Полный текст (1 505 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
٩٥٤ - وقال البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، ولو كان الحكم يجوز بشاهد ويمين لما قصر الله تعالى الشهادة على رجلين أو رجل وامرأتين.
ألا ترى أنه لما جاز بقول اثنين لم يحتج إلى بيان ما زاد على ذلك.
٩٥٥ - وقد طعن أصحاب الحديث في حديث الشاهد واليمين فحملوه على كل طريق ممكن.
٩٥٦ - والأصل أن مال الغير لا يجوز أن يقبل فيه قول غيره، ويسلم إلى المدعى إلا في موضع اتفق الناس عليه، ولم يتفق على الشاهد الواحد واليمين فإن اليمين قول المدعى فلا يقضى له.
стр. 212
٩٥٧ - قال الشافعي: والبينة بينتان بينة كاملة عدد الشهود لا يحلف معها وبينة ناقصة العدد في المال يحلف مقيمها معها.
٩٥٨ - قال: وكل ما كان من مال تحول من مالك إلى مالك غيره حتى يصير فيه مثله أو مثل معناه قضى فيه باليمين مع الشاهد، وكذلك كل ما وجب مال من قتل أو جرح لا قصاص فيه، أو إقرار أو غير ذلك مما يوجب المال.
٩٥٩ - قال: ولو أتى قوم بشاهد أن لأبيهم على فلان حقًا أو أن فلاناً قد أوصى لهم، فمن حلف منهم مع شاهده استحق موروثه أو وصيته دون من لم يحلف.
٩٦٠ - فإن كان فيهم معتوه وقف حقه حتى يعقل فيحلف أو يموت فيقوم وارثه مقامه فيحلف ويستحق.
٩٦١ - ولا يستحق أخ بيمين أخيه.
٩٦٢ - وليس الغريم والموصى له في معنى الوارث في شيء.
٩٦٣ - ولو أقام شاهداً أنه سرق له متاعاً من حرز يساوي ما تقطع فيه اليد حلف مع شاهده واستحق المال، ولا تقطع اليد لأن الحد ليس بمال.
كرجل قال امرأتي طالق وعبدي حر إن كنت غصبت فلاناً هذا العبد فشهد له عليه بغضبه شاهد واحد، فيحلف ويستحق الغصب ولا يثبت عليه الطلاق ولا العتاق لأنه ليس حكم الحد حكم المال.
٩٦٤ - قال: ولو أقام شاهداً على جارية أنها له، وابنها ولد منه حلف وقضى له بالجارية وكانت أم ولده بإقراره، لأن أم الولد مملوكة ولا يقضي له بالدين لأنه لا يملكه على أنه ابنه.
стр. 213
٩٦٥ - قال المزني: وقد قال في موضع آخر يأخذها وولدها ويكون ابنه.
قال المزني وهذا ابنه بقوله الذي لم يختلف وهو قوله لو أقام شاهداً على عبد في يدي آخر سرقة أنه كان عبداً ثم غصبه هذا بعد العتق إنه يحلف ويأخذه ويكون مولاه على أن يسترقه كما لا يأخذ ابنه على أنه يسترقه، فإذا اجتزه في المولى لزمه في الابن.
٩٦٦ - قال ولو أقام شاهداً أن أباه تصدق بهذه الدار عليه صدقة محرمة موقوفة، وعلى أخوين له، فإذا انقرضوا فعلى أولادهم أو على المساكين فمن حلف منهم ثبت حقه وصار ما بقي ميراثاً.
وإن حلفوا معاً خرجت الدار من مال صاحبها وصارت إلى من جعلت له حياته ومضى الحكم لهم فيها.
وإن جاء بعدهم ممن وقفت عليه إذا ماتوا فقام مقام الوارث وإن لم يحلف إلا واحد فنصيبه منها وهو الثلث صدقة على ما شهد به شاهده ثم نصيبه على من تصدق به أبوه عليه بعده وبعد أخويه.
٩٦٧ - واعترض المزني على الشافعي وقال أن من قوله أن الموقف عليه لا يملك رقبة الوقف، وإنما يملك المنفعة، فكيف يحلف من لا ملك له في الرقبة؟ وقد قال أن عبداً لو ادعى على سيده أنه اعتق وأقام عليه شاهداً واحداً أن العبد لا يحلف مع شاهده لأنه لا يملك ما كان يملكه السيد من رقبته، فكذلك ينبغي أن يكون قوله في الوقف، وأفسد تفريع صاحبه في الباب بعد أن ذكر جملة الفروع له، وبالغ في الرد عليه.
٩٦٨ - وتفريع العمل على الشاهد واليمين لا يستقيم لأنه يعمل به في موضع دون آخر، ويختلف جنبه المحكوم به في ذلك اختلافاً شديداً والصواب عندنا -والله أعلم- أن الحكم لا يجوز به.
٩٦٩ - وقد اختلف أصحابنا إذا حكم الحاكم به هل ينقض حكمه أم لا؟ فمنهم من نقضه ومنهم من لا ينقضه.
стр. 214
٩٧٠ - وسنفرد باباً فيما ينقض فيه قضاء القاضي ولا ينقض وما يخله وما لا يخله إن شاء الله.
٩٧١ - وإذ قد ذكرنا ما يقضي به من طريق معرفة الشاهد وعلمه فلنذكر ما يسمع من غيره.
باب ما يقبل فيه شهادة الاستفاضة من الأشياء
٩٧٢ - اعلم أن ههنا مسائل أجمع الفقهاء على قبول شهادة الاستفاضة فيها، ومسائل اختلفوا فيها.
٩٧٢ - فأما المسائل التي اجمعوا على قبول شهادة الاستفاضة فيها فمنها: النسب فإنه يجوز أن يشهد لم يدركه، لأنا نشهد أن محمداً النبي ﷺ (هو) ابن عبد الله وأبا بكر (هو) ابن تحافة وعمر (هو) ابن الخطاب وعثمان (هو) ابن عفان وعلي (هو) ابن أبي طالب ﵃، ولم ندرك ذلك ولا شهدنا الآباء ولا البنيين.
٩٧٣ - ولا فرق بين النسب إلى الأب أو إلى الأم لأنا نشهد أن الحسن والحسين (هما) أبناء فاطمة ﵈.
٩٧٤ - ومن رأى رجلاً ينسب إلى فلان بن فلان وهو لم يشاهد المنسوب إليه ولكنه سمع الناس يقولون ذلك وسعه الشهادة له بالنسب.
٩٧٥ - ولو رأى رجلاً يقول أنا ابن فلان الفلاني لم يسعه أن يشهد
стр. 215
له بالنسب حتى يسمع ذلك من العامة ويظهر الخبر بذلك بين الناس من غير تواطئ.
٩٧٦ - ولو نزل بين قوم وهم لا يعرفونه فقال: أنا فلان بن فلان لم يسعهم أن يشهدوا له (بالنسب) حتى تقع معرفة ما قال في قلوبهم.
٩٧٧ - وقد حد بعض أصحابنا ذلك بأن يقيم معهم سنة.
٩٧٨ - وإن وقع ذلك في قلوبهم قبل السنة لم يسعهم أن يشهدوا بنسبه.
٩٧٩ - وقال محمد: لا تسعهم الشهادة حتى يسمع ذلك من رجلين عدلين من أهل البلدة التي هي بلده.
الشهادة على الموت
٩٨٠ - والشهادة على الموت: تثبت بالاستفاضة كالنسب.
٩٨١ - وإذا شهدوا أنه وارثه لا يعلمون له وارثاً غيره قضيت له بالميراث.
٩٨٢ - وإذا قضيت بنسب إلى رجل وحكمت بميراثه ثم قامت بينه أنه فلان ابن فلان "الفلاني" نسبوه إلى أب آخر غير الذي نسبه إليه الأول وأنه عصبته ووارثه لم يعلموا وارثاً غيره لم أقبل الشهادة ولم أحول نسبه عن الأول، ولا من محتد إلى غيره ولا من عشيرة إلى غيرها إذا كان الأول محكوماً به.
٩٨٣ - ولا يكلف الشهود أن يقولوا أنه لا وارث لفلان غير هذا لأنه غيب، وقولهم لا نعلم يكفي في الشهادة.
стр. 216
٩٨٤ - وإن قالوا: لا نعلم له وارثاً في العراق غير فلان، فالشهادة جائزة عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد لا تجوز حتى ينهوا الشهادة ويقولون لا يعلمون.
٩٨٥ - ويجوز للجيران ولمن عرف إنساناً أن يشهد أنه ابن فلان، لأن الشهادة على النسب بالسماع المتواتر جائزة، ويسعه أن يشهد بقول النساء والخادم ومن لا يعرف بعدالة ويرجع إلى ذلك لأن قول هؤلاء في الخبر المستفيض والعدول سواء.
٩٨٦ - وقال بعض أصحابنا لا يسعه أن يشهد بمعرفة المرأة ونسبها حتى يدخل عليها، وعندها جماعة نساء ممن يثق بهن فيقلن هذه فلانة بنت فلان ثم يتركها أياماً ثم ينظر إليها بحضرة نسوة أخر فيعرفنه أياها كما عرفنه (في) الأولى ويتردد إليها شهرين أو ثلاثة، فإذا وقعت معرفتها في قلبه بقول رجال ونساء شهد لها بذلك وعليها.
شهادة الشهود على معرفة النساء في مدينة السلام
٩٨٧ - ورأيت الشهود بمدينة السلام يشهدون على معرفة النساء بقول العامة والدلالين ويشهدون بين يدي شيخنا قاضي القضاة ﵀، فيقولون:
- نشهد- أطال الله بقاء سيدنا السيد الأجل الإمام الأوحد قاضي القضاة - على إقرار فلانة بنت فلان، وقد عرفتها بعينها واسمها ونسبها، وما رجعوا إلا إلى من ذكرناه في التعريف.
قبول الاستفاضة على الولاية والخلع
٩٨٨ - وتقبل الاستفاضة على الولاية والعزل والخلع لأن بذلك نعرف الولايات وكثير لا يشهد بيعة ولا خلعاً.
стр. 217
فصل
الشهادة على موت إنسان
٩٨٩ - فإذا أخبر الشاهد بالموت رجل أو امرأة ثقة، وقالوا نحن عاينا موت فلان، وسعة الشهادة بموته، ولا يسعه أن يشهد على ما يصنع أهل من تعى إليهم أنه مات حتى يخبر بذلك من شهد موته، فيجوز أن يشهد.
وليس كل من شهدنا بموته عاينا ذلك لأنا نشهد بموت الصحابة ﵃ والعلماء ولم نر ذلك.
فصل
الشهادة على النكاح بالسماع
٩٩٠ - ويجوز أن يشهد بنكاح لم يحضره أن فلانة زوجة فلان وأن فلاناً زوج فلانة بالسماع من الجيران ممن يعرف أمرهم، كما يشهد أن عائشة ﵂ زوجة النبي ﷺ وأن علياً زوج فاطمة وأن عمر زوج بنتها أم كلثوم ﵃ أجمعين، وإن لم يشاهدوا ذلك، ألا ترى أن الغائب يقدم فيقال له قد تزوج فلان بفلانة ويمضي على ذلك الشهور ألا يشهد لها بالنكاح؟
٩٩١ - وكذلك الصغير يكبر فلو كان بينهما ولد ينسب إليهما أما يشهد بنسبه إليهما؟
٩٩٢ - كل ذلك يجوز أن يشهد به.
٩٩٣ - وهذا لا خلاف فيه بين الناس نعلمه.
إدعاء رجلين نكاح امرأة
٩٩٤ - قال أصحابنا: وإذا ادعى رجلان نكاح امرأة فأقرت لأحدهما فهي امرأته، فإن أقام الآخر البينة أنها امرأته قضيت بها له وأبطلت إقرارها للأول.
٩٩٥ - وإن أقاما بينة لكل واحد أنها امرأته فهي لصاحب الوقت الأول إذا وقتا، وإن لم يوقتا لم أحكم بها لواحد منهما.
стр. 218
٩٩٦ - وقد قال أصحابنا: إنها إذا كانت في منزل أحدهما وتحت يده والبينة مطلقة فصاحب اليد أولى.
٩٩٧ - وقد اختلف أصحابنا إذا وقت أحدهما ولم يوقت الآخر في الملك، أنه يقضي للذي لم يوقت عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف يقضي لصاحب الوقت.
٩٩٨ - وسنذكر هذه المسألة وأشباهها في الدعاوى إن شاء الله.
تنازع على نكاح امرأة
٩٩٩ - وإذا ادعى نكاح امرأة وهي تجحد فأقام بينة وقضى له بها، فجاء رجل وأقام البينة على مثل ذلك لم أحكم بها له وهي زوجة للأول إلا أن يوقت وقتاً قبل وقت الذي قضى بها له، وهي لصاحب الوقت الأقدم منهما.
الشهادات على المعاملات
١٠٠٠ - وقال أصحابنا: ولا تجوز الشهادة على العنق والطلاق والقتل والغصب والجراحات والبيوع والديون وما يدور بين الناس من المعاملات إلا بمعاينة أو إقرار.
الولاء المشهور
١٠٠١ - واختلف أصحابنا في الولاء المشهور، فلم يقبل أبو حنيفة ومحمد في الاستفاضة وجعلاه كالعتق.
١٠٠٢ - وقال أبو يوسف تجوز كالنسب.
لا ينقل الولاء بعد ثبوته
١٠٠٣ - وإذا ثبت الولاء من رجل بأن شهد الشهود أنه مولاه الذي اعتقه
стр. 219
وقد مات فقضى له بالولاء والميراث فلو حضر آخر فادعا ولاءه وشهد له الشهود أنه مولاه لم يقض بهذه البينة ولم ينقل الولاء بعد ثبوته كما لا ينقل النسب بعد ثبوته.
فصل
الملك المشهور إلخ
١٠٠٤ - وقال أصحابنا: لا تجوز الاستفاضة في الملك المشهور، وقبل ذلك الشافعي.
١٠٠٥ - وفي الوقف المشهور خلاف برواية عن أبي يوسف أنه يقبل في الملك إنما هو لمن يتصرف في ذلك بالبيع والعقود والإجارة والإرث والوصية.
١٠٠٦ - وقال أبو حنيفة: إذا رأيت الدار في يدي رجل أو الثوب أو الدابة وسعك أن تشهد أن ذلك له بظاهر اليد.
١٠٠٧ - واختلف أصحاب الشافعي في اليد هل تدل على الملك أم لا؟ فمنهم من قال تدل على الملك.
ومنهم من قال لا تدل على ذلك.
١٠٠٨ - ولو كانت اليد لا تدل (على الملك) لما سمعت الدعوى على من في يده الشيء وجعل القول قوله في ذلك.
١٠٠٩ - وقال محمد عن أبي حنيفة في الجامع الصغير.
- إذا رأى الشاهد في يد إنسان شيئاً وسعه أن يشهد له بالملك إلا العبد والأمة.
١٠١٠ - وقال أبو يوسف لا يسع ذلك حتى يقع في قلب الشاهد ذلك، ولم يفرق في الأمالي بين الحيوان والرقيق.
١٠١١ - وقال الخصاف:
إذا أشهد من أدرك الملك ولم يعاين المالك كامرأة لا تخرج ولا يراها الرجال، فإن كان ذلك مشهوراً عند العلوم فالشهادة على ذلك جائزة، وإن لم
стр. 220
يكن الملك والمالك مشهوراً لم تجز الشهادة على ملك ذلك إلا أن يشهد من عاين الشيء في يده.
١٠١٢ - وإن شهد على الملك من لم يعاين الملك، ولكن عاين من ينسب إليه الشيء فرأى المالك لم تجز له الشهادة، إنما تجوز الشهادة إذا كان الشاهد قد عاين الدار ولم يعاين المالك إذا كان مشهوراً في الاستحسان، وفي القياس لا يجوز ذلك.
١٠١٣ - وقد ارتكب بعض أصحاب الشافعي أن العقود تثبت بالاستفاضة ولو ثبت ذلك بالاستفاضة لما اعتبر علم الشاهد في شيء من الشهادات.
١٠١٤ - وإذ قد ذكرنا حكم ما يشهد به الشاهد من طريق العلم وما يثبت من طريق الاستفاضة وجب ذكر الشهادة وما يعتبر في جوازها وطريق حصولها وما يعتبر في التزكية.
باب الشهادة وما يعتبر في جوازها وطريق حصولها والتزكية
- وهذا باب الشهادة وما يعتبر في جوازها وطريق حصولها والتزكية.
١٠١٥ - وقد كان الواجب أن يذكر هذا الباب في أول أبواب الشهادات إلا أنا أخرناه لأنه كلام في الطريق إلى معرفة ما قدمناه.
١٠١٦ - وقد ذكرنا صفة أصحاب المسائل عن الشهود فيما تقدم، وذكرنا صفة العدل وبينا من ذلك في أول الأبواب المقدمة ما فيه كفاية.
١٠١٧ - ونحن نذكر في هذا ما قاله العلماء وشرطوه في جواز قبوله. وقد قال أهل العلم ومن صنف في هذا الشأن أقوالاً كثيرة، ونحن نحكي في هذا الباب جملاً منها مقصورة يبين بها الغرض إن شاء الله.
١٠١٨ - فقال إبراهيم النجعي:
стр. 221
العدل في المسلمين من لم يطعن عليه في بطن ولا فرج.
١٠١٩ - وقال الشعبي:
شهادة الرجل جائزة ما لم يضرب حداً أو يعلم عليه فرية في دينه.
١٠٢٠ - وقد روى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سأل رجلاً عن رجل فقال له: ما علمت عنه إلا خيراً، فقال له: حسبك.
١٠٢١ - وعن شريح أنه قال لخصم أيت؟ شهود عدل فأنا قد أمرنا بالعدل وأنت فاسأل عنه، فإن قالوا الله أعلم به فهم يعرفون أن يقولوا أنه مريب ولا تجوز شهادة مريب، وإن قالوا ما علمناه إلا عدلاً مسلماً فهو إن شاء الله كذلك وتجوز شهادته.
١٠٢٢ - وكان الحسن يجوز شهادة المسلمين إلا أن يجرح الخصم الشاهد.
١٠٢٣ - وروى عن الحسن أن رجلاً أتاه فقال أن أياس بن معاوية رد شهادتي.
فقام معه الحسن فقال ما منعك وروى يا لكع!
لم رددت شهادة هذا؟ أما بلغك أن رسول الله ﷺ قال: من استقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم.
قال: أيها الشيخ إن الله يقول: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ وإن هذا ممن ليس يرضى من الشهداء قال محمد بن الحسن فخصم إياس الحسن.
١٠٢٤ - وقد روى الحذاء أن أياس بن معاوية قضى في يوم قضية ماصيرا فيها يمين ولا سأل فيها بينة.
стр. 222
من كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري
١٠٢٥ - وقد روى أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أبي موسى: "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حد أو مجرباً عليه شهادة زور أو ظنينا في ولاء أو قرابة".
١٠٢٦ - وقد روى عن محمد بن عبد الرحمن الموصلي.
أنه قال:
قلت لا يأس بن معاوية: أخبرت أنك لا تجيز شهادة الإشراف بالعراق ولا التجار الذين يركبون البحر؟
قال: أجل، أما الذين يركبون البحر، فإنهم يركبون إلى الهند حتى يغرر بدينهم ويمكنوا عدوهم منهم من أجل طمع الدنيا فعرفت أن هؤلاء أن أعطى أحدهم درهمين في شهادتهم لم يتحرج بعد تعريرهم بدينه.
وأما الذين يتجرون في قرى فارس فإنهم يطعمونه الربا وهم يعلمون، أفأجيز شهادة أكلة الربا؟
وأما الإشراف فإن الإشراف بالعراق إذا نابت أحداً منهم نائبة أتى إلى سيد قومه فشهد له، وشفع، وقد كنت أرسلت إلى عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر إلا يأتي بشهادة.
стр. 223
وقد كان علي بن موسى يجيز شهادة أهل الأهواء ويراهم أهلاً لها إذا أدخلهم في الهوى الدين إلا الخطابية فإن بعضهم يقبل يمين بعض ويشهد له فلا أجيز شهادة هؤلاء، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقالا بجواز الشهادة في هذا على النكاح.
١٠٢٧ - وقد روى عن ابن شبرمة أنه قال:
ثلاث لم يعمل بها أحد قبلي ولا يتركهن أحد بعدي:
المسألة عن الشهود في السر.
وإثبات حجج الخصمين.
وتحلية الشهود في المسألة.
طريق معرفة العدل
أو التزكية
١٠٢٨ - وطريق معرفة العدل إنما هو سؤال القاضي عنه.
стр. 224
١٠٢٩ - وقد ذكرنا صفة أصحاب المسائل فيما تقدم، وههنا نذكر كيفية المسألة.
١٠٣٠ - قال أصحابنا: يسأل في السر، عن أنسابهم وحلاهم ومجالسهم فيسأل أهل الثقة والأمانة من جيرانهم ممن يصلح لذلك، وليس كل عدل يصلح أن يسأل عن الشهود لأنه قد يكون عدلاً فيه غفلة، فإذا سأل فقيل هو عدل جائز الشهادة أخبر القاضي بذلك في السر فيقبل القاضي ما يأتيه من التعديل في قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
١٠٣١ - وقال أبو حنيفة رجلان أفضل، وقال محمد لا يقبل إلا رجلين، وهو قول الشافعي.
١٠٣٢ - والرأي للقاضي أن يستظهر برجل آخر في المسائل، فإذا أتاه الأول بشيء من أمر الشهود دفع إلى الآخر أيضاً أسماء الشهود وأمره بالمسألة ولم يعلمه بما جاءه به الأول، فإن اتفقا أخذ به وأمر الطالب أن يأتي يقوم يعدلونهم في العلانية فإذا فعل ذلك أحضر الخصم والشهود ثم يسأل المعدلين عن رجل رجل من الشهود عن اسمه واسم أبيه وعدالته فإذا بينوا ذلك أخذ بشهادتهم.
١٠٣٣ - وإنما يعدل في العلانية لئلا يقع اسم على اسم فلهذا وجب في العلانية.
١٠٣٤ - وإذا اختلف أصحاب المسائل على الشاهد فأتى هذا بما تقبل معه الشهادة وهذا ما يوجب الرد امتحن القاضي ذلك بنفسه، ونظر ما السبب في ذلك فإن صح أحد الأمرين أمضاه وإذا لم يكن في الجيران من يصلح للمسألة سأل من في أسواقهم ممن يصلح لذلك.
١٠٣٥ - وإن كانت الشهادة بحد أو قصاص سأل الجيران ذلك وبحث واستقصى المسألة في معرفة ذلك.
١٠٣٦ - وإذا لم تثبت العدالة عنده بالمسألة قال للطالب: زدني شهوداً ولا يعرفه القدح في شهوده.
стр. 225
١٠٣٧ - فإن قال الطالب:
- شهودي هم عدول، وعندي من يزكيهم من العدول، وأتى بذلك أعاد القاضي المسألة وكشف عنهم وعن من جرحهم.
١٠٣٨ - فإذا عرف الجرح حكم به وقدمه على التعديل لأنه زيادة علم بحال الشهود.
١٠٣٩ - وإذا عدله اثنان فما زاد وجرحه واحد فالتعديل أولى.
١٠٤٠ - فإن جرحه اثنان وعدله مائة فالجرح أولى عندنا، وهو قول الشافعي أيضاً.
١٠٤١ - وإذا عدله واحد وجرحه واحد فالجرح أولى.
١٠٤٢ - وقال الشافعي لا يحكم بواحد منهما.
١٠٤٣ - ولا يجب بيان سبب الجرح عند أصحابنا جميعاً، ويكفي أن يقول ليس بعدل.
١٠٤٤ - وقال الشافعي ينبغي بيان ما جرحه به لأنه ربما يكون ذلك لا يوجب رد شهادته.
وإذا ثبتت العدالة فقال الشهود بالتزكية ليس هو عدل كلفاً ببيان ما يبطل العدالة من أفعاله.
١٠٤٥ - وذكر ذلك الخصاف عن محمد بن الحسن وعندنا لا يحكم بالفسق وعنده يحكم.
١٠٤٦ - وإذا شهد على المطلوب بالحق شهود فأقام المطلوب بينة أن الطالب استأجرهم ليشهدوا له بهذه الشهادة لم يقبل من بينه المطلوب، وهذا تهاتر عند أبي حنيفة ويقبل غيره وترد الشهادة.
١٠٤٧ - وقبل أبو حنيفة تعديل الولد لوالده والوالد لولده، وكل ذي رحم فإنه يقبل تعديله لرحمه.
стр. 226
١٠٤٨ - وقال الشافعي يعمل في العدالة والفسق بعلمه.
١٠٤٩ - وإذا جهل إسلامه لم يحكم حتى يسأل عن إسلامه، ولا يعمل بإسلامه بظاهر الدار كما يعمل في اللقيط بإسلامه بظاهر الدار لأن النبي ﷺ سأل الأعرابي عن إسلامه لما شهد برؤية شهر رمضان.
١٠٥٠ - ويرجع في إسلامه إلى قوله، كما رجع النبي ﵇ إلى قول الأعرابي وهذا قول الجميع.
إثبات الحرية عند جهل القاضي بها
١٠٥١ - وإذا جهل حريته، أو قال المشهود عليه هما عبدان، فقالا نحن أحرار لم نملك قط لم يقبل الشهادة عندنا حتى تثبت الحرية. ولو كان يسأل عن حريتها فأخبر بذلك ثقة نفذت الشهادة عند بعض أصحابنا واختار القول الأول الخصاف.
١٠٥٢ - وقال أصحاب الشافعي في ذلك وجهان أحدهما أنه يقبل قولهما لأن الظاهر من الدار حرية أهلها كما أن الظاهر الإسلام؟ ثم يثبت الإسلام بقوله كذلك الحرية، والوجه الثاني قالوا وهو الأظهر أنها لم تثبت بقولهما كما قلنا، قالوا لأنه يملك الإسلام إذا كان كافراً بقوله ولا يملك أن يصير حراً بقوله إذا كان عبداً، ولا يحكم لمجهول العدالة لأنه لا يؤمن فيه الفسق.
فصل
١٠٥٣ - وإذا عرفت عدالته كتب اسمه وكنيته وصنعته وسوقه ومسكنه حتى لا يشتبه بغيره، ويذكر من شهد له حتى لا يكون ممن لا تقبل شهادته له من
стр. 227
والد أو ولد، ويذكر من شهد عليه حتى لا يكون ممن لا تجوز شهادته عليه، ويذكر قدر ما شهد به لأنه قد يكون ممن يقبل قوله في قليل ولا يقبل في كثير.
فصل
١٠٥٤ - واختلف أصحاب الشافعي هل يحكم القاضي في الجرح والتعديل بأصحاب المسائل أو بمن عدل أو جرح من الجيران؟
فقال أبو إسحق يحكم بشهادة الجيران لأنهم يشهدون بالجرح والتعديل، قال فعلى هذا يجوز أن يقتصر على الواحد من أصحاب المسائل ويجوز بلفظ الخبر، ويسمى للحاكم من عدل أو جرح، ثم يسمع الشهادة بالجرح والتعديل من الجيران على شرط الشهادة في العدد ولفظ الشهادة، وحمل لفظ الشافعي في العدد على الجيران.
١٠٥٥ - وقال الأصطخري يحكم بشهادة أصحاب المسائل لأن الجيران لا يلزمهم الحضور، فعلى هذا لا يكون أصحاب المسائل أقل من اثنين ويجوز أن يكون من أخبرهم من الجيران واحداً، إذا وقع في نفوسهم صدقة، ويجب أن يشهد أصحاب المسائل عند القاضي على طريق الشهادة، ولفظ الشهادة. وحمل قول الشافعي في العدد على أصحاب المسائل.
١٠٥٦ - وإن بعث باثنين فعادوا بالجرح حكم بالجرح وإن عادوا بالتعديل حكم بالتعديل، وإن عاد واحد بالجرح وعاد الآخر بالتعديل لم يحكم بالتعديل ولا بالجرح بقول واحد منهما.
١٠٥٧ - قال بعض أصحابنا:
- ويكفي أن يقول الشاهد هو عدل في قبول شهادته.
١٠٥٨ - وقال الشافعي لا يقبل في التعديل حتى يقول عدل لي وعلى.
стр. 228
١٠٥٩ - ومن أصحابه من قال: يكفي قوله عدل، كما قلناه، وهو الأصطخري لأن قوله عدل يقتضي أن يكون عدلاً له وعليه.
١٠٦٠ - ومنهم من قال هو شرط، وهو أبو إسحق لأن قوله عدل لا يقتضي العدالة.
١٠٦٢ - ولا يقبل التعديل إلا ممن تقدمت معرفته وطالت صحبته وخبرته بالشاهد لأن المقصود معرفة العدالة من الباطن، ولا يعرف ذلك لمن لم تتقدم صحبته، وفي الجرح يقبل ممن تقدمت صحبته وممن تأخرت منه المعرفة.
١٠٦٣ - ويعيد المسألة عن الشهود بعد أشهر أو سنة إذا كثرت شهاداتهم، فإن ذلك أحوط.
١٠٦٤ - وقد قال أصحاب الشافعي إذا أعاد الشهادة في مدة قريبة لم يسأل عن الشاهد وإن طال الزمان ففيه وجهان: أحدهما لا يجب لأن الأصل بقاء العدالة والثاني أنه يجوز أن يتغير بطول الزمان الحال فلا يحكم حتى يسأل.
نقد قاضي القضاة لتهاونه في إعادة السؤال عن شهوده
١٠٦٥ - وقد رأينا شيوخ شيخنا قاضي القضاة ﵀ وقد طال بهم وبه الزمان وهم شهوده لا يسأل عنهم ولا يبحث.
فصل
١٠٦٦ - قال أبو يوسف إذا أقام الرجل عند قوم ستة أشهر لم يظهر منه إلا الصلاح وسعهم أن يعدلوه، ثم رجع وقال: لا يعدلونه حتى يقيم سنة كاملة فإن في ذلك يتبين أمره.
١٠٦٧ - والعدلان المميزان إذا عدلا رجلاً عند رجل وسعه أن يعدله إذا وقع في قلبه أنهما صادقان وليس الرجل أكثر حالاً من القاضي.
стр. 229
١٠٦٨ - ويقبل ذلك أيضًا من رجل وامرأتين، ولا يسأل من النساء إلا من تعرف الأحوال وتخالط القاضي فأما من هي في البيوت فلا.
فصل
طعن الخصم في عدالة الشهود
١٠٦٩ - وإذا شهد عند القاضي رجال فقال الخصم: أنا أقيم بينة عندك أنهم عبيد أو فساق أو محدودون في قذف أو فيهم مانع يمنع الشهادة على، وأتى بشهود فشهدوا بذلك قبل ذلك وأخرجهم من العدالة.
١٠٧٠ - ولو شهدوا بأمر قديم يجوز أن يتاب منه ويصفح لم يقبل ذلك، ولم يخرجهم من العدالة، وإن كان في أمر يسير قبل ذلك.
فصل
تعديل المشهود عليه الشهود
١٠٧١ - وإذا شهد على رجل بحق فعدله المشهود عليه، قال أبو حنيفة: إن كان بعد الشهادة فقال هم عدول على ولى أمضى الحاكم الحكم، وإن كان قبل الشهادة عليه ثم أنكر ما شهدوا لم ينفذ عليه، وسأل عنهم، فإن عدلوا أنفذ الحكم وإن عدل أحدهما بعد الشهادة وقال قد غلط على لم يقبل تعديله وكان للحاكم أن يسأل.
١٠٧٢ - ولو أنه قال: ما شهد به فلان أو هما على حق أو هو الحق أجاز الشهادة ولم يسأل عن الآخر.
١٠٧٣ - وإن كان قال ذلك قبل الشهادة وقال ما ظننت أنه يشهد على إلا بالحق وقد شهد بباطل فإن القاضي يسأل ولا يقبل قوله الأول، وهو قول زفر والحسن بن زياد.
١٠٧٤ - وإن شهدا بما ادعاه الخصم فقال بعد ذلك هما عدلان فيما شهدا به على أو جائزاً الشهادة لي وعلى أنفذ ذلك ولا يسأل عنهما.
стр. 230
١٠٧٤ - وقال أبو يوسف لا يجتزى بذلك فإن عدلا أنفذ الحكم وإلا رده ذكره في الأمالي كذا ورواه الخصاف في أدبه.
١٠٧٥ - ولأصحاب الشافعي وجهان: الأول يقبل تعديل الخصم والثاني لا يقبل من غير تفصيل ذكروه لأن المسألة حق له فإذا أسقطها نفذ الحكم عليه والثاني أن التعديل حق الله تعالى ولا يجوز الحكم له بالعدالة بقول المدعي عليه وحده.
١٠٧٦ - وإن قال الخصم المدعى عليه: شهدا علي بالحق، أو هذه الشهادة حق أو صدقاً فيما شهدا به، أو هما صادقان في هذه الشهادة التي شهدا بها أنفذ الحكم بقوله، ولا يحتاج إلى أن يسأل لأن هذا إقرار منه.
فصل
العدل
١٠٧٧ - وإذا كانت أكثر أمور الإنسان حسنة فهو عدل إذا لم يرتكب كبيرة، وإن كان قد ارتكب كبيرة وتاب وأصلح قبلت شهادته في قول أبي يوسف.
١٠٧٨ - وقال غيره إذا كان الرجل ملازماً للجماعة مؤدياً للفرائض، معروفاً بصدق المعاملة مؤدياً للأمانة، صدوق اللسان فهو عدل، وإن كانت منه السقطة من الصغائر يستغفر منها ولا يعود إلى مثلها فهو عدل.
١٠٧٩ - وإذا شهد عند الحاكم الشهود وارتاب منهم فله أن يسألهم عن تحمل الشهادة ويفرقهم ويسأل كل واحد منهم على الانفراد عن صفة التحمل، ومكانه وزمانه، لما روى أن أربعة شهدوا على امرأة بالزنا عند دانيال ﵇ ففقرهم وسألهم فاختلفوا فدعا عليهم فنزلت عليهم نار فأحرقتهم.
١٠٨٠ - فإن فرقهم فاختلفوا سقطت شهادتهم وإن اتفقوا فالمستحب أن يعظهم
стр. 231
فقد روى أبو حنيفة قال: كنت عند محارب بن دثار وهو قاضي الكوفة فجاءه رجل وادعى على رجل حقاً فأنكره، فأحضر المدعى شاهدين فشهدا له، فقال المشهود عليه: والذي تقوم به السموات والأرض لقد كذبا على في الشهادة، وكان محارب بن دثار متكئاً فاستوى جالساً وقال:
- سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الطير لتخفق أجنحتها وترمى بما في حواصلها من هول يوم القيامة، وإن شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار، فإن صدقتما فأثبتا وإن كذبتما فغطيا رأسيكما وانصرفا.
فغطيا رأسيهما وانصرفا.
فصل
١٠٨١ - ويقبل في تزكية السر العبد والمحدود في القذف والمرأة ومن ظاهره العدالة لأنه خبر كما قبلوا في هلال رمضان، ولم يقبلوا في شهادة العلانية إلا شهادة من تجوز شهادته بالحقوق أما رجلان أو رجل وامرأتان.
١٠٨٢ - وقد ذكرنا فيما تقدم خلاف الشافعي.
١٠٨٣ - وإذ قد ذكرنا الشهادة وما يعتبر في جوازها وجب أن نذكر ما ترد به شهادة الشاهد.
باب ما ترد به شهادة الشاهد
وهذا بابا ما ترد به شهادة الشاهد مما اتفق عليه واختلف فيه:
١٠٨٤ - اتفق علماء الأمصار على أن الفسق يمنع قبول الشهادة وأنه إذا فسق الشاهد لم يجز للحاكم الحكم بها.
стр. 232
الحكم بشهادة الفاسق
١٠٨٥ - وحكى القدوري ﵀ في التجريد في مسألة ولاية الفاسق أن من أصحابنا من قال إذا حكم بشهادته نفذ حكمه.
نقد
١٠٨٦ - وهذا قول يرده الإجماع ويدفعه النظر، لأن شرط قبول قول الشاهد يقف على وجود العدالة ورضاء المسلمين عن الشهود، والفاسق غير مرضي ولا عدل فلا يجوز الحكم بشهادته، والحاكم إذا حكم بذلك مع العلم فقد فسق وخرج من الحكم، وفساد هذا القول أوضح من تكلف الدلالة عليه.
شهادة الماجن
١٠٨٧ - وترد شهادة من يكثر الكذب ويتظاهر بالمجون والفجور ويكثر البحث في المذاهب والمقالات.
١٠٨٨ - وكذلك إذا تظاهر بالمذاهب الردية والبدع الظاهرة.
١٠٨٩ - وترد شهادة من يلعب بالحمام ويطيرها من المواضع ومن يناطح بالأكباش والحيوان كله ويقامر.
شهادة لاعب الشطرنج
١٠٩٠ - ورد أصحابنا شهادة من يلعب بالشطرنج.
١٠٩١ - وقال الشافعي لا ترد شهادته بذلك.
وحكى الخصام في المفصل أنه إذا كان لا يقطعه ذلك عن الصلاة ولا يشغله عن الدين ولا يكثر الحلف عليه ولا يقامر فشهادته جائزة.
стр. 233
١٠٩٢ - وقال إنه يرد شهادة من ترك صلوة الجماعة ثلاثاً من غير تأويل.
١٠٩٣ - وترد شهادة من يشتم الصحابة ﵃.
١٠٩٤ - قال أبو يوسف لأن شتم الجيران يمنع قبول الشهادة فشتم الصحابة ﵃ أولى (أن ترد به الشهادة).
١٠٩٥ - وترد شهادة شارب الخمر ومن يسكر من النبيذ لأنه بذلك يفسق.
١٠٩٦ - وترد شهادة من يلعب بالملاهي.
١٠٩٧ - وقال الخصاف: إذا كان يلعب بهذه الملاهي ولا تشغله عن الطاعات ولا ينسب أهلها إلى المجانة والفجور وأفعال الصلاح عليه أغلب قبلت شهادته.
١٠٩٨ - وترد شهادته بخصلة واحدة من الفسق، ولا تقبل شهادته حتى يكون عدلاً في أفعاله، ولا يقرف بريبة.
١٠٩٩ - وترد شهادة من يكثر منه الكذب الفاحش ولا يتحفظ في أقواله وإن كان يقع منه في البدارات والخير عليه أغلب قبلت شهادته، هكذا ذكر الخصاف.
١١٠٠ - وترد شهادة النائح والنائحة، والمغني والمغنية، ومن يقطع الطريق ويتلصص، وأهل العصبية، والعاشر، وآكل الربا ومرتكب الربا، ومن يلوط بالصبيان والنساء.
١١٠١ - وقال أبو يوسف: من يتهم بشتم الصحابة ﵃ لا يمنع من قبول قوله إلا أن يقولوا سمعناه يشتم الصحابة.
١١٠٢ - ولو قالوا هو متهم بالفجور لم يقبل قوله.
стр. 234
وذكر في الفرق بينهما أن من يتهم بذلك من الشتم فقد أثبت له العدالة، والشتم لا يقبل إلا بالسماع وإذا قالوا يتهم بالفجور فما أثبتوا له العدالة.
١١٠٣ - وترد شهادة من لا يؤدي زكاته وصدقته.
فصل
١١٠٤ - ولا ترد شهادة الأخ لأخيه وهو قول عروة بن الزبير وابن سيرين والشعبي وإبراهيم (النخعي) وقتادة، وهو قول الشافعي وأصحابنا.
١١٠٥ - وقال الحسن (بن زياد اللؤلؤي) لا تجوز شهادة الأخ لأخيه، وهو قول مالك لأن القصاص يجري بينهما فهو كالأجنبي، وليس من حيث لم تجر مناكحة الأخ لأخيه ينبغي أن لا تقبل شهادته كما لو شهد لأم زوجته وبنته.
فصل
من لا تجوز شهادتهم
١١٠٦ - روت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: لا تجوز شهادة الابن لأبيه، ولا الأب لابنه ولا المرأة لزوجها ولا الزوج للمرأة ولا الأجير لمن استأجره ولا السيد لعبده ولا العبد لسيده ولا الشريك لشريكه.
١١٠٧ - وذكره الخصاف، وهو قول إبراهيم (النخعي) وشريح (القاضي).
١١٠٨ - وكان الشعبي لا يجيز شهادة الرجل لابنه، ولا شهادة المرأة لزوجها، ويجيز شهادة الابن لأبيه والرجل لامرأته.
١١٠٩ - وكان سفيان (الثوري) يرى جواز شهادة الرجل لامرأته ولا يجيز شهادتها له.
стр. 235
١١١٠ - وروي عن شريح أنه أجاز شهادة زوج وأب.
١١١١ - واتفق أصحابنا على أنه يجوز شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده ولا أحد الزوجين لصاحبه ولا المكاتب لمولاه، ولا المولى له، وكذلك المدبر وبأم الولد، والمعنق بعضه ولا لولد ولده وإن سفلوا، ولا فرق بين ولد البنت وبين ولد (الابن) ولا لأجداده ولا جداته من قبل أبيه ومن قبل أمه.
١١١٢ - وأجاز الشافعي شهادة الزوج لزوجته وكذلك الزوجة لزوجها لأنه ليست بينهما عصبية.
١١١٣ - ونحن نقول بينهما سبب يوجب التوارث من غير حجب كالولادة.
١١١٤ - وقد أجاز بعضهم شهادة الوالد لولده والولد لوالده وإن سفلوا وعلوا، وهو قول المزني وأبي ثور من أصحاب الشافعي.
١١١٥ - وقد روى عنه ﵇ أنه قال:
- أنت ومالك لأبيك.
ولأنه متهم فجرى مجرى الشهادة لنفسه فلا تقبل.
فصل
١١١٦ - وقالوا: لا تقبل شهادة من لا مروءة له كالقول والرقاص، ومن يضحك الناس ويسخرون منه ومن يمشي مكشوف الرأس والبدن في المواضع التي لا يعتاد أهلها ذلك، ويأكل في الأسواق بحضرة الناس، لأن المرؤة من الإنسانية، لأنها مشتقة من المرأ، وقد روى أبو مسعود البدري عن النبي
стр. 236
- (ص) - أنه قال: "مما أدرك من النبوة الأولى إذا لم تستح فأضع ما شئت" ولأن من لا يستقبح القبح لا يستقبح الكذب فلا يوثق بقوله.
فصل
١١١٧ - واختلف في شهادة أصحاب الصنائع الدينية كالكنائس والزبال والحجام والقيم في الحمام والنخال إذا حسنت طريقتهم في الدين، فمنهم من قال لا تقبل شهادتهم لدنائهم في صناعتهم.
١١١٨ - وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي.
والوجه الثاني: أنها تقبل لأنه قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ولأن هذه صناعات مباحة، وبالناس إليها حاجة، وعلى هذا كثير من أصحابنا.
١١١٩ - وكره أصحابنا شهادة النخاس والصيرفي وتجار الأسواق، وردوا شهادة من يكثر الحلف منهم على ما يبيعه ويشتريه.
١١٢٠ - فأما من استقام منهم في الطريقة وعرف بصدق اللهجة في بيعه وشرائه فليست الصناعة بضائرة له، ولولا ذلك لما عرفنا بشهادتهم قيم الدواب والأواني وعيوب الحيوان، ولابد في كل صنعة من مستور وصالح مستقيم، وعلى هذه الأحوال وجد الناس بعضهم بعضاً.
فصل
اللعب بالشطرنج
١١٢١ - قال الشافعي: وإذا لعب بالشطرنج على عوض نظرت: فإن خرج كل واحد منهما مالاً على أن من غلب مهما أخذ المال، فهو قمار تسقط به العدالة وترد به الشهادة.
وإن أخرج واحد منهما مالاً على أنه أن غلب أحدهما (فهو) له، وإن
стр. 237
غلب صاحبه أخذ المال، لم يصح القيد، لأنه ليس من آلات الحرب فلا يصح بذل العوض فيه، ولا ترد الشهادة لأنه ليس بقمار، قالوا لأن القمار هو أن لا يخلو أحد من أن يغنم أو يغرم وههنا أحدهما يغنم ولا يغرم، وهذا عندنا هو القمار [لأن القمار هو] أن يغنم أحدهما ولا يغرم.
١١٢٢ - قالوا وإن اشتغل به عن الصلوة في وقتها مع العلم، فإن لم يتكرر ذلك منه لم ترد شهادته، وإن أكثر منه ردت شهادته لأنه من الصغائر، وفرق بين قليلها وكثيرها.
١١٢٣ - قالوا: إن ترك فيه المروءة بأن لعب على الطريق أو تكلم في لعبها بسخف من الكلام أو اشتغل به الليل والنهار ردت شهادته لتركه المرؤة.
١١٢٤ - قالوا: وقد لعب به ابن عباس وابن الزبير وأبو هريرة وسعيد بن المسيب وإن سعيد بن جبير كان يلعب مزوياً؟
١١٢٥ - قال أصحابنا: هذا لعب لا حاجة بنا إليه في الدين ولا الدنيا، فهو كأربعة عشر. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية والميسر هو القمار.
١١٢٦ - وقد روى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه مر بقوم يلعبون فتلا قوله تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾.
١١٢٧ - واختلف أصحاب الشافعي في النرد فمنهم من قال أنه حرام وترد به الشهادة، وقال أبو إسحق هو كالشطرنج.
١١٢٨ - وقد روى أبو موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال: من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله.
стр. 238
وروى أبو بريده أن رسول الله - (ص) - قال:
"من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه، ولأن المعول فيه على ما يخرجه الفص فأشبه الأزلام.
١١٢٩ - قالوا: ويخالف الشطرنج فإن المعول عليه على رأيه، وهذا لا يصح لأن النرد يحتاج مع العصي إلى رأى ووضع ومعرفة بالنقل والبيوت، ويخلف اللعب به كالشطرنج سواء.
стр. 239
١١٣٠ - وقالوا: لا يجوز اللعب بالأربعة عشر ولم يختلفوا، فهذه الجملة حكوها في هذا الباب.
فصل
شرب قليل من النبيذ
١١٣١ - واختلف أصحاب الشافعي فيمن شرب قليلاً من النبيذ، فمنهم من قال إن كان يعتقد بحرمته فسق وردت شهادته، ومنهم من قال لا يفسق ولا ترد شهادته كما قلناه، قالوا وهو المذهب لأن استحلال الشيء أعظم من فعله بدليل من استحل الربا كفر ولا يكفر من فعله، فإذا لم ترد شهادة المستحل فمن لا يستحل أولى.
١١٣٢ - واختلفوا في وجوب الحد عليه مع قبول شهادته، فقال المزني لا يجب الحد كما لا ترد الشهادة به، وقال غيره منهم: يجب لأنه يردع عن الشرب ويحتاج إلى رادع كالخمر، وهذا لا يصح لأن [شارب] الخمر يفسق ويكفر المستحل، وكيف يجب الحد بأمر مختلف فيه والاجتهاد فيه يسوغ.
فصل
المغني بغير آلة
١١٣٣ - قد قلنا أنه لا تقبل شهادة المغني لما ورد عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: الغناء ينبت النفاق (؟) في القلب كما ينبت الماء البقل.
١١٣٤ - وإذا كان بغير آلة مطربة فليس بمحرم.
١١٣٥ - وقد روى أن النبي ﷺ مر بجارية لحسان وهي تقول:
هل على ويحكما ... إن لهوت من حرج؟
فقال ﷺ لا حرج إن شاء الله.
وروى عن عائشة ﵂ أنها قالت:
стр. 240
كان عندي جاريتان تغنيان فدخل أبو بكر ﵁ فقال: مزمور الشيطان في بيت رسول الله! ﷺ فقال رسول الله ﷺ : دعها فإنها أيام عيد.
ترنم بالبيت والبيتين .
١١٣٦ - فإن غنى لنفسه أو سمع غناء جارية ولم يكثر منه لم ترد شهادته لأن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا خلا في داره ترنم بالبيت والبيتين.
وأنه مر عليه عبد الرحمن بن عوف وهو يترنم فقال:
- اسمعتني يا عبد الرحمن؟
قال: نعم.
فقال: إنا إذا خلونا في بناء لنا نقول كما يقول الناس.
وروى عن أبي الدرداء وهو من زهاد الصحابة وفقهائها أنه قال: إني لأجم قلبي بشيء من الباطل استعين به على الحق.
стр. 241
فضائل أبي حنيفة للصيمري
١١٣٧ - وقد سمعنا من شيخنا قاضي القضاة ﵀ في فضائل أبي حنيفة التي صنفها أستاذه القاضي أبو عبد الله الصميري ﵀ أن أبا حنيفة كان في جواره رجل فكان يصعد السطح ويتغنى بهذا الشعر:
(أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر)
(كأني لم أكن فيهم وليدا ... ولم تك نسبتي في آل عمرو)
فأخذه الوالي فلم يسمع كلامه وصوته كما جرت العادة، فسال عنه فأخبر بخبره فقصد الوالي وأخرجه من الحبس وقال له:
- ما أضعناك يا فتى.
١١٣٨ - وقد صنف في السماع كتب مفردة وطول فيها القول واختصر، ولم أر لأصحابنا في هذا الباب إلا كلاماً مجملاً غير مفصل ولا مشروح، ولعل قولهم في المغنى الذي ترد شهادته من اتخذ الغناء أو يغشاه الناس للسماع لأن في ذلك تركاً للمروءة، وكذلك أن اتخذ جارية وقصده الناس لسماع الغناء منها، أو حملها إلى المواضع لتغنى فهذا هو الذي ترد شهادته لا محالة لأنه قد جمع إلى ترك المروءة الدياثة.
تفشي الصوفية في أهل العلم في عصر السمناني
١١٣٩ - وقد رأيت جماعة من أهل العلم وشيوخاً من أصحابنا ومن أصحاب الشافعي يستمعون القول ويقومون يرقصون مع الصوفية.
١١٤٠ - ورأيت بهمذان غير واحد من أصحاب الشافعي يجمعون مع القصب الدف في الأوقات وفيهم أئمة وقضاة وأشراف من أصحاب الحديث والرواية.
стр. 242
تحريم آلات الطرب من غير غناء
١١٤١ - ويحرم استعمال الآلات التي تطر من غير غناء كالعود والطنبور والمعزفة والطبل والمزمار والرباب.
١١٤٢ - وقد حكى عن محمد بن سعد الزهري أنه كان يلعب بالعود ويتخذه وفيه خلاف لا يعتد به.
١١٤٣ - وقد روى عن ابن عباس ﵁ تفسير قوله تعالى: "إن الله حرم على أمتي الخمر والميسر والمزر والكوبة والقنين والكوبة الطبل والقنين البربط".
١١٤٤ - وروى عن النبي ﷺ أنه قال:
مسخ أمة من أمتي بشربهم الخمر وضربهم بالكوبة والمعازف.
١١٤٥ - قال الشيرازي ﵀ في كتاب المهذب له:
стр. 243
ويكره القضيب الذي يزيد الغناء طرباً ولا يطرب إذا انفرد لأنه تابع للغناء فكان حكمه الغناء.
رد الشهادة بالإكثار من الصغائر
١١٤٦ - وترك الشهادة بما يكثر من الصغائر كما ترد بالكبائر إذا انفردت، فأما إذا قلت الصغائر وندرت فلا ترد بها الشهادة لأنه تعالى قال:
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ﴾.
ولأن أحداً من الخلق لا يخلو من الصغائر أو الهم بها.
الحداء
١١٤٧ - وقال الجميع أن الحداء مباح لا يكره لما روى عن ابن مسعود ﵁ قال: كان مع رسول الله ﷺ ليلة نام بالوادي حاديان.
стр. 244
وروت عائشة ﵂ قالت:
كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، وكان عبد الله بن رواحة جيد الحداء وكان مع الرجال .. وكان انجشه مع النساء فقال ﷺ لعبد الله بن رواحة: حرك بالقوم فاندفع يرتجز فنبعه انجشه فاعتقت الإبل في السير. فقال ﷺ : يا أنجشة رويدك رفقاً بالقوارير.
نشيد الأعراب
١١٤٨ - ويجوز استماع نشيد الأعراب لما روى عمرو بن الشريد عن أمه قال: أردفي رسول الله ﷺ وراءه ثم قال: أمعك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟
قلت: نعم، فأنشدته بيتاً، فقال: هيه فأنشدته بيتاً آخر فقال هية: حتى أنشدته مائة بيت.
стр. 245
تحسين الصوت بالقرآن
١١٤٩ - قال الشافعي: ويستحب تحسين الصوت بالقرآن، وأما إذا قرأ بالألحان فقال أصحابنا أنه قال في موضع يكره وقال في موضع آخر لا أكره هذا.
١١٥٠ - قالوا: وليس ذلك اختلاف موضعين وإنما هو إخلاف حالين، فالذي قال يكره إذا تجاوز الحد، ولا يعلم بين أصحابنا خلاف يخالف هذه الجملة والتفصيل، ولعل ذلك وفاق.
١١٥١ - وقد روى عن أبي موسى الأشعري أنه كان يطرب بالقرآن وأن النبي ﷺ كان سمعه وهو لا يعلم فلما علم به قال:
يا رسول الله لو علمت لحبرته تحبيراً.
وروى عن النبي ﷺ أنه قال:
- ما أذن الله بشيء مثل ما أذن لنبي أن يترنم بالقرآن.
وقال ﷺ :
- ليس منا معاشر الأنبياء من لم يغرد؟ بالقرآن.
وذكر أبو عبيد في الغريب له؟ قال معناه الاستغناء؟ بالقرآن.
وقال الشافعي:
- لو كان المراد به الاستغناء؟ لكان قال من لم يتغن بالقرآن، وحمل الخبر على تحسين الصوت، وهو الظاهر من الخبر ولأن قراءته بألحان يوجب الإصغاء إليه وفراغ القلب نحوه، وهذا أمر معلوم.
قول الشعر
١١٥٢ - ويجوز قول الشعر وحمله، وقد كان للنبي -صلى الله عليه- شعراء
стр. 246
منهم كعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت، وقال الشعر علي بن أبي طالب حتى روى عنه، وكان في التابعين والصحابة العدد الكثير (من الشعراء) وكان معاوية ابن أبي سفيان يقوله ثم تركه، وقد وفدت الشعراء على النبي ﷺ ومدحوه فمدحه كعب بن زهير بقصيدة:
(باتت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم أثرها لم يجز مكبول)
فوهبه؟ بردته فباعها لمعاوية بعشرة آلاف درهم، وهي التي مع الخلفاء إلى اليوم من بني العباس ﵁.
١١٥٣ - وهو كالكلام مباحه كمباحة ومحظوره كمحظوره وقبيحه كقبيحه.
١١٥٤ - وقد روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: "الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام".
فما ترد به الشهادة من الكلام يرد به في الشعر، وما لا ترد به الشهادة من الكلام فالشعر مثله، لأنه كلام على صفة مخصوصة.
فسق شاهد الزور
قال أصحابنا:
١١٥٥ - ومن شهد بالزور فقد فسق وردت شهادته، فقد روى خريم بن
стр. 247
فاتك قال: صلى رسول الله ﷺ صلوة الصبح فلما أنصرف قام قائماً ثم قال عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ثلاث مرات، ثم تلا قوله تعالى:
﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾.
١١٥٦ - وقد تقدم ما رواه أبو حنيفة عن محارب بن دثار فيما تقدم من هذا الباب في الفصل الذي قلنا أنه يفرق الشهود مع التهمة.
١١٥٧ - ويعلم أنه شاهد زور بثلاثة أشياء:
أحدها أن يقر على نفسه أنه شهد بالزور.
والثاني أن تقوم عليه بذلك بنية.
والثالث أن يشهد بما تكذبه العقول وشاهد الحال.
١١٥٨ - فإن أقر على نفسه لم يبطل ما شهد به قبل هذا القول، وكذلك إذا قامت عليه بينة بعد القضاء لأن هذا تهاتر.
стр. 248
١١٥٩ - ولو أنه شهد بحق لرجل وشهد آخر به لغيره لم يكن واحد منهما شاهد زور، لأنه ليس أحدهما بأن يكذب أولى من الآخر.
إشهار من ثبت تزويره
١١٦٠ - وإذا أثبت أنه زور، قال أبو حنيفة:
أشهر حاله ولا يضر به.
١١٦١ - وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي للإمام أن يعزره إذا رأى ذلك.
١١٦٢ - وإن كان من ذوي الهيئات لم يناد عليه عند بعضهم، وهو قول أبي علي من أصحاب الشافعي.
١١٦٣ - وعندنا ينادي عليه ليحذره الناس.
١١٦٤ - وقد روى (أبو هريرة) عن النبي ﷺ أنه قال:
قل ما في الفاسق ليحذره الناس.
وروى عنه أنه قال:
اقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم.
شهادة الظنين والجار إلى نفسه غنماً إلخ
١١٦٥ - قال أصحابنا: ولا تقبل شهادة ظنين، ولا جار إلى نفسه غنماً، ولا دافع عنها غرماً، ولا شهادة الوكيل لمن وكله، ولا الشريك عما هو شريك فيه ولا من هو وصي لليتيم ولا عليه.
١١٦٦ - وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال:
стр. 249
لا تقبل شهادة ظنين ولا مريب.
١١٦٧ - فإن عزل الوكيل وشهد بعد العزل فيما كان وكل بالخصومة فيه، فإن كان قد خاصم لم تقبل شهادته أبداً.
١١٦٨ - وإن كان لم يخاصم في ذلك فقد اختلف في ذلك فمنهم من يقبل شهادته وهو أبو حنيفة ومنهم من لا يقبل ذلك وهو صاحباه.
١١٦٩ - وكذلك اختلفوا في المحجور عليه لأجل الدين إذا شهد الغريم له إذا كان معسراً فمنهم من قال لا تقبل ومنهم من قال تقبل.
فصل
شهادة الخصي والأقلف
١١٧٠ - وأجاز أصحابنا شهادة الخصي إذا كان الخصي عدلاً في جميع الحقوق والحدود وقد قبل عمر بن الخطاب (ر) شهادة علقمة الخصي على قدامة بن مظعون.
١١٧١ - واختلف في شهادة الأقلف فقال ابن عباس:
- الأقلف لا تجوز شهادته، ولا تقبل له صلاة ولا تؤكل له ذبيحة، وهو قول جابر بن زيد.
١١٧٢ - وروى الخصاف أن النبي (ص) سأل عن الأقلف أيحج بيت الله؟ قال:
- لا، حتى يختتن.
١١٧٣ - وروى شداد بن أوس، قال، قال رسول الله (ص): الختان للرجال سنة وللنساء مكرمة.
١١٧٤ - والختان عند أصحابنا واجب وليس بفرض.
стр. 250
١١٧٥ - وقال الشافعي هو فرض، وقال مالك فرض في الرجل سنة في المرأة.
١١٧٦ - وقد روى عن الحسن في الشيخ يسلم، قال: لا عليه أن لا يختن، ولا يضره ذلك في شهادته ولا في إمامته.
١١٧٧ - وقال أصحابنا إن كان يخالف الضرر على نفسه فلا شيء عليه بعد ذلك.
فصل
شهادة ولد الزنا
١١٧٨ - واختلف في شهادة ولد الزنا فقال أصحابنا:
- شهادته في كل شيء جائزة، وفي الحدود إذا كان عدلاً، وهو قول الشافعي وعطاء.
١١٧٩ - وقال مالك ويحيى بن سعيد: شهادته مقبولة في كل شيء إلا في الزنا خاصة.
١١٨٠ - وقد روى عن عمر بن عبد العزيز ﵀ أن رجلاً شهد عنده على رجل شهادة فقال المشهود عليه، أنه لا تقبل شهادته، قال: لم؟ قال: لأنه لا يدري من أبوه فقال أءتني بشاهدين سواه.
فصل
شهادة المتسمع
١١٨١ - واختلف في شهادة المتسمع، وهو الذي يختبئ ولا يراه المشهود عليه فيسمع قوله ويشهد عليه، من غير أن يشهده على نفسه.
فقال أصحابنا يجوز ذلك ولا تحتاج الشهادة إلى أن يحملهم المقر.
١١٨٢ - وقال مالك: لا تجوز حتى يشهد الشهود ويقول لهم اشهدوا، وإن كان الشاهد لا يرى الخصم لم يشهد عليه لأنه لا يعلم أنه عين المقر.
следующие страницы →