Полный текст (1 505 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
باب ما يجب فيه اليمين على البت
وما يجب على العلم والفرق بينهما
١٣٧٩ - وأصل هذا الباب أن كل حق ادعى على الإنسان أنه فعله أو عقده أو أعطاه أو أخذه فاليمين فيه على البت والقطع.
١٣٨٠ - وكل ما ادعى على غيره أو بسبب غيره فهو على العلم.
١٣٨١ - هذا قول أصحابنا.
١٣٨٢ - وكان شريح يحلف على البت والقطع فيما يدعى على المدعى عليه من دين.
فإن حلف وإلا أخذه به.
١٣٨٣ - وقال إذا كان لأبيك على إنسان دين يدعيه ويقيم بينة فإن حلف المدعى مع بينته وإلا لم يعطه.
١٣٨٤ - وقال إبراهيم [النخعي] يستحلف في هذا على العلم مثل قول أصحابنا.
وبقولنا قول الشافعي في هذا الباب.
١٣٨٥ - قال أصحابنا: وإذا ادعى رجل على آخر إن أباه مات وله عليه ألف درهم فإن أقر بموته سأل عن الدين، فإن أنكر الدين حلفه: ما تعلم لهذا على أبيك هذا المال ولا شيئاً منه.
١٣٨٦ - وإن قال لم يصل إلى من مال أبى شيء وأدعى على أنه وصل إليه ما ادعاه وزيادة فإنه يحلف على أنه ما وصل إليك شيء من مال أبيك.
١٣٨٧ - ولو قال المدعى عليه ليس على يمين لأنه لم يصل إلى شيء لم يقبل منه ويحلفه على علمه ما يعلم أن أحداً على أبيك المال الذي يدعى ولا شيء منه "لأن المدعى" يثبت المال على الميت ويتبع تركته في يد من هي.
стр. 282
١٣٨٨ - وإن ادعى على الوارث حقاً سماه وأنه على الميت أو على وصية، فإن الوارث يستحلف على علمه.
١٣٨٩ - وكذلك إذا ادعى الشراء على البائع قبله حلف على العلم أنه لا يعلم أنه اشترى مالاً ادعاه قبله.
١٣٩٠ - وإن عرض بذكر أقاله أورد بعيب حلف أنه ما يعلم أن هذا الشيء شرى لهذا من فلان قبل أن تشتريه أنت.
١٣٩١ - وإن ادعى رجل على آخر أن عبده أتلف مالاً أو جنى جناية في نفس أو دونها خطأ فإن المولى يحلف على علمه، وإن كان قتل عمد لم يكن على المولى يمين، لأنه لا يقبل قوله على العبد.
١٣٩٢ - وكذلك إذا ادعى الرجل على غيره أنه دفع إلى وكيله ما يجب أو ما عليه، حلف الموكل على العلم.
١٣٩٣ - وإن ادعى الشراء منه أو البيع أو الإجارة، وأطلق فاليمين على البت.
١٣٩٤ - وإن ادعى رجل على رجل داراً في يديه فقال المدعى عليه: هذه الدار ورثتها من أبي والمدعى يقول: وصلت إليك من غير إرث فإنه يحلف على البت ولا يقبل قوله في الإرث.
١٣٩٥ - وإن قال المدعى عليه للقاضي أحلف المدعى أنها ما وصلت إلى من ميراث أبي حلف على العلم، فإذا حلف المدعى له على علمه أحلف الوارث على البتات، ولو امتنع المدعى من اليمين حلف الوارث على علمه.
١٣٩٦ - وإن ادعى رجل على آخر أن أباه قد مات وله عليه كذا فقال المدعى عليه: قد مات أبي ولهذا عليه ما ذكر، فقال المدعى قد ترك مالاً سماه، مثل ما أقر له به أو أكثر، فقال المدعى عليه ترك أبي هذا المال وهو لأخوتي وهم اثنان أو ثلاثة كبار أو بعضهم صغير وبعضهم كبير فإن القاضي يجعل الألف كلها للغريم، ولا يقبل قول الابن أن هؤلاء أخوته بعد ما ثبت الدين على الميت، إذا كانوا لا يعرفون إلا بقوله، وإن كانوا يعرفون لم يقبل إقراره إلا بحصته خاصة.
стр. 283
١٣٩٧ - وكل ما على هذا الجنس فعلى هذا الأصل. إذا كانت الدعوى على الغير فليمين على العلم، وإن كانت على الخصم فهي على البت.
١٣٩٨ - وإذ قد ذكرنا حكم اليمين على المدعى عليه فقد بقى أن نذكر ردها على المدعى
باب رد اليمين على المدعي
من قال ترد اليمين ومن قال لا ترد على المدعى.
١٣٩٩ - اتفق الفقهاء في سائر الأعصار على العمل بما روى عن النبي ﷺ من قوله البينة على المدعى واليمين على المدعي عليه، فجمع في هذا الخبر جميع البينات وجميع الأيمان فلا يجوز أن [توجه] يمين في جانب المدعى.
١٤٠٠ - وليس في رد اليمين سنة ثابتة تلقتها الأمة بالقبول، وإنما في ذلك خلاف بين الصحابة والتابعين والفقهاء.
خلاف الفقه في تحويل اليمين
١٤٠١ - فالذي ذهب إليه أصحابنا أن اليمين لا تحول عن الموضع الذي وضعها رسول الله ﷺ وهو قول ابن عباس والحكم وإبراهيم.
١٤٠٢ - وقال مالك: إذا نكل المدعى عليه عن اليمين لم يقض عليه القاضي حتى يكلف المدعى، ولا يستحلف القاضي المدعى حتى يرد المدعى عليه اليمين على المدعى.
١٤٠٣ - وقال الشافعي إذا نكل المدعى عليه حلف المدعى فإن حلف استحق وإن أبى لم يستحق.
١٤٠٤ - فإن قال المدعى عليه: أنا أحلف قبل أن يستحلف المدعى، قال ليس له ذلك لأنه قد أبطل اليمين عنه حيث جعلها على المدعي.
стр. 284
قضية بين عثمان والمقداد بن الأسود
١٤٠٥ - وقد روى الشعبي أن المقداد بن الأسود استسلف من عثمان بن عفان ﵁ سبعة آلاف درهم فأتاه بأربعة آلاف درهم، فقال عثمان: كانت سبعة آلاف، قال المقداد ما كانت إلا أربعة، فارتفعا إلى عمر بن الخطاب ﵁ وذلك في خلافته فقال المقداد: يا أمير المؤمنين ليحلف أنها كما يقول وليأخذها.
فقال عمر: قد أنصفك أحلف كما تقوم وخذها.
فقال عثمان: لا أحلف.
فقال (عمر بن الخطاب): فأما الآن فخذ ما أعطاك.
قال فأخذها.
فلما قام المقداد قال عثمان:
стр. 285
والله إن كانت لسبعة آلاف فقال عمر: فما منعك أن تحلف وقد جعل ذلك إليك، والله أن هذه السماء وأن هذه الأرض، وأن هذه الشمس وأن هذا النهار.
فقال عثمان: خشية أن يوافق قدر بلا فيقال يمينه [كذا].
(من كان يرد اليمين)
١٤٠٦ - وكان شريح يرد اليمين وكذلك الشعبي ويحيى بن سعيد وعمر ابن عبد العزيز وعبد الله بن عتبة.
فصل
قول الشافعي في النكول
١٤٠٧ - واختلف قول الشافعي في نكول المدعى عليه مع يمين المدعى.
فقال في أحد القولين هما بمنزلة البينة لأنه حجة المدعى، وقال في القول الآخر بمنزلة الإقرار لأن النكول صار من جهة المدعى عليه واليمين ترتبت عليه فصار كإقراره.
١٤٠٨ - فإن نكل المدعى عن اليمين سأل عن سبب نكوله، وفرق بين المدعى عليه وبينه حين لم يسأله لأن نكول المدعى عليه أوجب للمدعى حقاً في رد اليمين والقضاء له، فلم يجز سؤال المدعى عليه، وبنكول المدعى لا يجب لغيره حق يسقط بسؤاله، فإن ذكر سبب أو خيار فهو على حقه من اليمين ولا يضيق عليه في المدة وترك ما تارك.
١٤٠٩ - وفي المدعى عليه قدر ثلاثة أيام، فإن قال منعني أبي لا أختار أن أحلف (كذا) حكم بنكوله وسقط حقه، وإن بذل اليمين بعد النكول لم يقبل في هذه الدعوى لأنه أسقط حقه فيها.
فصل
١٤١٠ - قال:
وإن كان للمدعى شاهد واحد واختار أن يحلف المدعى عليه جاز، وينتقل اليمين إلى جانب المدعى عليه.
١٤١١ - وإن أراد أن يحلف مع شاهده لم يكن له أن يحلف في هذا المجلس، لأن اليمين انتقلت عنه إلى جانب غيره فلم تعد إليه.
стр. 286
فإن عاد في مجلس آخر، واستأنف الدعوى جاز أن يقيم الشاهد ويحلفه معه، لأن حكم الدعوى الأولى قد سقط.
١٤١٢ - قال:
وإن حلف المدعى عليه في الدعوى الأولى سقطت عنه المطالبة، وإن نكل عن اليمين له لم يقض عليه بنكوله وشاهد المدعى.
١٤١٣ - وهل يرد اليمين على المدعى ليحلف مع الشاهد؟ فيه قولان أحدهما أنها لا ترد لأنها كانت في جانبه وقد أسقطها وصارت إلى جانب غيره فلم تعد إليه كالمدعى عليه إذا نكل عن اليمين فردت على المدعى فنكل عنها فإنها لا ترد إلى المدعى عليه.
١٤١٤ - والقول الثاني أنها ترد لأنها غير الأولى لأن اليمين الأولى لا يحكم بها إلا في المال وما يقصد به المال يقضي بها في جميع الحقوق التي تسمع بها الدعوى.
١٤١٥ - قال:
وإن قلنا لا ترد حبس المدعى عليه حتى يحلف أو يقر، وإن قلنا ترد حلف مع الشاهد واستحق.
١٤١٦ - وإذا قد ذكرنا اليمين وردها فلنذكر البينة بعد اليمين ما حكمها؟
إقامة البينة بعد اليمين
١٤١٧ - اعلم أن الدعوى إذا توجهت وصحت وحصل الإنكار من الخصم فإن القاضي يسأل المدعى ألك بينة؟
فإن قال: نعم
سأله:
أحاضره هي أم غائبة؟
فإن قال:
هي حاضرة.
فإن أبا حنيفة قال:
لا استحلفه واطلب البينة
стр. 287
وقال أبو يوسف:
إذا طلب الخصم استحلافه فإنه يستحلفه لأنه ربما يتورع ويقر فيعني الخصم عن إقامة البينة وتعديل الشهود، ولا استحلفه حتى يطلب الخصم ذلك.
١٤١٨ - وهذا قول الشافعي وعن محمد مثله.
١٤١٩ - وأما إن كانت غائبة أو كانت حاضرة ورأى القاضي ذلك فحلف المدعى عليه ثم أحضره القاضي يقضي بالبينة ويبطل اليمين لما روى (أبو) سعيد الخدري عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال.
اليمين الفاجرة أحق أن ترد من البينة العادلة.
وهو قول شريح وطاووس وإبراهيم.
وبه قال الشافعي وغيره.
١٤٢٠ - وقال ابن أبي ليلى وغيره: قد مضى القضاء ولا يقضي بالبينة.
الإقرار بعد البينة
١٤٢١ - ولا خلاف أنه وأقر بعد اليمين قبل إقراره وحكم عليه فكذلك إذا قامت البينة.
١٤٢٢ - وعكس ذلك إذا أبرأه من الحق فإنه لا يقبل الأمرين.
فصل
١٤٢٣ - ولا فرق عندنا بين أن يقول:
- احلف وأنت برئ.
أو:
إذا حلفت فأنت برئ من الحق فحلف ثم قامت البينة بالحق أنه يقضي بالبينة لأن البراءة لا تقف على شرط فلا تصح البراءة إذا حلف.
فصل
١٤٢٤ - فإن قال المدعى عليه أحلفه لي أنه يستحق ما شهدت به البينة لم يحلفه لأن في ذلك طعناً في البينة العادلة، ولأنه لا يجمع عليه إقامة البينة واليمين.
١٤٢٥ - وكذا قال الشافعي أيضاً.
стр. 288
فصل
١٤٢٦ - فإن ادعى أنه أبراني من الحق أو قضيته إياه فإنه يحلفه أنه لم يبره ولم يقضه لأنه ليس في ذلك قدح في البينة، وما يدعيه محتمل فحلف عليه.
فصل
١٤٢٧ - فإن قال:
ليس لي بينة حاضرة ولا غائبة، وكل بينة تشهد لي فهي كاذبة، وطلب أحلافه فحلف ثم أقام البينة فإن أبا حنيفة قال:
احكم بالبينة.
١٤٢٨ - وإن قال:
لا بينة لي ولا شهادة لي عند فلان فيما أدعى ولا عند فلان، ثم ادعى شهادتهما، أو قال:
كل شهادة يشهدون لي بها على هذا الحق فلا حق لي بها ثم أحضر البينة حكم بها.
١٤٢٩ - هكذا روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة.
١٤٣٠ - وقال محمد:
إذا قال ليست لي بينة عليه بهذا الحق ثم أحضر بينة لم اسمعها ولو أحكم بها.
١٤٣١ - وقال أصحاب الشافعي في ذلك ثلاثة أوجه:
أحدها أنها لا تسمع لأنه كذبها بقوله.
والثاني: إنه إذا كان هو الذي استوثق بالبينة لم تسمع لأنه كذبها.
وإن كان غيره أستوثق بالبينة سمعت لأنه لم يعلم بالبينة فرجع قوله إلى ما عنده.
والثالث أنها تسمع بكل حال لأنه يجوز أن يكون ما علم، وإن علم فلعله نسي فرجع قوله لا بينة لي إلى ما يعتقده.
١٤٣٢ - وقد ذهب بعض أصحابنا إلى هذه الجملة.
стр. 289
فصل
أخذ الكفيل من المدعى عليه
١٤٣٣ - وإن قال:
- لي بينة بما ادعيه فخذ لي كفيلاً لأحضرها أخذ منه كفيلاً ثلاثة أيام إذا كان من أهل المصر.
١٤٣٤ - وقال أبو يوسف أخذ منه كفيلاً إلى وقت يمكنه التقدم فيه.
١٤٣٥ - وقال قتادة وأبو هاشم ليس عليه إقامة كفيل.
وهو قول الشعبي.
١٤٣٦ - وعن شريح أنه قال لا كفالة في حد.
١٤٣٧ - وقال بعض أصحابنا:
هذا يدل على أنهم كانوا يأخذون في غير الحد.
١٤٣٨ - وقال أبو يوسف:
وعلى أخذ الكفيل أدركنا قضاتنا يعملون.
١٤٣٩ - وقال الشافعي:
ليس له ملازمته ولا أخذ الكفيل.
١٤٤٠ - قال أصحابنا:
وإن كان الرجل مسافراً أجله إلى حين قيامه من المجلس، فإن أحضر بينة وإلا خلى سبيله.
١٤٤١ - فإن أشكل عليه هل هو مسافر أو مقيم فإن أقر الطالب أنه مسافر أجله المجلس وإن أنكر وادعى أنه مقيم عمل على ما يصح عنده من ذلك.
١٤٤٢ - وإن كانت الدعوى في حد القذف أو قصاص في النفس أو فيما دونها من طرف أو جراحة فإن أبا حنيفة قال لا كفالة في ذلك.
وقال أبو يوسف آخذه بالكفيل ثلاثة أيام، وإن أقر المطلوب أو قامت بينة حبسه ولم يأخذ كفيلاً.
١٤٤٣ - وإن كانت الجراحة يجب بها المال ولا حكم القصاص في ذلك آخذه بالكفيل.
стр. 290
فصل
١٤٤٤ - وإن شهد له عليه شاهد واحد عدل حبسه القاضي إلى أن يتم الشهادة، وإن لم يعرف الشاهد لم يحبسه.
١٤٤٥ - وقال بعض أصحاب الشافعي في ذلك قولين:
أحدهما مثل ما قلناه.
والثاني لا يحبسه.
١٤٤٦ - ومنهم من فرق وقال:
إن كان الحق مما يثبت باليمين مع الشاهد حبسه لأن الخصم يتمكن من وصوله إلى حقه بيمينه مع الشاهد.
وإن كان بخلاف ذلك لم يحبسه.
١٤٤٧ - وقال أبو يوسف ومحمد إذا شهد واحد عدل كفلناه ولم تحبسه.
١٤٤٨ - وقال أصحابنا:
وإن كانت الدعوى في حد الزنا وشرب الخمر والسكر من النبيذ وطلب الكفيل لم يؤخذ به ولم يلزمه، وكذلك حد السرقة إذا طلب القطع لم يؤخذ الكفيل وإن طلب المال أخذ.
١٤٤٩ - ويؤخذ الكفيل فيما يجب فيه التعزيز.
١٤٥٠ - وقال أبو يوسف ومحمد آخذ في دعوى القصاص الكفيل وفيما يتعلق بحقوق الناس وكذلك إذا قام الشهود ولم يعدلوا وطلب الكفيل حتى يعدلهما فله ذلك.
١٤٥١ - ويختار كفيل موثوق به وله مال.
١٤٥٢ - واختلف أصحاب الشافعي إذا طلب الخصم حبسه حتى يسأل عن البينة في الباطن.
فمنهم من قال يحبس وهو الصحيح لأن الظاهر العدالة.
والثاني وهو قول الأصطخري لا يحبس لأن الأصل براءة الذمة.
стр. 291
فصل
ملازمة الممتنع عن الكفيل
١٤٥٣ - وإن امتنع من الكفيل فله ملازمته بالنهار والليل حتى يحضر البينة.
١٤٥٤ - وقال الشافعي ليس له ملازمته، لأن النبي ﵊ قال:
- (شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك).
١٤٥٥ - وإنما قلنا له ذلك لئلا يؤدي إلى هربه فيضيع حق المدعى.
١٤٥٦ - وقد اتفق الجميع على إحضاره من البلد بقول المدعى
فصل
١٤٥٧ - فإن ادعى ما ينقل ويحول وهو في يده وطلب الكفيل بهما جميعاً فله ذلك وإن أبى أمر القاضي أن يلزمه ويلزم ذلك الشيء حتى يعطيه كفيلاً بهما.
١٤٥٨ - وقال الشافعي:
ليس له الملازمة ولا لزوم ذلك الشيء.
١٤٥٩ - وقال أصحابنا:
في العقار يأخذ كفيلاً بنفسه دون العقار.
١٤٦٠ - وإن أعطاه فيما ينقل ويحول بالشيء كفيلاً دون نفسه فله أن يلزمه حتى يعطيه كفيلاً بنفسه. وإن قال أنا أقيم وكيلاً عن نفسي جائز ما صنع على، وقد أقمت بالشيء كفيلاً قبل ذلك منه.
١٤٦١ - وإن كانت الدعوى في دين كان عليه أن يقيم كفيلاً مع الوكيل بنفسه.
١٤٦٢ - وإن قال أنا أعطيته كفيلاً بالمال والمسألة بحالها لم يقبل منه إلا برضى الخصم.
١٤٦٣ - وأما العقار إذا أعطاه وكيلاً في خصومته وأخذ من الوكيل كفيلاً بنفسه دفع العقار إلى الوكيل وأبا أن يعطيه كفيلاً بنفسه لم يجبر على ذلك.
فصل
هل يحكم بعد البينة في غيبة المدعى عليه؟
١٤٦٤ - وإذا قامت البينة بشيء من ذلك ثم غاب المدعى عليه، ولم يكن له
стр. 292
كفيل أو كان فغاب الكفيل أو غاب الوكيل وزكيت البينة وأراد المدعى من القاضي الحكم فإنه لا يقضي بشيء من ذلك.
١٤٦٥ - وهذا قول محمد بن الحسن لأنه قضاء على غائب.
١٤٦٦ - وقال أبو يوسف أنه إذا كان قد سمع البينة على الخصم أو وكيله ثم تغيب هو أو وكيله فإنه يحكم عليه وينفذ القضاء ويجعله على حجته.
١٤٦٧ - وقال الشافعي:
يقضي عليه مع الغيبة.
فصل
إثبات الوصية والوكالة
١٤٦٨ - وإن ادعى الوصية أو الوكالة من الغير وطلب الكفيل حتى يقيم البينة بالوصية والدين لمن وكله لم يجبه إلى ذلك.
١٤٦٩ - ولو كانت الوصية والوكالة ثابتة عنده وطلب الكفيل أخذ له الكفيل وأخذه ثلاثة أيام كما إذا أدعى الحق لنفسه.
١٤٧٠ - ولو شهد له بالوصية والوكالة ولم تزك البينة وطلب الكفيل، لم يكن له ذلك، إنما له ذلك إذا شهدت البينة وحكم بالوصية والوكالة وهو قول أصحابنا جميعاً.
١٤٧١ - ولو أدعى الدين والوصية في مجلس واحد وأقام بذلك شهوده فإنه تسمع بينته الوصية والوكالة، وتسمع الشهادة على الحق ويقضي به وينفذ الجميع استحساناً.
١٤٧٢ - والقياس أن لا يثبت الحق ولا بينة عليه حتى تثبت الوصية والوكالة أولاً، فإذا حكم بذلك سمع بعد ذلك الدعوى على الحق الذي يدعيه.
١٤٧٣ - وحكى الخصاف خلاف أبي حنيفة وأبي يوسف فقال:
على قول أبي حنيفة لا يقبل وعلى قول أبي يوسف يسمع على الجميع دفعة واحدة.
стр. 293
فصل
١٤٧٤ - ولو أن رجلاً أحضر رجلاً إلى الحاكم وقال له أن هذا وصي فلان أو وكيله وطلب من الحاكم أن يأخذ منه كفيلاً حتى يثبت الوصية أو الوكالة لم يجبه إلى ذلك، كذلك إن أقر بالوصية وقال ليس في يدي للميت حق فالقول قوله في ذلك، وإن طلب المدعى أن يأخذ منه كفيلاً ليثبت الحق عليه ثم يبيع مال الميت أجابه إلى ذلك.
فصل
١٤٧٥ - وإن أدعى على رجل أن أباه مات وأنه وارثه وأن أخاه مات وهو وارثه وأن على هذا الرجل حقاً لهما واريد أن آخذ منه كفيلاً حتى أقيم البينة بما ذكرت أخذ منه كفيلاً لمدة ثلاثة أيام.
١٤٧٦ - وكل حق أدعاه إنسان لنفسه وطلب الكفيل أخذ به إلا المسافر وما لا يجوز أخذ الكفيل به مما تقدم.
فصل
١٤٧٧ - ويؤخذ للرجل من المرأة والمرأة من الرجل إذا كان كل واحد يدعى النكاح على الآخر، حتى يقيم البينة أو يعدل، وكذلك إذا أدعى رق العبد أو الأمة.
فصل
١٤٧٨ - وإذا مات المطلوب بالحق أو مات الكفيل بطلت الكفالة وإن مات الطالب فالكفيل على حاله.
١٤٧٩ - وإن سلم الكفيل المكفول به إلى وصي الميت برئ وإن سلمه إلى وارثه بريء من حصة ذلك الوارث، ولمن بقي حقه من الكفالة بحاله.
стр. 294
فصل
١٤٨٠ - وإذا قدم الرجل إلى الحاكم رجلاً فأنكر فأحلفه ثم قدمه ثانية فقال المدعي عليه بجميع دعواه لم يجبره القاضي على ذلك إذا رأى ذلك وإن علم أنه بعينه أمره أن يجمع الدعوى.
فصل
١٤٨١ - وإن شهد على الرجل عند الحاكم بحق عدلان، وهو لا يعلم أن له دفع البينة فإن القاضي يقول له:
- قد شهد عليك فلان وفلان وقد ثبت عندي عدالتهما، فهل عندك ما يجرحهما؟ فإن أتى بما يوجب الجرح وقفت الشهادة.
١٤٨٢ - هذا إذا كان لا يعلم المدعى عليه ذلك، فإن كان عالماً بذلك فللحاكم أن يقول له ذلك وله أن يسكت.
١٤٨٣ - وعند أبي حنيفة الحكم ماض ما لم يطعن الخصم وقد مضت.
١٤٨٤ - وإن قال:
لي بينة بالقضاء أو الإبراء أجل ثلاثة أيام في ذلك وإلا حلف المدعى عليه أنه لم يبره ولم يقضه، وله أن يلازمه إلى أن يقيم البينة بالجرح أو القضاء لأن الحق قد ثبت في الظاهر، وكل هذا قول الشافعي أيضاً في هذا الباب.
١٤٨٥ - وإذا قد ذكرنا حكم الشهادة والنكول والإيمان وما تقدم في هذه الأبواب وجب ذكر الرجوع عن الشهادة.
стр. 295
باب الرجوع عن الشهادة
وهذا باب الرجوع عن الشهادة:
١٤٨٦ - كان الواجب أن يؤخر هذا الباب إلى بعد الفراغ من جميع ما يقضي القاضي من الحقوق غير أن في تقديمه معرفة حكم الرجوع قبل علم ما يرجع عنه، لأنه ينبغي أن يكون مضموماً إلى الشهادة لأنه يتلوها في الكتب، فلهذا قدمنا ذلك لأننا رتبنا الكتاب على غير ترتيب من تقدم في هذا العلم.
١٤٨٧ - واتفق الفقهاء على أن الشهود إذا رجعوا بعد الحكم والقضاء أنه لا يبطل القضاء.
سابقة من أقضية علي
١٤٨٨ - ونحن نفصل مسائل الرجوع في ذلك على الوفاق والخلاف.
١٤٨٩ - والأصل في هذا الباب ما روى الشعبي أن رجلين أتيا علياً ﵁ برجل فشهدا عليه أنه سرق فقطع يده، ثم جاءا بعد ذلك بآخر فقالا غلطنا في الأول إنما كان هذا الذي سرق فأبطل ﵇ شهادتهما على الآخر وضمنهما دية الأول، وقال:
لو علمت أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما.
رجوع الشهود قبل الحكم
١٤٩٠ - قال أصحابنا إذا رجع الشهود قبل الحكم بطلت الشهادة ولا يحكم بشيء. وهو قول عامة الفقهاء.
١٤٩١ - وقال أبو ثور يحكم بشهادتهما لأنهما يحتمل أن يكونا صادقين في الشهادة كاذبين في الرجوع. ويحتمل أن يكونا صادقين في الرجوع كاذبين في الشهادة فلا يحكم مع الشك كما إذا جهل عدالة الشهود.
الرجوع بعد القضاء في المال
١٤٩٢ - وإن رجعا بعد القضاء في المال غرما ما شهدا به، ولا يرد الحكم.
الرجوع قبل الاستيفاء
١٤٩٣ - وإن رجعا بعد الحكم قبل الاستيفاء فإن كان في حد أو قصاص
стр. 296
لم يجز الاستيفاء لأن هذه الحقوق تسقط بالشبهة والرجوع شبهة ظاهرة فلم يجز الاستيفاء.
١٤٩٤ - وقد كان حماد بن سليمان يقول: إن كان حال الشاهد عند الرجوع خيراً من حاله عند الشهادة فإن القضاء يبطل، ويضمنان للمقضي له مثل الحق.
١٤٩٥ - وكان أبو حنيفة يقول ذلك ثم رجع إلى أنه لا يبطل القضاء فصار أيضاً هذا شبهة في منع الاستيفاء.
١٤٩٦ - وإن كان المشهود به مالاً أو عقاراً أو ديناً فإنه يستوفى ذلك كله وعليهما الضمان، وهو ظاهر مذهب الشافعي.
١٤٩٧ - وقال أصحابه ينقض لأن الحكم غير مستقر قبل الاستيفاء وهذا لا يصح لأن الحكم نفذ والشبهة لا تؤثر فيه فجاز الاستيفاء.
стр. 297
فصل
رجوع الشهود بما يوجب القتل
١٤٩٨ - وإن شهدوا بما يوجب القتل ثم رجعوا فإنه لا يقتل واحد منهم في كل حال.
وقال الشافعي ينظر فإن قالوا تعمدنا القتل بشهادتنا وجب عليهم القود، وهو قول الحسن وإبراهيم.
١٤٩٩ - لنا أن الشهود لم يقتلوا وهم سبب يجوز أن ينفك مسببه عنه فلا يجب القود.
١٥٠٠ - وهم يقولون هما الجآه إلى قتل المشهود عليه فصارا كما لو أكرهاه.
١٥٠١ - وفرق أصحابنا بين الأمرين بأن الولي بالخيار إن شاء قتل وإن شاء لم يقل بخلاف المكره فإنه ملجأ.
١٥٠٢ - ولو كان الحاكم كالمكره لوجب القصاص على الحاكم.
١٥٠٣ - قال (أي الشافعي) وإن قالوا تعمدنا الشهادة ولم نعلم أنه يقتل، وهم يجهلون قتله وجبت عليهم دية مغلظة لما فيه من العمد ومؤجلة لما فيه من الخطأ.
١٥٠٤ - وإن قالوا أخطأنا وجبت عليهم دية مخففة لأنه خطأ لا يتحمله العاقلة لأنها وجبت باعترافهم وهذا يبين لك أنهم ليسوا في حكم المكرهين للقاضي.
стр. 298
فصل
١٥٠٥ - وإن اتفقوا على أن بعضهم تعمد وبعضهم أخطأ وجب على المخطئ قسطه من الدية المخففة وعلى المتعمد قسطه من الدية المغلظة، ولا يجب عليه القود مشاركة المخطئ له.
١٥٠٦ - وقال ربيعة:
إذا رجعوا عن القتل والقطع فعليهم العقل ولا عقوبة عليهم لأن التائب لا يعاقب مخافة أن لا ينزع أحد، وإن نزع بعضهم وأقام بعض كان العقل على من نزع.
فصل
١٥٠٧ - قال الشافعي:
وإن اختلفوا فقال بعضهم تعمدنا كلنا وقال بعضهم بل أخطأنا كلنا وجب على المقر بعمد الجميع القود، وعلى المقر بخطأ الجميع قسطه من الدية المخففة فجمع بين القود والمال في نفس واحدة.
فصل
١٥٠٨ - وإن كانوا أربعة شهود بالرجم فقال اثنان منهم عمدنا وأخطأ هذان وقال الآخران بل عمدنا وأخطأ الأولان ففيه قولان:
أحدهما أنه يجب القود على الجميع لأن كل واحد أقر بالعمد.
والثاني لا قود على أحد منهم بل يجب على كل واحد قسطه من الدية المغلظة لأنه لا يؤاخذ أحد إلا بإقراره، وكل واحد منهم أقر بعمد شاركه فيه مخطئ فلا يجب عليه القود بإقرار غيره بالعمد.
قالوا وهو الصحيح.
стр. 299
فصل
١٥٠٩ - وإن قال اثنان: تعمدنا كلنا، وقال الآخران عمنا وأخطأ الأولان، فعلى الأولين القود وفي الآخرين قولان أحدهما يجب عليهما القود والثاني وهو المذهب لا يجب، ويجب عليهما قسطهما من الدية المغلظة.
١٥١٠ - وإن قال بعضهم عمدت ولا أعلم حال الباقين، فإن قال الباقون عمدنا وجب القود على الجميع، وإن قالوا أخطأنا سقط القود على الجميع.
стр. 300
فصل
رجوع الشهود بالزنا
١٥١١ - وإذا شهد أربعة بالزنا، فإن رجعوا قبل القضاء جدوا جميعاً، وإن رجعوا بعد القضاء والاستيفاء غرموا الدية ووجب عليهم الحد.
١٥١٢ - وقال زفر: يغرمون الدية ولا أحد.
١٥١٣ - وقال ابن أبي ليلى يقتلون جميعاً والشافعي قوله تقدم.
١٥١٤ - وإن رجع واحد منهم بعد القضاء والحكم والاستيفاء فعلى الراجع ربع الدية والحد في قول الثلاثة من علمائنا. وقال زفر لأحد لأن المقذوف ميت ولا حد على الثلاثة في قولهم جميعاً.
فصل
١٥١٥ - وإن رجع قبل القضاء والإمضاء فعلى الجميع الحد الراجع ومن بقي في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. وقال زفر يحد الراجع وحده، وهو قول الشافعي.
فصل
١٥١٦ - وإن رجع بعد القضاء قبل الإمضاء حد وحد من بقى في قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر، كما لو رجع قبل القضاء.
١٥١٧ - وقال محمد يحد الراجع وحده كما بعد الإمضاء.
فصل
١٥١٨ - وإن شهد بالحد خمسة ما زاد ثم رجع ما زاد على الأربع فلا حد عليه ولا ضمان لبقاء من يثبت معه الحد من الشهود.
١٥١٩ - وكذلك قال الشافعي لا قود على من رجع مع بقاء الأربعة.
١٥٢٠ - وهل يجب عليه من الدية شيء؟
стр. 301
قالوا فيه وجهان أحدهما أنه لا يجب لبقاء وجوب القتل عليه، والثاني يجب خمس الدية لأن الرجم هو بشهاداتهم والصحيح عندهم مثل قولنا.
فصل
١٥٢١ - وإذا رجع اثنان من الخمسة وقالوا أخطأنا كلنا ففي الدية وجهان أحدهما أنهما يضمنان الخمسين اعتباراً بعددهم، والثاني أنهما يضمنان ربع الدية، وهو قولنا في الرجوع تعتبر أبداً من بقى من الشهود فثبت به ما ثبت من البينة والباقي ثلاثة أرباع الدية.
فصل
رجوع شهود الإحصان
١٥٢٢ - وإذا رجع شهود الزنا وشهود الإحصان بعد الرجم فالضمان عندنا على شهود الزنا خاصة، ولا ضمان على شهود الإحصان.
١٥٢٣ - وقال زفر الضمان على الفريقين بينهم نصفان بالسوية.
١٥٢٤ - وقال أصحاب الشافعي في شهود الإحصان ثلاثة أوجه:
١٥٢٥ - أحدهما أنه لا يجب لأنهم لم يشهدوا بما يوجب القتل وهذا قولنا.
والثاني أنه يجب على الجميع لأن الرجم لم يستوف إلا بهم، وهذا قول زفر.
والثالث أنهما إن شهدا بالإحصان قبل ثبوت الزنا يضمنان على وجهين أحدهما نصف الدية والثاني يجب عليهما ثلث الدية لأنه رجم بشهادة ستة فوجب على الاثنين ثلث الدية.
فصل
١٥٢٦ - وإن شهد أربعة بالزنا، وشهد اثنان منهما بالإحصان قبلت شهادتهم.
стр. 302
١٥٢٧ - وقال الشافعي تقبل إلا فيما يجران بهذه الشهادة إلى أنفسهما نفعاً أو يدفعان بها عنهما غرماً.
فصل
١٥٢٨ - فإن شهدوا رجم الشهود عليه ثم رجعوا فالدية عليهم أرباعاً لأن شهود الإحصان لا يضمنون.
١٥٢٩ - وقال أصحاب الشافعي إذا قلنا يجب الضمان على شهود الإحصان ففي هذه المسألة وجهان:
أحدهما أنه لا يجب لأجل الشهادة بالإحصان بشيء بل يجب على من شهد بالإحصان نصف الدية كأربعة أنفس جنا اثنان منهما جنايتين واثنان أربعة جنايات.
والثاني أنه يجب الضمان لأجل الشهادة بالإحصان.
وإذا قلنا يجب على شاهدي الإحصان نصف الدية وعلى شاهدي الزنا النصف وجب ههنا على الشاهدين بشهادتهما بالإحصان نصف الدية وقسم النصف بينهم نصفين على شاهدي الإحصان النصف وعلى الآخرين النصف فيصير على شاهدي الإحصان ثلاثة أرباع الدية وعلى الآخرين ربعها.
وإذا قلنا يجب على شاهدي الإحصان ثلث الدية وجب ههنا عليهما الثلث بشهادتهما بالإحصان وقسم الباقي بينهم نصفين فيصير على شهود الإحصان ثلثا الدية وعلى شهود الزنا الثلث.
стр. 303
فصل
ضمان شهود التزكية
١٥٣٠ - وإذا شهد على رجل أربعة بالزنا وشهد اثنان بتزكيتهم ثم بان أن الشهود كانوا كفاراً أو عبيداً وجب الضمان لأن المرجوم قتل بغير حق ولا شيء على شهود الزنا لأنهم يقولون أنا شهدنا بالحق ولولي الدم أن يطالب من شاء من الإمام والمزكين لأن الإمام رجم والمزكين ألجآه فإن طلب الإمام رجع على المزكين لأنه رجمه بشهادتهما.
وإن طالب المزكيين لم يرجعا على الإمام لأنهما كالآلة له.
وهذا قول الشافعي.
١٥٣١ - وقال أصحابنا:
ما كان من خطأ الإمام في الحدود فالضمان في بيت المال وما كان من أموال الناس فالضمان على المحكوم له، وكذلك القصاص.
١٥٣٢ - وإن رجع المزكون في الزنا أو بأن الشهود عبيد أو كفار وقد رجم المشهود عليه غرموا الدية في قول أبي حنيفة.
ضمان الدية
١٥٣٣ - وعندنا إذا بان رق الشهود أو كفرهم فالدية في بيت المال.
وهذا في الزنا.
١٥٣٤ - وقد اختلف عن أبي حنيفة في الدية إذا استوفى الولي القود فروى عنه أن ضمان الدية في مال المشهود له [للمشهود عليه]. وروى عنه أنها على عاقلته ذكره الطحاوي في مختصره.
стр. 304
فصل
الرجوع عن الشهادة بالعتق
١٥٣٥ - وإذا فهدا بالعتق ثم رجعا بعد الحكم وجب عليهما قيمة العبد لأنهما عليه حكماً فضمناه كما لو اتلفاه (حقيقة).
فصل
الرجوع عن الشهادة بالتدبير
١٥٣٦ - ولو شهدا بالتدبير ثم رجعا بعد الحكم فعليهما ضمان ما بين قيمة العبد مدبراً إلى قيمته غير مدبر.
١٥٣٧ - فإن مات المولى بعد ذلك وعتق العبد من الثلث كان عليهما ضمان بقية قيمته عبداً للورثة.
فصل
الرجوع عن الشهادة بالكتابة
١٥٣٨ - ولو شهدا بالكتابة أنه كاتبه على ألفي درهم إلى سنة وقيمة العبد ألف فقضى بذلك ثم رجعا فإن المولى بالخيار إن شاء ضمن الشاهدين ألف درهم حالة وإن شاء اتبع المكاتب بألفي درهم، الخيار له، فإن ضمن الشاهدين رجعا على المكاتب بمال الكتابة إلى أجله فإذا قضيا ذلك احتبسا من ذلك ألف درهم لأنفسهما وتصدقا بالفضل من ذلك ألف درهم لأنفسهما وتصدقا بالفضل من ذلك لأنه ربح ما لم يضمن.
١٥٣٩ - وأي الوجهين كان وعتق المكاتب فإن ولاه لمولاه.
ولو لم يعتق المكاتب وعجز فعاد رقيقاً برئ الشاهدان من الضمان ووجب على المولى رد شيء إن كان قبضة منهما من قيمته عليهما.
стр. 305
فصل
رجوع شاهدي الطلاق
١٥٤٠ - وإن شهد شاهدان أنه طلق امرأته ثم رجعا بعد الحكم، فإن كان بعد الدخول فلا ضمان عليهما لأنهما لم يتلفا عليه ماله قيمة فصار كما لو اتلفاها.
١٥٤١ - وقال الشافعي:
يجب عليها مهر المثل لأنهما أتلفا عليه مقوماً كما لو أتلفا ماله قيمة.
١٥٤٢ - وإن كان قبل الدخول رجع على الشاهدين بنصف الصداق إن كان لها مسمى، وإن كان الواجب لها المتعة فعليهما ما يقضي عليه من ذلك لأنهما قررا عليه ما هو بغرض السقوط.
١٥٤٣ - ولأصحاب الشافعي طريقان في وجوب الضمان.
فصل
رجوع شاهدي الطلاق وشاهدي الدخول
١٥٤٤ - وإذا شهد اثنان بالطلاق وآخران بالدخول، ثم رجع الجميع، والصداق المقضي به لها ألف فإن القاضي يقضي بضمان الصداق عليهم أرباعاً، على شاهدي الطلاق من ذلك الربع وعلى شاهدي الدخول من ذلك ثلاثة أرباعه.
فصل
١٥٤٥ - وإذا شهدا بالنكاح وهي تجحد على صدق ألف، ثم رجعا، فالنكاح بحاله ونظر إلى الألف فإن كان قدر مهر المثل فلا ضمان عليهما وإن كان ناقصاً عن مهر المثل لم يضمنا أيضاً لأنهما أتلفا ما ليس له قيمة.
١٥٤٦ - وعن أبي يوسف أنهما يضمنان تمام مهر المثل.
стр. 306
١٥٤٧ - وإن كانت المرأة هي المدعية ضمنا للزوج ما زاد على قدر مهر المرأة لأنه مال اتلفاه عليه.
فصل
رجوع شاهدي البيع
١٥٤٨ - وإذا شهدا بالبيع وقضى به القاضي وسلم المبيع ثم رجعا فإن كان الثمن بقيمة المبيع فلا رجوع عنهما بحال، وإن كان في ذلك نقص عن (قيمة) المبيع رجع عليهما بتمام القيمة وفاضل الثمن أيهما كان المنكر بخلاف النكاح في ذلك.
فصل
رجوع شاهدي الإجارة
١٥٤٩ - وإن كان رجوعهما عن الإجارة:
إن كان المدعي صاحب الدار فلا ضمان عليهما فيما زاد من أجرة المثل وإنما ينظر إلى الأجرة المقضي بها فإن كانت المنفعة التي استوفاها المستأجر فيها بقيمة الأجرة فلا شيء عليهما وإن كانت أكثر من القيمة رجع بالفضل عليهما.
فصل
رجوع الشاهدين في شهادتهما على ولي المقتول بالعفو عن القاتل
١٥٥٠ - وإذا شهدا على ولي المقتول بالعفو عن القاتل وقضي عليه بذلك ثم رجعا عن الشهادة فإن أبا حنيفة ومحمداً قالا لا ضمان عليهما، وهو قول أبي يوسف الذي رواه محمد، وروى أصحاب الأمالي عن أبي يوسف أنه قال عليهما ضمان الدية لولي المقتول.
رجوع الشاهدين على الصلح بين
ولي المقتول والقاتل على مال
١٥٥١ - ولو لم يشهد على العفو ولكنهما شهدا على القاتل أنه صالح ولي المقتول من الدم على مال ثم رجعا عن شهادتهما فإنه ينظر فيما شهدا عليه من المال.
فإن كان مقدار الدية أو دونها فلا ضمان عليهما، وإن كان أفضل من ذلك فعليهما ضمان الفضل لأن العفو ليس بمال، وما زاد على الدية فقد أتلفاه عليه.
стр. 307
فصل
العدد في الرجوع
١٥٥٢ - وإذا شهد رجل وامرأتان بالمال ثم رجعوا وجب على الرجل النصف وعلى كل واحدة من النساء الربع لأن كل امرأتين كالرجل.
١٥٥٣ - وإن شهد ثلاثة رجال ثم رجعوا وجب على كل واحد الثلث وإن رجع واحد وبقي اثنان فلا ضمان عليه عندنا.
١٥٥٤ - وقال أصحاب الشافعي يلزمه ضمان الثلث لأن المال يثبت بشهادة الجميع في أحد الوجهين، والثاني مثل قولنا.
فصل
١٥٥٥ - فإن رجع اثنان وبقي واحد فعلى الراجعين النصف كل واحد الربع.
١٥٥٦ - وإن شهد رجلان وامرأة وقضى بالحق ثم رجعوا جميعاً فالضمان على الرجلين دون المرأة.
فصل
رجوع عن شهادة شهد فيها رجل وعشر نسوة
١٥٥٧ - وإن شهد رجل وعشر نسوة ثم رجعوا عن الشهادة فعلى الرجل السدس وعلى النسوة خمسة أسداس، لأن كل امرأتين برجل. وقال أبو يوسف ومحمد على الرجل النصف وعلى جميع النسوة النصف ولأصحاب الشافعي وجهان مثل الخلاف بين أصحابنا.
١٥٥٨ - قالوا والمذهب قول أبي حنيفة.
فصل
١٥٥٩ - وإن رجع ثماني نسوة فلا ضمان عليهن عند أصحابنا جميعاً.
стр. 308
١٥٦٠ - قال أصحاب الشافعي وهو الصحيح عندنا.
١٥٦١ - وإن رجع تسع نسوة فعليهن الربع لأنه بقى ما يثبت به ثلاثة أرباع الحق.
١٥٦٢ - ولو رجع الرجل وثمان نسوة فعلى الرجل نصف الحق لأنه قد بقي امرأتان تشهدان بالحق.
فصل
١٥٦٣ - وإذا شهد ذميان على ذمي بخمر ثم رجعا فأسلم المطلوب فلا ضمان على الشاهدين وإن أسلم الشاهدان يضمنان في قول محمد وهذا مثل غصب الخمر.
فصل
١٥٦٤ - وإذا شهد شاهدان على شهادة أربعة، وشهد آخران على شهادة شاهدين ثم رجع الفريقان فأبو يوسف يجعل الضمان على من شهد على الأربعة الثلثان والثلث على من شهد للاثنين.
١٥٦٥ - وقال محمد الضمان على الفريقين نصفان.
١٥٦٦ - وإذا شهد اثنان على اثنين وشهد اثنان على آخرين ثم رجع من كل واحد من الفريقين واحد، فنصف الضمان على الراجعين في رواية الأصل، ويقال أنه قول أبي يوسف.
١٥٦٧ - وقال في الجامع الكبير: على الراجعين ثمنان ونصف ثمن، ويقال هو قول محمد.
فصل
١٥٦٨ - وإذا شهد شاهدان على شهادة شاهدين وقضى وحضر الأولاد فأنكرا الإشهاد فلا ضمان على أحد الفريقين في قولهم جميعاً.
١٥٦٩ - ولو أقرا بالإشهاد ورجعا وقالا كذبنا فلا ضمان عليهما في قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
стр. 309
١٥٧٠ - وقال محمد يجب الضمان.
١٥٧١ - ولو رجع شهود الفرع ضمنا في قولهم جميعاً.
١٥٧٢ - وقال الخصاف أن محمداً روى أنه لا شيء على شاهدي الأصل إذا رجعا.
١٥٧٣ - وقال روى أبو يوسف في الأمالي عن أبي حنيفة أنه قال:
إن قالا قد أشهدناهما ورجعنا ضمنا ذلك الحق، وإن قالا لم نشهدهما بهذه الشهادة وما شهد به عنا باطل لم يكن عليهما ضمان.
فصل
١٥٧٤ - ولو قال شهود الفرع: قد أشهدانا بهذه الشهادة ولكنهما كذبا فيها وقد نفذ الحكم لم يلتفت إلى هذا القول ولا يلزمهما بذلك الضمان لأنهما لم يرجعا عن شهادتهما.
١٥٧٥ - وكذلك لو قالا قد أشهدانا وقد رجعا أو أخبرنا أنهما قد رجعا فعليهما الضمان.
١٥٧٦ - ولو قالا لم يشهدانا بهذه الشهادة أو قد غلطا في هذه الشهادة فعليهما الضمان على شهود الفرع.
١٥٧٧ - وإن قال الأولان: قد كنا أشهدناهما بذلك وقد رجعنا لأنا توهمنا فالضمان على شهود الفرع.
١٥٧٨ - ولو كان قال الالان:
لم نشهدهما ولكنا نحن نشهد بذلك وهو حق ثابت على المطلوب فالضمان على الذين شهدوا عند الحاكم.
فصل
١٥٧٩ - وإن ادعى الخصم على الشهود أنهما قد رجعا عن شهادتهما وهما ينكران ذلك لم يكونا خصمين.
١٥٨٠ وإن أقام بينة لم تسمع عليهما.
стр. 310
فصل
رجوع شاهدي الهبة
١٥٨١ - وإذا شهدا بالهبة وهو يجحد فقضي عليه بذلك ثم رجع الشاهدان فعليهما ضمان قيمة ما شهدا به للمشهود عليه، فإذا قبض ذلك لم يكن له الرجوع عن الهبة أبداً لأنه قد اعتاض عن ذلك.
فصل
١٥٨٢ - وإذا شهدا على رجل أنه أقر أن هذه الأمة ولدت منه وهو ينكر فقضى بشهادتهما عليه بذلك ثم رجعا عن شهادتهما كان له عليهما ضمان ما بين قيمتها مملوكة وقيمتها أم ولد، فإن توفى المولى بعد ذلك فعتقت كان عليهما بقية قيمتها أمة يرد ذلك إلى تركة مولاها فيكون حكمه حكمها.
١٥٨٣ - ولو كانا شهد أن مولاها أقر أنها ولدت منه أبناً لها في يده، والمسألة على حالها كان عليهما لمولاها في الأمة ما ذكرنا وفي الولد ضمان قيمته.
١٥٨٤ - فإن قبض المولى ذلك ثم مات فورثه هذا الابن، كان عليه أن يرد على الشاهدين مما ورث مثل ما أخذه (المورث) من الشاهدين في حياته من قيمة أمه لأنه يقول إن الميت أخذ ذلك ظلماً وأنه باقي في تركته لهما.
١٥٨٥ - وإذا قد ذكرنا حكم الشهادات والرجوع عنها فقد بقي لنا علم القاضي وما يجوز الحكم به والمحاضر وكيفية ذلك.
стр. 311
باب
علم القاضي وما يجوز أن يقضي فيه بعلمه وما لا يجوز
١٥٨٦ - أعلم أن علم القاضي طريق إلى القضاء في حال دون حال، وعلى صفة دون صفة وفي حق دون حق.
وينقسم في الحكم به كما ينقسم أمر البينة.
١٥٨٧ - وإنما يحصل له العلم بأن يسمع قولا يجب به على قائله حق أو يجب به على غيره أو يشاهد فعلاً يلزم لفاعليه أو لغير فاعله.
١٥٨٨ - وعلم القاضي يكون على ضرورب منه ما يعلم به قبل البلوغ وقبل الولاية من الأقوال التي يسمعها والأفعال التي يشاهدها، ومنه ما يعلمه بعد البلوغ قبل الولاية، ومنه ما يعلمه بعد الولاية ولكنه في غير عمله الذي وليه، ومنه ما يعلمه بعد الولاية في عمله الذي وليه:
علمه قبل البلوغ والولاية
١٥٨٩ - أما ما علمه قبل البلوغ والولاية في غير عمله ثم ولي وحضر عمله فدفع إليه ما سمع من العقود أو شاهد من الأفعال التي يتعلق بها الأحكام فإن أبا حنيفة يقول: لا يقضي بعلمه في شيء من ذلك بحال.
١٥٩٠ - وروى الخصاف عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في الإملاء أنه قال:
- لو سمع طلاق امرأته أو عتق أمته ثم استقضى فرفع إليه ذلك فإنه يحول بين الرجل وبين المرأة والأمة ولا يقضي به ولا يحكم بالطلاق والعتاق.
١٥٩١ - وقال أبو يوسف ومحمد يقضي بما علمه قبل الولاية في غير عمله في جميع الحقوق والأموال وعلمه أكثر من الشهادة عنده لأنه يقين.
١٥٩٢ - وقالا لا يحكم في الحد والزنا والسرقة وشرب الخمر والسكر بعلمه.
стр. 312
١٥٩٣ - وللشافعي قولان:
أحدهما لا يقضي بعلمه في شيء.
والثاني أنه يقضي في كل شيء.
١٥٩٤ - وقد ذكر أبو موسى الضرير في مختصره أن من أصحابنا من قال يقضي بعلمه في كل شيء حتى الحدود.
قال أبو حنيفة:
وإنما لم يجز لأنه بمزلة الشاهد وقول الشاهد لا يقضي به في الحقوق.
١٥٩٥ - واتفق جميع الفقهاء على أنه لو شهد عنده قبل الولاية في غير عمله أنه لا يقضي به في عمله.
فجعل أبو حنيفة علمه كذلك.
فصل
علمه في عمله بعد الولاية
١٥٩٦ - وأما علمه في عمله وبعد الولاية فإنه يقضي به عندهم جميعاً في الأشياء إلا الحدود فإنه لا يقضي بها، واستثنوا من ذلك حد القذف فقالوا يقضي به.
وهذا قول أصحابنا.
١٥٩٧ - وروى عن محمد بن الحسن أنه لا يقضي حتى يكون معه في المال شاهد آخر وفي الزنا ثلاثة عدول.
وقد قال به بعض أصحاب الشافعي.
فصل
١٥٩٨ - وقال أبو حنيفة وأبو يوسف.
إذا قال الحاكم [لرجل أن هذا الرجل] لآخر: أنه ثبت عندي أن هذا الرجل قد سرق ما يجب القطع به وقد حكمت به عليه فأقطع يده وسع المأثور قطع يده.
стр. 313
وكذلك إن قال ذلك في الزنا وهو محصن وسعه الرجم.
١٥٩٩ - وقال محمد في آخر قوليه على ما حكاه الطحاوي في المختصر أنه لا يسعه ذلك حتى يكون القاضي عدلاً عنده وغير متهم، ويكون معه في الزنا ثلاثة سواه عدول وفي السرقة آخر، وقياس قوله في المال مثل ذلك.
فصل
١٦٠٠ - ولو أن رجلاً قال للقاضي:
- إنك حكمت لي على فلا بكذا والقاضي لا يذكر ذلك وأحضر المدعي بينة تشهد على القاضي بما أدعاه فإن أبا يوسف قال: لا يجيبه إلى ذلك، ولا يسمع من البينة ذلك لأنها تشهد على أنه كان منه ما لا يعلمه من نفسه.
١٦٠١ - وقال محمد: يجيبه إلى ذلك ويسمع من البينة ويقضي به إذا ثبت عنده.
١٦٠٢ - وبه قال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، وقال: أنا أقبل ذلك، ووافقه محمد بن سماعة وقالا:
ليس هذا أكثر من قضية قاض دفعت إليه وهو لا يعلمها.
١٦٠٣ - وفرق أبو يوسف بين المسألتين بأنه لم يوجد في قضيته غير البينة، فأما حكمه فهو بمنزلة الشهادة لا يقوم بذلك إلا أن يذكره، وفرق بينه وبين ما وجد في ديوانه بأنه تحت ختمه فلا يؤثر ذكره فيه.
١٦٠٤ - واختلف أصحاب الشافعي في ذلك على وجهين كالخلاف الذي بيناه.
وذهب كل واحد من أصحابه إلى قول واحد من أصحابنا.
فصل
نسيان القاضي ما في ديوانه
١٦٠٥ - وقال أبو حنيفة:
стр. 314
"وكل أمر يجده الحاكم في ديوانه وتحت ختمه وهو لا يذكره فإنه لا يقضي به".
١٦٠٦ - وقال أبو يوسف ومحمد:
يحكم بذلك كله لأنه لا يتذكر كلما عنده.
١٦٠٧ - واختار الشافعي قول أبي حنيفة.
شهادة كاتبي القاضي
١٦٠٨ - وقال محمد: لو ضاع محضر رجل من الديوان أو لم يكتب محضر فشهد كاتبا القاضي عنده أن شهود هذا المحضر شهدوا عندهما بما كان في مختصره وهو كذا والقاضي لا يذكر ذلك، لم يقبل شهادتهما لأنهما لم يشهدا بالحق ولا شهدا على شهادة الشهود.
١٦٠٩ - وقد ذكرنا في الشهادة على الشهادة أن لأصحاب الشافعي ثلاثة أوجه في تحمل شهود الفرع في أحدهما أنه يجوز مثل هذا من كاتبي الحاكم.
١٦١٠ - واتفق الفريقان أنه لو قال الكاتبان- والمحضر قد ضاع- أن المقر في المحضر كان قد أقر عندك بكذا وسمعناه حين أقر بذلك فإنه يقبل هذه الشهادة على إقراره لا بإقراره عنده.
فصل
ما يجده القاضي في ديوان غيره
١٦١١ - وما وجد في ديوان غيره ممن تقدمه من إقرار أو بينة لم ينفذه، ويستأنف الحكم.
١٦١٢ - وهذا لا خلاف فيه لأنه غير مشهود به عنده.
فصل
عزل عن القضاء ثم رد إليه
١٦١٣ - ولو عزل عن القضاء ورد إليه فإن أبا يوسف قال:
стр. 315
لا يقضي بشيء مما كان في ديوانه الأول إلا ما كان يذكره من إقرار لرجل بحق ما وإن لم يذكره لم يحكم به، ولا يحكم بالبينة وإن ذكرها حتى يعيدها فيشهد عنده دفعة أخرى، لأن هذا عمل مستأنف.
فصل
ما يحكم به القاضي
١٦١٤ - وما يحكم به القاضي على ثلاثة أوجه:
منها ما يثبته بالبينة من الأحكام.
ومنها ما يثبته بعلمه من ذلك.
ومنها ما يحكم به غيره ويرتفع إليه أما بينة أو كتاب حكمي يصل إليه.
أو إعلام أعلمه قاض غيره.
لا ينقض القاضي حكمه باجتهاد جديد
١٦١٥ - فأما ما يثبته من الحكم عن نفسه فليس له أن يتعرض لفسخه بعد ذلك ولا أبطاله إلا أن يخالف النص المعلوم أو المعمول به بإجماع الأمة ولا ينقضه باجتهاد أظهر عنده من الأول، بل يستأنف الحكم والقضاء ولا يرد الأول.
١٦١٦ - وإن كان في ذلك خلاف، فقضي بخلاف رأيه ومذهبه، وهو لا يذكر ذلك ولكن على ما قضى به بعض العلماء فإن أبا حنيفة قال:
- يمضي هذا الفصل ولا يرجع عنه.
١٦١٧ - وقال أبو يوسف:
يرد ذلك، ويقضي بما كان عليه رأيه، وهذا كحكمه بما يذهب إليه الشافعي أو مالك في مسألة يخالف أو حنيفة والقاضي على مذهب أبي حنيفة، والمسائل على ذلك كثيرة.
стр. 316
فصل
هل ينقض الحاكم حكم غيره ؟
١٦١٨ - فأما ما حكم به غيره ويرفع إليه فمن ذلك ما يجب عليه إمضاؤه وتنفيذه ومنها ما يجب عليه إبطاله ونقضه، ومنها ما يدعه لا يحكم به ولا يرده.
نفاذ الحكم ظاهراً أو باطناً
١٦١٩ - اعلم أن الفقهاء اختلفوا في حكم الحاكم هل ينفذ ظاهراً أو باطناً أم لا؟ فقال أبو حنيفة:
كل حكم يملك الحاكم إنشاء مثله بولاية الحكم، فإنه إذا حكم به ينفذ ظاهراً وباطناً ويجعل الحلال حراماً والحرام عليه حلالاً.
وكل ما ليس له فعل مثله بولاية الحكم لا ينفذ إلا في الظاهر.
١٦٢٠ - وقال أبو يوسف ومحمد:
حكم الحاكم لا يغير صفة المحكوم به فإنه على ما كان عليه عند الله، وإنما ينفذ في الظاهر خاصة، وهو قول الشافعي.
١٦٢١ - ومثال الأول العقود التي يملكها على الصغار والكبار، والثاني الغصوب والجنايات والأموال الظاهرة.
ما ورد في القضاء بالظاهر من الآثار
١٦٢٢ - ونحن نذكر من ذلك مسائل ليعرف الحال فيها، ونقدم ما روى في ذلك من الآثار ليكون القاضي قد عرف الحال وما يترتب عليه:
الأثر الأول
١٦٢٣ - فروت أم سلمة أن النبي ﷺ قال:
- أنكم تختصمون إلي وأن بعضكم ألحن بحجته من بعض، وإنما أنا بشر، فمن قضيت له من مال أخيه شيئاً فلا يأخذه، إنما أقطع له قطعة من النار.
стр. 317
١٦٢٤ - وقد ذكر الفقهاء خبر أبي هريرة عنه ﵇ أن رجلين احتكما إليه أحدهما أعلم بالخصومة والآخر بها جاهل فلم يلبث العالم أن قضى له فقام فمضى المقضي له وبقى المقضي عليه فقال:
- والله الذي لا إله إلا هو أن حقي لحق.
فقال ﵇:
علي بالرجل.
فأتى به فأخبره بما كان من الآخر فقال:
- إن شئت عاودته فعاوده فلم يلبث أن قضى له فقام الرجل وحلف الآخر فلم يزل كذلك يفعل ثلاث مرات فقال الرابعة إن شئت عاودته ولكن أعلم أن من اقتطع بخصومته وجدله مال امرئ مسلم بغير حق فإنما يقطع قطعة من النار.
فقال الرجل فإن الحق معه.
وكان رسول الله ﷺ متكأ فجلس فقال:
- من اقتطع بخصومته وجد له مال امرئ مسلم بغير حق فليتبوأ مقعده من النار.
قال أبو هريرة:
فكانت الآخرة أشد من الأولى.
١٦٢٥ - وروى المقداد عن أبيه أن رجلاً خطب امرأة وهو دونها في الحسب فأبت أن تتزوجه فأدعى أنه تزوجها وأقام شاهدين عند علي بن أبي طالب ﵁ فقالت:
- أني لم أتزوجه.
قال:
قد زوجك الشاهدان.
وأمضى عليها النكاح.
١٦٢٦ - قال أبو يوسف:
стр. 318
وكتب إلى سعيد يرويه عن يزيد أن رجلين شهدا على رجل أنه طلق امرأته يزور ففرق القاضي بينهما، ثم تزوجها أحد الشاهدين.
قال الشعبي:
١٦٢٧ - فجعل أبو حنيفة ما روى عن النبي ﵇ محمولاً على الأموال الظاهرة والجنايات وما روى علي ﵁ والشعبي محمولاً على العقود وجمع بين العملين.
١٦٢٨ - فعلى هذا الأصل امرأة استأجرت رجلين فشهدا لها على زوجها بالطلاق الثلاث وهو زور ففرق بينهما ثم تزوجها أحد الشاهدين فهو جائز وتحل للشاهد وتحرم على الزوج الأول عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي تقع الفرقة في الظاهر دون الباطن ولا يحل لها أن تتزوج بأحد من الناس ولا بأحد الشاهدين، ولا يتزوج الرجل بأختها ولا أربعا سواها، وقالوا مع هذا القول أنها لا يمكن الزوج الأول أن يطأها ولا يخلو بها.
١٦٢٩ - وقال أبو حنيفة.
"فلو كان النكاح قائماً بعد الفرقة ثابتاً بين الزوجين لكان إذا وطئها بعد ذلك لا يحد واحد منهما وقد قالوا يحد.
١٦٣٠ - وقالوا لو تزوجها رجل جاهل بحالها كانت حلالاً له فكيف يحل فرج واحد لاثنين؟ ولو بلى الثاني بمثل ما بلى به الأول لكان لآخر أن يتزوجها فيؤدي إلى أن تكون حلالاً لجماعة رجال في حالة واحدة وهذا لا يجوز.
١٦٣١ - وأبو حنيفة جعل فرقة القاضي طلاقاً لأنه يملك الطلاق على العنين والمؤلى إذا لم يفيء إلى زوجته ويزوج من لا ولي لها، فإذا حكم بالنكاح والطلاق صار من طريق الحكم كأنه هو الذي طلق بنفسه وتزوج بنفسه وباع ورد بالعيب.
١٦٣٢ - وقد اتفق الجميع على أنه إذا فرق في اللعان وكان الزواج كاذباً عليها أن الفرقة تقع في الظاهر والباطن وتحل لسائر الناس وتحرم على الزوج.
١٦٣٣ - وهذا قول الشافعي في اللعان.
стр. 319
١٦٣٤ - وأبو يوسف ومحمد قالا في الكل إنما يقع في الظاهر، واللعان والطلاق سواء في ذلك، وهذا حكم النكاح والطلاق والعتاق والإقالة والبيع والرد بالعيب.
١٦٣٥ - وأما إذا ادعى مالا في يد غيره أو حيواناً أو رقيقاً أو مهماً كان وشهد له شهود زور فقضى له بذلك لم يسعه أن يأكل ذلك ولا يسع أحد الشاهدين أن يشتري ذلك ولا يأكله إن ورثه وإن قدر المحكوم عليه على أخذ ذلك وتغييبه عن الذي قضى له به وسعه ذلك، ولكن في الجارية لا يحل له أن يطأها خوفاً من وجوب الحد عليه، فأما إن سرقها وغيبها فإنها تحل له.
١٦٣٦ - وإن اشترى رجل جاهلاً بالحال ذلك المقضي به وسعة التصرف فيه.
١٦٣٧ - وإذا شهد له بقتل ولي له بالزور فقضى بالقصاص أو الدية لم يكن له ذلك، وكان محرماً عليه، وكذلك هبة المال في رواية وفي أخرى هو مثل العقود.
١٦٣٨ - ومسائل هذا الباب كثيرة والأصل فيها واحد.
فصل
مالا يمضيه القاضي من أقضية غيره
١٦٣٩ - وإذا ثبت ذلك ثم رفع هذا الحكم إلى قاض آخر فكل ما كان من قضاء سائغ غير شنيع أمضاه وإن كان جوراً أو خلاف نص أو إجماع لم يمضه.
١٦٤٠ - وإن كان الأول فاسقاً أو محدوداً أو ممن لا يجوز شهادته، لو شهد لم ينفذ حكمه، وينفذ ما فيه خلاف بين الفقهاء وإن كان خلاف رأيه إلا في مسائل نذكرها في فصل مفرد استثناها أصحابنا.
١٦٤١ - فإن نقضه الثاني ثم ارتفع إلى ثالث نفذ قضاء الأول وأبطل قضاء الثاني، وهذا مثل أن يحكم حاكم بأنه إذا زنا بامرأة لم تحرم الزوجة ولا وطئ بنتها وقضى بصحة نكاح المرأة ثم رفع ذلك إلى من يرى تحريمها بذلك الفعل أمضى النكاح ونفذ قضاء الأول لأنه مختلف فيه.
стр. 320
١٦٤٢ - واختلف أصحابنا في الزوج فمنهم من قال إن كان يعلم أن ذلك الفعل يحرم لم يسعه المقام مع الزوجة، وإن كان جاهلاً وسعه المقام.
١٦٤٣ - وكذلك حال الزوجة، وكذلك لو حلف فقال إن تزوجت فلانة فهي طالق ثلاثاً فتزوج امرأة فرافعته إلى من يرى إبطال يمينه فحكم إبطالها ورفعت بعد ذلك إلى من يرى صحتها بعد الحكم الأول وجعلها زوجة وحكم الزوج والزوجة في ذلك سواء إن كان يعلم أن ذلك عامل فيه لم يسعه المقام. وإن كان جاهلاً وسعه المقام.
١٦٤٤ - ومنهم من قال يسعه المقام في الحالين.
١٦٤٥ - وكذلك طلاق المكره إذا أبطله ثم رفع إلى آخر فأوقعه ثم رفع إلى ثالث نفذ الأول وأبطل الثاني.
١٦٤٦ - وكذلك إذا قضى بالقافه والقرعة في رقيق الميت أو رد نكاح امرأة بعيب.
١٦٤٧ - وكل ما لا يخالف نصاً أو كتاباً أو سنة أو إجماعاً فإنه ينفذ وهذا قول أصحابنا.
١٦٤٨ - وقال الشافعي:
- إن كان القاضي الأول عامياً وحكم أبطل حكمه وجعله كمن لا ينفذ حكمه إذا حكم.
فصل
١٦٤٩ - واختلف أصحابنا فيمن قضى بالشهد واليمين أو بقتل في قسامة
следующие страницы →