Полный текст (1 505 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
منهم كعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت، وقال الشعر علي بن أبي طالب حتى روى عنه، وكان في التابعين والصحابة العدد الكثير (من الشعراء) وكان معاوية ابن أبي سفيان يقوله ثم تركه، وقد وفدت الشعراء على النبي ﷺ ومدحوه فمدحه كعب بن زهير بقصيدة:
(باتت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم أثرها لم يجز مكبول)
فوهبه؟ بردته فباعها لمعاوية بعشرة آلاف درهم، وهي التي مع الخلفاء إلى اليوم من بني العباس ﵁.
١١٥٣ - وهو كالكلام مباحه كمباحة ومحظوره كمحظوره وقبيحه كقبيحه.
١١٥٤ - وقد روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: "الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام".
فما ترد به الشهادة من الكلام يرد به في الشعر، وما لا ترد به الشهادة من الكلام فالشعر مثله، لأنه كلام على صفة مخصوصة.
فسق شاهد الزور
قال أصحابنا:
١١٥٥ - ومن شهد بالزور فقد فسق وردت شهادته، فقد روى خريم بن
стр. 247
فاتك قال: صلى رسول الله ﷺ صلوة الصبح فلما أنصرف قام قائماً ثم قال عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ثلاث مرات، ثم تلا قوله تعالى:
﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾.
١١٥٦ - وقد تقدم ما رواه أبو حنيفة عن محارب بن دثار فيما تقدم من هذا الباب في الفصل الذي قلنا أنه يفرق الشهود مع التهمة.
١١٥٧ - ويعلم أنه شاهد زور بثلاثة أشياء:
أحدها أن يقر على نفسه أنه شهد بالزور.
والثاني أن تقوم عليه بذلك بنية.
والثالث أن يشهد بما تكذبه العقول وشاهد الحال.
١١٥٨ - فإن أقر على نفسه لم يبطل ما شهد به قبل هذا القول، وكذلك إذا قامت عليه بينة بعد القضاء لأن هذا تهاتر.
стр. 248
١١٥٩ - ولو أنه شهد بحق لرجل وشهد آخر به لغيره لم يكن واحد منهما شاهد زور، لأنه ليس أحدهما بأن يكذب أولى من الآخر.
إشهار من ثبت تزويره
١١٦٠ - وإذا أثبت أنه زور، قال أبو حنيفة:
أشهر حاله ولا يضر به.
١١٦١ - وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي للإمام أن يعزره إذا رأى ذلك.
١١٦٢ - وإن كان من ذوي الهيئات لم يناد عليه عند بعضهم، وهو قول أبي علي من أصحاب الشافعي.
١١٦٣ - وعندنا ينادي عليه ليحذره الناس.
١١٦٤ - وقد روى (أبو هريرة) عن النبي ﷺ أنه قال:
قل ما في الفاسق ليحذره الناس.
وروى عنه أنه قال:
اقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم.
شهادة الظنين والجار إلى نفسه غنماً إلخ
١١٦٥ - قال أصحابنا: ولا تقبل شهادة ظنين، ولا جار إلى نفسه غنماً، ولا دافع عنها غرماً، ولا شهادة الوكيل لمن وكله، ولا الشريك عما هو شريك فيه ولا من هو وصي لليتيم ولا عليه.
١١٦٦ - وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال:
стр. 249
لا تقبل شهادة ظنين ولا مريب.
١١٦٧ - فإن عزل الوكيل وشهد بعد العزل فيما كان وكل بالخصومة فيه، فإن كان قد خاصم لم تقبل شهادته أبداً.
١١٦٨ - وإن كان لم يخاصم في ذلك فقد اختلف في ذلك فمنهم من يقبل شهادته وهو أبو حنيفة ومنهم من لا يقبل ذلك وهو صاحباه.
١١٦٩ - وكذلك اختلفوا في المحجور عليه لأجل الدين إذا شهد الغريم له إذا كان معسراً فمنهم من قال لا تقبل ومنهم من قال تقبل.
فصل
شهادة الخصي والأقلف
١١٧٠ - وأجاز أصحابنا شهادة الخصي إذا كان الخصي عدلاً في جميع الحقوق والحدود وقد قبل عمر بن الخطاب (ر) شهادة علقمة الخصي على قدامة بن مظعون.
١١٧١ - واختلف في شهادة الأقلف فقال ابن عباس:
- الأقلف لا تجوز شهادته، ولا تقبل له صلاة ولا تؤكل له ذبيحة، وهو قول جابر بن زيد.
١١٧٢ - وروى الخصاف أن النبي (ص) سأل عن الأقلف أيحج بيت الله؟ قال:
- لا، حتى يختتن.
١١٧٣ - وروى شداد بن أوس، قال، قال رسول الله (ص): الختان للرجال سنة وللنساء مكرمة.
١١٧٤ - والختان عند أصحابنا واجب وليس بفرض.
стр. 250
١١٧٥ - وقال الشافعي هو فرض، وقال مالك فرض في الرجل سنة في المرأة.
١١٧٦ - وقد روى عن الحسن في الشيخ يسلم، قال: لا عليه أن لا يختن، ولا يضره ذلك في شهادته ولا في إمامته.
١١٧٧ - وقال أصحابنا إن كان يخالف الضرر على نفسه فلا شيء عليه بعد ذلك.
فصل
شهادة ولد الزنا
١١٧٨ - واختلف في شهادة ولد الزنا فقال أصحابنا:
- شهادته في كل شيء جائزة، وفي الحدود إذا كان عدلاً، وهو قول الشافعي وعطاء.
١١٧٩ - وقال مالك ويحيى بن سعيد: شهادته مقبولة في كل شيء إلا في الزنا خاصة.
١١٨٠ - وقد روى عن عمر بن عبد العزيز ﵀ أن رجلاً شهد عنده على رجل شهادة فقال المشهود عليه، أنه لا تقبل شهادته، قال: لم؟ قال: لأنه لا يدري من أبوه فقال أءتني بشاهدين سواه.
فصل
شهادة المتسمع
١١٨١ - واختلف في شهادة المتسمع، وهو الذي يختبئ ولا يراه المشهود عليه فيسمع قوله ويشهد عليه، من غير أن يشهده على نفسه.
فقال أصحابنا يجوز ذلك ولا تحتاج الشهادة إلى أن يحملهم المقر.
١١٨٢ - وقال مالك: لا تجوز حتى يشهد الشهود ويقول لهم اشهدوا، وإن كان الشاهد لا يرى الخصم لم يشهد عليه لأنه لا يعلم أنه عين المقر.
стр. 251
١١٨٣ - وفرق مالك بين الطلاق والعتاق فأجاز ذلك في الطلاق والعتاق وإن لم يشهدهم إذا سمع الشاهد ذلك.
١١٨٤ - وقال إبراهيم الشعبي: لا تجوز شهادة المختبئ.
١١٨٥ - وقال أصحابنا:
- إذا قال الجماعة أو المتعاقدان للشاهد:
- لا تشهد علينا بما نقول كان له أن يشهد، وفيه خلاف متقدم، وهو قول مالك.
شهادة رجلين على جرحه أخاً لهما إلخ
١١٨٦ - ولو شهد رجلان على رجل أنه جرح أخاهما وهما وارثاه قبل الإندمال لم يقبل، لأنه قد يسري إلى نفسه، وتجب الدية لهما.
١١٨٧ - وإن شهدا له بمال وهو مريض فمنهم من قال: لا تقبل الشهادة لأنهما متهمان لأنه قد يموت ويكون المال لهما فلم يقبل كما لو شهدا بالجراحة.
١١٨٨ - ومنهم من قال:
- تقبل لأن الحق ثبت للمريض ثم ينتقل بالموت إليهما، وفي الجناية إذا وجبت الدية وجبت لهما لأنها تجب بموته فلم تقبل.
١١٨٩ - ولو شهدا له بالجراحة وله ابن قبلت شهادتهما لأنهما غير متهمين.
١١٩٠ - ولو مات الابن وصار الأخوان وارثين فإن مات قبل الحكم بشهادتهما بطلب الشهادة، ولو مات بعد القضاء والحكم لم تبطل الشهادة، يعتبر ذلك بالفسق والعمى.
شهادة من يدفع ضرراً عن نفسه
١١٩١ - ولو شهد الموالي على غريم المكاتب أو الوصي على غرم الميت أو الوكيل على غريم الموكل بالإبراء من الدين أو بفسق الشهود بالدين لم تقبل الشهادة، لأنه قد يدفع بذلك عن نفسه ضرراً.
стр. 252
١١٩٢ - واختلف أصحابنا في شهادة أهل المحلة والعاقلة إذا شهدوا بالقتل على غيرهم فلم يقبل ذلك أبو حنيفة، وقبله صاحباه.
١١٩٣ - وقال الشافعي: إن كان موسرين لم تقبل شهادتهما لأنهما يدفعان عن نفسهما الغرم من الدية، وإن كانا فقيرين أجزت شهادتهما.
١١٩٤ - وقال في موضع آخر: إن كانا من أباعد العصبات بحيث لا يصل العقل إليهما حتى يموت من قبلهما قبلت شهادتهما.
١١٩٥ - ومن أصحابه من جعل المسألة على قولين ونقل جواب إحدى المسألتين إلى الأخرى، ومنهم من جعل كل مسألة على وصفها وقال: تقبل شهادة الأباعد، ولا تقبل شهادة الأقرب الفقير لأنه معدود في العاقلة، واليسار يعتبر عند الحول.
شهادة الوالد والولد
١١٩٦ - وتقبل شهادة الوالد على ولده، والولد على والده في سائر الحقوق.
١١٩٧ - ومن أصحاب الشافعي من قال: لا تقبل شهادة الولد على والده في إيجاب القصاص وحد القذف لأنه لا يلزمه القصاص بقتله، ولا حد القذف بقذفه فلا يلزمه ذلك.
١١٩٨ - نقول: والمذهب ما نقول لأنه غير متهم.
١١٩٩ - واختلف فيمن شهدا على رجل أنه قذف ضرة أمهما: فقال الشافعي في القديم: لا تقبل لأنهما يجران إلى أمهما نفعاً لأنه يجب عليه بقذفها الحد فيحتاج إلى اللعان فيفرق بينه وبين ضرة الأم.
١٢٠٠ - وقال في الجديد تقبل وهو قولنا لأن حق أمهما لا يزيد بمفارقة الضرة.
١٢٠١ - وكذلك اختلفوا في طلاق الضرة على هذا الخلاف سواء.
فصل
شهادة العدو
١٢٠٢ - وقبل أصحابنا شهادة العدو على عدوه.
стр. 253
١٢٠٣ - وقال الشافعي لا تقبل لأن العداوة تمنع العدالة ونحن نقبل شهادة المسلم على الذمي وهما أشد عداوة.
١٢٠٤ - وقال الشافعي: العدو متهم في الشهادة.
فصل
شهد لمن لا تجوز له الشهادة ولمن تجوز
١٢٠٥ - وإذا شهد لمن لا تجوز الشهادة له ولمن تجوز له الشهادة، فاتفق أصحابنا أنه تبطل الشهادة في حق من لا تجوز له الشهادة، واختلف في حق الآخر، فمنهم من قال تبطل أيضاً في حقه لأن الشهادة إذا أبطل بعضها بطل جميعها، ومنهم من قال لا تبطل في حق الآخر لأنه يجوز أن يبتدئ بالشهادة في حقه.
فصل
شهادة التائب
١٢٠٦ - ومن فسق بنوع من أنواع الفسق وتاب من الذنب وأصلح قبلت شهادته كالسارق وشارب الخمر والزاني.
١٢٠٧ - وقد روى الحسن أن رجلاً من قريش سرق بعيراً على عهد رسول الله ﷺ فقطع يده ثم كان يشهد بعد ذلك فيجيز شهادته.
١٢٠٨ - وروى عن أبي خيرة، أنه قطع يده علي بن أبي طالب ﵇ من المفصل، وأنه شهد عند المغيرة بن عبد الله فقال له:
- من قطعك؟
فقال:
- علي بن أبي طالب.
قال:
- ما أراه إلا ظلمك!
стр. 254
قال:
- والله ما ظلمني.
فأجاز شهادته.
١٢٠٩ - وهو قول شريح وعطاء والشافعي ومالك، ولا نعلم فيه خلافاً بين الفقهاء المعروفين.
شهادة المحدود في القذف
١٢١٠ - واختلف في المحدود في القذف إذا تاب، فقال أصحابنا جميعاً إن شهادته لا تقبل وتوبته فيما بين الله وبينه.
١٢١١ - وروى عن النبي ﷺ أنه قال:
"المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدوداً في القذف، وهو المروى في كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى، وهو قول الحسن وشريح وإبراهيم وابن عباس.
١٢١٢ - وقال عطاء وطاووس ومجاهد وعكرمة ومسروق والشعبي وعبد الله بن عبيد والزهري والعوام بن حوشب وسليمان بن يسار ويزيد بن عبد الله بن قسيط ويحيى بن سعيد وربيعة ﵃ قالوا إذا تاب قبلت شهادته وهو قول مالك بن أنس والشافعي في آخرين.
فصل
في كيفية التوبة من القاذف
١٢١٣ - روى عن الشعبي وطاووس والضحاك أنهم قالوا:
توبته أن يكذب نفسه عند السلطان، وهو قول الشافعي أن توبته أكذاب نفسه، واختلف أصحابه: فقال أبو سعيد الأصطخري: توبته أن يقول كذبت فيما قلت ولا أعود إلى مثله، وقال أبو إسحق وأبو علي بن أبي هريرة يقول: قذفي له كان باطلاً، ولا يقول كنت كاذباً.
стр. 255
١٢١٤ - قال علي بن موسى القمي من أصحابنا في أحكام القرآن الصغير: لا سبيل لنا إلى تصحيح توبة القاذف لأنه إن قال كذبت فقد علمنا ذلك وحكمنا به، ولكذبه حددناه، وقد قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، وإن كان صادقاً فيما قال فلا يجوز أن يشهد على نفسه بالكذب، وإن قال كنت صادقاً فهذا نكران للقذف هذا معنى كلامه.
١٢١٥ - وقال أصحابنا في قوله تعالى: وأولئك هم الفاسقون خبر، وقوله إلا الذين تابوا فرجع إلى أقرب المذكورين وهو الخبر دون ما تقدم لاختلاف الجمل المتقدمة.
١٢١٦ - ولا خلاف أنه يحد مع توبته فلو كانت التوبة ترجع إلى ما تقدم لسقط الحد.
فصل
التوبة من المعصية
١٢١٧ - والتوبة من المعصية أن يعزم على أن لا يفعل مثلها في المستقبل، ويستغفر الله عما مضى ويندم على ما فعل هذا إذا لم يتعلق بها حق آدمي.
١٢١٨ - فإن تعلق بها حق آدمي فالتوبة أن يؤدي ذلك الحق إلى مالكه أو يسأله حتى يبرئه.
١٢١٩ - وقد روى إبراهيم النخعي أن عمر ﵁ رأى رجلاً يصلي مع النساء فضربه بالدرة فقال الرجل:
-
стр. 256
والله لئن أحسنت فقد ظلمتني. وإن كنت أسأت فما علمتني فقال عمر ﵁:
- اقتص
فقال:
- لا اقتص
قال:
فاعف عني
فقال:
لا أعفو عنك فافترقا على ذلك، ثم لقيه من الغد، فتغير لون عمر، فقال له الرجل:
- يا أمير المؤمنين (أرى) ما كان مني أسرع فيك!
قال:
- أجل
قال:
- فاشهد أني قد عفوت عنك.
١٢٢٠ - وإن لم يقدر على صاحب الحق نوى أنه إن لقيه أوفاه حقه.
فصل
تعلق حد ال له
١٢٢١ - وإذا تعلق بالمعصية حد الله تعالى كحد الزنا والشرب، فإن لم يظهر ذلك فالأولى أن يستره على نفسه لما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "من أتى من هذه القاذورات فليستتر بستر الله تعالى، فإنه من أبدا لنا صفحته أقمنا عليه حد الله".
١٢٢٢ - فإن أظهره لم يأثم لأن ماعزاً والغامدية اعترفا عند رسول الله ﷺ بالزنا فرجمهما ولم ينكر عليهما.
فصل
التوبة المعتبرة
١٢٢٣ - والتوبة التي ترد التائب إلى حال الشهادة من الزنا والسرقة والشرب
стр. 257
فحكم عليه ثم تاب إذا صلح عمله وفارق طريقته المذمومة لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾.
١٢٢٤ - واختلف أصحابنا في مقدار المدة بعد التوبة فمنهم من قال سنة كاملة لأنها تجمع الفصول الأربعة التي تتغير فيها الطباع، ومنهم من لم يقدر ذلك (وردها) إلى اجتهاد الحاكم.
١٢٢٥ - والتوبة من الردة إظهار الشهادتين والرجوع إلى ملازمة الدين والقيام بفروضه وفعل نوافله وسننه مع الإمكان.
فصل
التوبة على من يحد
١٢٢٦ - واختلف أصحاب الشافعي فيمن شهد ولم تقبل شهادته بالقذف هل يحد أم لا؟ وبنوا التوبة على القول بوجوب الحد، فقالوا إن قلنا يحد تجب عليه التوبة، وإن قلنا لا يحد فلا توبة عليه.
فصل
شهادة المولى لمكاتبه إلخ
١٢٢٧ - وإذا شهد المولى لمكاتبه بمال فردت شهادته ثم أدى المكاتب المال وعتق وأعاد المولى له بالشهادة بالمال لم تقبل الشهادة لأنها ردت لأجل التهمة.
١٢٢٨ - وكذلك إذا شهد العبد والكافر فردت شهادتهما لأجل التهمة لم تقبل إذا أعادا، وإن كانت لأجل الكفر والرق قبلت.
١٢٢٨ - وكذلك إذا شهد العبد والكافر فردت شهادتهما لأجل التهمة لم تقبل إذا أعادا، وإن كانت لأجل الكفر والرق قبلت.
١٢٢٩ - وقال أبو العباس من أصحاب الشافعي تقبل شهادة المولى إذا أعاد الشهادة، قال لأن المعنى قد زال بالعتق. ورد عليه أصحابه وقالوا مثل قولنا، لأنه رد للتهمة فهو كالفاسق.
стр. 258
فصل
الشهادة المتبادلة
١٢٣٠ - قال أصحابنا: ومن ترك مالاً وورثة فشهد رجلان لرجلين على الميت بدين وشهد المشهود لهما للشاهدين بمثل ذلك فالشهادة باطلة عند أبي حنيفة وأبي يوسف وابن أبي ليلى لأنه يشتركون في التركة.
١٢٣١ - وقال أبو حنيفة في الجامع الصغير إن الشهادة جائزة.
١٢٣٢ - وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنهم إن جاءوا جميعاً فالشهادة باطلة وإن جاءوا مفترقين فشهد الأولان لمن ادعى ثم عادا وادعيا وشهد الآخران فشهادتها جميعاً جائزة.
١٢٣٣ - وقد ضعف أصحابنا ذلك لأنه يوجب مقاسمة الأولين ما أخذاه إذا لم يترك غير ما أخذاه.
١٢٣٤ - ولو شهد أحد الفريقين بدين على الميت وشهد أولئك لمن شهدا بأرض أو عرض في يد الميت فالشهادة جائزة.
الشهادة على ما يوجب الشركة في تركة الميت
١٢٣٥ - وكل شهادة لا توجب الشركة في تركة الميت فهي جائزة، وما توجب الاشتراك فهي باطلة.
١٢٣٦ - ولو كانت هذه الشهادة على حق وهو يجحد جازت شهادة الفريقين في جميع الأحوال.
فصل
تبادل الشهادة بالوصية
١٢٣٧ - ولو شهدا بالوصية لهما وشهد الآخران بمثل ذلك فهي كالشهادة بالدين على الخلاف من الصحة والبطلان.
стр. 259
فصل
الشهادة على طلاق الأمة
١٢٣٨ - وإذا شهد الموليان أن الزوج طلق الأمة، وهي تدعي ذلك، لم تجز في قولهم جميعاً، وإن لم تدع جازت شهادتهما في قول أبي يوسف ولا تجوز في قول محمد، ولا رواية عن أبي حنيفة تعرف في ذلك.
١٢٣٩ - ولو شهد رجلان لرجل أنه ابن الميت ثم شهد الابن ورجل المشاهدين بدين على الميت ألف درهم فالشهادة باطلة عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند غيرهما تجوز. والله أعلم.
فصل
شهادة الأعمى والأخرس
١٢٤٠ - قد ذكرنا أن العمى يمنع قبول الشهادة إذا طرئ قبل الحلم خلافاً لأبي يوسف والشافعي، وإن زال العمى فشهد جازت الشهادة وهو كالخرس إذا زال، والعقل إذا رجع، وقبل الشافعي شهادته فيما تقبل فيه الاستفاضة من غير تفصيل، وإذا ضبط ولم يجره على القتل والأفعال ولا على العقود التي تثبت بالصوت.
١٢٤١ - وقد ذكرنا فيما تقدم من هذه الأشياء ما يمنع مجتمعاً ومفترقاً.
١٢٤٢ - وسنذكر ما ترد فيه الشهادة من حيث الحكم والاختلاف والتعارض بين الدعاوى من الكتب والحوادث إن شاء الله.
١٢٤٣ - وإذ قد ذكرنا حكم الشهادة في الأبواب المتقدمة فلنذكر حكم الشهادة على الشهادة.
باب الشهادة على الشهادة
دليل جوازها
وهذا باب يذكر فيه حكم الشهادة على الشهادة وما قيل في ذلك:
١٢٤٤ - اعلم أنه لا آية من كتاب الله ولا سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ ولا وصلت إلينا في جواز الشهادة على الشهادة، والفقهاء قد علموا
стр. 260
بذلك وذكروه في الكتب، ولعله قد كان فيه سنة فاكتفوا فيه بالعلم أو قاسوا ذلك ذلك على الأخبار في الدين ووجوب العمل بها.
الشهادات على شهادة الميت
١٢٤٥ - وقد روى الخصاف في آداب القضاء عن علي بن أبي طالب ﵇ [أنه] قال: لا نقبل على شهادة الميت دون رجلين.
١٢٤٦ - وقد روى عن الشعبي [أنه] قال:
لا تجوز شهادة الشاهد على الشاهد حتى يكونا اثنين.
١٢٤٧ - وإذا شهد النفر على شهادة رجل واحد فهو واحد والاثنان على الاثنين فرجل واحد.
١٢٤٨ - وإن شريحاً كان إذا شهد عنده رجل عل شهادة رجل قال:
- قل أشهدني ذوو عدل.
١٢٤٩ - فهذا ما روى في الباب ويكفي أن يكون فيه أمير المؤمنين علي ﵁ قائلاً به: وهو فيه الصحابة، وهو قول أصحابنا جميعاً وبه قال مالك والشافعي ولا نعلم فيه خلافاً بين أهل العلم، والحاجة إليه داعمة إذا غاب الشهود أو ماتوا فينبغي أن يكون ذلك جائزاً.
١٢٥٠ - وإذا قد ذكرنا جواز ذلك في الشرع فلنذكر موضع قبول ذلك.
باب الموضع الذي تقبل فيه
الشهادة على الشهادة
وهذا باب الموضع الذي يقبل فيه ذلك:
١٢٥١ - اجمع أصحابنا جميعاً أنها مقبولة في كل حق يثبت في المال، وما لا يسقط بالشبهة من الحقوق.
١٢٥١ - فأما الحدود والقصاص فلا يقبل ذلك فيه عندنا.
١٢٥٢ - وقال الشافعي تقبل في الأموال وحقوق الآدميين وفيما لا يسقط بالشبهة من حقوق الله تعالى.
стр. 261
١٢٥٣ - فأما الحدود كحد الربا والسرقة وقطع الطريق وشرب الخمر ففيهما قولان:
أحدهما يجوز لأنه يثبت بالشهادة فجاز أن يثبت بالشهادة على الشهادة كحقوق الآدميين.
والثاني لا يجوز لأن المقصود بالشهادة التوتق للحق، وحقوق الله تعالى مبينة على الدرء والإسقاط وهذا ليس هو الوجه، ولكن الوجه عندنا أن الحدود لا يجوز أن تستوفي إلا بنص أو اتفاق، ولا نص ولا اتفاق في ذلك فلا يجوز أن يفعله ولا قياس ذلك على الأموال لأن الأموال يجوز دخول البدل والإباحة فيها ويثبت حكم ذلك لها، وفي الحدود والقصاص لا يجوز، لأن الرجل لو ادعى عليه قتلا فقال: ما قتلت ولكن يقتلني فقد وهبت نفسي له لم يجز له القتل، وفي المال يجوز إذا وهب، وقال لا شيء له علي وقد وهبت له.
١٢٥٤ - وعلى المذهبين إن كل ما يجوز أن يثبت بالشهادة على الشهادة يثبت بكتاب القاضي إلى القاضي لأنه يحتاج إلى تحمل الشهود الكتاب المكتتب فهو كشهود الأصل يحتاج إلى تحمل.
١٢٥٥ - وإذ قد ذكرنا موضع القبول فلنذكر عدد الشهود.
باب عدد شهود الفرع
في موضع قبولها
١٢٥٦ - قال أصحابنا: لا يجوز في ذلك أقل من اثنين على الواحد لأنه نقل لقوله إلى الحاكم، فهو كنقل الإقرار.
١٢٥٧ - فإن شهد اثنان على شهادة كل واحد من الشاهدين جاز ذلك عندنا.
١٢٥٨ - ويجوز في هلال رمضان الواحد على الواحد في الغيم والاثنين على الاثنين في شهادة شوال وسائر الشهور، والعبد على العبد والمرأة على المرأة، فما يثبت في الأصل يثبت بمثله إذ شهد به شاهد الفرع.
стр. 262
١٢٥٩ - ويعتبر في الواحد الفرد في رمضان وباقي الشهود لا يجوز بالواحد، بل يعتبر كما يثبت بالشهود اثنان أو رجل وامرأتان.
١٢٦٠ - وقال الشافعي، في أحد قوليه لا يجوز حتى يكون على شهادة كل واحد اثنان، والقول الآخر كقولنا.
١٢٦١ - ويجوز عندنا بشهادة رجل وامرأتين كما يجوز في الحق المشهود به.
١٢٦٢ - وقال الشافعي لا تجوز إلا برجلين.
١٢٦٣ - وقال لو كان شهود الأصل رجلاً وامرأتين قبل في أحد القولين شهادة اثنين على شهادة كل واحد منهم. ولا يقبل في القول الآخر إلا ستة يشهد كل اثنين على شهادة كل واحد منهم.
١٢٦٤ - وإن كان شهود الأصل أربع نسوة في الولادة والرضاع قبل في أحد القولين شهادة رجلين على كل واحدة منهن، ولا يقبل في الآخر إلا شهادة ثمانية يشهد كل اثنين على شهادة [كل] واحدة منهن.
فصل
(الشهود على شهود الأصل إن كانوا أربعة)
١٢٦٥ - وإن كان شهود الأصل أربعة من الرجال وهو حد الزنا، وقال أنه تقبل فيه الشهادة على الشهادة، فإن قلنا تقبل من شاهدين على شاهدي الأصل في غير الزنا ففي حد الزنا قولان أحدهما أنه يكتفي شاهدان في إثبات شهادة الأربعة، كما يكفي في إثبات شهادة اثنين، والثاني أنه يحتاج إلى أربعة لأن فيما يثبت باثنين يحتاج في شهادة كل واحد منهما إلى العدد الذي يثبت به أصل الحق وهو اثنان، وأصل الحق ههنا لا يثبت بدون الأربعة فلم تثبت شهادتهم إلا بأربعة.
١٢٦٦ - قالوا: وإن قلنا فيما يثبت بشاهدين لا يقبل إلا أربعة ففي حد الزنا قولان أحدهما أنه يحتاج إلى ثمانية لتثبت شهادة كل شاهد بشهادة واحد.
والثاني أنه يحتاج إلى ستة عشر رجلاً لأن شهادة كل واحد لا تثبت إلا بما يثبت به أصل الحق وذلك أربعة، وقد نقض هذا الأصل بأنه يثبت الأصل بالرجال والنساء في المال ولا يعتبر في الفرع مثل ذلك، ونجيزه [كذا].
стр. 263
فصل
١٢٦٧ - وإذا شهد عشرة على الواحد فهي شهادة واحد، وإذا شهد عشر نسوة على رجل فهي شهادة رجل [واحد] وإن شهدوا على امرأة فهي شهادة واحدة، ولو شهد اثنان على شهادة عشرة رجال جاز ذلك وحكم به الحاكم عندنا.
١٢٦٨ - وينبغي على قول الشافعي أن لا تثبت شهادة العشرة (إلا) بعشرين في أحد قوليه.
١٢٦٩ - ولو شهدا على امرأة جاز ذلك، وعلى (المدعى) أن يتم البينة.
١٢٧٠ - ولو شهد عشر من النساء على شهادة رجل وامرأتين أو امرأة لم يقبل الحاكم ذلك حتى يشهد معهن رجل.
فصل
١٢٧١ - قال (الشافعي؟): وليس لمن سمع الشاهد يشهد غيره أن يشهد عليه حتى يشهد شاهد الأصل، لأنه لو أخبر رجلاً بأن فلاناً أقر لفلان بكذا لم يكن للمخبر أن يشهد بذلك على شهادته.
١٢٧٢ - قال أصحاب الشافعي: ولا تصح الشهادة على الشهادة إلا من ثلاثة أوجه.
أحدها أن يسمع رجلاً (يقول) أشهد أن لفلان على فلان كذا فيضاف إلى سبب يوجبه من ثمن مبيع أو مهر لأنه لا يحتمل مع ذكر السبب إلا الوجوب.
والثاني: أن يسمعه يشهد عند الحاكم على رجل بحق، لأنه لا يشهد عند الحاكم إلا بما يلزم الحكم به.
والثالث: أن يستدعيه رجل بأن يقول: أشهد أن لفلان على رجل كذا وأشهد على شهادتي بذلك، لأنه لا يستدعيه (إلا) على واجب، لأن الاستدعاء وثيقة والوثائق لا تكون إلا على واجب، وأما إذا سمع رجلاً في دكانه أو طريقه يقول: أشهد أن لفلان على فلان ألف درهم ولم يقل: أشهد على شهادتي لم يحكم به لأنه قد يكون وعداً فلم يجز تحمل الشهادة عليه.
١٢٧٣ - قالوا: وإن سمع رجلاً يقول: لفلان على ألف درهم فهل يجوز أن يشهد عليه بذلك؟
стр. 264
فهو وجهان:
أحدهما أنه لا يجوز أن يشهد عليه، كما لا يجوز أن يتحمل الشهادة عليه.
والثاني، قالوا وهو المنصوص أنه يجو أن يشهد عليه.
والفرق بينه وبين التحمل أن المقر يوجب الحق على نفسه فجاز من غير استدعاء والشاهد يوجب الحق على غيره فاعتبر فيه الاستدعاء، ولأن الشهادة أكد؟
فصل
كيفية شهادة شاهدي الفرع
١٢٧٤ - فأما أصحابنا فقالوا:
يسأل القاضي شاهدي الفرع كيف يشهدان فإن قالا: نشهد أن فلان بن فلان أشهدنا على شهادته أنه يشهد أن فلان بن فلان أقر عندنا وأشهدنا على نفسه أن لفلان هذا عليه ألفاً، وقال لنا اشهدا على شهادتي: إني أشهد أن فلاناً أقر على أن لفلان ألفاً فهذه شهادة صحيحة والحكم بها واجب.
١٢٧٥ - وإن قالا: إنه قال لنا: أشهد إني أشهد على إقرار فلان لفلان بكذا وكذا فإن أبا حنيفة قال: لا أقبل ذلك، وقال أبو يوسف في الإملاء هو جائز.
١٢٧٦ - وقال: لو قال أني أشهد لفلان على فلان بألف درهم أقر بها فاشهد بذلك فشهد على شهادته فهو جائز.
١٢٧٧ - وقال أبو حنيفة: لا يجوز حتى يقول: أشهد على شهادتي.
فصل
السؤال عن عدالة شاهد الأصل
١٢٧٨ - وإذا شهدا على شهادة غيرهما سألهما عن عدالة الذي شهدا على شهادته فإن قالا هو عدل، أو كان يعرف عدالتهما أو أخبراه بعدالتهما لم يسأل.
١٢٧٩ - وإن قالا لا نجيز هما لم يقبل شهادتهما.
١٢٨٠ - فإن قال الطالب: أنا آتيك بمن يعدل لم يقبل ذلك ولا يحكم بهذه الشهادة لأنهما لم يعدلا هما فلم يصدقا، وذلك طعن فيهما.
١٢٨٠ - وهذا قول محمد.
١٢٨١ - وقال أبو يوسف: أقبل ذلك وأسأل عنهما.
стр. 265
١٢٨٢ - ويجب أن يذكر المقر والمقر له ويعرفانهما بأبلغ ما يعرف به كل واحد منهما.
١٢٨٣ - وقال أصحاب الشافعي عنه:
- وإن قالا نشهد على شهادة عدلين، لم يحكم لأنه يجوز أن يكونوا عدولاً عندهم غير عدول عند الحاكم ويجب أن يوردا الشهادة على الصفة التي تحملاها في الوجوه التامة.
فصل
شروط الحكم بشهادة الفرع
١٢٨٤ - ولا يجوز الحكم بشهادة شهود الفرع إلا أن يكون شهود الأصل (قد ماتوا) أو هم مرضى لا يقدرون على الحضور، أو يكونوا على مسافة تقصر في مثلها الصلاة عند أبي حنيفة.
وقال أبو موسى والشافعي: إذا كان بحيث لا يرجع في يومه إلى منزله فهو عذر تجوز معه الشهادة، وإن كان يقدر على الرجوع إلى منزله في يومه وليلته لم يجز، لأن الأصل إن قدر عليه لم يجز الحكم بالبدل إلا لضرورة.
واتفق الجميع على أنهما (إن حضرا) مجلس الحكم قبل الشهادة أو بعد الشهادة قبل الحكم أنه لا يحكم (بشهادة الفرع) وإنما يحكم بالأصل.
وكذلك، لو رجع شهود الأصل قبل الحكم وقبل السماع بطلت شهادة الفرع.
فصل
الشهادة على شهادة الأب وقضائه
١٢٨٥ - قال أصحابنا:
(إن) شهد رجلان على شهادة أبيهما بحق لرجل على آخر جاز ذلك، ولو شهدا على قضية أبيهما أنه قضى لرجل على رجل بحق من الحقوق وقد كان أبوهما
стр. 266
قاضياً لم يجز ذلك، لأن القضية فعل أبيهما فلا يجوز ذلك [وقد ذكر هذه] المسألة الخصاف.
تسمية شهود الأصل
١٢٨٦ - ولابد في الشهادة من تسمية شهود الأصل وهو أن يقولوا: نحن نعرفهما ولكن لا نعرف اسميهما.
وفي الأخبار يقبل ذلك ولا يجب عندنا ذكر اسم الراوي، وهو خلاف في الخبر.
١٢٨٧ - وإذا قد ذكرنا حكم الشهادة على الشهادة وشهادة الرجل، وكان الحكم يقع بغير الشهادة وبحكم الحاكم بذلك وهو النكول وما يتبعه من الإيمان والعلم والإقرار وجب ذكر ذلك.
стр. 267
باب النكول عن الأيمان
وهذا باب النكول عن الإيمان إذا توجهت اليمين وعدمت البينة.
١٢٨٨ - كان الواجب أن نذكر هذا الباب بعد توجه اليمين على المدعى عليه وعدم البينة وإنما قدمناه في الموضع لأنه طريق إلى الحكم والقضاء وأن القاضي يجب أن يكون سابقاً لمواضع الحكم وكيفية القضاء وماله أن يفعل وما عليه أن يترك، ولهذا المعنى قدمنا الكلام على ما ذكرناه وقدمنا النكول على الإيمان، لأن اليمين يترتب على بذل الحالف والنكول سكوت عن الجواب وهو الأصل فلهذا قدمنا ذلك.
الآثار المروية في النكول
١٢٨٩ - اعلم أن النكول والحكم به ليس فيه نص من كتاب ولا سنة، وإنما هو أمر فعله الصحابة والتابعون ﵃.
١٢٩٠ - واجمع أهل العلم على أنه له حكماً يتعين به القضاء، وسنبين ذلك في بابه في كيفية القضاء.
١٢٩١ - والذي روى في ذلك من الآثار عن الصحابة ومن في عصرهم من التابعين ممن لم ينقرض العصر ألا وهم من أهل الاجتهاد ويعد خلافهم معهم.
١٢٩٢ - ذكر الخصاف عن ابن أبي مليكه عن ابن عباس ﵀ أنه أمره أن يستحلف امرأة فأبت أن تحلف فألزمها ذلك.
١٢٩٣ - وروى عن سالم أن ابن عمر باع غلاماً بثمانمائة درهم فوجد به المشتري عيباً فخاصمه إلى عثمان ﵁ فقال:
-
стр. 268
بعثه بالبراءة.
فقال:
- احلف لقد بعته وما به عيب تعلمه.
قال:
- بعته بالبراءة، وأبى أن يحلف.
فرده عثمان عليه.
١٢٩٤ - وروى الحرث قال:
- نكل رجل عند شريح عن اليمين فقضى عليه، فقال الرجل:
- أنا أحلف.
فقال:
- قد قضى قضائي.
١٢٩٥ - وروى عن مغيرة وابن شبرمة أنهما قالا:
- اشترى عبد الله غلاماً لامرأة فلما ذهب إلى منزلة حم الغلام، فجاء الغلام فخاصم إلى الشعبي فقال لعبد الله.
- بينتك على أن لك ذلك؟
قال:
- ليس لي بينة.
فقال الرجل:
- احلف أنه لم يبعه.
فقال الرجل:
- أنا أرد على عبد الله.
فقضى الشعبي باليمين.
فقال:
- إما أن تحلف وإما أن أرد عليك الغلام.
стр. 269
١٢٩٦ - فهذا ما روي فيه عن الصحابة والتابعين.
١٢٩٧ - وقضاء الصحابة والأئمة منتشر في الأمة، ولو كان ذلك لا يجوز لا نكروه.
١٢٩٨ - وقد أجمع الفقهاء جميعاً على أنه بعد النكول على قولين:
منهم من يرد اليمين فيحلف المدعى ويأخذ الحق.
ومنهم من قال يأخذ الحق ولا يمين عليه، ولو أن للنكول حكماً ليس لغيره لما جاز الحكم بيمين المدعى، ولهذا لو حلف ابتداء لما استحق الحق.
١٢٩٩ - وسنذكر في باب رد اليمين ما قيل في ذلك.
١٣٠٠ - فإذا عرفت أن النكول هو طريق إلى الحكم وجب أن نذكر الموضع الذي يقضي فيه بالنكول.
باب الموضع الذي يقضى فيه بالنكول
وهذا باب الموضع الذي يقضي فيه بالنكول وما لا يقضى فيه، وما قيل في ذلك.
تكييف النكول
١٣٠١ - اعلم أن عمدة الباب أن النكول عند أبي حنيفة ﵀ يقوم مقام البذل فكل ما يصح بذله يجوز أن يحكم فيه بالنكول.
وكل موضع لا يصح بذله لا يحكم فيه بنكول.
١٣٠٢ - وقال أبو يوسف ومحمد: هو بمنزلة الإقرار، فما يصح بإقراره يجوز أن يحكم فيه بنكوله.
١٣٠٣ - وهو فرع على توجيه اليمين عند أبي حنيفة، فما لا يمين فيه لا يقضي فيه بالنكول.
١٣٠٤ - والذي لا يمين فيه عنده: الحدود وهي الزنا والسرقة وشرب الخمر والقذف وقطع الطريق، والنكاح والرجعة والفيء والإيلاء والولاء والنسب والرق.
١٣٠٥ - وقال أبو يوسف وزفر: يستخلف في كل شيء إلا في الحدود خاصة.
стр. 270
١٣٠٦ - وهو قول محمد.
١٣٠٧ - فالنكول يقضي به عند أبي حنيفة في الأموال كلها والطلاق والعتاق وما يصح بذله وكل الحقوق عنده سواء إلا القود والقصاص فإنه إذا ادعى القود في النفس فنكل عن اليمين فأبو حنيفة يحبسه حتى يقر أو يحلف، ويقضي بالنكول فيما دون النفس.
١٣٠٨ - وقال أبو يوسف ومحمد يقضي في النفس وفيما دونها بالأروش والديات لا بالقصاص.
١٣٠٩ - فأبو حنيفة لا يقضي في النفس بقصاص ولا دية، وهما يقضيان بالدية دون القصاص، وفي الطرف يقضي أبو حنيفة بالقصاص وهما بالديات.
١٣١٠ - وقال زفر: النفس وما دونها سواء ويقضي في الجميع بالنكول إذا نكل اقتص كما يقضي بالمال.
١٣١١ - وقال الشافعي ومالك: لا يقضي بالنكول في شيء، ويرد اليمين فإن حلف المدعى قضى له بالحق.
١٣١٢ - هذا في كل موضع يدعى الحق ودين ويرد فيه اليمين إلا في مواضع منها إنهم قالوا إذا ادعى حق لميت ورثة المسلمون فأنكر ذلك ونكل عن اليمين فقال الأصطخري يقضي بالنكول لأنه لا يمكن رد اليمين على المسلمين ولا على القاضي فيقضي للضرورة.
١٣١٣ - وقال غيره من أصحابه يحبس المدعى عليه حتى يقر أو يحلف ولا يقضي بالنكول.
١٣١٤ - وقضى في إثبات لعان الزوج بالحد عليه، وفي نكول المرأة بالحد والرجم إن كانت قد دخل بها.
١٣١٥ - وفي القسامة بنكول المدعين
١٣١٦ - وفي الزكاة إذا حلف العامل أنه قد فرقها فنكل.
١٣١٧ - وكذلك إذا أراد اليمين فنكل المدعى عنها يسقط حقه ولا يجوز له بعد ذلك أن يحلف كما قلناه نحن وتفريعه في رد اليمين سنذكره في بابه إن شاء الله.
стр. 271
١٣١٨ - فهذه المواضع التي يقضي فيها والتي لا يقضي فيها.
١٣١٩ - وإذ قد ذكرنا مواضع القضاء والمواضع التي لا يقضي فيها وجب ذكر كيفية القضاء [بالنكول].
باب كيفية القضاء بالنكول
وهذا باب كيفية القضاء بالنكول.
صيغة القضاء بالنكول
١٣٢٠ - قال أصحابنا: وإذا ادعى رجل حقاً على رجل وحضر عند الحاكم ولا بينة له وطلب اليمين بعد توجهها نحوه فامتنع عن اليمين فإن القاضي يقول:
- احلف على ذلك بالله ماله ما يدعى عليك من الحق.
يكرر ذلك ثلاث مرات.
فإن لم يحلف ألزمه الحق وحكم عليه.
١٣٢١ - ومن أصحابنا من قال:
يقول القاضي له:
- إني أعرض عليك اليمين. ثلاث مرات فإن حلفت وإلا ألزمتك دعوى خصمك بنكولك عن اليمين وامتناعك عنها، انحلف بالله على ما أنكرت من دعوى خصمك ويعقد واحداً بيده، أتحلف بالله على ما أنكرت من دعوى خصمك ثانية، ويعقد اثنين، أتحلف بالله على ما أنكرت من دعوى خصمك. ثلاثاً ويعقد ثلاثاً، ثم يعلمه أنه قد ألزمه ما أدعاه خصمه ثم لا يقبل يمينه بعد ذلك ولا ينفعه اليمين بها. كذا قال الطحاوي في آداب القضاء الصغير له.
الحلف بعد العرض وقبل القضاء
١٣٢٢ - وقال الخصاف: إذا حلف بعد العرض عليه قبل القضاء جاز ذلك ولم يكن له أن يقضي عليه بالنكول.
اقتران النكول بالقضاء
١٣٢٣ - وهذا إنما ذكرناه لأنه بعد النكول يحتاج إلى القضاء، ولا يلزم
стр. 272
الحق بالنكول حتى ينضم إليه القضاء كما لا يلزم الحق بالشهود حتى ينضم إلى الشهادة حكم الحاكم بها فيلزم حينئذ الحق.
١٣٢٤ - وقد كان أبو حنيفة يقول: النكول مرة واحدة إنه إذا نكل عن اليمين وأبى أن يحلف لزمته دعوى المدعى من غير أن يعرض عليه، لما ذكره أبو موسى الضرير في مختصره.
استئناف العرض
١٣٢٥ - وقاله الطحاوي في أدبه عن بعض أصحابنا ومن نكل عن اليمين مرة أو مرتين ثم سأل المدعى أن يؤخره يوماً أو يومين لينظر في أمره ثم أحضره بعد فإن القاضي يستأنف العرض عليه ولا يعتمد بما مضى من العرض.
امتناع المدعي عليه عن الإقرار والإنكار
١٣٢٦ - قال أصحابنا وإذا قال المدعى عليه لا أقر ولا أنكر أودعه القاضي في حبسه حتى يقر أو ينكر.
١٣٢٧ - وقال الشافعي يقول له القاضي:
- إن أجبت وإلا جعلتك ناكلاً.
١٣٢٨ - ويستحب أن يقول له ذلك ثلاثاً فإن لم يجب جعله ناكلاً وحلف المدعى وقضى له، قال لأنه لا يخلو إذا أجاب أن يقر أو ينكر، فإن أقر فقد قضى عليه بما يجب على المقر وإذا أنكر فقد وصل إنكاره بالنكول عن اليمين فقضينا بما يجب إنكاره.
١٣٢٩ - وهذا التقسيم لا يصح لأنه يحتمل أن يقر ببعض الحق وينكر البعض فلا يكون قد قضى عليه بإقرار ولا إنكار فما قال أصحابنا أولى.
стр. 273
فصل
دعوى المدعي عليه وجود حساب بينه وبين المدعي
١٣٣٠ - وإن قال بيني وبينه حساب أو مناظرة قال له القاضي: ذلك إليه.
١٣٣١ - وقال الشافعي يؤخره ثلاثة أيام لأنها مدة قريبة، وإن لم يذكر عدداً جعله ناكلاً وحول اليمين.
فصل
دعوى المدعي عليه أن المدعي كان قد استحلفه
١٣٣٢ - فإن قال قد استحلفني على هذه الدعوى، فإن كان القاضي يحفظ ذلك لم يستحلفه وإن كان لا يحفظ استحلفه.
١٣٣٣ - وإن قال: قد أحلفني عند رجل من الرعية، احلفه القاضي، إذا سأل، ولم يمنع من ذلك ما استخلفه غيره.
طلب الخصم اليمين
١٣٣٤ - وكذلك إذا حلفه القاضي قبل طلب الخصم اليمين لم يعتد بيمينه على ذلك.
فصل
طلب المدعي عليه التأجيل مع إقراره
١٣٣٥ - وإن أقر بما ادعى عليه وسأل الخصم أن يؤجله شفع القاضي له إذا سأله، وليس ذلك بواجب على القاضي لما روى ابن عباس ﵀ عن النبي ﷺ أن رجلاً رفع إليه غريماً له فسأله الغريم أن ينظره شهراً، فقال له ﵇: انظره فأبى فتحمل عنه.
١٣٣٦ - وإن سكت فلم يتكلم المدعى عليه بعد الدعوى لم يعجل الحاكم عليه واستكشف عن أمره وهل به صم أو خرس، فإذا اتضح له حاله وأنه لا آفه به عرض عليه اليمين ثلاثاً وقضى عيه بنكوله.
стр. 274
١٣٣٧ - هكذا ذكر المسألة الخصاف إذا لم يقر ولم يتكلم.
١٣٣٨ - وقد ذكرنا أنه إذا قال: لا أقر ولا أنكر يحبسه، وإن الطحاوي روى ذلك، وهذا خلاف رواية الخصاف (وقول) الخصاف يوافق مذهب الشافعي في رد اليمين.
١٣٣٩ - والصحيح عندنا ما قاله الطحاوي في ذلك لما ذكرناه من الوجه فيه، ولأن البينة لا تسمع عليه في هذه الحال عندنا حتى يحصل الإنكار الذي هو شرط سماعها فكذلك الحكم بالنكول.
١٣٤٠ - وإذ قد ذكرنا حكم النكول وموضع الحكم به وكيفيته، وجب أن نذكر اليمين وصفتها ومواضع وجوبها، وسقوطها، وما يثبت من حكمها ومالا يثبت.
باب اليمين
وهذا باب اليمين وما يجب في معرفتها وشروطها.
١٣٤١ - اعلم أن اليمين وضعت لقطع الخصام كما وضعت البينة لذلك.
١٣٤٢ - وقد بين النبي ﷺ موضعها، روى ابن عباس أنه ﵇ قضى باليمين على المدعى عليه، وروى عن النبي ﵇ أنه قضى باليمين على المطلوب، وروى عن عبد الله بن مسعود (عن النبي) أنه قال:
- من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها مال رجل مسلم لقيى الله وهو
стр. 275
عليه غضبان، وتلا الآية فقال الأشعث: في والله نزلت كان بيني وبين رجل من اليهود ارض فجحدتى فقدمته إلى النبي ﷺ فقال:
- الك بينة.
- فقلت: لا
فقال: لليهودي: احلف
فقلت: يا رسول الله إذا يحلف فيذهب بمالي فأنزل الله "الذين يشترون بعهد الله" الآية.
١٣٤٣ - وقد روى عبد الله بن عوف أن النبي ﷺ أمر منادياً فنادى حتى بلغ إليه:
- لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين وإن اليمين على المدعى عليه.
١٣٤٤ - وقال سعيد بن المسيب:
стр. 276
مضت السنة أن اليمين على المدعى عليه وفي ذلك إجماع الصحابة والفقهاء ﵃، إن المدعى إذا لم يجد بينة على ما يدعى أن اليمين على المدعى عليه إلا في مواضع نذكرها اختلفوا فيها، وإن الخصومة ترتفع حتى يجد ما يوجب الحق كما أن البينة تقطع الخصومة.
١٣٤٥ - واليمين ليست عندنا بينة ولا تجرى مجرى البينة في إثبات الحقوق، وإنما وضعت لدفع الدعوى، فإذا ثبت أنها معمول بها، وهي طريق إلى قطع الخصومة وأحد أسباب القاضي التي يستوفيها وجب ذكر صفة اليمين.
باب صفة اليمين
وهذا باب صفة اليمين وكيف يحلف القاضي.
١٣٤٦ - أعلم أن الناس اختلفوا في تأكيد اليمين وألفاظها.
١٣٤٧ - فالذي روى في خبر ابن ركانة أن النبي ﷺ حلفه حين طلق
стр. 277
البثة، والله ما أردت إلا واحدة، فقال: والله ما أردت إلا واحدة فرد عليه زوجته ولم يؤكد اليمين بصفة ولا جمع بين اسمين، فإن رأى الحاكم فعل مثل هذا فهو يمين يقطع الخصومة.
١٣٤٨ - ولا خلاف أن رجلاً لو قال: والله لا دخلت الدار ثم دخلها حنث ووجب عليه الكفارة بالحلف باسم الله وحده.
١٣٤٩ - وكذلك كل اسم لله تعالى مثل الرحمن الرحيم والقادر والغالب وسائر أسمائه تعالى في ذلك سواء.
١٣٥٠ - ومن أصحابنا من قال: نحلفه فنقول للخصم:
قل والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الطالب المدرك الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، ما لفلان هذا عليك ولا قبلك هذا المال الذي ادعاه، وهو كذا، ولا شيء منه إذا كانت الدعوى في المال.
١٣٥١ - وسنبين في كل كتاب كيف يحلف على دعواه إن شاء الله.
١٣٥٢ - هكذا قال الخصاف. وقال الطحاوي: يضم إلى الطالب الغالب وأسقط المدرك، وقال الذي يعلم السر والعلانية، هكذا ذكر في المختصر.
١٣٥٣ - ويضم في يمين اليهودي: بالله الذي أنزل التوراة على موسى والنصارى بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، والمجوسي بالله الذي خلق النار وباقي الناس بالله.
فصل
(عظة القاضي الخصم قبل الاستحلاف)
١٣٥٤ - وإذا أراد الاستحلاف فينبغي للقاضي أن يعظ الخصم، ويقرأ عليه: ﴿الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ الآية والخبر الذي رويناه عن ابن مسعود في الباب الأول.
١٣٥٥ - وينبغي أن تكون اليمين على نسق دعوى المدعي.
стр. 278
١٣٥٦ - ويجب أن يتبع الحالف لفظ القاضي على الخفض دون الرفع والنصب ويحتفظ ما يدعى المدعى وما يستحلف المدعى عليه، حتى تكون اليمين على نسق واحد، وإن قطعها الحالف أعادها عليه حتى يأتي بها بلا قطع ولا استثناء حتى تكون اليمين موصولة.
١٣٥٧ - وإذا مضى في اليمين فسأل المدعى القاضي قطعها، وقال حسبي أنا أو حسبي أخلافه لم يتممها عليه.
فصل
(تغليظ اليمين)
١٣٥٨ - ولا تغلظ اليمين عندنا بالمكان ولا الزمان.
١٣٥٩ - وقال الشافعي: إذا كانت في دم أو مال عظيم يحنث فيه لو حلف في مكة بين المقام والحجر، وفي المدينة على المنبر، وفي سائر البلاد في الجامع على المنبر بعد العصر.
١٣٦٠ - قال أصحابنا: ولا يبعث اليهود إلى الكنيسة ولا النصارى إلى البيعة ولا المجوس إلى بيت النار ليقسموا هناك.
١٣٦١ - وقال الشافعي: يستحلفكم في مواضع عباداتهم وهذا لا يجوز لأن ذلك تعظيم لبيوتهم وهذا لا يجوز عندنا.
١٣٦٢ - ولا يستقبل به القبلة ولا يدخله المسجد وحيث ما حلف الخصم جاز لأن الأرض لله جميعاً، وهو بكل مكان تعالى.
١٣٦٣ - وإذا قد ذكرنا صفة اليمين وعلى من تجب [فلنذكر ما لا تجب فيه].
باب ما يجب فيه اليمين
وهذا باب ما لا يجب فيه يمين، ولا يحلف القاضي فيه.
стр. 279
١٣٦٤ - اتفق أصحابنا جميعاً أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن ابن زياد وسائر أصحابنا على أن الحدود كلها لا يستحلف فيها ولا يجب فيها يمين على من أدعيت عليه، إلا السرقة إن أدعا مالاً أخذه فإنهم يحلفون عليه فإن نكل عن اليمين لزمه المال ولا قطع عليه عندهم جميعاً لأن القطع لا يثبت بالنكول.
١٣٦٥ - وقد حكينا فيما تقدم أن أبا حنيفة لا يستحلف في النكاح، والرجعة، والولاء والرق والفيء في مدة الإيلاء، والنسب، وإن باقي أصحابنا يختلفون في ذلك كله، وإن النكول بذل عند أبي حنيفة وعند سائر أصحابنا يقوم مقام الإقرار، ولو قام مقام الإقرار لكان ينبغي أن يثبت في الحدود لأنها تثبت بالإقرار.
فصل
اليمين في النسب
١٣٦٦ - واختلف أصحابنا في الموضع الذي يثبت فيه اليمين في النسب: فمنهم من قال يثبت في كل موضع لو أقر به لزمه وثبت النسب منه كالابن والأب، وإن كان لا يثبت بقوله لم يثبت الاستحلاف إلا أن يدعى مالاً في يد المدعى عليه أو قبله لا يثبت المال إلا أن يستحلف على نسبه كالميراث والنفقة، فإن نكل عن اليمين شاركه في المال الذي في يديه كالأخ مع الأخ ولا يثبت النسب.
لا يمين فيما لا تقبل إقراره به
١٣٦٧ - قال أصحابنا: ولو ادعى رجل على آخر أنه وصى لفلان، وقد مات أو وكيل له وإن على فلان مالاً له فأنكر ذلك فلا يمين عليه إذا لم يكن وارثاً لأنه لو أقر لم يقبل منه.
١٣٦٨ - ولو ادعى رجلان عبداً في يد آخر أنهما اشترياه منه فأقر لأحدهما بالشراء وأنكر الآخر وطلب يمينه لم يحلفه القاضي، لأنه لو أقر لما قبل.
١٣٦٩ - وكذلك لو نكل عن اليمين لأحدهما فقضى له وطلب الآخر اليمين لم يحلف.
١٣٧٠ - وكذلك المرأة يدعيها رجلان فتقر لأحدهما فهي للأول والأصل
стр. 280
في هذا الباب أن كل ما لا يقبل إقراره لو اقر به لم يستحلف عليه كالهبة والصدقة وغير ذلك فإنه لا يحلفه للآخر.
١٣٧١ - وقالوا: لو ادعى أحدهما الشراء والآخر الرهن أو الإجارة فأقر بالرهن والإجارة وطلب المشتري تحليفه فإنه يحلفه، وإن أقر بالشراء فالمشتري بالخيار إن شاء صبر حتى يفتكه من الرهن أو تمضي المدة في الإجارة ويأخذ وإن شاء نقض البيع.
١٣٧٢ - ولو أقر لصاحب الشراء أولاً فطلب المدعى للرهن والإجارة يمينه لم يستحلف له لأنه لو أقر لما قبل منه.
١٣٧٣ - قال: ولو ادعى كل واحد الإجارة فأقر لأحدهما لم يستحلف الآخر، وإن أقر لهما جميعاً فهما بالخيار على قول من يجيز إجارة المشاع.
١٣٧٤ - وقال لو أن رجلاً ادعى على آخر أنه اشترى الدال التي في موضع كذا، وحددها بألف درهم وأنه شفيعها بدار له تلاصقها، فقال المدعى عليه هذه الدار في يدي لابني الطفل فقد لزمه إقراره لابنه بالدار، فإن قال المدعى حلفه لي إني ما أنا شفعيها، فإنه أراد بهذا الإقرار دفعي عن حقي فإنه لا يمين عليه لأنه لو أقر بالشراء بعد ذلك لم يقبل، وهو خصم عن ابنه، فإن أقام المدعى بينة بالشراء فالأب خصم ويقضي عليه.
١٣٧٥ - وقالوا: لو ادعى رجل على آخر أنه شريك له في الوصية إليه من فلان وطلب منه اليمين فلا يمين عليه ولا يسأله القاضي عن ذلك لأنه لو أقر ما جاز ذلك، وإن احضر بينة سمعها وجعله وصياً معه.
١٣٧٦ - وهذه مواضع لا يستحلف فيها وكل ما يرد من هذا الجنس فهو مثله.
١٣٧٧ - فأما ما يجب فيه اليمين فهو أكثر من أن يحصى في هذا الكتاب، وإذ نحن ذكرنا الدعاوى في المسائل من الكتب جاءت المسائل مشروحة في مواضعها إن شاء الله.
١٣٧٨ - ونحن نذكر ما يجب فيه اليمين على الجملة على البتات والعلم.
стр. 281
باب ما يجب فيه اليمين على البت
وما يجب على العلم والفرق بينهما
١٣٧٩ - وأصل هذا الباب أن كل حق ادعى على الإنسان أنه فعله أو عقده أو أعطاه أو أخذه فاليمين فيه على البت والقطع.
١٣٨٠ - وكل ما ادعى على غيره أو بسبب غيره فهو على العلم.
١٣٨١ - هذا قول أصحابنا.
١٣٨٢ - وكان شريح يحلف على البت والقطع فيما يدعى على المدعى عليه من دين.
فإن حلف وإلا أخذه به.
١٣٨٣ - وقال إذا كان لأبيك على إنسان دين يدعيه ويقيم بينة فإن حلف المدعى مع بينته وإلا لم يعطه.
١٣٨٤ - وقال إبراهيم [النخعي] يستحلف في هذا على العلم مثل قول أصحابنا.
وبقولنا قول الشافعي في هذا الباب.
١٣٨٥ - قال أصحابنا: وإذا ادعى رجل على آخر إن أباه مات وله عليه ألف درهم فإن أقر بموته سأل عن الدين، فإن أنكر الدين حلفه: ما تعلم لهذا على أبيك هذا المال ولا شيئاً منه.
١٣٨٦ - وإن قال لم يصل إلى من مال أبى شيء وأدعى على أنه وصل إليه ما ادعاه وزيادة فإنه يحلف على أنه ما وصل إليك شيء من مال أبيك.
١٣٨٧ - ولو قال المدعى عليه ليس على يمين لأنه لم يصل إلى شيء لم يقبل منه ويحلفه على علمه ما يعلم أن أحداً على أبيك المال الذي يدعى ولا شيء منه "لأن المدعى" يثبت المال على الميت ويتبع تركته في يد من هي.
стр. 282
١٣٨٨ - وإن ادعى على الوارث حقاً سماه وأنه على الميت أو على وصية، فإن الوارث يستحلف على علمه.
١٣٨٩ - وكذلك إذا ادعى الشراء على البائع قبله حلف على العلم أنه لا يعلم أنه اشترى مالاً ادعاه قبله.
١٣٩٠ - وإن عرض بذكر أقاله أورد بعيب حلف أنه ما يعلم أن هذا الشيء شرى لهذا من فلان قبل أن تشتريه أنت.
١٣٩١ - وإن ادعى رجل على آخر أن عبده أتلف مالاً أو جنى جناية في نفس أو دونها خطأ فإن المولى يحلف على علمه، وإن كان قتل عمد لم يكن على المولى يمين، لأنه لا يقبل قوله على العبد.
١٣٩٢ - وكذلك إذا ادعى الرجل على غيره أنه دفع إلى وكيله ما يجب أو ما عليه، حلف الموكل على العلم.
١٣٩٣ - وإن ادعى الشراء منه أو البيع أو الإجارة، وأطلق فاليمين على البت.
١٣٩٤ - وإن ادعى رجل على رجل داراً في يديه فقال المدعى عليه: هذه الدار ورثتها من أبي والمدعى يقول: وصلت إليك من غير إرث فإنه يحلف على البت ولا يقبل قوله في الإرث.
١٣٩٥ - وإن قال المدعى عليه للقاضي أحلف المدعى أنها ما وصلت إلى من ميراث أبي حلف على العلم، فإذا حلف المدعى له على علمه أحلف الوارث على البتات، ولو امتنع المدعى من اليمين حلف الوارث على علمه.
١٣٩٦ - وإن ادعى رجل على آخر أن أباه قد مات وله عليه كذا فقال المدعى عليه: قد مات أبي ولهذا عليه ما ذكر، فقال المدعى قد ترك مالاً سماه، مثل ما أقر له به أو أكثر، فقال المدعى عليه ترك أبي هذا المال وهو لأخوتي وهم اثنان أو ثلاثة كبار أو بعضهم صغير وبعضهم كبير فإن القاضي يجعل الألف كلها للغريم، ولا يقبل قول الابن أن هؤلاء أخوته بعد ما ثبت الدين على الميت، إذا كانوا لا يعرفون إلا بقوله، وإن كانوا يعرفون لم يقبل إقراره إلا بحصته خاصة.
стр. 283
١٣٩٧ - وكل ما على هذا الجنس فعلى هذا الأصل. إذا كانت الدعوى على الغير فليمين على العلم، وإن كانت على الخصم فهي على البت.
١٣٩٨ - وإذ قد ذكرنا حكم اليمين على المدعى عليه فقد بقى أن نذكر ردها على المدعى
باب رد اليمين على المدعي
من قال ترد اليمين ومن قال لا ترد على المدعى.
١٣٩٩ - اتفق الفقهاء في سائر الأعصار على العمل بما روى عن النبي ﷺ من قوله البينة على المدعى واليمين على المدعي عليه، فجمع في هذا الخبر جميع البينات وجميع الأيمان فلا يجوز أن [توجه] يمين في جانب المدعى.
١٤٠٠ - وليس في رد اليمين سنة ثابتة تلقتها الأمة بالقبول، وإنما في ذلك خلاف بين الصحابة والتابعين والفقهاء.
خلاف الفقه في تحويل اليمين
١٤٠١ - فالذي ذهب إليه أصحابنا أن اليمين لا تحول عن الموضع الذي وضعها رسول الله ﷺ وهو قول ابن عباس والحكم وإبراهيم.
١٤٠٢ - وقال مالك: إذا نكل المدعى عليه عن اليمين لم يقض عليه القاضي حتى يكلف المدعى، ولا يستحلف القاضي المدعى حتى يرد المدعى عليه اليمين على المدعى.
١٤٠٣ - وقال الشافعي إذا نكل المدعى عليه حلف المدعى فإن حلف استحق وإن أبى لم يستحق.
١٤٠٤ - فإن قال المدعى عليه: أنا أحلف قبل أن يستحلف المدعى، قال ليس له ذلك لأنه قد أبطل اليمين عنه حيث جعلها على المدعي.
стр. 284
قضية بين عثمان والمقداد بن الأسود
١٤٠٥ - وقد روى الشعبي أن المقداد بن الأسود استسلف من عثمان بن عفان ﵁ سبعة آلاف درهم فأتاه بأربعة آلاف درهم، فقال عثمان: كانت سبعة آلاف، قال المقداد ما كانت إلا أربعة، فارتفعا إلى عمر بن الخطاب ﵁ وذلك في خلافته فقال المقداد: يا أمير المؤمنين ليحلف أنها كما يقول وليأخذها.
فقال عمر: قد أنصفك أحلف كما تقوم وخذها.
فقال عثمان: لا أحلف.
فقال (عمر بن الخطاب): فأما الآن فخذ ما أعطاك.
قال فأخذها.
فلما قام المقداد قال عثمان:
стр. 285
والله إن كانت لسبعة آلاف فقال عمر: فما منعك أن تحلف وقد جعل ذلك إليك، والله أن هذه السماء وأن هذه الأرض، وأن هذه الشمس وأن هذا النهار.
فقال عثمان: خشية أن يوافق قدر بلا فيقال يمينه [كذا].
(من كان يرد اليمين)
١٤٠٦ - وكان شريح يرد اليمين وكذلك الشعبي ويحيى بن سعيد وعمر ابن عبد العزيز وعبد الله بن عتبة.
فصل
قول الشافعي في النكول
١٤٠٧ - واختلف قول الشافعي في نكول المدعى عليه مع يمين المدعى.
فقال في أحد القولين هما بمنزلة البينة لأنه حجة المدعى، وقال في القول الآخر بمنزلة الإقرار لأن النكول صار من جهة المدعى عليه واليمين ترتبت عليه فصار كإقراره.
١٤٠٨ - فإن نكل المدعى عن اليمين سأل عن سبب نكوله، وفرق بين المدعى عليه وبينه حين لم يسأله لأن نكول المدعى عليه أوجب للمدعى حقاً في رد اليمين والقضاء له، فلم يجز سؤال المدعى عليه، وبنكول المدعى لا يجب لغيره حق يسقط بسؤاله، فإن ذكر سبب أو خيار فهو على حقه من اليمين ولا يضيق عليه في المدة وترك ما تارك.
١٤٠٩ - وفي المدعى عليه قدر ثلاثة أيام، فإن قال منعني أبي لا أختار أن أحلف (كذا) حكم بنكوله وسقط حقه، وإن بذل اليمين بعد النكول لم يقبل في هذه الدعوى لأنه أسقط حقه فيها.
فصل
١٤١٠ - قال:
وإن كان للمدعى شاهد واحد واختار أن يحلف المدعى عليه جاز، وينتقل اليمين إلى جانب المدعى عليه.
١٤١١ - وإن أراد أن يحلف مع شاهده لم يكن له أن يحلف في هذا المجلس، لأن اليمين انتقلت عنه إلى جانب غيره فلم تعد إليه.
следующие страницы →