← Сияса и кади

Сияса и кади · id 18608

روضة القضاة وطريق النجاة

ابن السمناني

Полный текст (1 505 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مقدمة المصنف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ نصر من الله وفتح قريب، وما توفيقي إلا بالله، الحمد لله الذي أمر الخلق بأتباع دينه، وتصديق رسوله، وأمر بالاقتداء بأحكامه، والأخذ بما سن وشرع من الأحكام في كتابه وعلى لسان رسوله ﵇ من أتباع العلماء والأخذ بقول الأئمة الفقهاء، وجعل العلماء ورثة الأنبياء ﵈، يقومون مقام الرسل في حفظ الشرع، والشهادة بتبليغ الدين، كما جعل رسوله ﵇ شهيدًا عليهم ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ فقوام الدين بالعلماء وثبات الشرع بالفقهاء، فلولاهم لما عرف حلال من حرام، ولا حق من باطل، ولا أمر من نهي، ولا ناسخ من منسوخ، ولا مجمل من مبين ولا مباح من سنة، ولا سنة من بدعة، ولا فرض من نفل، ولا صدق من كذب، ولا نبي من متنب، ولا إمام من أنام، فهم صفوة الخلق، وشهود الله على الحق، وأحق الناس بالإكرام والتعظيم، فالله يرعى من رعاهم ويكرم من يكرمهم ويعظم من يعظمهم من كبير أو صغير [وجليل وحقير، وحقه على فقهاء العصر من هم في نعمة ينقلبون ومن بحار جوده يغترفون وفي رياض إحسانه يتمتعون، الباني لهذه المدرس،

стр. 37

والذاب عنهم في المجالس والمكرم لهم عند السلطان، والمقرب لهم في كل مكان صدر الإسلام والمسلمين] نظام لملك وقوام الدين العادل العالم المنصور المظفر الذي من اسمه تشتق الأسماء، ومن أفعاله تتقلب ومن طهارته تقدم وهو أبو علي الحسن بن علي بن اسحق رضي أمير المؤمنين ﵁ وأعلا ذكره. ولما كانت نعمة عندي جسيمة وأياديه عظيمة، أحببت أن أودع ذكره كتابًا يحتاج إليه العلماء والمتعلمون، والخاصة والعامة، ولا يستغني عنه في أدب الفقه على جميع مذهب الفقهاء، ألقبه من لقبه وأرسمه من أدبه، وأودعه من نقول علمه. اسمه روضة القضاة وطريق النجاة، الناظم للشرع والمقيم للدين، أودعه ما لا يوجد لأحد تقدم من العلماء في كتاب في هذا الشأن، فقد صنف في ذلك كتب كثيرة كالذي صنفه الخصاف والطحاوي، الاصطخري، ومحمد بن الحسن [الشيباني] وسائر شروح الضالعين فمنهم من أطال، ومنهم من قصر، ومنهم من قدم ما لا يحتاج إليه، ومنهم من أخر، ولم يرتب الأبواب ولا عقد الفصول، ولا كشف قناع العلم ولا أتى بما يحتاج إليه على نمط الحاجة. وكتابي هذا يشتمل على ذكر القاضي وصفته التي يكون عليها، وما يتعلق بجانب القاضي، وذكر المقضي له، وذكر المقضي عليه، وذكر ما يقع

стр. 38

[القضاء به] من الأمور كالبينة وعلم القاضي وما يمنعه وذكر ما يقضي به وذكر ما يجوز أن يقضي به ما لا يجوز أن يقضي به، وذكر الأزمان والأمكنة في القضايا والشهادات مما لا يوجد لأحد قد جمعه في كتاب لجميع من تقدم من العلماء فأما من تأخر فلا علم لنا به، وبما يكون منه. وأنا أرتب أولاً عدد الأبواب في كل فصل ثم أرجع واشرح الحال في كل باب، واستوفي ما فيه من الفصول، وأحكي في كل فصل ما هو متفق عليه، وما هو مختلف، وما يجب أن يفعل في المنازعات والدعاوى والبينات والأيمان وكيفيتها، والنكول وكيفيته ومواضعه، وسائر ما يتبع ذلك. وأنا أسأل الله تعالى تسهيل هذا الذي قصدت إليه، وتيسيره عليّ والتوفيق والتسديد وأن يصلي على محمد النبي وآله وأصحابه، ويرحم جميع العلماء من جميع أمته، آمين رب العالمين.

стр. 39

تعداد موضوعات الكتاب باب صفات القاضي وشروطه وهذا باب ما يختص بالقاضي من الصفات والشروط والأحكام وهو يشتمل على أبواب وفصول:- منها اعتبار الذكورية. ومنها البلوغ. ومنها العقل ومنها اعتبار الحرية. ومنها الإسلام. ومنها اعتبار الورع مع الإسلام. ومنها اعتبار العدالة. ومنها اعتبار العلم، وشروطه وحد الاجتهاد. ومنها صفة المولى وما يجب عليه من الشروط. ومنها كيفية الولاية "للقضاء". ومنها ما يشترك فيها الوالي [والمولى]. ومنها ولاية الخوارج للقضاء وما قيل في ذلك. ومنها إذا "حكم" الرجلان حكمًا. ومنها جواز الدخول في القضاء وذمة وجواز [أخذ الرزق على] القضاء وحكم الرشوة عليه، ومنها "أحوال" القاضي التي يقضي فيها وما يتفرع عليها، ومنها دخول البلد الذي وليه، وما يفعله وما يستحب له ويكره، وفصول ذلك. ومنها كيفية جلوسه وأحواله والمكان الذي يقضي فيه "وما يكره له ويستحب ويقضي به". ومنها قبض ديوان الحكم وتسلمه.

стр. 40

باب أعوان القضاء ومنها ذكر كاتب القاضي وما ينبغي أن يكون عليه من الصفات. ومنها ذكر حاجب القاضي. ومنها ذكر وكلاء القاضي وما يجب عليهم. ومنها ذكر أعوان القاضي وأتباعه والمحضرين. ومنها ذكر أصحاب مسائله عن الشهود. ومنها ذكر صاحب الحبس الذي يكون عليه. ومنها ذكر بّواب القاضي وما يجب عليه. ومنها ذكر الجلواز بين يديه وفي مجلسه. باب سلطة القاضي ومنها جواز النيابة عنه في الحكم. ومنها وقوف الحكم على إجازته. ومنها ما يبطل ولاية القاضي. ومنها موت القاضي والإمام. ومنها عزل القاضي وخلع الإمام. ومنها معاملة القاضي والإمام في ماله ومال غيره ويدخل في هذه الجملة فصول كثيرة وخلاف كثير ومسائل جمة، تراها في هذه الأبواب إن شاء الله. فهذه الأبواب جملة ما يقع "الكلام" فيها في القاضي وطريق ولايته وأحواله. باب المقضي له فأما الكلام في المقضي له، وهو المدعي فهو على أبواب منها من المدعي والصفة التي يكون عليها ومنها جواز العدوى بقبول المدعي.

стр. 41

ومنها الموضع الذي يعدى القاضي على الخصم، ومنها كيفية إحضار الخصم إلى القاضي. ومنها العذر الذي يسقط الحضور. ومنها ذكر الامتناع عن الحضور إلى القاضي. ومنها ذكر دعوى النساء والدعوى عليهن. ومنها دعوى العبد والمكاتب ومن فيه رق. ومنها دعوى الغير عن الغير، ويشتمل على أبواب: منها دعوى الولي للصغير. ومنها دعوى الوكيل لغيره. ومنها دعوى الأمين. ومنها دعوى الوصي لليتيم والميت. ومنها دعوى الشريك والدعوى عليه. ومنها دعوى المضارب والدعوى عليه. ومنها دعوى المولى عن العبد. ويدخل في هذه الجملة فصول كثيرة ومسائل جمة سنراها عند التفصيل في ذكر ما يجوز القضاء فيه، وما لا يجوز. باب المقضي عليه فأما الكلام في ذكر المقضي عليه وهو المدعي عليه فيشتمل على أبواب: منها ذكر أحوال المدعى عليه. وصفاته التي يكون عليها. ومنها ذكر القضاء عل الحاضر. ومنها جواز القضاء على الغائب.

стр. 42

ومنها ذكر القضاء على الميت. ومنها كيفية القضاء على الورثة. ومنها ذكر القضاء على من هرب من الحضور وتغيب ويدخل في هذه الجملة فصول كثيرة ومسائل جمة نراها في مواضعها. باب ما يقع القضاء به فأما الكلام فيما يقع القضاء به من الأمور كالبينة وعلم القاضي والإقرار والأيمان فيشتمل على جملة من الأبواب نحن نرتبها ونقسمها. منها الكلام في الشهود. ومنها الكلام في عدد الشهود. ومنها الكلام في صفة الشهود. ومنها ما يقبل فيه شهادة النساء خاصة. ومنها الموضع الذي يعتبر فيه قول الرجال خاصة. ومنها الموضع الذي تقبل فيه شهادة الرجال والنساء. ومنها ما تقبل فيه شهادة العبد. ومنها ما يقبل فيه من ظاهره العدالة. ومنها ما يقبل فيه قول الناس ويصح به. ومنها ذكر الشاهد واليمين وما يقضي به فيه. ومنها ما يقبل فيه الاستفاضة. ومنها الشهادة وما يعتبر في جوازها وطريق حصولها، والتزكية وشروطها وطريقها. ومنها ما ترد به شهادة الشاهد. ومنها ذكر الشهادة على الشهادة. ومنها الموضع الذي يقبل ذلك فيه.

стр. 43

ومنها عدد شهود الفرع في موضع قبولها، ومما يلحق بذلك النكول عن الأيمان إذا وجهت اليمين. ومنها الموضع الذي يقضي فيه بالنكول. ومنها كيفية القضاء بالنكول وفصوله. ومنها اليمين وما يجب في معرفتها. ومنها صفة اليمين وكيف يحلف. ومنها ما لا يجب فيه اليمين وما لا يحلف عليه. ومنها الموضع الذي يحلف فيه على البت والعلم. ومنها رد اليمين، والموضع الذي ترد فيه. ومنها إقامة البينة بعد اليمين. ومنها الرجوع عن الشهادة وفصول ذلك ومسائله. ومنها علم القاضي وما يجوز أن يقضي فيه بعلمه وما لا يقضي فيه. وتشتمل هذه الجملة على مسائل كثيرة. ومن ذلك مكاتبة القاضي إلى آخر، وما ينبغي أن يكتب وما لا يكتب وفصول ذلك. باب المقضي فيه فأما الكلام في المقضي فيه فيشتمل على أبواب كثيرة ومعان جمة منها أقوال ومنها أفعال، فأما الأقوال فيقع القضاء فيها بما يلزمه تملك المال، ومنها ما يلزمه عقوبة، فالأول العقود كلها، والإقرارات والإيقاعات وكل ما طريق ثبوته القول.

стр. 44

ونحن نرتب هذه الأبواب والكتب على هذا النحو، بخلاف ترتيب الكتب في الخلاف والمذهب، ونبين تعلق بعضها ببعض فنبدأ بما طريقه القول إلى العقود والإقرارات فأول ذلك النوع: الرهن والتفليس، الحجر، الضمان والكفالة، الحوالة، الأجازة، المزارعة، المساقاة، الهبة، العارية إحياء الموات، الشركة، المضاربة، المأذون، الوديعة، الوكالة، الوصية، الإقرار، الصلح، الوقف، القسمة، الشفعة، النكاح، الصداق، القسم، الرضاع، الخلع، الطلاق، الرجعة، الإيلاء، الظهار، اللعان، النفقات، العتاق، المكاتبة، التدبير، الاستيلاد، الأيمان، الجنايات قتال أهل البغي، المرتد، الصول، السيرة، الغنيمة، الغصب، الإكراه، الحدود، الزنا والقذف، السرقة وقطاع الطرق، الأشربة والأطعمة والضحايا والصيد، والذبائح والسبق، والرمي، اللقطة، اللقيط، المواريث، أبواب شتى مختلفة الوضع، وباب يذكر فيه من ولي القضاء إلى هذا الوقت. فهذا ترتيب الكتب .. وأنت تجد في كل كتاب من المسائل والأبواب والفصول ما لا تجده في غير هذا الكتاب مجموعًا، ونحن نبتدئ بما رتبنا أولاً فأولاً، ونسوق الخلاف والوفاق الواقع فيه إن شاء الله "تعالى".

стр. 45

الكتاب الأول التنظيم القضائي ١ - صفات القاضي وشروطه ١ - أعلم أن الكلام في هذا الباب يجب أن نعلم أولاً أن تسمية القاضي بهذا الاسم هل هو مثل اسم الحاكم؟ وهل هو اسم مدح أو فيه ذم؟ وهل يستوي الاسمان في المعنى أم لا؟ ٢ - فالقضاء فعل اشتق منه لفاعله اسم، وكذلك الحكم. ٣ - وقد أضاف الله تعالى القضاء إليه في القرآن على وجوه فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾.

стр. 46

قيل إن معنى ذلك أنه أمر. وقال: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾. قيل خلق. وقال: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ يعني يحكم. وقال: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ قيل أعلمهم بإضافة القضاء إلى نفسه، وتمدح بهذا الاسم وذكره في عدة مواضع مضافًا إليه، وقد أضاف الحكم إليه فقال: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ وأمر أنبياءه ﵈ بالحكم بما أنزل، ونهاهم عن الهوى وأمر بإتباع ما في التوراة والإنجيل، وحث نبيه على الحكم بما أنزل إليه، وجعل ذلك مهيمنًا على ما أنزل على غيره فقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ وقال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ٤ - وقد اختلف الناس في أن اسم القاضي أشرف من الحاكم أم هما سواء؟

стр. 47

فمنهم من قال: إن اسم القاضي أشرف في اللغة. ومنهم قال بالعكس من هذا. ومنهم من قال هما سيان، ولهذا أضافهما الله تعالى إليه على سواء. ورأيت كثيرًا من القضاة يكره أن يخاطب بالحاكم ويأنس في القاضي. وكان شيخنا قاضي القضاة أبو عبد الله ﵀ يبتذل أبدًا هذا الاسم يعني الحاكم ويلح على الخطاب بالقاضي، ولا أعلم هل قرأ ما صنف في الفرق بينهما أم لا، أو يقوله شهوة ولا شك أنه اسم مدح. شرف رتبة القضاء ٥ - والقضاء رتبة شريفة، ومنزلة رفيعة لا منزلة فوقها من المنازل، ولا رتبة أوفى منها إذا اجتمعت شرائطها وحصل في القاضي ما يفتقر إليه من الخصال، لأنها التي تولاها الله تعالى بنفسه، وبعث بها رسله ﵈، وتولاها رسوله صلى الله عليه، وقام بها أئمة العدل بعده، فينبغي لمن يملك الولاية أن يختار لهذه الرتبة من لا يقدر العالم على أصلح منه ولا أفضل، ولا أكمل، كما اختار الله تعالى لرسالته صفوة كل عالم ورئيس كل جيل وأفضل أهل كل زمان، كما قال تعالى: "وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ" وقال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ وقال:

стр. 48

﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾. وقال: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ﴾. وقال: ﴿وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ﴾. ٦ - فلا ينبغي أن يختار إلا من يغلب على الظن أنه أوفى مختار، وأكمل إنسان. شرائط تولي القضاء ٧ - فمن الشرائط التي لا بد منها في الحاكم أن توجد: أن يكون ذكرًا بالغًا، ويكون عاقلاً، لأن بالبلوغ يخرج من الصبا وبالعقل يصير مكلفًا. لأن من ليس بعاقل فهو مولى عليه كالمجنون والصغير. ٨ - ومنها أن يكون حرًا، لأن العبد مملوك المنافع، يتصرف فيه بالعقود ويمنع من التصرف في الأمور، فمن لا يملك التصرف في نفسه فكيف يتصرف في غيره؟ وهذه الجملة لا خلاف فيها نعلمه. ٩ - ومنها أن يكون مسلمًا، لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ولأن الكافر لا يلي على المسلم.

стр. 49

١٠ - ومنها أن يكون عدلاً، لأن الفاسق لا يقبل قوله، وقد أمر الله بالتوقف في قوله، بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ ولأنه متهم في الحكم لئلا يجور. ١١ - واختلف في جواز ولاية النساء للقضاء والحكم، فقال أبو حنيفة وسائر أصحابه: يجوز أن يلين القضاء فيما يجوز أن تقبل شهادتهن فيه وحدهن أو مع الرجال، ولا يجوز في الحدود والقصاص لأن شهادتهن لا تقبل في ذلك. ١٢ - وقال الخوارج يجوز ذلك في الجميع. ١٣ - وقال الشافعي ومالك وغيرهما من الفقهاء لا مدخل للنساء في ولاية القضاء والحكم بحال. ١٤ - فأبو حنيفة جعل قضاءها بمنزلة شهادتها، قال: وقبول قولها في الشهادة على غيرها كقبول حكمها على غيرها لأن في الشهادة معنى الولاية. والشافعي يقول: لو جاز قضاؤها في الأموال لجاز في الحدود والقصاص كالرجل، ولجاز أن تكون إمامًا للجماعة. وقيل له: الحدود لا تقبل شهادتها فيها. ويجوز أن يقضي من لا يكون إمامًا كغير قريش من الناس.

стр. 50

فصل ١٥ - وأجمعوا على أنها يجوز أن تكون وصيًا ووكيلاً وقاسمًا وأمينًا وأنها كالرجل في سائر العقود والحدود وأنها أولى من الرجل بالحضانة والتربية، وأنها يقبل قولها فيها لا يطلع عليه الرجال ولا يقبل قول الرجال في ذلك. واختلفوا في ولاية النكاح، وسيأتي ذلك في باب النكاح إن شاء الله "تعالى، والحمد لله وحده". باب اعتبار العلم في القاضي وما يذكر في ذلك وشروطه وحد الاجتهاد ١٦ - اعلم أنه لا يكفي أن يكون القاضي بالغًا عاقلاً صالحًا ورعًا حرًا مسلمًا عدلاً له تمييز ورأي في ولايته، حتى يكون عالمًا لأن العلم للقاضي كالآلة بالنسبة لسائر الصناع. أنواع العلوم الشرعية ١٧ - والعلم علمان:- علم الأصول وعلم الفروع. ١٨ - فعلم الأصول هو علم التوحيد وما يجوز على الله تعالى وما لا يجوز عليه، وعلم النبوات ونسخ الشرائع وإقامة الدلائل على ذلك، وإبطال أقوال مخالفي الملة والقائلين بنفي الصانع والطبائع والناسخ، والفرق بين المعجزة والشعبذة، وطريق هذا العلم إنما هو سلامة الحواس، وكمال العقل والتفكر في الموجودات، ومتى اختل طريق معرفتها أو دخل في ذلك لبس لم يحصل للإنسان علم بذلك. ولهذا اتفقت الشرائع كلها في ذلك ولم يختلف فيها التكليف بل سوى فيها بين الرسول والمرسل إليه، والحر والعبد، والذكر والأنثى، والعامة والعلماء، واستوى في ذلك التعبد في سائر الأزمان، وليس الغرض ذكر أنواع العلوم العقلية ولا قسمتها ولا حد الضروري منها والمكتسب وغير ذلك فلم نذكره لك.

стр. 51

١٩ - والعلم الثاني هو علم الشرع، وما تقرر فيه من الأحكام، واختلف فيه من التكليف بين المسافر والمقيم، والمريض والصحيح، والحامل والحائل والحائض والطاهرة والذكر والأنثى، والحر والعبد، والصغير والكبير، والعاقل والمجنون، والمكره والطائع، والذاكر والناسي، والقاصد والهازل، ومختلف الأحكام باختلاف أحوال الإنسان، ويجوز عنه النيابة في بعضها وفي بعضها لا يجوز، وفي بعضها يلزم الحكم لغير الفاعل ولا يلزم الفاعل، وفي بعضها يشتركان، وفي بعضها لا يجب شيء أصلاً، وفي بعضها يستوفي المثل وفي بعضها تستوفى القيمة. ما يجب أن يكون عليه علم القاضي ٢٠ - فالقاضي يجب أن يكون عارفًا بجميع الأحكام من الشرعيات حتى إذا ارتفع إليه في قضية عمل في قضائها وبت حكمها، مما هو مشروع في ذلك، أما من إجماع أو خلاف، ولا سبيل له إلى العلم بذلك إلا بطريق يوصل إليه، والطريق له إلى ذلك بعد سلامة الحواس وكمال العقل أن يكون عارفًا بكلام أهل اللغة، ومعاني كلامهم، أو في حكم العالم بذلك، وهذا يقتضي أن يعلم أولاً أن الكلام هل هو توفيق أو إيقاف مصطلح عليه، أو بعضه توفيق وبعضه اصطلاح، ويعرف الحقيقة والمجاز في لغة العرب، ويعرف هل نقلت الأسماء إلى الشرع، أم هي مبقاة على ما كانت عليه في اللغة. ويعرف ذلك الأوامر والنواهي، ويميز بين ذلك بما وضع للتمييز بينهما، ويعرف العموم والخصوص وما يشتملان عليه من الأحكام، كما يعرف أنواع الأمر والنهي ومسائلهما.

стр. 52

ويعرف المجمل والمبين وحدهما وما يتعلق بهما من المسائل المتفق عليها والمختلف فيها، ويعرف المطلق والمقيد، وما يقيد الكلام وحدهما ويعرف الاستثناء في الكلام، والصفات الداخلة عليه. ويعرف الناسخ والمنسوخ، وما يجوز نسخه وما لا يجوز من الأحكام، وما يجوز نسخ حكمه وتبقية رسمه، وما لا يجوز من ذلك. ويعرف الأخبار التي هي الطريق إلى معرفة هذه الجملة وتفصيل أحكام الأخبار وأنواعها ومسائلها. ويعرف الإجماع وحّده ومسائله، وما هو حجة فيه، وما ليس بحجة منه، ويعرف بعد ذلك الأفعال وأحكامها وتفاصيلها «وأقسامها»، ويعرف القياس وحّده ومسائله وأبوابه وفروعه وشروطه. ويعرف بعد ذلك صفة المفتى «التي ينبغي أن يكون عليها حتى تصح فتواه ويعرف بعد ذلك صفة المستفتي» وما يجوز أن يفتيه به ويبينه له. ويعرف بعد ذلك الحظر والإباحة ليحكم لكل فعل بما يجب، ولكل قول بما يلزم. وسنبين فيما بعد تفصيل هذه الأبواب عند ذكر صفة المجتهد والوالي والمولى. ٢١ - فإذا كان القاضي جاهلاً بهذه الجملة فجهله بالتفصيل أعظم، والبلية به أشد، لاسيما إذا اختصما في المعاملات والمواريث والمسائل المشكلة في الفروع التي يتجاذبها شبه الأصول. ٢٢ - وقد قال النبي ﵇ لمعاذ بن جبل بماذا تحكم إذا ارتفع إليك الخصمان فقال: - بكتاب الله. فقال: - فإن لم تجد في الكتاب؟ فقال: - أصلبه في السنة. قال: فإن لم تجد؟

стр. 53

قال: - أجتهد رأيي ولا ألو. فقال ﵇: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى الله ورسوله» فذكر وجوه الحكم. فمن لا يعرف الكتاب وما فيه، ولا السنة وما فيها ولا الاجتهاد وما فيه فبأي شيء يحكم؟ وإلى أي قول يذهب. ٢٣ - وقد كانت الصحابة ﵃ لا يولون الأحكام جاهلاً ولا فاسقاً ولا ماجناً ولا من طعن عليه في دين أو دنيا. ٢٤ - وكان بنو أمية ينادون في الموسم: لا يفتي أحد بمكة غير عطاء بن أبي رباح لأنه كان «القدوة» في زمانه. وفي المدينة مالك بن أنس. ٢٥ - وإذا نظر إلى قضاة الصحابة والتابعين ﵃ رأيت العجب، ولهذه الجملة لا بد من ذكر من ولي القضاء في زمن النبي ﷺ وبعده في باب اختتم به الكتاب إن شاء الله تعالى في نصل أحكي فيه ألفاظ المصنفين في هذا الباب (و) ما قالوا على جملتها من غير تحريف، ثم احكي الخلاف بعد ذلك من أين دخل عليهم، والشبهة من أي وجه عرضت: ٢٦ - فحكى الطحاوي في مختصره من غير خلاف ذكره أنه قال:

стр. 54

ولا يولي القضاء إلا الموثوق به في عفافه وعقله وصلاحه وفهمه وعلمه بالسنة والآثار ووجوه الفقه، ولا يولى صاحب رأي لا علم له بالسنة والأحاديث ولا صاحب حديث ليس له علم بالفقه، ولا ينبغي أن يفتي إلا من كان هكذا، إلا أن يفتي بشيء قد سمعه. فصل ٢٧ - ومن أصحابنا من قال لا يولى الحكم إلا رجل من أهل الاجتهاد ولا يكون مجتهداً إلا أن يعرف أصول الأحكام التي يجتهد فيها، وهي الكتاب والسنة والاجماع والقياس والاستدلال، ولا يمكنه علم هذه الأصول ولا الاستدلال بها وإن كانت معلومة للناظر فيها إلا أن يكون قد علمها على وجه مخصوص، أو يكون في حكم العالم بها على هذا الوجه، وهو أن يعلم أنها ثابتة على وجه يجب أن يقيس عليها يستدل بها، لأنه إذا لم يعلم ذلك لم يكن له أن يقيس عليها ويستدل بها لأن ما لا يعلم ثبوته لا يقاس عليه ولا يستدل به. قال: وهذا القدر، يغنى عن أن يقول لابد للقائس أو المستدل بهذه الأصول على الاجتهاد أن يكون عالماً بالنسخ والمنسوخ والخاص والعام والحقيقة والمجاز، والمحكم والمتشابه، وجميع ما عددنا فيما تقدم، لأنه لا يكون عالماً بشيء من ذلك حتى يعلم جميع الأقسام المتقدمة. لأنه إذا لم يعلم الناسخ لم يمكنه أن يعرف الحكم الطارئ الذي هو ثابت في الشرع. ٢٨ - وقد طول الجماعة الكلام في ذلك، واحضر ما يمكن أن يقال أن يكون عارفاً بالخطاب وما يتفرع عليه ويستفاد به، والأفعال وما يتفرع عليها ويستفاد حكمه بها، أو يرجع إلى هذين الأصلين. فهذا أخصر ما يمكن. ويدخل فيه جميع ما ذكرناه (والحمد لله).

стр. 55

فصل ٢٩ - والمحكي في الخلاف عن أصحابنا أنه يجوز أن يكون القاضي عامياً، ويرجع إلى أهل العلم فيعلم بما يفتون به، لأن الخصاف قال في أدب القضاء: «وإن كان القاضي لا تمييز له بعد ذكره لما يقضي به، وتفضيله بما سنذكره فيما بعد إن شاء الله فأخذ بقول الفقيه رجونا أن لا يكون عليه شيء». ٣٠ - وقال الشافعي وغيره من العلماء وهو قول محمد بن الحسن: لا تنعقد ولاية العامي، ولا يجوز لأحد أن يستفتي غيره ويحكم به على غيره. وليس ذلك لأحد بعد النبي ﷺ . ٣١ - قال في كتاب المزني في أول باب: «ولا يشاور إذا نزل به المشكل إلا أميناً عالماً بالكتاب والسنة والآثار وأقاويل الناس والقياس ولسان العرب ولا يقبل وإن كان أعلم منه حتى يعلم كعلمه أن ذلك لازم له، من حيث لم يختلف فيه الرواة، أو بدلالة عليه أو أنه يحتمل وجهاً أظهر منه، فأما أن يقلده فلم

стр. 56

يجعل الله ذلك لأحد بعد رسول الله ﷺ ، ولكنه يجمع المختلفين لأن أمد لقضيته ويكشف بعضهم على بعض. ٣٢ - (قال الشافعي): وإن لم يكن في (عقله) ماذا اعتدل القياس عقله، وإذا اسمع القياس ميزه فلا ينبغي أن يقضي ولا لأحد أن يستقضيه». ٣٣ - اعلم أن من اعتمده الشافعي ﵀ لا يوجد لأحد في الدنيا على ما قال، وإنما العمل اليوم في الولاة على ما ذهب إليه أصحابنا، وإن كان ما قاله إذا وجد أولى وأصوب لأن الله تعالى قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وإذا حكم بقول أهل الذكر فقد أدى ما وجب عليه لأن فصل القضاء فرض توجه عليه فعله فهو كما لو استفتى في حق نفسه وما يوجه عليه من الحكم ولا خلاف بيننا أنه يقلد في حق نفسه، وهو يقول قال الله تعالى: ﴿وأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ وهذا أمر للحاكم لا لغيره، ولأنه لا يجوز أن يكون مفتياً، فلا يكون حاكماً كالكافر والصبي ولأن العلم رأس مال الحاكم وآلة له، فكيف يصح عمل من لا آلة له، هذه الجملة نكتة المسألة وأبو حنيفة جعل حكمه كشهادته، فإذا وجدت جميع الشرائط في الحاكم أمن المولى له الحكم وهذا باب يذكر فيه صفة المولى وما يجب أن يكون عليه من الشرائط «والله أعلم الصواب وإليه المرجع والمئاب».

стр. 57

فصل ما يجب أن يكون عليه الإمام من الشرائط ٣٤ - أعلم أن القضاء لا يجوز أن يولاه القاضي من جهة العوام، وإنما يولاه من جهة الإمام، فيجب أن تذكر صفة الإمام، وطريق إمامته فتقول أن كل صفة اعتبرت في القاضي من الذكورة والعقل والبلوغ والصلاح والورع والعدالة والأمانة والعفة فهي معتبرة في الإمام الأعظم. ٣٥ - ويعتبر في الإمام شرائط لا تعتبر في القاضي، فكل من جاز أن يكون إماماً يجوز أن يكون حاكماً بلا خلاف، ولا يجوز أن يكون كل من جاز قضاؤه إماماً، لأن القضاء رتبة انقص من الإمامة، كما أنه يجوز أن يكون الملك رسولاً، ولا يجب أن يكون الرسول ملكاً، وكل نبي فهو إمام، وليس كل إمام نبياً. ٣٦ - فشروط الإمامة ضربان: أحدهما أن يعلم بالشرع، والآخر يعلم بالشرع والعقل جميعاً، فالأول نحو أن يكون من قريش أو من قبيل مخصوص منها، فهذا إنما يعلم بالشرع، وما يعلم شرعاً وعقلاً فهو ما لا يتم الفرض بالإمامة إلا به، ونحن نذكر ما فيه من الخلاف: منها أن يكون عالماً بأصول الدين، ومن أهل الاجتهاد في فروعه ليمكنه حل الشبه وإرشاد الضال وفتيا المستفتي والحكم بين الخصوم، وهذا شرط عليه سائر فرق المسلمين في اعتباره من الفقهاء أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك وسائر المختلفين، وعليه جماعة فرق المتكلمين على اختلاف مذاهبهم لا يعرف بينهم خلاف في ذلك. ٣٧ - وقال بعض أهل العلم في عصرنا وهو شيخنا أبو علي محمد بن أحمد ابن الوليد ﵀ أن اعتبار العلم بما ذكرناه يؤدي إلى أن لا يصح لإمام إمامة في العصر، بل يجب أن يكون له بصر وعقل ورأي ويقوى كل

стр. 58

فريق في الأصول والفروع «ويتولون ذلك عنه» كما يتولاه بنفسه، ولو كلفناه العلم بذلك مع ضيق الزمان وكثرة الأشغال لأدى ذلك إلى انقطاع زمانه، وفوات تدبير الخلق، لأن العلم كثير والمسائل صعبة، ولا يكاد يجتمع جميع العلوم في الشخص الواحد إلا نادراً شاذاً، ويجتمع مجموع العلوم في الأشخاص فإذا احتاج إلى نوع من ذلك رجع إلى أهله، وقاس ذلك على القضاء، وعمل في ذلك مثله على طريق التقدير، أن أحداً من العلماء الماضيين لم يكتمل له جميع العلوم، وتفصيل الجملة التي ذكرناها مع معرفة الفروع أجمع، ولكن قوله يؤدي إلى أن يكون كل من قام بما ذكره يجوز أن يكون إماماً. والإجماع من الجمهور بخلافه على أن الإمام إنما يكون واحداً في العصر، القضاة كثيرون، فيحق أن نعتبر في الواحد جميع الشرائط، ومنها أن يكون ذا رأي وسياسة ليدبر السلم والحرب، ويضع الأمور مواضعها فيلين في موضع اللين، ويشتد في موضع الشدة، ومنها أن يكون شجاعاً حتى لا يجبن في إقامة الحدود، ومقاومة أهل الحروب. ومنها أن يكون في ظاهرة عدلاً غير فاسق، لأنه إن فسق بوجه من وجوه الفسق لم يوثق بعدله، ولم يؤمن أن يحيف في الأحكام، وأن يجبي ما لا يستحقه من المال ويصرفه إلى ما لا يستحقه لأنه أمين فيما يأخذ ويعطي فإذا كان فاسقاً لم يؤمر أمير على المسلمين ولا يعقد له ولاية ولا يجب له علينا طاعة، لأنه ينوب عن الله ورسوله ﵇ في الأرض، فلا ينبغي له أن يأخذ ما يجب لله تعالى وللمسلمين لنفسه ولا يعطيه لغير مستحقه. شرط الذكورة ٣٨ - ومنها أن يكن ذكراً. ومن الخوارج من أجاز إمامة المرأة.

стр. 59

والجمهور من الناس والمسلمين على خلافة. وكيف تصلح لهذا الأمر، العظيم، وهي لا تصلح لصلاة الرجال، وقد قال ﵇: - ما أفلح قوم ولى أمرهم امرأة. ٣٩ - ومنها أن يكون حرًا، وقال من لا علم له: يجوز أن يكون عبدًا لأنه ﵇ قال: - أطيعوا ولو ولى عليكم عبد أجدع. وهذا لا يصح، لأن العبد مشغول بمنافع مولاه، ولا تكاد النفوس تنقاد له ولا ترجع إليه، وليس من حيث جاز أن يكون أميرًا يجوز أن يكون إمامًا، لأن الأمير يتصرف من قبل الإمام فهو كتصرف الإمام، والإمام يتصرف من جهة نفسه فيجب أن يكون مالكًا لنفسه. شرط النسب ٤٠ - ومنها أن يكون قرشيًا، ومن أصحاب الحديث ومن الخوارج من لم يشترط ذلك، وهو مذهب جماعة من المسلمين قالوا لأن عمر بن الخطاب ﵁ لما عين أصحاب الشورى بحضرة المسلمين قال لهم: - لو كان سالم حيًا ما خالجني فيه شك. وسالم مولى امرأة أبي حذيفة. ولم ينكر عليه أحد من الحضور. وحجة الجمهور قوله ﵇:

стр. 60

الأئمة من قريش. والألف واللام لاستغراق الجنس وقال: - إن هذا الأمر لا يصلح لقريش. اختلافهم في مفهوم لفظة قريش ٤١ - واختلف القائلون بأنها في قريش من عناه النبي ﷺ بقوله: الأئمة من قريش، واسم هو لرجل أو لقب عرف به، وقد جهل كثر من العلماء والفقهاء ذلك. وسألت أنا جماعة فلم يعلموا هل هو اسم رجل أو قبيلة، وهذا يعرض إذا ذكرت لك نسب النبي ﵇، وهو أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن عدنان. فإذا عرفت ذلك فقريش اختلفت فيه من هو؟ فمن الناس من قال هو بدر ابن النضير دليل بني كنانة، هو قريش، وهو صاحب بئر بدر التي لقي عليها النبي ﷺ قريشًا. وقيل قريش هو فهر بن مالك وأن من جاوز هذا الأب ليس له حظ في الإمامة ولا نصيب. ومنهم من قال النضر بن كنانة هو قريش، وأن من ليس من ولد النضر فليس

стр. 61

من قريش وإن كان ولد دونه فهم أهل الإمامة كائنًا من كان من أولاده وأولاد أولاده. فمن قال أنه بدر بن النضير فهي في ولده وهو أحق بها، وليس يكون في أجداد النبي ﷺ حينئذ، وهذا قول مرغوب عنه، وهو قريب من قول من قال أنها تكون في غير قريش، وغير العرب، وهذا يحتاج إلى بيان وشرح، وليس هذا موضعًا له. فصل ٤٢ - وأما القول أنها لقريش على الخلاف في ذلك فاختلفوا هل تتخصص بقبيل بعينه أم لا؟ ٤٣ - فمنهم من قال تختص بالفاطميين خاصة وهم الشيعة، ومن الشيعة من يخصها بولد الحسين ﵇ ويعدد منهم اثني عشر رجلاً وهم الأمامية. وفرق الشيعة كثيرة: ٤٤ - ومن الشيعة الزيدية: وهم يرون الإمامة لكل من ولد الحسن والحسين ﵇. ٤٥ - ومنهم من يجعل ذلك في ولد محمد بن الحنفية وفيه، ويقولون أنه المهدي. ٤٦ - وقالت الرواندية أنها في ولد العباس ﵁ خاصة. ٤٧ - ومنهم من يخصها بولد عبد الله خاصة.

стр. 62

نقد مختلف الأقوال في تخصيص الخلافة ٤٨ - والخلاف بين هذه الفرق كثيرة وكلها مسافة أقاويل متدافعة وكل أدلتها مدعاة. إمامة المفضول ٤٩ - واختلف في كونه أفضل أهل زمانه فشرطت الأمامية ذلك، وإليه ذهب عباد بن سليمان والزيدية وأصحاب ابن الجارون، فأما الفقهاء والزيدية الصالحية وفرق كثيرة من الناس فيجيزون إمامة المفضول. ٥٠ - وقالت طائفة من متكلمي البصرة كأبي علي وابنه لا يجوز إلا أن يكون في الفاضل علة. ٥٠ - فحجة من لم يشترك ذلك إجماع الصحابة ﵃: من ذلك قول أبي بكر ﵁ يوم السقيفة: - وقد رضيت لكم هذين. يعني عمر وأبا عبيدة بن الجراح فبايعوا أيهما شئتم

стр. 63

وجعل عمر الخلافة شورى في ستة وهم متفاضلون عند جميع الخلق، ولم ينكر أحد ذلك عليه. واتفقوا أن العلم بالصانع وسائر الأعمال لا يرجح به، وهو فضيلة لمن علمه. الإمامة حق لكافة المسلمين ٥١ - واختلف هل الإمامة حق لكافة المسلمين أو هل هي حق عليهم؟ فمنهم من قال هي حق لهم، ولهم أن يصرفوها إلى من شاءوا ممن يعلمون أنه يقوم بها، قال أبو بكر ﵁ حين دعا بعلي والزبير ومن تخلف عن بيعته من بني هاشم ﵃ بعد الخطبة: أيها الناس إن هذا الأمر أمركم ليس لأحد فيه إلا ما وليتموه، وأنا أسمعكم وأطوعكم لمن وليه، إلا وأنتم بالخيار من أمركم، وأنت يا أبا الحسن والنفر الذين معك بالخيار. الإمامة حق على المسلمين ٥٢ - ومن يقول هي حق على المسلمين يقول أن الإمام المقصود به أن يستوفي الحقوق منهم، ويمنع منهم الظالم وينظر المظلوم. العصمة ٥٣ - واختلف في عصمة الإمام فلم يشترك ذلك سائر الفرق، واشترط ذلك الأمامية من الشيعة. معنى العصمة ٥٤ - ومعنى العصمة أن يكون مع الإمام الطاف من جهة الله تعالى لا يرتكب معها كبيرة.

стр. 64

نقد القول بالعصمة ٥٥ - وهم يشترطون في ذلك شروطًا لعلها قط لم توجد في بشر، ولو وجب عصمة الإمام لوجب عصمة القاضي والأمير والجند وأصحاب الأخبار، وناقلي الشرع إلى الغير من أهل البلاد، ولوجب عصمة رسل الإمام، وهذا فيه كلام كثير. الإمام في بلد بعيد ٥٦ - واختلف في الإمام إذا كان ببلد بعيد لا يقدر على استعلام حاله وما يعرض له، هل لأهل ذلك الموضع أن ينصبوا غيره أم لا؟ فعند جمهورنا ليس لهم ذلك. ٥٧ - وقال أبو إسحق الاسفراييني وجماعة من أصحاب الشافعي لهم ذلك. وقال: ليس حال الإمام أكثر من حال النبوة. وقد بعث الله تعالى موسى وهارون ﵉ إلى أمة واحدة، وقال في سورة ياسين ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾. هذا مع إمكان البلاغ بالواحد، فكيف إذا تعزز ذلك. ٥٨ - والجماعة يقولون لو جاز مع التباعد لجاز مع القرب، وهذا يؤدي إلى جواز أئمة في البلد الواحد، وهذا ينقض الغرض منها، ويؤدي إلى الاختلاف في الطاعة والأحكام. واجبات الإمام ٥٩ - واتفقوا على أن على الإمام حقوقًا تجب بدخوله في الإمامة لكافة المسلمين، وهي: التسوية بينهم في الأحكام والعطاء وقسمة الفئ، ووضع كل حق في

стр. 65

موضعه، ومنع الظالم، والأخذ على يديه، وتقوية يد المظلوم حتى يصل إلى حقه. واجبات المسلمين تجاه الإمام ٦٠ - وله على المسلمين أن يسلموا إليه ما وجب عليهم من حق مال له أخذه. والسمع والطاعة له فيما يأمر به وينهي عنه ما لم يكن معصية لله تعالى. وأن يمكنوه من إقامة الحدود عليهم في أنفسهم وأتباعهم. معرفة الإمام ٦١ - واختلفت في معرفة الإمام ووجوبها. فمنهم من قال: لا يجب على كل مسلم معرفة عين الإمام في الزمان، بل يفرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين كدفن الميت والصلاة عليه. ٦٢ - ومنهم من قال: على كل مسلم أن يعرف عين الإمام وهو فرض لازم كما يعرف الله تعالى ورسوله صلى الله عليه سلم، وهو كفرض الصلاة والصوم والحج، وهذا يقتضي أن نذكر بماذا يصير الإمام إمامًا، لأنه إذا كان لابد من إمام للمسلمين فبماذا يكون إمامًا. ٦٣ - وهذا باب القول في طريق الإمام إلى الإمامة. باب في طريق الإمام إلى الإمامة ٦٤ - اتفق المسلمون على أن النص من الرسول ﵇ والإمام بعده طريق إلى كون الإمام واحدًا فإن كان واحدًا وجبت طاعته، وإن كانوا جماعة كأصحاب الشورى اختير منهم واحد، إما بالقرعة أو الرضاء منهم. ٦٥ - واختلف بعد ذلك في الاختيار فذهب جماعة من الفقهاء والمتكلمين إلى كون الاختيار طريقًا إليها.

стр. 66

٦٦ - وقالت الإمامية: لا طريق إلى نصب الإمام غير النص. ٦٧ - وحجة الجماعة أن بيعة أبي بكر ﵁ بالاختيار وكذلك عمر وعلي ﵄، وهو فعل المسلمين في سائر الأمصار. وقولهم: الاختيار يؤدي إلى المنازعة فلا يصح، لأنا لم نر الأمر جرى على ما قالوا. ٦٨ - وإذا عقدوا فالعقد الأول دون الثاني. ٦٩ - وإن وقع العقدان معًا فقد قيل بالبطلان، وقيل يقرع ينهما، وقيل ينعقد للأفضل منهما. ٧٠ - وقد كان النص عندهم موجودًا والخلاف واقعًا فلا يصح قولهم في ذلك. في اختيار الإمام ٧١ - والاختيار أن يجتمع جماعة من صلحاء الأمة وأهل الحل والعقد والعلم والأمانة فيعقدوا للإمام. ولا يفتقر إلى جميع الأمة في ذلك، كما ينعقد نكاح المرأة ببعض الأولياء. ٧٢ - واختلف في البعض الذي تنعقد به (الإمامة) فأكثر أصحابنا يقولون: جميع الناس كما كان يوم السقيفة ويوم الشورى.

стр. 67

٧٣ - ومنهم من قال: أربعة كشهود الزنا. ٧٤ - ومنهم من قال: ثلاثة كالحاكم والشاهدين. ٧٥ - ومنهم من قال: ينعقد (باثنين) كالحكمين يوم صفين وجزاء الصيد. ٧٦ - ومنهم من قال: ينعقد بواحد كما قال العباس ﵁ لعلي ابن أبي طالب ﵁: إمدد يدك أبايعك لا يختلف علينا الناس، ويقال عم رسول الله بايع ابن أخيه. وكما ينعقد نكاح الحرة بواحد من الأولياء كذلك هذا. فصل الدعوة ٧٧ - واختلف في الدعوة هل هي طريق إلى الإمامة أم لا؟ فقالت الزيدية أنها طريق إلى ذلك. ومنع باقي الناس ذلك، وقالوا ليست بطريق. والدعوة أن يباين الإنسان الظلمة ويأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر وتجتمع فيه شروط الإمامة، فيكون إماماً وإن لم يبايع على ذلك. وهذا لا يصح لأنه يؤدي إلى أن يطلب ذلك كل واحد، ويفعل فعل صاحبه، فيجتمع للناس عدة أئمة، وهذا لا يجوز.

стр. 68

فصل هل تورث الإمامة ؟ ٧٨ - واختلف في الميراث هل تورث الإمامة؟ فقال بعض الزيدية والعباسية أنها تورث، وتكون لأولى الوارثين، ولا يرثها صبي ولا مجنون ولا امرأة، ولا من ليس له صفة الأئمة. والجماعة من الناس على أنها لا تورث، لأن الإرث يستوي فيه الجماعة كالمال. فصل في كيفية النص ٧٩ - هل تكفي مشافهة المنصوص عليه أم يحتاج إلى شهود معه؟ وما عدد الشهود؟ وهل هم كعدد (شهود) حقوق الأموال أم لا؟ وهل يكون النص جليًا أو خفيًا؟ وهل يفتقر إلى من يخالف الإمام في رأيه أو يوافقه؟ كل ذلك مختلف فيه. فهذه جملة ممتعة «مقنعة» في الإمامة. باب كيفية الولاية ٨٠ - وهذا باب نذكر فيه كيفية الولاية: اعلم أن الإمامة لا يصح عقدها خاصة بل لا تقع إلا عامة عمومًا لا تخصيص فيه بحال. وأما ولاية القضاء فتقع تارة عامة بأن يقول الإمام: وليتك القضاء والحكم فيعم الأشخاص والمواضع (والأيام)، وتارة تكون خاصة.

стр. 69

٨١ - فإن عين موضع الولاية ولم يعين الناس جاز، وكان له أن يحكم على كل من في الموضع الذي وليه، ولا خلاف في جواز حكمه على جميع الناس. وإنما اختلوا في المحكوم له، وله باب نبينه فيه فيما بعد إن شاء الله تعالى. ٨٣ - وإن عين المحكوم عليه، ولم يبين (يذكر) الموضع الذي ولاه الإمام ولا عين بقعة بعينها من المواضع والبلاد والمحال التي تعين أبدًا بالولايات والعهود التي بيد القضاة «تنشأ للقضاة» والحكام المنصوبين، جاز ذلك، وكان له أن يحكم به المعينين له بالحكم في كل المواضع. ٨٤ - وإن عين الموضع والخصوم جاز ذلك، ولم يكن له أن يحكم في غير الموضع ولا على غير من عين له. وكل ذلك لا خلاف فيه. ٨٥ - ويكفي في الولاية مشافهة الإمام للقاضي بالولاية إن كان حاضرًا، وكتابه إن كان غائبًا. وتجوز بالرسالة إليه أيضًا. ٨٦ - وهل يفتقر في الكتابة إليه بالقضاء أن يشهد عليه الإمام؟ ويكون كالكتب الحكمية؟ أم يكفى مجرد الكتاب إليه؟ فالذي ذكر الخصاف في أدب القضاء عن (محمد بن الحسن) قال: قال أبو حنيفة: وإن قرأ عليهم الكتاب، يعني القاضي إذا كتب إلى قاض ولم يختمه بحضرتهم، وهم لا يحفظون ما فيه، وليس نسخته معهم لم يجز ذلك. ٨٧ - وقال [أبو يوسف] يجوز الكتاب ويقبله الذي ورد عليه، وإن لم يقرأه عليهم بعد أن يشهدهم على نفسه أنه كتابة وخاتمة، لأني أنفذ كتب الخلفاء بغير بينة، والخلفاء ينفذون كتب القضاة بغير بينة. ٨٨ - وقياس قول أبي حنيفة أنه لا يقبل. ٨٩ - وقد حكى أصحاب الشافعي في ذلك وجهين: في أحدهما يقبل، وفي الثاني لا يقبل. والرسالة مثل ذلك.

стр. 70

باب ما يشترك فيه الوالي والمتولي من الصفات ٩٠ - اعلم أن القاضي والإمام يشتركان في الحرية والبلوغ والعدالة والعلم والأمانة والعفة والصيانة في أن كل واحد لا يجوز له أن يقضي لنفسه، ولا لأولاده ولا لأحد من أجداده وسيأتي «وسنبين» ذلك في باب من يجوز أن يقضي له ومن لا يجوز. فالإمام والقاضي في ذلك سواء. ٩١ - ويفترقان في اعتبار كونه من قريش، فالقاضي يجوز أن يكون عربيًا وأعجميًا، ومن سائر أنواع الأمم إذا وجد فيه شرائط القضاء التي قدمناها. ويفترقان في خصوص الولاية وعمومها. [مطلب: القاضي لا يولي ابنه القضاء في حياته ولا يعد مماته] ٩٢ - ويجوز أن يولى الإمام ابنه للإمامة بعده بالنص عليه، والقاضي لا يولي ابنه القضاء في حياته ولا بعد موته إلا أن يجعل الإمام له ذلك. [مطلب قضاء القاضي على القاضي الذي ولاه وله وعلى الإمام الذي ولاه] ٩٣ - ويقضي على القاضي الذي ولاه وله. ٩٤ - وكذلك القاضي يقضي على الإمام ويقضي له وإن كان يستفيد النظر من جهته. [مطلب: لا يجوز أن يكون إمامان في دار الإسلام] ٩٥ - ويجوز أن يكون القاضي في محلة ومعه قضاة، ولا يجوز أن يكون إمامان في دار الإسلام.

стр. 71

[مطلب: يجوز أن يشتركا في قضية واحده] ٩٦ - ويجوز أن يشترك القاضيان في قضية، ولا يجوز ذلك في حق الإمامين. [مطلب: انتقاض الولاية] ٩٧ - والإمام لا تنتقض ولايته. والقاضي تنتقض ولايته. [مطلب: ما ينفرد به الإمام] [مطلب: الإقطاع] ٩٨ - والإمام يجوز أن يقطع الأرض (ويخص) بمال بيت المال، وليس للقاضي هذا. [مطلب: بيان حدود الولاية] ٩٩ - والإمام لا يحتاج إلى بيان ما له أن يتصرف فيه، والقاضي يحتاج إلى بيان الحكم والقضاء. ١٠٠ - وليس للقاضي أن يتصرف إلا فيما يجوز للإمام أن يتصرف فيه. ١٠١ - والإمام يتصرف فيما ليس لأحد من أهل الحل والعقد أن يتصرفوا فيه، فهو يستفيد بالولاية ما لم يكن لمن ولاه أن يفعله. ١٠٢ - فإن قيل: فهذا يدل على بطلان الاختيار لأن من ولاه الأمر لا يملك ما ولاه فعله.

стр. 72

والجواب أن ذلك غير ممتنع، كالولي يزوج وليته ولا يملك وطئها، والزوج يجوز أن يستوفي منفعة البضع ويملك ذلك ولا يجوز أن يملكه غيره. وسنبين في باب النيابة ما يجوز أن يستناب فيه ومالا يجوز إن شاء الله. باب ولاية الخوارج للقضاء ١٠٣ - وهذا باب يذكر فيه ولاية الخوارج للقضاء وما يجوز من ذلك وما لا يجوز. تعريف الخوارج ١٠٤ - اعلم أن الخوارج كل فرقة أظهرت رأيًا ودعت إليه وقاتلت عليه، وصار لها منعة وشوكة وتحيزت بخطة (بحيزة). ١٠٥ - وسنذكر في كتاب أهل البغي ما يجب عليهم ومالا يجب من الأحكام عند بلوغنا إليه إن شاء الله. [قضاء الخوارج] ١٠٦ - وإنما الكلام ههنا في صحة الولاية: فحكى الخصاف في أدب القضاء له: أنهم إذا ولوا رجلاً القضاء فقضى بقضايا وحد ناسا «وحكم بأشياء» ثم ظهر أهل العدل بعد ذلك على البلد فولوا قاضيًا، ثم رفعت أحكام أهل التأويل إليه، فإنه ينقض منها ما ينقض من أحكام غيرهم. ١٠٧ - وقال الطحاوي ﵀ في مختصره في كتاب أهل البغي: ولا ينقض من أحكامهم إلا ما كان ينقض من أحكام غيرهم.

стр. 73

١٠٨ - وحكى الشيرازي ﵀ من أصحاب الشافعي ﵀ في كتاب التهذيب له عن مذهبهم. قال: وإن ولوا فيما استولوا عليه قاضيًا نظرت فإن كان ممن يستبيح دماء أهل العدل وأموالهم لم ينفذ حكمه، لأن شرط القضاء العدالة والاجتهاد وهذا ليس بعدل ولا مجتهد. وإن كان ممن لا يستبيح ذلك نفذ من حكمه ما ينفذ من حكم قاضي أهل العدل، ورد من حكمه ما يرد من حكم قاضي أهل العدل، لأن لهم تأويلاً يسوغ فيه الاجتهاد. ١٠٩ - وقال: واستحب أن لا يقبل كتاب قاضيهم استهانة وكسرًا لقلوبهم، فإن قبله جاز. وجوب تحقيق الإمام في أسباب خروج الخوارج عليه وإنصافهم ممن ظلمهم ١١٠ - والذي مال إليه الطحاوي في المختصر أنه يسألها عما دعاها إلى الخروج فإن ذكرت شيئًا ظلمت فيه أنصفت ممن ظلمها وإلا دعيت إلى الرجوع إلى الجماعة والدخول في طاعة الإمام الذي يجب عليها طاعته فإن فعلت وإلا قوتلت فشرط أن يكون إمامًا تجب عليها طاعته ليكونوا خوارج. ١١١ - وهذه الأقوال تدل على اتفاق المذهبين على جواز ولاية من يتولى من قبلهم القضاء. ١١٢ - وسيرد [وسنذكر] حكم ما أتلفوا علينا وأتلفنا عليهم في بابه إن شاء الله. فصل خلو الزمان من الإمام ١١٣ - ينبغي علينا أن نذكر خلو الزمان من الإمام المفترض الطاعة:

стр. 74

إذا لم يكن إمام للمسلمين ثابت الإمامة فمن تغلب على الأرض وملكها ودعا لنفسه، وقام بما يجب عليه من الحقوق، وذب عن الدين، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو في الولاية من قبله وجهته أكثر من الخوارج مع الإمام، فإذا قلنا أن ولاية من ولوه جائزة، وحكمه ماض فمن ليس في مقابلة إمام أولى وأحرى بجواز الولاية من قبله. ١١٤ - وإذا خلا الزمان من الإمام والمتغلبين على سبيل الفرض والتقدير فكل حكم يلزم العامة والإمام بين أظهرهم فهو لازم لهم مع عدمه، وكل حكم لا يلزمهم ولا يجوز لهم فعله مع وجوده فهم فيه أيضاً مع عدمه غير مخاطبين بفعله، والأول كالزكاة والصلاة وسائر العبادات التي يتفردون بها، والعقود التي يعقدونها. ١١٥ - والثاني كالحدود والقطع في السرقة وضرب الجزية والإحياء وما هو مفوض إلى الإمام، فأنه لا يستوفي ولا يأخذه بعضهم من بعض، وكذلك الأحكام وتوليها. باب التحكيم وهذا باب نذكر فيه التحكيم من الرجلين لغيرهما: ١١٦ - اعلم أنه يجوز أن يحكم الخصمان رجلاً واحدًا، ويجوز أن يحكما رجلين فما زاد. ١١٧ - وقد حكم علي ﵇ أبا موسى الأشعري، وحكم معاوية عمرو بن العاص، ورضيا بحكمهما عليهما، وحكم عمر بن الخطاب ﵁ وأبي بن كعب زيد بن ثابت، وحكم عثمان وطلحة ﵄ جبير بن مطعم

стр. 75

وذلك جائز في الشرع والدين، وهو قول الشعبي وابن سيرين وعبد الله بن عتبة، وهو قول أصحابنا جميعا. ١١٨ - ولهما أن يخرجا الحكم من الحكم ولأحدهما ما لم يحكم ويمض الحكم عليهما. ١١٩ - وليس لواحد منهما أن يرجع عن ذلك بعد الحكم. ١٢٠ - وقال الشافعي لا يلزم الحكم إلا برضاهما بعد الحكم في أحد قوليه، لأن في إلزام حكمه افتئاتًا على القاضي والإمام، ولأن رضاهما معتبر في التحكيم، فكذلك في الحكم، والثاني مثل قولنا لا يعتبر رضاهما لأن من جاز حكمه لزمه حكمه. ما يجوز فيه التحكيم ١٢١ - واختلف أصحاب الشافعي فيما يجوز فيه التحكيم فمنهم من قال يجوز في كل ما يتحاكم فيه الخصمان كما يجوز حكم الحاكم الذي ولاه الإمام. ١٢٢ - ومنهم من قال يجوز في الأموال فأما النكاح واللعان والقصاص وحد القذف فلا يجوز لأنها بنيت على الاحتياط، فهذا قولهم في هذا الباب. ١٢٣ - وقال أصحابنا: وإذا حكم الحكم بشيء ثم رفع إلى القاضي نظر في ذلك، فإن كان موافقًا للحق ورأيه أمضاه، وإن كان لا يوافق رأيه والحق رده. ١٢٤ - وقال بعضهم إذا كان مخالفًا لرأيه ومذهبه فهو بالخيار: إن شاء
следующие страницы →