز دعوى الوكيل لغيره
وهذا باب يذكر فيه جواز دعوى الوكيل لغيره.
٦٨٧ - أعلم أن الوكيل إذا صحت وكالته ولزمته حجته جاز للقاضي أن يسمع دعواه، والدعوى عليه فيما يصح أن يتولاه لغيره.
٦٨٨ - وهو كالولي، لأن النبي صلي الله عليه وسلم وكل عمرو بن أمية الضمري في تزويج أم حبيبة، وعروة البارقي في شراء أضحية، وكذلك أئمة العدل ووجوه الصحابة والتابعين، وهو عمل الناس في جميع الأمصار.
٦٨٩ - وللوكيل المخاصمة فيما وكل به ما لم يخرج من الوكالة بموت
стр. 178
الموكل أو موت من وكل عليه أو عزل نفسه أو عزل من وكله أو بلوغ من وكل له من الصغار أو موتهم.
٦٩٠ - وسنذكر في كتاب الوكالة ما يجوز من ذلك وما لا يجوز، ونذكر الخلاف في مسائل الخلاف في ذلك.
٦٩١ - وتصرف الوكيل موقوف على الأمر، فليس له أن يتصرف في غير ما أمر به.
٦٩٢ - وقد يتصرف عن البالغ تارة وعن الصغير أخرى.
٦٩٣ - ولما جاز أن يموت الوكيل والولي ويحتاج الصغير إلى من يتصرف عليه وجب ذكر ذلك، وليس ذلك إلا إلى الأمين.
وهذا باب يذكر فيه دعوى الأمين
نصب الأمناء
٦٩٤ - ولما كان القاضي منصوباً للتصرف في مصالح المسلمين، وهو نائب عن الإمام، وكان يجب عليه حفظ ما انتهي إليه من أمر أو مال أو حفظ ضالة أو تسلم مال تركة أو وقف أو وصية، وكان لا يجوز له أن يتولي ذلك بنفسه، ولا يقوم بحفظ ما يجب عليه لكثرته، جعل الشرع له أن ينصب الأمناء على الأيتام والوقوف ومال من غاب من الناس، وبيع ما يجب بيعه وحفظ ثمنه، وكان مصوناً عن أن يدعي عليه الدعاوى في عقوده وما يأمر به جعل ذلك إلى أمينه ليخرج من هذه العهدة فلهذا قلنا يجوز للأمين أن يدعي عن غيره وأن يدعى عليه ما يجب على الغير إذا لم يمكن أن يقضى عليه.
стр. 179
٦٩٥ - ويكون الأمين كالولي والوكيل في ذلك.
٦٩٦ - وهذا لا خلاف فيه أن للقاضي أن يفعله بمطلق الولاية، ويستفيده بنظر الحكم.
إطلاق التصرف للأمين وتقييده
٦٩٧ - وقد يجعل القاضي إلى الأمين التصرف على سبيل العموم تارة وعلى سبيل الخصوص أخرى.
٦٩٨ - وهذا يقتضي ذكر ما يصير به تصرفه عاماً، وذلك إنما يكون بأن يجعله وصياً.
باب دعوى الوصي
وهذا باب يذكر فيه دعوى الوصي:
٦٩٩ - أعلم أنه لما كان التصرف يقع على وجهين عن الغير: في حالة الحياة وفيما بعد الموت جوز له أن يوكل حالة الحياة وأن يوصي إلى غيره بعد الموت.
٧٠٠ - فالوكيل لا يتصرف بعد موت الموكل فيما وكل به، والوصي لا يتصرف حال حياة الموصي فيما أسند إليه بلا خلاف في هذه الجملة.
٧٠١ - ويكون الوصي وصياً من جهة الإنسان في ماله، وفيما يتعلق به، ويكون وصياً فيما يتعلق بغيره كولده.
٧٠٢ - وتثبت الوصية للوصي بالأب والجد وأن علا في حق صغار ولده، ويكون وصيا بقول القاضي له: جعلناك وصيا على مال فلان أو ورثته الصغار.
٧٠٣ - وسنذكر في الوصايا ما يجوز تصرفه فيه وما لا يجوز، ونذكر الخلاف في مسائل الوصايا إن شاء الله، وإنما ذكرنا هاهنا جواز دعواه والدعوى عليه.
стр. 180
٧٠٤ - وإذ قد ذكرنا ذلك، وجب أن نذكر حكم الدعوى له ولغيره.
باب دعوى الشريك والدعوى عليه
وهذا باب دعوى الشريك والدعوى عليه.
أنواع الشركات
٧٠٥ - والشركة على ضربين: شركة عقود، وشركة أملاك.
شركة الأملاك
٧٠٦ - وشركة الأملاك تصح ويثبت حكمها من المكلف وغير المكلف كالميراث والوصية واروش الاتلاف، وما يدعي على الميت ويدعيه له، فالواحد ينوب فيه عن الجماعة.
شركة العقود وأنواعها
٧٠٧ - والشركة في العقود تنقسم إلى أربعة أقسام:
منها مفاوضة.
ومنها عنان.
ومنها شركة أبدان.
والرابع شركة وجوه.
٧٠٨ - وسنذكر في كتاب الشركة حكم ذلك، والخلاف فيه.
وإنما ذكرنا هاهنا دعوي الشريك على غيره بما يجب لشريكه، والدعوى عليه، وهذا مجمع على صحته إذا صحت الشركة بأن يدعي أنه اشتري له ولشريكه.
٧٠٩ - وإذا قد ذكرنا جواز دعوى الشريك في الوجوه الأربعة، وكان من الشركة ما يكون من أحد الجانبين مال ومن الآخر عمل وجب ذكر ذلك.
стр. 181
باب دعوى المضارب
وهذا باب دعوى المضارب.
٧١٠ - والمضاربة إذا صحت جاز للعامل الدعوى على غير لمال المضاربة، وتكون كدعواه ودعوى رب المال إذا اجتمعا في الدعوى لذلك.
٧١١ - وسنذكر في كتاب المضاربة ما يدعيه كل واحد على صاحبه، وعلى غيره، ونذكر الخلاف فيما فيه خلاف والوفاق فيما فيه وفاق.
٧١٢ - وإذ قد ذكرنا ذلك وجب ذكر دعوى المولي عن العبيد.
باب دعوى المولى على عبده وعن عبده
وهذا باب يذكر فيه جواز دعوى المولى على عبده وعن عبده.
٧١٣ - أما ما يدعيه عن عبده فهو كل حق يجب للمولي ويكون قوله فيه مقبولاً كالجناية عليه خطأ.
٧١٤ - وكل ما لا يقبل فيه قوله على العبد فالخصم فيه العبد، وهذا كالقتل العمد والردة والزنا والقذف والسرقة إذا كانت الدعوى لطلب القطع، وإن كانت لوجوب الضمان سمعت على المولى.
٧١٥ - وسنذكر في العتاق والكتابة والتدبير والاستيلاد دعوى العبد على مولاه، ودعوى المولى عليه إن شاء الله، ونذكر الخلاف في ذلك والوفاق، ونرتب ذلك كما رتبنا غيره.
٧١٦ - وإذا قد ذكرنا حكم المقضي له، وهو المدعي فلنذكر حكم المقضي عليه وهو المدعى عليه.
стр. 182
باب المقضي عليه
وهذا باب نذكر فيه أحوال المدعى عليه وصفاته التي يكون عليها.
أهلية المدعى عليه
٧١٧ - والدعوى لا تصح على من لا يقبل قوله لو اعترف بها وصدق المدعي، وهذا كالدعوى على الصغير والمجنون ومن ليس له تمييز.
شرط الصفة
٧١٨ - ولا على من له تمييز ولكن الحق لا يلزمه وإنما يلزم غيره إذا لم يكن بينهما شيء يوجب قبول قوله عليه.
٧١٩ - فأما إذا كان كالنائب عن غيره أو يتصرف عليه بالولاية فنبين في كل كتاب ما يقبل إقراره فيه وما لا يقبل، ونذكر الخلاف في ذلك إن شاء الله ونبين كيفية القضاء عليه وله في الدعاوى، فيحتاج أن يكون عاقلاً مميزاً.
٧٢٠ - وقد يجوز أن يكون حراً، ويجوز أن يكون عبداً، ويجوز أن يكون ذكراً ويجوز أن يكون أنثى، ويجوز أن يكون مأذوناً له في التجارة عاقلاً غير بالغ، ويجوز أن يكون مسلماً، ويجوز أن يكون كافراً، وهذه صفة المدعى عليه إذا أدعي عليه، وقد يكون حاضراً ويكون غائباً.
باب القضاء على الحاضر في المجلس والبلد
وهذا باب يذكر فيه القضاء على الحاضر في المجلس والبلد.
٧٢١ - أجمع الفقهاء على العدوى على من في البلد إذا كان صحيحاً سالماً أنه يعدي عليه ويحضره مجلس الحكم.
стр. 183
٧٢٢ - فإذا حضر سمع من المدعي دعواه وسأله المدعى عليه من الدعوى إذا صحت، فإن أقر أمره بالخروج مما أقر به.
٧٢٣ - وإن لم يقر سأل المدعي البينة.
٧٢٤ - ولا يسمع البينة إلا بعد الإنكار وهذا فصل لا خلاف فيه أنه لا يسمع البينة إذا سكت، ولابد من الإنكار ليصبح سماع البينة.
٧٢٥ - وهو أصلنا في القضاء على الغائب، أنه لا يقضي عليه حتى يوجد الإنكار الذي هو شرط سماع البينة.
٧٢٦ - وقد قال أصحابنا:
لو كان غائباً عن المصر على مسيرة أقل من نصف يوم لم يعد عليه إلا ببينة تشهد عليه أن له عليه هذه الدعوى، فيحضره له.
٧٢٧ - قال الطحاوي:
"وهذا قول أبي يوسف، وكان لا يسأل عن شهود العدوى"، وقد ذكرنا الرواية فيما تقدم من رواية ابن سماعة.
٧٢٨ - وقال مالك أن كان غائباً على أقل من مسيرة تقصر فيه الصلاة سمع من المدعي بينه في الدين، ولم يسمع بنيته على العقار.
٧٢٩ - وقال الشافعي: لم يعد عليه ببلد فيه حاكم، ويقال للخصم: أمض فخاصمه هناك.
٧٣٠ - واختلف أصحاب الشافعي إذا كان في البلد هل يسمع بنيته على وجهين:
أحدهما أنه يسمع ويقضي عليه كالغائب.
والثاني وهو المذهب أنها لا تسمع كالحاضر في مجلس الحكم.
стр. 184
الدعوى على العليل ومن إليه
٧٣١ - وإذا كان المدعى عليه عليلاً لا يمكنه حضور مجلس الحكم، وصح ذلك عند القاضي قال للمدعي:
- أصبر حتى يصبر خصمك إلى حال يمكنه الحضور.
فإن أمكنه الحضور أحضره.
٧٣٢ - فإن لم يصبر وطلب المدعي الحكم فإن القاضي يرسل إليه أميناً من أمنائه ومعه شاهدين ممن يعرف المريض، وكذلك إن كانت امرأة غير برزة فهي مثل المريض، فيذكر الأمين صفة المدعي ودعواه وأن القاضي أمره أن يسألك ذلك، فإن جحدت أحلفتك كما أمر القاضي.
٧٣٣ - فإن أقر المريض أو المرأة شهد الشاهدان وأمره الأمين أن يوكل وكيلاً يحضر معه مجلس الحكم ليخاصم المدعي.
٧٣٤ - فإذا وكل حضر الشاهدان وشهدا بما أقر به بمحضر من وكيله وكذلك إذا جحد يقيم خصما له أو عليه ببينة المدعي، وإن كان قد حلف أيضاً.
٧٣٥ - وإذا أبى أن يخلف عرض عليه اليمين ثلاث مرات، فإذا تحقق النكول حضر وكيله فشهد بذلك الشاهدان بمحضر من الوكيل وألزم القاضي ذلك الحق.
٧٣٦ - وسنذكر ما في اليمين والنكول في موضعه إن شاء الله.
٧٣٧ - وللمدعي أن يصبر حتى يبرأ المريض فيحضره إلى القاضي فيستحلفه على الدعوى.
٧٣٨ - وهذا حكم الدعوى على العليل والمرأة التي لم تبرز.
стр. 185
فصل في الترجمة
٧٣٩ - فإن كان المدعي أو المدعى عليه أعجميا أو لا يعرف القاضي لغته، وهما أو أحدهما على هذه الصفة أو لا يعرف أحدهما الأخر فعلى القاضي أن يأمر عدلين يترجمان للمدعي وللمدعى عليه وله، ويفهم هو أيضاً ذلك.
٧٤٠ - وهذا قول محمد بن الحسن (الشيباني) وزفر، والظاهر من قول الشافعي أنه يعتبر في الترجمة اثنين، ولا يقبل أقل من ذلك.
٧٤١ - وقال أبو حنيفة وأبو يوسف يقبل قول الواحد العدل في الترجمة
فصل
في الأخرس
٧٤٢ - وإن كان الرجل أخرس يفهم الإشارة أمر الحاكم عدلين إن يشيرا إليه بما يدعي عليه، فإن جحد سمعت بينة المدعي، وإن لم تكن بينة استحلفه بالإشارة على ما يفهمه، لأن الأخرس في الدعاوى والعقود كالناطق.
٧٤٣ - وإنما الخلاف في شهادته ولعانه.
٧٤٤ - ومن الفقهاء من قال لا يصح إقراره بالإشارة لأنها لا تقوم مقام الكلام، ذكر الخلاف الخصاف في أدبه للقضاء، وسنذكر ذلك في الشهادات إن شاء الله.
فصل
الدعوى على الطفل في حجر القاضي
٧٤٥ - فإن كان المدعى عليه طفلاً في حجر القاضي أقام له وكيلاً يدفع عنه ويقول:
لا علم لي بما يدعيه على فلان.
стр. 186
٧٤٦ - وإن حضر طفل إلى القاضي وقال:
- إن لي مالاً ولا قيم لي عليه.
فإن القاضي يقيم له قيماً بما يحفظ ما يذكر أنه له.
٧٤٧ - وحال الحاضر لا يخلو من هذه الأقسام كلها.
٧٤٨ - وإذ قد ذكرنا ذلك فلنذكر القضاء على الغائب.
باب القضاء على الغائب
وهذا باب جواز القضاء على الغائب وما قيل في ذلك.
٧٤٩ - قال أبو حنيفة ومحمد: لا يجوز القضاء على الغائب، ولا تسمع عليه بينة إلا أن يحضر أو يحضر وكيل له فيقضي عليه حينئذ، ولا فرق بين سائر الأموال والحقوق في ذلك.
٧٥٠ - وروي عن أبي يوسف أنه كان يأخذ في ذلك بالأعذار فيقول:
أن يغب ولم يحضر وصح ذلك عند الحاكم أنه في منزله نادى على بابه على ما ذكرناه فيما تقدم، وأقام عنه قيما وسمع من البينة.
٧٥١ - وكان مالك بن أنس يقضي على الغائب في الدين دون العقار، ودون غيره من الحقوق إلا أن يغيب غيبة منقطعة فيقضي حينئذ في الجميع.
٧٥٢ - وكان الشافعي يقضي على الغائب بما يقضي به على الحاضر من البينة.
وقد روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال لعلي بن أبي طالب ﵁ حين ولاه اليمين:
- لا تقض لأحد الخصمين حتى تسمع من الآخر فجعل شرط القضاء عليه سماع قول الآخر.
٧٥٣ - وإذا لم يجز القضاء للغائب من غير خصم فكذلك القضاء عليه، لأنه أحد الخصمين.
٧٥٤ - وإذ قد ذكرنا الغائب وجب أن نذكر من غاب إلى المعاد.
стр. 187
باب جواز القضاء على الميت
وهذا باب يذكر فيه جواز القضاء على الميت.
٧٥٥ - والموت لا يبطل ما على الميت من حقوق الأموال، ولا يبطل ما له من ذلك، وإن بطل بعض الحقوق التي ليست بمال ولا تؤول إلى مال كخيار الشرط والنكاح وخيار الشفعة والقبول.
٧٥٩ - وأجمعوا على أن حقوقه المالية تستوفي له بعد الموت على حكم ملكه، وتقضى منها ديونه وتنفذ منها وصاياه.
٧٥٧ - وإن موته لا يبطل ما عليه من حق إذا خلف تركة.
٧٥٨ - والحكم على الميت لا على ورثته، ولهذا يجوز الحكم بحضور بعض الورثة أو الوصي، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء نعلمه.
٧٥٩ - وسنذكر في كل كتاب من المعاملات ما قيل.
٧٦٠ - وإذا صحت الدعوى عليه فكيف يقضى عليه.
باب كيفية القضاء على الميت
وهذا باب كيفية القضاء على الميت:
٧٦١ - قال أصحابنا:
ولا يثبت الحق على الميت إلا بحضور بعض الورثة أو الوصي عنه أو وصي يقيمه القاضي عنه.
٧٦٢ - ولا يثبت الحق عليه بدعوى على غريم له عليه دين، ولا موصي له بشيء من ماله، ولا يكون أحد منها عنه خصماً.
٧٦٣ - وإذا ثبت الحق عليه استحلف المقضي له أنه ما استوفاه ولا ابرأه ولا اعتاض عنه، ولا وجد من جهته ما يبطل حقه.
٧٦٤ - وسنذكر عند الأيمان كيفية اليمين.
стр. 188
٧٦٥ - وإن أسقط الوارث يمينه لم يسقط لأنها يمين على حق للميت.
٧٦٦ - وإذ قد ذكرنا القضاء على الميت فلنذكر القضاء على وارثه.
باب كيفية القضاء على الورثة
وهذا باب كيفية القضاء على الورثة.
٧٦٧ - قد قلنا أن القضاء على الميت يقع لا على الورثة، وأن الوارث نائب عنه في التركة، يستوفي ما وجب له، دون ما لم يجب له، فإذا أدعى رجل وله وارث سواه لزم المقر في حصته حتى يستغرق حصته عندنا.
٧٦٨ - وقال الشافعي يلزمه في مقدار ما يخصه.
٧٦٩ - وسنذكر ذلك في الإقرار.
٧٦٩ - وإن كانت عينا أخذ حصة المقر والباقون على حقوقهم في قول الفريقين.
٧٧٠ - وإن كان الورثة صغاراً أقام له القاضي وصياً فيدلي بحجة الصغار، فإذا ثبت الحق لم يسلمه إليه حتى يستحلف مع البينة.
٧٧١ - فإذا كان الورثة في بلد والغرماء والمال في آخر، فطلب الغرماء إن يسمع بينتهم ويقضي لهم بحقوقهم وينصب عنها وصياً، فإن كان البلد منقطعاً لا يصله الناس فعل ذلك، ونصب لهم وصياً.
وإن كان البلد غير منقطع لم يثبت حقوقهم ولم يسمع بينة عليهم حتى يحضر بعضهم.
٧٧٢ - وإن طلبوا منه أن يسمع ويكتب إلى حاكم البلد الذي فيه الورثة كتب لهم بما يصح عنده من ذلك، ثم يعمل المكتوب إليه بعد الثبوت بما كان يعمله من القضاء واليمين، ويسمع من الورثة مالهم من حجة ثم يكتب إلى الأول يعرفه ما فعل ليستوفي لهم ما لهم من التركة وما عليهم من الإيمان.
٧٧٣ - وقال الشافعي:
يثبت الحق عليهم، وهي مسألة القضاء على الغائب، ويثبت الحكم دون نقل الشهادة.
стр. 189
٧٧٤ - وإذا قال الغريم: إن مال الميت قد تفرقه الورثة وأتلفوه فاحجر عليه حتى أقيم بينه بحقي، لم يجبه إلى ذلك حتى يثبت حقه.
٧٧٥ - وقد قال بعض أصحابنا:
إن رأي القاضي ذلك على سبيل الاحتياط اياما فعل ذلك، فإن لم يثبت له شيء وإلا أطلق يد الوارث.
هذا إن كان الوارث غير مأمون، وإن كان مأموناً لم يفعل ذلك.
وكذلك أن أدعي رجل وصية واستحسن القاضي ذلك فعله.
وهذا على حسب اجتهاد القاضي وما يقع في قلبه.
٧٧٦ - وإن كان بعض الورثة صغيراً حاضراً وبعضهم غائباً، نصب عن الصغير وصياً، فإذا قضى عليه كان القضاء على الصغير والكبير الغائب.
٧٧٧ - وهذا قولهم جميعاً.
٧٧٨ - ولو كان للميت ولدان كبيران أحدهما غائب والآخر حاضر، فقال الحاضر:
لأبي على فلان ألف درهم، ولي مثل ذلك على أبي.
قال يسمع بينة الأب على الأجنبي، ولا يسمع بينه الوارث إلا على الوارث أو الوصي.
٧٧٩ - وقال الشافعي: يسمع أيضاً بينه الوارث.
وهو فرع لمسئلة القضاء على الغائب.
٧٨٠ - وإقرار الوصي بعين من التركة أو دين لا يقبل، وإن كان وارثاً قبل في حصته.
٧٨١ - وإذا ترك الرجل الميت ألف درهم وعليه دين، وترك أبناً، فقال الابن:
- هذه وديعة كانت عند أبي لفلان، وصدقه فلان وغريم الميت أو كذبوه أو قال الغريم لا أدري لمن هي، أو قال الابن: لا أدري لمن هي، ولكن ليست
стр. 190
لأبي، فإنها للغرماء دون مدعي الوديعة، ولا يصدق الغرماء في كونها وديعة لأنهم يجعلون الميت مرتهناً في قبره.
٧٨٢ - ولا يمين على الوارث للمدعي لأن إقراره لا يقبل.
٧٨٣ - فإن قال الغرماء: إنا نعلم أنها لهذا المدعي فإن القاضي يقضيهم الألف، ويرجع المدعي للوديعة عليهم فيأخذ الألف منهم بإقرارهم أنها له.
٧٨٤ - وإذا قد ذكرنا القضاء على الميت ومن ذكرناه، وجب ذكر القضاء على من هرب من الخصم.
باب القضاء على من هرب من الخصم
وهذا باب يذكر فيه القضاء على من هرب وتغيب.
٧٨٥ - وإذا هرب الخصم من الحكم فلا يخلو:
أما أن يكون قبل سماع الدعوى والبينة.
أو بعد سماع الدعوى والبينة.
أو بعد سماع الدعوى قبل سماع البينة.
٧٨٦ - فإن هرب قبل ذلك كله فهو كالغائب عن القاضي على اختلاف المذاهب:
فمن يقضي على الغائب يقضي عليه.
ومن لا يقضي على الغائب لا يقضي عليه.
٧٨٧ - وإن كان بعد سماع البينة لا يؤثر هربه في الحكم، وكان للقاضي أن يقضي عليه وينفذ الحكم الذي يوجبه عليه إذا كانت البينة معدلة.
٧٨٨ - وإن كان مما يجب على المدعي اليمين مع البينة استحلف المدعي لأنه يستحلف وإن لم يطلب ذلك الخصم في مواضع منها الرد بالعيب والشفعة والدين على الميت.
٧٨٩ - وسنبين ذلك فيما بعد إن شاء الله.
стр. 191
٧٩٠ - وقد ذكرنا ما قال أبو يوسف في النداء على بابه ثلاثاً، ثم نصب الخصم عنه، ثم القضاء عليه، وذكرنا قوله فيما تقدم من هذا الكتاب، وبينا كيفية الطلب والإحضار والهجم على البيوت، وختم الأبواب، وما في ذلك من خلاف.
٧٩١ - وليس في هرب الخصم اعتراف منه بالدعوى، ولا تصديق للمدعي فيه إدعاء، وقد يجوز أن يكون عاجزاً عن الجواب فيلزمه ما لا يتوجه عليه.
فالقاضي يفعل في ذلك ما يؤدي إليه اجتهاده ورأيه في الحكم عليه، والامتناع من الحكم عليه.
٧٩٣ - وإذ قد ذكرنا صفة المقضي عليه وأحواله، فلتذكر ما يقع القضاء به من الأمور.
стр. 192
باب ما يقع القضاء به
٧٩٣ - وأما الكلام فيما يقع القضاء به من الأمور كالبينة والعلم والإقرار والإيمان فيشتمل على أبواب:
منها الكلام في الشهود.
باب الشهادة
٧٩٤ - أعلم أن الشهادة على الحق للمدعي أحد طرق الحاكم إلى الحكم والقضاء.
٧٩٥ - وهي أكد الحجج والطرق، لأنه لا خلاف في وجوب العمل بها في الحدود والقصاص والأموال والفروج.
٧٩٦ - واختلفوا في علم القاضي هل يقضي به أم لا، على ما نبينه في بابه وموضعه.
٧٩٧ - فالشهود حجة لله تعالي ولرسوله وللمؤمنين بعضهم على بعض.
٧٩٨ - وهي رتبة شريفة ومنزلة جليلة قال الله تعالى:
стр. 193
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾
وقال تعالى:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾
وقال:
﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾
٧٩٩ - فالله تعالي شهيد على رسله بما أوحي إليهم، وبما فعلوه في أداء الرسالة، والرسول شهيد على الصحابة وأتباعه بما أدي إليهم من الشرع وبين لهم من الدين وافترض عليهم من الأحكام.
والجيل الأول شهود على الجيل الثاني وكل أمة عن من بعدهم.
٨٠٠ - وقد جمع الله تعالى بين العلماء في الآية الأولى وبين الأنبياء لمشاركة العلماء للأنبياء ﵈ في العلم، وأفردت الأمة في الآية الثانية بالثناء والمدح، وجعلهم في الآية الثالثة شهداء على الناس، وأشهد الرسول ﵇.
٨٠١ - فالشهود لهم مراتب يتفاضلون فيها كما يتفاضل الرسل في المنازل مع تساويهم في الرسالة، فكذلك الشهود.
٨٠٢ - وقد أمر الله تعالى بالشهادة وبين لنا صفة الشهود بعد أن بين لنا العدد.
стр. 194
٨٠٣ - وقد روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "البينة على من أدعي واليمين على المدعى عليه".
وقال: "إذا رأيت مثل الشمس فأشهد وإلا فدع".
وقال الله تعالى:
﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
٨٠٤ - فالشهود أمناء الله والرسول والأمة فينبغي لمن ميزه الله تعالى على خلقه بقبول القول على غيره ونفوذ شهادته عليه أن يعرف الله تعالى وما شرفه به وميزه ورفع من قدره وعظمه، فيسوي بين ظاهره وباطنه وسره وعلانيته.
اختيار القاضي شهوده
٨٠٥ - وعلى القاضي أن يختار من الشهود كل معروف السريرة طاهر السيرة ميمون النقيبة طاهر الأخلاق.
وسنبين في (باب) ذكر العدالة ما يجب من ذلك ويشترط.
٨٠٦ - فيوفي كل شاهد حقه من الإكرام وموضعه من الدين، ويزيد في منزلة من ظاهره أجمل وباطنه أسلم، ليقتدي به في الطريقة بقية الشهود ويسلكوا سبيله في التجريح والتحفظ والتيقظ.
٨٠٧ - وهذا باب طويل وفيه علم كثير يتشعب إلى شعب كثيرة وأمور جمة، وهذا كلام في الجملة دون التفصيل.
стр. 195
٨٠٨ - وإذ قد ذكرنا حكم الجملة فلنذكر بالتفصيل.
باب الكلام في عدد الشهود
وهذا باب الكلام في عدد الشهود.
٨٠٩ - أعلم أن الشرع ورد باعتبار العدد في الشهادة، وخالف في مواضع قبول الشهادة.
عدد الشهود في الزنا والقذف
٨١٠ - فأعتبر في الزنا أربعة لا امرأة فيهم ولا عبد ولا صبي ولا مجنون ولا متهم.
٨١١ - وأجمع الفقهاء على قبول الشهادة في ذلك من العرب والعجم وسائر أصناف الناس إذا كانوا عدولاً، وسنبين صفة العدل في بابه.
٨١٢ - وليس من شرط الشهادة أن يكون قرشياً أو عربياً أو عالماً بالأحكام أو يحفظ القرآن أو الآثار والسيرة (النبوية).
٨١٣ - وكل رجل يجوز قبول قوله في الحدود يجوز قبول قوله في غير الحدود.
٨١٤ - وكل عدد تثبت به الحدود يجوز أن يثبت به غير الحدود.
٨١٥ - ويجوز أن يثبت غير الحدود بما لا يثبت به الحد.
عدد الشهود في القصاص
٨١٦ - والأربعة تعتبر في حد الزنا والقذف ليسقط الحد عن القاذف.
٨١٧ - ويقبل في القصاص شهادة رجلين.
عدد الشهود في الديات
٨١٨ - وفي الديات شهادة رجل وامرأتين، وكذلك النكاح وسائر العقود عندنا.
стр. 196
٨١٩ - فأكمل الشهادات أربعة رجال وبعدها رجلان وبعدها رجل وامرأتان.
شهادة الواحد
٨٢٠ - وشهادة الواحد مقبولة، ولها باب يجيء والنساء لهن باب.
٨٢١ - وإذ قد ذكرنا العدد في الشهادة فقد بقي أن نصف العدد بصفة.
باب الكلام في صفة الشهود
وهذا باب الكلام في صفة الشهود.
٨٢٢ - أعلم أن أسم الشاهد يقع على المحق والمبطل، فيقال شاهد عدل وشاهد جور.
٨٢٣ - وإذا قلت: شاهد، اشتمل على مشهود به، ومشهود له، ومشهود عليه، ومشهود عنده.
٨٢٤ - فالمشهود به: الحق المقضي به.
٨٢٥ - والمشهود له: المدعي.
٨٢٦ - والمشهود عليه: المدعى عليه.
٨٢٧ - والمشهود عنده: الحاكم.
وقد تقدم ذكر ذلك إلا المقضي به.
شروط الشاهد
٨٣٠ - ولا يكون شاهدا في الشرع مقبول القول في الحقوق حتى يجتمع فيه شرائط: منها أن يكون بالغاً، ومنها أن يكون عاقلاً، ومنها أن يكون حراً، ومنها أن يكون مسلماً، ومنها أن يكون عدلاً، ومنها أن يكون عالماً بما يشهد به من الحقوق أو في حكم العالم بذلك.
стр. 197
شرط البلوغ
شهادة الصبيان في الجراح
٨٣١ - أما اعتبار البلوغ في الشاهد فمجمع عليه في سائر الحقوق المحكوم بها، وهذا قولنا وقول الشافعي أن الصبي لا يقبل قوله في الشهادة على غيره.
وقال مالك تقبل شهادة الصبيان في الجراح قبل أن يفترقوا.
نقد قول مالك
٨٣٢ - ولو قبل قولهم (في الجراح) قبل في غير الجراح.
وقد ذكرنا الخبر القاضي أنه ﵊ قال:
"رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم".
شرط العقل
٨٣٣ - وأما اعتبار العقل فمجمع عليه، وقد قال ﵇ "والمجنون حتى يفيق" وكان المعنى فيه أنه غير مكلف فلم يتوجه عليه فرض إقامة الشهادة.
شرط الحرية
٨٣٤ - وأما اعتبار الحرية في الشهادة فهو قولنا وقول الشافعي، وهو المروي عن ابن عباس وشريح ومجاهد ومكحول وعطاء وعامر واياس بن معاوية والحسن (البصري) ورواه عمرو بن شعيب عن عمر بن الخطاب ﵁.
٨٣٥ - وقد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كان يجيز شهادة العبيد، وهو قول مالك بن أنس وأحمد.
٨٣٦ - وعن إبراهيم أنه قال: تجوز شهادة العبيد في الشيء الطفيف.
стр. 198
إعادة الشهادات بعد العتق
٨٣٧ - قال أصحابنا: وإن شهد وهو عبد فرد الحاكم شهادته لعلة الرق ثم أعتق فأعاد الشهادة جازت وحكم بها الحاكم لأنه لم يردها للتهمة.
٨٣٨ - وهو قول الشافعي أيضاً.
قبول خبر العبد في الشرعيات
٨٣٩ - وأجمعوا على قبول خبره في الشرعيات.
شرط الإسلام
٨٤٠ - وأما اعتبار الإسلام في الشاهد، فهو قولنا وقول عامة الفقهاء إذا كان المشهود عليه مسلماً، إلا شيء سمعناه عن الحنابلة أنهم أجازوا شهادة الذمي على المسلم في الوصية لظاهر الآية.
٨٤١ - وقد روي عن مجاهد وعبيدة السلماني وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي " أو آخران من غيركم من المشركين".
وهو قول ابن عباس:
٨٤٢ - فأما شهادة الكفار بعضهم على بعض فهي جائزة: اختلفت مللهم أو اتفقت، لأن الكفر عند أصحابنا ملة واحدة.
٨٤٣ - وقد روي عن عمرو بن ميمون أنه أجاز شهادة مجوسي علي نصراني أو يهودي، وهو قول ابن سيرين ونافع وإبراهيم ووكيع وحماد والضحاك.
стр. 199
٨٤٤ - وقال قتادة:
لا تجوز شهادة النصراني على اليهودي، ولا اليهودي على النصراني.
٨٤٥ - وقال إبراهيم (النخعي):
لا يتوارث أهل ملتين، ولا تجوز شهادة بعضهم على بعض.
٨٤٦ - وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن:
"لا تجوز شهادة ملة على ملة إلا المسلمين وهو قول عطاء بن أبي ربح والشافعي".
٨٤٧ - قال أصحابنا:
ولو شهد الذمي على مثله فأسلم المشهود عليه قبل الحكم والقضاء أبطلت الشهادة، وإن كان بعد الحكم لم تبطل، كما لو فسق الشهود.
٨٤٨ - وهذا في سائل الحقوق كلها أنها لا تبطل، إلا الحدود والقتل العمد والقصاص في النفس وفيما دون النفس فأنى ادرأ ذلك، وادرأ عنه القطع في السرقة وأضمنه المال.
٨٤٩ - وقال أبو يوسف: ادرأ عنه القصاص في النفس وفيما دونها، وأضمنه دية ذلك، ولا يرجع المشهود عليه بذلك على الشاهدين.
٨٥٠ - ولو أسلم الشاهدان بعد إسلامه وقد قضى القاضي بذلك في الحدود والقصاص فجدد الشهادة عليه أمضيت القصاص وأنفذته ويدرأ عنه الحدود.
٨٥١ - وقال الخصاف:
"والقياس عندي أن أمضيه عليه وأن أسلم لأنهما صارا إلى حالة يجوز شهادتهما عليه".
٨٥٢ - ولو كان الشاهدان أسلما أولاً، ثم أسلم بعد ذلك المشهود عليه فجددا الشهادة ولم يكن الحاكم أبطلها أمضيت الشهادة والحكم.
٨٥٣ - وقد قال أصحابنا: إذا شهدا على ذمي في حال الكفر فرد الحاكم
стр. 200
شهادتهما لأجل التهمة، ثم أسلما بعد ذلك فأعادا الشهادة به لم تقبل، لأنه ردهما للتهمة.
٨٥٤ - ولو كانت شهادة على مسلم فأبطلها لأجل الكفر ثم أسلما فشهدا بها، فهو جائز ويحكم بها عندنا وعند الشافعي، ولا أعلم في ذلك خلافاً.
٨٥٥ - ولا فرق بين أن يشهد وهو كافر أو لا يشهد إلا بعد الإسلام.
٨٥٦ - وكذلك قد أصحابنا في العبد إذا عتق والصبي إذا بلغ مثل ذلك، لأن الرد لم يكن لأجل التهمة.
٨٥٧ - وسنذكر في باب ما ترد به الشهادة سائر ما ترد به الشهادة إن شاء الله.
في اعتبار العدالة
٨٥٨ - فأما اعتبار العدالة في الشاهد فمجتمع عليه عند الفقهاء في الحكم بها وفي قبول خبر الراوي والعمل به في الشرعيات، فيحتاج أن يعلم ما العدل؟ وما الشرائط المعتبرة في الرجل ليكون عدلاً؟
تعريف العدل
٨٥٩ - فالعدل في الأصل مصدر، وهو مقابل للجور، وحقيقته التسوية بين الأمرين أو الخصمين وترك الميل إلى أحدهما.
стр. 201
٨٦٠ - ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾
٨٦١ - والعدل هو كل فعل تعدى الفاعل، وسواء كان ضرراً بالغير أو نفعاً له، يقال حكم الحاكم بالعدل بين الخصمين، وإن كان قد نفع أحدهما وأضر بالآخر.
٨٦٢ - وقد تعورف استعماله في فاعل العدل، يقال ملك عدل وعادل، فعدل ضد الجور وعادل ضد الجائر، وهو يوضع موضع المدح للشخص، ولهذا لا يوصف من عدل بين اثنين في الظلم، وقسمة اللصوص لما أخذوا أنه عدل ولا عادل إلا بتفسير وتقييد، وكذلك إذا استووا في القسمة لا يقال عدول.
العدل في عرف أهل الشرع
٨٦٣ - والعدل في عرف أهل الشرع كل مقبول الشهادة على غيره عند السلطان والحاكم.
شرائط العدل
٨٦٤ - ويدخل فيها شرائط كبيرة منها أن يجتنب الكبائر وما يستخف بفعله من الأمور ويذهب بالمروءة عند العموم، لأن مرتكب ذلك فاسق بإجماع المسلمين.
٨٦٥ - والفاسق غير معمول بقوله، وقد دل القرآن على التثبيت في خبره.
تعريف الفسق
٨٦٦ - والفسق هو الخروج عن الشيء في اللغة. وقد جاء في الشرع مطلقاً لمن فعل الكبائر أنه خارج عن أمر مولاه.
стр. 202
٨٦٧ - وقد قال تعالى في حق إبليس: "ففسق عن أمر ربه" يعني خرج.
٨٦٨ - وقد اختلف في شهادة الكافر على ما ذكرناه، ولم يختلف في شهادة الفاسق.
٨٦٩ - وسنذكر في بابه ما فيه من العلم إن شاء الله عند البلوغ إليه.
٨٧٠ - ومنها أن يكون عادلاً في جميع ما يجب العدل فيه على الدوام، لأنه لا يصح أن يكون عدلاً غير العادل.
٨٧١ - ومنها أن لا يكون كاذباً لأن الكذب معصية توجب اتهامه في خبرة فلا يحصل الظن بمخبره فلا يكون عدلاً.
٨٧٢ - وقد ذكرنا البلوغ والعقل لأن به يجتنب المعاصي ويسارع إلى الطاعات.
الفسق من طريق الاعتقادات
٨٧٣ - واختلف في الفسق من طريق الاعتقادات هل يمنع قبول الشهادة والخبر أم لا.
فمنهم من قال يمنع وإن كان متحرجاً في أفعاله، نافرًا من الذب.
وذهب جل الفقهاء من أصحابنا وغيرهم إلى قبول خبره وشهادته.
٨٧٤ - واتفقوا على أن فسقه من طريق الجرح، وأنه يمنع كالزنا والسرقة.
стр. 203
٨٧٥ - وقد قبل الفقهاء رواية الصدر الأول بعد وقوع الفرقة بينهم واختلاف الكلمة وقتل بعضهم لبعض بالتأويل.
وقبل التابعون جميعًا رواية الفريقين جميعًا للأحكام.
ولولا ذلك لما عرفنا ما جرى بصفين والجمل والدار وأخبار الدولتين.
٨٧٦ - والعدالة شرط في قبول الخبر فكذلك الشهادة.
٨٧٧ - وسنذكر في باب الشهادة وما يليها جميع المسائل المتعلقة بهذا الشأن إن شاء الله.
اعتبار العلم بما يشهد به
٨٧٨ - وأما اعتبار العلم بما يشهد به الشاهد فمجمع عليه، وبه ورد القرآن والسنة.
٨٧٩ - ولا يحل له الشهادة بغير ما يعلم، ولا مع الشك فيما شهد به، ولا مع جهالة المشهود له.
٨٨٠ - وقد قال أبو حنيفة ﵁ في الشاهد إذا عرف خطه في الكتاب ولم يتذكر الشهادة أنه لا يجوز له أن يشهد بذلك.
٨٨١ - وإذا شهد فعلم الحاكم لم ينفذ الحكم.
٨٨٢ - وقد قال أبو يوسف ومحمد: له أن يشهد إذا عرف الخط، وكذلك قال أبو حنيفة إذا عرف المجلس ولم يذكر الشهادة.
٨٨٣ - وقد روى عن الحسن (البصري) وأخيه سعيد أنهما شهدا على شهادة ثم دعيا إلى إقامتها فنسيها الحسن وذكرها سعيد، فقال سعيد المحسن: أشهد أنا قد شهدنا عليهما أنا وأنت.
قال: كذلك؟
قال: نعم.
فذهب الحسن فشهد معه.
٨٨٤ - وإذ قد ذكرنا الكلام في صفة الشهود فلنذكر مواضع الشهادة.
стр. 204
باب الموضع الذي يعتبر فيه قول الرجالة خاصة
٨٨٥ - أما الحدود والقصاص في النفس والطرف والقطع في السرقة وحد القذف وقاطع الطريق فإنه لا يثبت إلا بشهادة الرجال العدول خاصة.
٨٨٦ - ولا يحكم بشهادة الشهود في ذلك إلا بعد المسألة عن عدالتهم.
٨٨٧ - وقد ذكرنا في باب ما يعتبر في جواز الشهادة وطريق حصولها ما يعتبر في التزكية ليكون الرجل عدلاً.
٨٨٨ - وهذه الجملة لا خلاف فيها أنها لا تثبت بشهادة النساء ولا بشهادة الرجال والنساء.
٨٨٩ - وإذا شهد الرجال والنساء بذلك في القتل الخطأ ثبت المال والدية والضمان في السرقة دون القصاص والقطع.
٨٩٠ - ولا يقبل في القتل العمد والقطع العمد شهادة النساء مع الرجال، وهو قل الشافعي في القتل العمد لا يختلف.
٨٩١ - وفي السرقة يثبت المال دون القطع. وكل ما عدا ما ذكرناه فإنه يثبت عندنا بشهادة الرجال والنساء كالنكاح والرجعة والطلاق والعتاق على مال، وسائر ما يثبت عند الحاكم بالرجلين في غير الحدود والقصاص.
٨٩٢ - وقال الشافعي لا ينعقد النكاح ولا يثبت ولا الرجعة ولا الطلاق ولا الوكالة ولا الوصية ولا الصلح من دم العمد ولا الكتابة ولا كل ما ليس بمال ولا يؤول إلى مال إلا بالرجال خاصة إلا الرضاع.
٨٩٣ - وكان ينبغي له أن لا يثبت الموت والإسلام بشهادة الرجال والنساء، فإن قالوا ذلك سمع قولهم وادي ذلك إلى أن لا يصلى على مسلم ويرثه الكافر، ويدفن في مقابر الكفار.
٨٩٤ - والأمر عندنا بخلاف ذلك.
стр. 205
باب شهادة النساء خاصة
وهذا باب ما تقبل به شهادة النساء خاصة.
قال أصحابنا:
٨٩٥ - شهادة النساء مقبولة في عيوب النساء، وما لا يطلع عليه الرجال كالنظر إلى فرج المرأة والشهادة أنها بكر أو ثيب.
٨٩٦ - ولا تقبل شهادة الرجال بذلك، كما لا تقبل شهادة النساء إذا شهدن أنه خصي أو فحل.
٨٩٧ - وقبل أبو حنيفة شهادة القابلة وحدها إذا كان هناك حمل ظاهر أو إقرار من الرجل بالحمل، أو كان النكاح باقيًا.
٨٩٨ - ومتى خلت الشهادة من واحدة من هذه الوجوه لم يقبلها.
٨٩٩ - وقبلها أبو يوسف ومحمد.
٩٠٠ - وعند الشافعي "لا يقبل أقل من أربع نسوة في هذه المواضع، وقبل الشافعي" شهادة النساء وحدهن في الرضاع.
٩٠١ - ولم يقبل ذلك أصحابنا حتى يكون معهن رجل فيقبل ذلك.
٩٠٢ - وسنذكر في كل كتاب مسائله.
٩٠٣ - وقد قبل الجميع قول النساء في الحيض والنفاس والذبيحة وأخبار الشرع الواردة في الأحكام فيما يسقط بالشهادة وما لا يسقط.
٩٠٤ - وقد ذكرنا ما يجوز أن يتصرف فيه النساء من حقهن وحق غيرهن فيما مضى.
٩٠٥ - وإذ قد ذكرنا ما يقبل قولهن فيه، فهذا ما يقبل فيه قول النساء والرجال.
باب ما يقبل من قول النساء
٩٠٦ - اتفق الفقهاء على قبول شهادتهن في البيع والإجارة والرهن والمضاربة
стр. 206
والغصب وسائر ما يجب به المال، إذا كان معهن رجل، ولا تقبل شهادتهن إذا انفردن وإن كثرن في العدد.
٩٠٧ - وعندنا تقبل على كتاب القاضي إلى القاضي وفي الأحصان والرجعة والطلاق والعتاق والنسب والولاء وسائر ما عدى الحدود والقصاص.
٩٠٨ - وكل موضع قبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي تقبل فيه شهادة الرجال والنساء.
٩٠٩ - وإن شئت قلت: كل موضع تقبل فيه الشهادة على الشهادة يقبل فيه قول الرجال والنساء.
٩١٠ - وقبل الشافعي الشهادة على الشهادة في النكاح والرجعة والكتاب الوارد من القاضي إلى القاضي، ولم يقبل فيه شهادة الرجال والنساء.
٩١١ - وارتكب بعض أصحابه قبول كتاب القاضي، والشهادة على الشهادة في الحدود والقصاص، ولم يقبل في ذلك شهادة النساء وإن كن قد أقامهن الشرع مقام الرجل في الأموال فاعتبر مذهبنا على أحد الوجهين الذين قد بينا.
٩١٢ - فأما تفريغ الشافعي فمختلف، يقبل في الطلاق إذا ادعى شهادة الرجال والنساء ولا يقبل في جانب الزوجة إذا ادعى الزوج النكاح، وفي البيع يقبل في الموضعين، وفي الرد بالعيب وفي الطلاق على مال يثبت المال ولا يثبت الطلاق الذي يستحق به المال (فتفريعه) على أصوله يحتاج إلى عدد المسائل وحفظها.
٩١٣ - وسنذكر في كل كتاب ما خالف فيه إن شاء الله.
٩١٤ - وإذ قد ذكرنا قول الرجال والنساء فلنذكر قبول قول العبيد.
باب ما يقبل فيه قول العبيد
وهذا باب ما يقبل فيه قول العبيد.
стр. 207
٩١٥ - اتفق أصحابنا أن قول العبيد يقبل في هلال رمضان، ودخول وقت الصلاة، وكون الشاة ذكية أو ميتة، ونجاسة الماء، والأذن في دخول الدار بقوله، وقبول الهدية على يده، ووجوب العمل بما رواه عن النبي ﷺ والأئمة من أحكام الشرع، وقبول فتواه في الشرعيات، وقبول قوله في التزكية، وقبول إمامته في الصلاة كالأحرار.
٩١٦ - وأجاز أبو حنيفة أمانة إذا أذن له مولاه.
٩١٧ - وقال الشافعي يجوز بغير إذن مولاه، وهو قول أبي يوسف ومحمد.
٩١٨ - وأجاز الجميع طلاقه بغير إذن مولاه، وأنه في (الحنث) كالحر في الإيمان والظهر والقتل والسرقة والإقرار بما يجب به إتلاف نفسه أو عضو منه، وامتنعوا من قبول شهادته في الأموال.
٩١٩ - وقد ذكرنا فيما تقدم أن عليًا ﵁ قبل شهادة العبد، وهو قول مالك بن أنس وإبراهيم قبلها في الشيء الطفيف.
٩٢٠ - واتفقوا على أنه والحر سواء في الصلوات والصيام.
٩٢١ - واختلفوا في نكاحه بغير إذن مولاه: فأجازه مالك، ولم يجزه أصحابنا والشافعي.
٩٢٢ - وأنه في الكفارة بغير المال مثل الحر العاجز عن المال.
٩٢٣ - واختار أصحابنا إجباره على النكاح ولم يجزه الشافعي وإن كان مكلفاً.
٩٢٤ - وفي الصغير اختلف أصحابه.
٩٢٥ - واختلف في قتل الحر به فعندنا هما سواء.
٩٢٦ - وعند الشافعي لا يقتل به الحر.
٩٢٧ - وسيجيء في كل كتاب ما فيه من المسائل إن شاء الله.
٩٢٨ - وإذ قد ذكرنا ذلك فلنذكر من ظاهره العدالة:
стр. 208
باب من ظاهره العدالة
وهذا باب ما يقبل فيه قول من ظاهره العدالة.
٩٢٩ - قال أبو حنيفة: ويقبل قول من ظاهرة العدالة في الشهادة في سائر الحقوق المالية أو ما يجرى مجراها إلا أن يطعن فيه الخصم، فيسأل عنه سراً ويزكا في العلانية.
٩٣٠ - وقال أبو يوسف ومحمد: يقبل قوله حتى يشك فيه، كما في الحدود.
٩٣١ - وهو قول الشافعي.
٩٣٢ - واتفق الفريقان على أنه ينعقد بحضوره النكاح، ويكفي في ذلك عدالة الظاهر.
٩٣٣ - ومن أصحابنا من قال لا ينعقد، وخبره مقبول في الشرعيات.
٩٣٤ - وسائر ما يقبل فيه قول العبد يقبل قوله فيه.
٩٣٥ - وهو كالعبد عند الجميع في الوصية. وولاية النكاح.
٩٣٦ - وإذا حكمه رجلان جاز أن يحكم بينهما.
٩٣٧ - وفي جواز الصلوة خلفه وقبول فتواه والرجوع إلى تعريفه في الشهادة وخبرة في العزل والولاية ورؤية الهلال وأحكام آخر تمر في الكتاب في مواضعها.
وإذ قد ذكرنا قول العدل وقول من ظاهره العدالة (فلنذكر ما يقبل قول الفاسق فيه).
باب ما يقبل قول الفاسق فيه
٩٣٨ - ويقبل قول الفاسق على نفسه في سائر العقود والحقوق والحدود، وينعقد البيع له ولغيره بقوله، وكذلك سائر العقود.
стр. 209
٩٣٩ - وقال الشافعي: إن كان العقد في حق نفسه صح بقوله، وإن كان في حق غيره لم يقبل في النكاح وقبل في سائر العقود إذا كان وكيلاً.
شهادة الفاسق على النكاح
٩٤٠ - وعندنا ينعقد النكاح بشهادة الفاسق وعند الشافعي لا ينعقد.
إمامة الفاسق في الصلاة
٩٤١ - ويصح إمامة الفاسق في الجمعة وغيرها عندنا وعند الشافعي.
٩٤٢ - وقال مالك لا يصح أن يؤم الفاسق العدل في الصلوة.
٩٤٣ - ولا يقبل قوله في الشهادة على الحقوق لا أنا حكمنا بكذبه وإنما رددنا شهادته لأنه لم يوجد شرط قبول شهادته، لأنه تعالى قال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ وقال: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾.
٩٤٤ - وقد قبل أصحابنا قوله في رد الطينة، وامتناع الخصوم من الحضور وعملوا على قوله في قبول الهدية، وقبلوا قوله في نجاسة الماء وطهارة الثوب وكون الشاة ذكية أوميتة والأذن في دخول الدار وقال الجميع لو شهد عند الحاكم فرد شهادته ثم تاب وأصلح وأدى الشهادة أنه تقبل كما يقبل قول الصبي وفرقوا بينه وبين الكافر والعبد، أنها تقبل إذا أعادها.
٩٤٥ - وقالوا يجوز أن يكون وصيًا ووكيلاً.
٩٤٦ - وأجاز الجميع أمانة لأهل الحرب وأنه في ذلك كالعدل.
стр. 210
٩٤٧ - واتفقوا على أنه لو تحمل شهادة وهو فاسق وأداها وهو عدل أنها تقبل ويحكم بها.
٩٤٨ - وأنه في الحدود والعقود مثل العدل.
٩٤٩ - وسنذكر في باب الحجر ما يؤثر فيه النسق ولا يؤثر لأنه أشبه موضع بذكره.
٩٥٠ - وإذ قد ذكرنا حكم الشهود، إذا كملت صفاتهم وعددهم فلنذكر صفاتهم وحكمهم إذا نقصوا.
باب الشاهد واليمين
وهذا باب ذكر الشاهد واليمين وما يقضي به فيه.
٩٥١ - اتفق أصحابنا جميعاً على أنه لا يقضي بشاهد ويمين الطالب في شيء من الحقوق كائنًا ما كان ذلك الحق.
٩٥٢ - وهو قول الشعبي وإبراهيم (النخعي) والزهري.
٩٥٣ - وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك، رواه الجماعة وتلقته الأمة بالقبول.
وقال الشافعي يقبل الشاهد ويمين الطالب.
стр. 211
٩٥٤ - وقال البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، ولو كان الحكم يجوز بشاهد ويمين لما قصر الله تعالى الشهادة على رجلين أو رجل وامرأتين.
ألا ترى أنه لما جاز بقول اثنين لم يحتج إلى بيان ما زاد على ذلك.
٩٥٥ - وقد طعن أصحاب الحديث في حديث الشاهد واليمين فحملوه على كل طريق ممكن.
٩٥٦ - والأصل أن مال الغير لا يجوز أن يقبل فيه قول غيره، ويسلم إلى المدعى إلا في موضع اتفق الناس عليه، ولم يتفق على الشاهد الواحد واليمين فإن اليمين قول المدعى فلا يقضى له.
стр. 212
٩٥٧ - قال الشافعي: والبينة بينتان بينة كاملة عدد الشهود لا يحلف معها وبينة ناقصة العدد في المال يحلف مقيمها معها.
٩٥٨ - قال: وكل ما كان من مال تحول من مالك إلى مالك غيره حتى يصير فيه مثله أو مثل معناه قضى فيه باليمين مع الشاهد، وكذلك كل ما وجب مال من قتل أو جرح لا قصاص فيه، أو إقرار أو غير ذلك مما يوجب المال.
٩٥٩ - قال: ولو أتى قوم بشاهد أن لأبيهم على فلان حقًا أو أن فلاناً قد أوصى لهم، فمن حلف منهم مع شاهده استحق موروثه أو وصيته دون من لم يحلف.
٩٦٠ - فإن كان فيهم معتوه وقف حقه حتى يعقل فيحلف أو يموت فيقوم وارثه مقامه فيحلف ويستحق.
٩٦١ - ولا يستحق أخ بيمين أخيه.
٩٦٢ - وليس الغريم والموصى له في معنى الوارث في شيء.
٩٦٣ - ولو أقام شاهداً أنه سرق له متاعاً من حرز يساوي ما تقطع فيه اليد حلف مع شاهده واستحق المال، ولا تقطع اليد لأن الحد ليس بمال.
كرجل قال امرأتي طالق وعبدي حر إن كنت غصبت فلاناً هذا العبد فشهد له عليه بغضبه شاهد واحد، فيحلف ويستحق الغصب ولا يثبت عليه الطلاق ولا العتاق لأنه ليس حكم الحد حكم المال.
٩٦٤ - قال: ولو أقام شاهداً على جارية أنها له، وابنها ولد منه حلف وقضى له بالجارية وكانت أم ولده بإقراره، لأن أم الولد مملوكة ولا يقضي له بالدين لأنه لا يملكه على أنه ابنه.
стр. 213
٩٦٥ - قال المزني: وقد قال في موضع آخر يأخذها وولدها ويكون ابنه.
قال المزني وهذا ابنه بقوله الذي لم يختلف وهو قوله لو أقام شاهداً على عبد في يدي آخر سرقة أنه كان عبداً ثم غصبه هذا بعد العتق إنه يحلف ويأخذه ويكون مولاه على أن يسترقه كما لا يأخذ ابنه على أنه يسترقه، فإذا اجتزه في المولى لزمه في الابن.
٩٦٦ - قال ولو أقام شاهداً أن أباه تصدق بهذه الدار عليه صدقة محرمة موقوفة، وعلى أخوين له، فإذا انقرضوا فعلى أولادهم أو على المساكين فمن حلف منهم ثبت حقه وصار ما بقي ميراثاً.
وإن حلفوا معاً خرجت الدار من مال صاحبها وصارت إلى من جعلت له حياته ومضى الحكم لهم فيها.
وإن جاء بعدهم ممن وقفت عليه إذا ماتوا فقام مقام الوارث وإن لم يحلف إلا واحد فنصيبه منها وهو الثلث صدقة على ما شهد به شاهده ثم نصيبه على من تصدق به أبوه عليه بعده وبعد أخويه.
٩٦٧ - واعترض المزني على الشافعي وقال أن من قوله أن الموقف عليه لا يملك رقبة الوقف، وإنما يملك المنفعة، فكيف يحلف من لا ملك له في الرقبة؟ وقد قال أن عبداً لو ادعى على سيده أنه اعتق وأقام عليه شاهداً واحداً أن العبد لا يحلف مع شاهده لأنه لا يملك ما كان يملكه السيد من رقبته، فكذلك ينبغي أن يكون قوله في الوقف، وأفسد تفريع صاحبه في الباب بعد أن ذكر جملة الفروع له، وبالغ في الرد عليه.
٩٦٨ - وتفريع العمل على الشاهد واليمين لا يستقيم لأنه يعمل به في موضع دون آخر، ويختلف جنبه المحكوم به في ذلك اختلافاً شديداً والصواب عندنا -والله أعلم- أن الحكم لا يجوز به.
٩٦٩ - وقد اختلف أصحابنا إذا حكم الحاكم به هل ينقض حكمه أم لا؟ فمنهم من نقضه ومنهم من لا ينقضه.
стр. 214
٩٧٠ - وسنفرد باباً فيما ينقض فيه قضاء القاضي ولا ينقض وما يخله وما لا يخله إن شاء الله.
٩٧١ - وإذ قد ذكرنا ما يقضي به من طريق معرفة الشاهد وعلمه فلنذكر ما يسمع من غيره.
باب ما يقبل فيه شهادة الاستفاضة من الأشياء
٩٧٢ - اعلم أن ههنا مسائل أجمع الفقهاء على قبول شهادة الاستفاضة فيها، ومسائل اختلفوا فيها.
٩٧٢ - فأما المسائل التي اجمعوا على قبول شهادة الاستفاضة فيها فمنها: النسب فإنه يجوز أن يشهد لم يدركه، لأنا نشهد أن محمداً النبي ﷺ (هو) ابن عبد الله وأبا بكر (هو) ابن تحافة وعمر (هو) ابن الخطاب وعثمان (هو) ابن عفان وعلي (هو) ابن أبي طالب ﵃، ولم ندرك ذلك ولا شهدنا الآباء ولا البنيين.
٩٧٣ - ولا فرق بين النسب إلى الأب أو إلى الأم لأنا نشهد أن الحسن والحسين (هما) أبناء فاطمة ﵈.
٩٧٤ - ومن رأى رجلاً ينسب إلى فلان بن فلان وهو لم يشاهد المنسوب إليه ولكنه سمع الناس يقولون ذلك وسعه الشهادة له بالنسب.
٩٧٥ - ولو رأى رجلاً يقول أنا ابن فلان الفلاني لم يسعه أن يشهد
стр. 215
له بالنسب حتى يسمع ذلك من العامة ويظهر الخبر بذلك بين الناس من غير تواطئ.
٩٧٦ - ولو نزل بين قوم وهم لا يعرفونه فقال: أنا فلان بن فلان لم يسعهم أن يشهدوا له (بالنسب) حتى تقع معرفة ما قال في قلوبهم.
٩٧٧ - وقد حد بعض أصحابنا ذلك بأن يقيم معهم سنة.
٩٧٨ - وإن وقع ذلك في قلوبهم قبل السنة لم يسعهم أن يشهدوا بنسبه.
٩٧٩ - وقال محمد: لا تسعهم الشهادة حتى يسمع ذلك من رجلين عدلين من أهل البلدة التي هي بلده.
الشهادة على الموت
٩٨٠ - والشهادة على الموت: تثبت بالاستفاضة كالنسب.
٩٨١ - وإذا شهدوا أنه وارثه لا يعلمون له وارثاً غيره قضيت له بالميراث.
٩٨٢ - وإذا قضيت بنسب إلى رجل وحكمت بميراثه ثم قامت بينه أنه فلان ابن فلان "الفلاني" نسبوه إلى أب آخر غير الذي نسبه إليه الأول وأنه عصبته ووارثه لم يعلموا وارثاً غيره لم أقبل الشهادة ولم أحول نسبه عن الأول، ولا من محتد إلى غيره ولا من عشيرة إلى غيرها إذا كان الأول محكوماً به.
٩٨٣ - ولا يكلف الشهود أن يقولوا أنه لا وارث لفلان غير هذا لأنه غيب، وقولهم لا نعلم يكفي في الشهادة.
следующие страницы →