← Фикх малики

Фикх малики · id 18609

شرح الرسالة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (831 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

فأما قوله: أنه يقطع التلبية إذا راح إلى الموقف. وزالت الشمس فالخلاف فيه مع أبي حنيفة والشافعي ﵄؛ لأنهما يقولان: إنها لا تقطع حتى يرمى أول حصاة من جمرة العقبة يوم النحر. واستدل عنها بما روى الفضل بن عباس أن رسول الله ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة. وما روى عن عمر ﵁ أنه لبى وهو عند الجمرة. فقال له ابن عباس: فيم الإهلال يا أمير المؤمنين؟ فقال: وهل قضينا نسكًا بعد. وروى عن علي ﵁ أنه كان إذا رمى الجمرة قطع التلبية. ولأن التلبية لأجل الإحرام، فلما كان ابتداؤها حين الابتداء به وجب أن يكون قطعها إذا ابتدأ بالخروج منها. والأصل فيما قلناه إجماع السلف عليه؛ فروى الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقطع التلبية إذا زالت الشمس يوم عرفة. وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر عن نافع أن عثمان ﵁ كان يقطع التلبية إذا راح إلى الموقف عشية عرفة. وروى الوليد بن مسلم عن ابن أبي ذئب عن ابن شهاب قال: كانت

стр. 597

الأئمة يقطعون التلبية إذا زالت الشمس يوم عرفة. وسمى ابن شهاب الزهري أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعائشة وسعيد ابن المسيب ﵄. وروى مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن علي بن أبي طالب ﵁ كان يلبى في الحج حتى إذا زالت الشمس من يوم عرفة قطع التلبية. وروى مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عائشة زوج النبي ﷺ كانت تدع التلبية إذا راحت إلي الموقف. قال مالك: وذلك الذي لم يزل عليه أهل العلم. وروى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يدع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم حتى يطوف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم يلبي حتى يعود إلى عرفة، فإذا عاد ترك التلبية. وروى ابن وهب عن يونس عن ربيعة أنه قال: الأئمة والجماعة كانوا لا يقطعون التلبية ولا يمسكون عنها حتى يروحون إلى الموقف من عرفة، فإذا راحوا إلى الموقف أمسكوا عن التلبية وأظهروا التكبير حتى يحلوا. وروى مثله عن سعد، وجابر، وابن الزبير، وأم سلمة ﵄. ومن جهة المعنى: أن التلبية إجابة للنداء بالحج الذي دعى إليه، فإذا انتهى إلى الموضع الذي دعا إليه فقد فعل ما وجب عليه، وانتهى إلى غاية

стр. 598

ما أمر به؛ فوجب أن يقطع التلبية؛ لأنه لا معنى لاستدامتها فيما زاد على ذلك. فأما الحديث الذي رووه محمول على الجواز، وما ذكرنا فهو المستحب؛ لأن الاستحباب لو كان ما ذكروه لم تكن الأئمة لتعدل عنه وتجمع على خلافه فيذهب عليها فعله ﷺ في ذلك. والعمل المتصل عندنا يترك له الخبر. وما رووه عن عمر وعلي - رضوان الله عليهما - غير محفوظ، بل المشهور عنها ما رويناه عنها وعن جماعة الأئمة والسلف. وقولهم أن التلبية لأجل الإحرام فيجب أن يخرج عنها بالخروج منه: باطل من وجهين: أحدهما: أنها ليست لأجل الإحرام، ولكن من شروطها أن يبتدئ بها مع الإحرام، وليس كلما ابتدئ مع الإحرام كان لأجله. والآخر: أن هذا يوجب أن لا تقطع ما بقى من الإحرام شيء. وهذا باطل. والله أعلم.

стр. 599

مسألة قال ﵀: ويستحب أن يدخل مكة من كداء الثنية التي بأعلى مكة، وإذا خرج خرج من كداء. وإن لم يفعل في الوجهين فلا حرج. قال القاضي ﵁: وهذا لأن رسول الله ﷺ فعل ذلك في دخوله وخروجه؛ فروى سفيان بن عيينة [ق/ ١٣٥] عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا دخل مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها. وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يدخل مكة من الثنية العليا. وفي حديث آخر: من كداء من ثنية البطحاء، ويخرج من [الثنية] السفلى. فلذلك استحببناه له. فإن لم يفعل فلا حرج؛ لأنه لم ترك واجبا ولا مسنونًا. * * *

стр. 600

مسألة قال ﵀: "فإذا دخل مكة فليدخل المسجد، ومستحسن أن يدخل من باب بني شيبة". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀: وذلك لأن المستحب له المبادرة إلى البيت للطواف به، والركوع عنده، وحيازة الثواب بذلك. وقد روى عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل مكة لم يلود ولم يعوج - يعني: دون المسجد -. وروى الليث عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا دخل مكة لم ينخ ناقته إلا عند باب المسجد. وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يدخل المسجد الحرام إذا قدم من باب بني شيبة. * * *

стр. 601

مسألة قال ﵀: " [ويستلم] الحجر الأسود بفيه إن قدر، وإلا وضع يده عليه ثم يضعها على فيه من غير تقبيل، ثم يطوف والبيت على يساره سبعة أشواط: ثلاثة خببًا ثم أربعة مشيًا، فيستلم الركن كلما مر به كما ذكرنا. ولا يستسلم اليماني بفيه ولكن بيده، ثم يضعها على فيه. فإذا تم طوافه ركع عند المقام ركعتين، ثم استلم الحجر إن قدر، ثم [يخرج] إلى الصفا فيقف عليه للدعاء، ثم يسعى إلى المروة، ويخب في بطن المسيل، فإذا أتى المروة وقف عليها للدعاء، ثم يسعي إلى الصفا؛ يفعل ذلك سبع مرات؛ فيقف [بذلك] أربع وقفات على الصفا أربعًا على المروة". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀: أما استحباب البداية بالطواف على كل شيء لمن دخل المسجد؛ فلان الطواف تحية للبيت كما أن الركعتين قبل الجلوس في سائر المساجد تحية للمسجد، فإذا كان المستحب لمن دخل بعض المساجد أن يبدأ بالركعتين تحية للمسجد؛

стр. 602

فكذلك يستحب لمن دخل المسجد الحرام أن يبدأ بتحة البيت وهي الطواف. ولأن النبي ﷺ كذلك كان يفعل؛ فيجب الاقتداء به؛ فروى ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ حين يقوم مكة يستلم الحجر الأسود أولاً، ثم يطوف. وروى وهيب حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: قدمنا مكة فبدأ رسول الله ﷺ فاستلم الركن فسعى ثلاثًا ومشى أربعًا. فأما قوله: يبدأ فيستلم الحجر بفيه إن قدر؛ فلما رويناه من فعل رسول الله ﷺ وذلك؛ فروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ حين قدم مكة يستلم الحجر الأسود أولا ثم يطوف. وروى عبد الله بن رباح عن أبي هريرة قال: أقبل رسول الله ﷺ فدخل مكة فأقبل إلى الحجر فاستلمه. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: قدمنا ومكة فبدأ رسول الله ﷺ فاستلم الركن.

стр. 603

وروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب ﵁ قال وهو يطوف بالبيت للركن الأسود: إنما أنت حجر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك لم أقبلك، ثم قبله. ورواه ابن وهب عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر ابن الخطاب ﵁ كان يقبل الحجر، ويقول: والله إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولكني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك. وروى شريك عن ليث عن مجاهد قال: لكل شيء شعار، وشعار الطواف استلام الحجر. قال: وإنما أراد عمر ﵁ أني أقبلك وأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع؛ ليرى أن تقبيله على طريق التعبد وإتباع الرسول ﷺ ، وأنه بخلاف تقبيل المشركين للأصنام واعتقادهم أنها تنفع وتضر فثبت بما ذكرناه عن النبي ﷺ والصحابة ﵁ استحباب استلام الحجر الأسود إذا قدر الإنسان عليه. فإن لم يقدر وضع يده على الحجر ثم وضعها على فيه؛ ليكون عوضًا من التقبيل؛ لأنه لما لم يقدر على التقبيل اعتاض منه بوضع اليد. ووضعها على الفم؛ ليمس فمه ما مس الحجر من أعضائه. وقد روى هذا عن جماعة من الصحابة ﵃ أنهم كانوا يفعلونه؛ روى عن ابن عباس، وابن عمر وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري،

стр. 604

وأبي هريرة، وغيرهم، ﵃ أجمعين. فأما قوله: أنه يطوف والبيت على يساره. فلا خلاف أن ذلك صفة الطواف. فإن نكسه لم يجزئه، ولكن يكن ذلك طوافًا شرعيًا عندنا، وعند الشافعي. وقال أبو حنيفة: يكره له ذلك، ويجزئه أن يفعل، وعليه الدم. واستدل عنه بقوله تعالى:﴾ وليطوفوا بالبيت العتيق ﴿والاسم يتناول الطواف على أي وجه وقع من ترتيب أو تنكيس. ولأنه حصل طائفًا بالبيت في وقت وجوبه على طهارة؛ فأشبه إذا طاف والبيت على يساره. ولأنها عبادة ليس من شروطها الموالاة؛ فلم يكن من شرطها الترتيب. أصله: الزكاة. عكسه: الصلاة. ولأنه ترك صفة للطواف؛ فأشبه إذا ترك الرمل. والأصل فيما قلنا أن رسول الله ﷺ طاف والبيت على يساره غير منكوس، وقد قال ﷺ : "خذوا عني مناسككم"؛ ففي هذا أدلة: أحدهما: بيان لما أجمل بقوله :﴾ وليطوفوا [ق/ ١٣٦] بالبيت العتيق ﴿؛ فبين أنه على الصفة التي فعلنا.

стр. 605

والثاني: أن فعله على الوجوب. وأيضًا فلأنها عبادة تتعلق بالبيت أو تفتقر إلى البيت؛ فوجب ألا يجزئ إيقاعها منكسة؛ اعتبارًا بالصلاة. واستدل بعض أصحابنا بأن قال: لأنه نسك مبنى على الحركة والتكرار فلا يجوز منكوسًا؛ السعي إذا بدأ بالمروة قبل الصفا. فأما الآية فلا تعلق فيها؛ لأن قوله :﴾ وليطوفوا بالبيت العتيق ﴿أمر، والأمر لا يتناول الفعل إلا على وجه الوجوب أو الندب، وقد ثبت أن التنكيس غير واجب ولا مندوب؛ فلم يتناول الأمر. على أن البيان من جهة السنة بفعله ﷺ ؛ فقفي عليه. والقياس الذي ذكروه ساقط مع الخبر الذي رويناه. ثم إن الكلام في أن هذا الطواف يجزئ أو لا يجزئ فرع؛ لكون الترتيب شرطًا فيه؛ فإنما أجزأ الطائف على الترتيب لأدائه إياه على شرطه. واعتبارهم بالزكاة غير مسلم الوصف؛ لأن الموالاة من شرط الطواف عندنا. وينتقض بالحج؛ لأنه ليس من شروطه الموالاة، ومن شرطه الترتيب والمعنى في الزكاة أنه لا تفتقر إلى البيت، والمعنى في الرمل أنه يسقط لا إلى دم ولا إلى غيره، وليس كذلك الترتيب. والله أعلم.

стр. 606

فصل فأما قوله: يطوف سبعة أشواط. فلأن ذلك عدد الطواف في الشرع، ومتى ترك شيئًا منه لم يجزئه، ولم ينب عنه الدم، ولم يكن طوافًا شرعيًا، إلا أن يأتي به كامل الأشواط. هذا قولنا، وقول الشافعي. وعند أبي حنيفة إن أتى بأربعة أشواط حتى رجع إلى أهله أجزأه وجبره بالدم، وإن ترك الأكثر فلا يجزئه. واستدل أصحابه بقوله تعالى:﴾ وليطوفوا بالبيت العتيق ﴿، والاسم يتناول الطائف شوطًا واحدًا. ولأن الأربعة معظم السبعة، ومن أتى بمعظم الشيء حل محل من أتى بجمعيه؛ اعتبارًا بمن أدرك الإمام في ركوعه أنه يعتد بالركعة؛ لإتيانه بمعظمها، ويكون كمدرك جميعها. ولأنه أتى بزيارة على الأشواط الثلاثة، فأشبه إذا أتى بالسبعة. ولأنه ركن من أركان الحج؛ فجاز أن ينوب الدم عن بعض أجزائه؛ كالوقوف. والذي يدل على ما قلناه أن رسول الله ﷺ طاف بالبيت سبعة أشواط. رواه جماعة من الصحابة. وروى حاتم بن إسماعيل وغيره عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر

стр. 607

أن رسول الله ﷺ استلم الركن فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا. وروى ابن وهب عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا كان بالبيت الطواف الأول يخب ثلاثة أطواف، ويمشي أربعًا. ولم يرو عنه أنه نقص من ذلك، وقد قال ﷺ : "خذوا عني مناسككم"؛ فوجب الاقتداء بفعله، وأن يؤتي بالعدد الذي أتى به. وأيضًا فلأنه نقص عن الأشواط السبعة في طوافه؛ فأشبه أن يقتصر على الثلاثة. وأيضًا فلأنه لو كان بمكة لم يجبر ما ترك من طوافه بالدم، ولزم استئنافه والإتيان ببقتيه؛ فكذلك بغيرها. أصله: إذا ترك أربعة أشواط. أو نقول: لأنه ترك من طوافه ما لو كان بمكة لم يجبره بالدم؛ فكذلك لا يجزئه وإن خرج من مكة. أصله ما ذكرناه. ولأنه فرض وعدد محصور فإتيانه بمعظمه لا يسقط ما بقى، ولا يجبره دم ولا غيره؛ اعتبارًا بسائر الفرائض. ولأنه فرض يتعلق بالبيت دون عدد؛ فوجب أن يكون الإتيان بجميعه شرطًا في صحته. أصله: الصلاة.

стр. 608

أو لأن ما افتقر إلى البيت لم ينب الدم عن شيء من عدده كالصلاة. فأما الظاهر فالسنة تقضى عليه. واستدلالهم بأن من أتى بمعظم الشيء كان كمن أتى بجميعه بالأصول كلها كالطهارة والصيام وغير ذلك من العبادات. فأما المدرك للركوع فلم يكن عليه القيام فرضًا إلا إتباعًا للإمام؛ لأنه ليس على المأموم قراءة، فإذا فرغ الإمام من القراءة ركع؛ فلم يبق شيء يتبعه المأموم فيه. وقياسهم عليه إذا أتى بالسبعة؛ بعلة أنه أتى بزيارة على الثلاثة: باطل؛ لأن العلة فيه أتى بجميع أشواط الطواف. وليس كذلك إذا أتى بالأربعة؛ لأنه أتى ببعض الأشواط؛ فأشبه إذا افتقر على شوطين. وهذه الأحكام إنما هي للطواف الفرض، ولكن وصف الطواف لا يختلف فيه فرض. واعتبارهم بالوقوف لا يصح؛ لأن الفرض منه أقل ما يقع عليه الاسم، وماذا زاد عليه الاسم، وماذا عليه مسنون وليس بفرض. والفرض لا ينوب عنه الدم. وبالله التوفيق. * * *

стр. 609

فصل فأما قوله: إن الثلاثة الأشواط الأول خيب، والباقي مشى. فلأن ذلك مروى عن النبي ﷺ وجماعة أصحابه؛ فيجب الأقتداء بهم؛ فروى مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله ﷺ رمل الثلاثة الأطواف من الحجر إلى الحجر. وروى حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله ﷺ كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول يسعى ثلاثة أطواف، ويمشى أربعًا. وقد رورى ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمرن وابن مسعود، وأبو سعيد الخدري، وابن الزبير، وجماعة من الصحابة والتابعين ﵃. والسبب في ذلك ما ذكره ابن عباس، ورواه حماد بن زيد عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ مكة وقد وهنتهم حمى يثرب. فقال المشركين: إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب ولقوا منه شرا فأطلع الله نبيه ﷺ على ما قالوا؛ فأمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا بين الركنين. فلما رأوهم رملوا قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى قد [ق/ ١٣٧] وهنتهم، هؤلاء أجلد منا.

стр. 610

قال ابن عباس ﵀: ولم يأمرهم أن يرملوا الأشواط لكها إلا للإبقاء عليهم. * * * فصل فأما قوله: إنه يستلم الركن كلما مر به، ويكبر؛ فكذلك روى عن النبي ﷺ أنه كان يفعل في طوافه كلما مر على الركن، وقد تكرر من رواية ذلك ما أغنى عن إعادته. * * * فصل فأما قوله: أنه إذا تم طوافه ركع عند المقام ركعتين؛ فلأن عنده أن من سنة كل طواف أن يركع عقيبه ركعتين سنة مؤكدة لا تترك. وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا. والآخر: أنهما مستحبتان، وليستا بواجبتين ولا مسنونتين. والذي يدل على ما قلناه قوله تعالى:﴾ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴿. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله ﷺ استلم

стр. 611

الركن فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم ﵇ فقرأ:﴾ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴿فجعل المقام بينه وبين البيت. ففي هذا دليلان: أحدهما: أنه بيان للآية. والآخر: أنه بيان للمناسك بقوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم". وروى أنه ﷺ كان لا يدع في كل طواف أن يركع عليه ركعتين. وروى أن رسول الله ﷺ طاف راكبًا، فلما فرغ نزل فصلى خلف المقام. وهذا يدل على استنانها وتأكيد أمرهما؛ لأنهما لو كانا نفلاً غير مسنون لكان يصليها على الراحلة، فلما لم يفعل ذلك بل نزل عن راحلته وصلاها عند المقام. دل ذلك على تأكيد أمرهما. ولأن الطواف من أركان الحج؛ فوجب أن يكون من توابعه ما هو واجب وجوب سنة؛ كالوقوف بعرفة؛ لأن من توابعه المبيت بالمزدلفة، وغير ذلك. فإن قيل: فقد روى من حديث الأعرابي الذي سأل النبي ﷺ عن

стр. 612

الصلوات أنه قال: هل على غيرهن؟ قال: "لا إلا أن تطوع". قلنا: إنما سأله عن الفرض اللازم ابتداء بالشرع الذي يتكرر فعله؛ ألا ترى أنه لم يذكر له النذر ولا الوتر ولا العيدين؟. فإن قيل: كل صلاة: لم تكن سنة للكافة لم تكن سنة لبعض دون بعض؛ كسائر النوافل؛ مثل الركعتين بعد الظهر وبعد المغرب. عكسه: كسائر الصلوات المسنونات. قلنا: يبطل بصلاة الاستسقاء؛ لأنها مسنونة لمن احتاج إلى الاستسقاء دون الكافة؛ فكذلك سبيل ركعتي الطواف أنهما سنتان لمن طاف دون غيره. وأيضًا فإن هذه سنة لكافة الذين يوجد فيهم شرطها؛ لأن من شرطها تقدم الطواف فكانت كصلاة الكسوف التي هي سنة للكافة إذا وجد شرطها. وليست يخرجها عن كونها سنة للكافة أن يوجد الشرطان في بعضهم؛ لأنها إنما تكون سنة بحيث يوجد شرطها، فإذا وجد فهي سنة لكافة من وجد منه. والله أعلم. * * *

стр. 613

فصل فأما قوله: إنه يستلم الحجر بعد الركوع إن قدره؛ فلأن رسول الله ﷺ كذلك فعل، وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله ﷺ طاف فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فركع، ثم رجع إلى البيت فاستلم الركن، ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا إلى الصفا قرأ:﴾ إن الصفا والمروة من شعائر الله ﴿. وقد روى من غير هذا الطريق أيضًا؛ فلذلك استحببناه. * * * فصل فأما قوله أنه يخرج بعد ذلك إلى الصفا فيقف عليه بالدعاء؛ فلأن رسول الله ﷺ كذلك فعل؛ فروى ابن وهب وحاتم بن إسماعيل وغيرهما عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله ﷺ طاف في حجته، ثم رجع فاستلم الركن، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قال:﴾ إن الصفا والمروة من شعائر الله ﴿؛ نبدأ بما بدأ الله به؛ فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت فكبر الله تعالى وحده، وقال: "إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". ثم دعا ﷺ بين ذلك وقال مثل ذلك ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا

стр. 614

أنصت قدماه رمل في بطن الوادي حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة فصنع على المروة مثل ما صنع على الصفا حتى كان آخر طوافه على المروة. وروى مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ حين خرج من المسجد وهو يريد الصفا وهو يقول: "نبدأ بما بدأ الله به" فبدأ بالصفا. وأنه ﷺ حين هبط من الصفا مشى حتى إذا أنصبت قدماه في بطن المسيل سعى حتى ظهر منه. قال: وكان يكبر على الصفا والمروة ثلاثًا ويهلل واحدة. بن رباح عن أبي هريرة قال: أقبل رسول الله ﷺ فدخل مكة فاستلم الحجر ثم طاف بالبيت ثم أتى الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت، ورفع يديه فجعل يذكر الله تعالى ما شاء أن يذكره ويدعوه. فلهذا قال بعد الطواف والركوع والاستلام يخرج إلى الصفا للسعي بينه وبين المروة، وأنه يبدأ بالصفا منه إلى المروة، ويحتسب بذلك شوطًا، ثم يرجع من المروة إلى الصفا فيحتسب بذلك شوطًا إلى أن يفرغ من السعي بالشوط السابع وخاتمه المروة؛ فيكون ذلك سبعة أشواط وثماني وقفات؛ أربعًا على الصفا، وأربعًا على المروة.

стр. 615

ولا خلاف في هذا الجملة إلا شيء يحكى عن جرير لا يعتد به لو صح عنه. * * * فصل والسعي ركن من أركان الحج، وفرض من فروضه، [ق/ ١٣٨] لا ينوب الدم عنه، وبه قال الشافعي ﵁. وقال أبو حنيفة: هو واجب وليس بركن، وينوب عنه الدم. واستدل أصحابه بقوله تعالى:﴾ فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ﴿. قالوا: ففي هذا الظاهر دليلان: أحدهما: أن قوله سبحانه: فلا جناح" من ألفاظ الإباحة دون الوجوب؛ كقوله :﴾ فلا جناح عليكم فيما فعلن ﴿؛ كذا وقوله :﴾ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ﴿، وما أشبه ذلك. وإذا صح هذا ثبت أنه مباح غير واجب. والوجه الآخر أنه قد قرأ:﴾ فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾.

стр. 616

وروى ذلك عن ابن مسعود، وأبي، وابن عباس، وأنس. وأقل ما في هذا أن يكون كخبر واحد. وروى أن النبي ﷺ قال: "الحج عرفة فمن وقف بعرفة فقد تم حجة". وظاهر ذلك نفي بقى ركن عليه، إلا أن تقوم دلالة. قالوا: ولأن السعي لا يثبت له حكم إلا على وجه التبع للطواف؛ بدلالة أنه لا يفعل منفردًا بنفسه، ولا يؤتى إلا عقيب طواف، وأنه ليس له وقت يخصه، وإنما يقف فعله على الفراغ من الطواف؛ يبين ذلك أنه إذا فرغ من طوافه جاز له أن يسعى عقبيه في وقت لو أراد ابتداء الطواف فيه لم يكن له ذلك؛ فبان بما وصفنا أنه تابع للطواف، وما كان من توابع غيره لم يكن ركنًا؛ كالمبيت بالمزدلفة؛ ألا ترى أن الإحرام والوقوف لما كانا ركنين كان لهما حكم أنفسهما، ولم يفعلان تبعًا لغيرهما. قالوا: ولأن السعي لو كان ركنًا لكان من جنسه ما ينتفل به وليس بركن؛ ألا ترى أن الوقوف بعرفة لما كان ركنًا كان من جنسه ما ليس بركن ويتنفل به وهو الوقوف بالمزدلفة، وكذلك الطواف لما كان ركنًا كان من جنسه ما ليس بركن ويتنفل به؛ وهو طواف الورود والوداع، وفي علمنا

стр. 617

أن السعي لا يتكرر في الحج دلالة على أنه ليس بركن. قالوا: ولأنه مفعول بعد الإحرام لا يفعل من جنسه غيره فلم يكن ركنًا؛ كالحلق والذبح. قالوا: ولأنه نسك ذو عدد غير متعلق بالبيت فأشبه رمى الجمار. ولأنه نسك يفعل في حال الإحرام لا على وجه اللبث؛ فأشبه رمى الجمار. قالوا: ولأن السعي إنما فعل لإظهار القوة والجلد، ونفى الضعف وما كانت العرب تضيفه إلى النبي ﷺ وأصحابه من أن حمى يثرب نهكتهم ووهنتهم - على ما روى في حديث ابن عباس -، وما هذه سبيله فليس بركن. والدلالة على صحة قولنا: ما رويناه من حديث جابر وأبي هريرة وغيرهما أن رسول الله ﷺ طاف وسعى بين الصفا والمروة، وأفعاله على الوجوب، وسيما إذا كانت بيانًا، وهذا موضع البيان بقوله: "خذوا عني مناسككم". ويدل عليه أيضًا ما رواه عطاء عن صفية بنت شيبة عن حبية بنت أبي تجزئه قالت: رأيت رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة، ويقول: "اسعوا؛ فإن الله كتب عليكم السعي"، وأرني موضع إزاره، وإنه ليدور على ساقه من شدة السعي حتى أقول: إني أرى ركبتيه.

стр. 618

ففي هذا الخبر أدلة: أحدهما: فعله ﷺ . والثاني: مورد البيان؛ لقوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم". والثالث: قوله: "اسعوا" فهذا أمر، وهو على وجوبه. والرابع: إخباره بإيجاب الله تعالى ذلك علينا بآكد ألفاظ الوجوب وأبلغها؛ وهو المكتوب. فإن قيل: ليست في الخبر أكثر من أنه واجب، ونحن نقول بذلك. ولأن خلافنا في أن الدم ينوب عنه إذا تركه أو لا، وليس في الخبر ما ينفى ذلك. فالجواب عن هذا جوابان: أحدهما: أن الخبر يفيد وجوب السعي فرضًا مكتوبًا حتمًا، وهم لا يقولون بذلك. وإذا ثبت كونه فرضًا مكتوبًا اقتطع بذلك ألا يسقط عنه إلا بفعله له، وعندهم أنه يسقط بالدم، وهذا يخرجه عن كونه فرضًا. والثاني: أنه لو سلمنا أنه يفيد الوجوب فقط لكان إيجابه يقتضي إيجاده، وأن لا يقوم غيره مقامه إلا بدليل. فإن قيل: إن الخبر يوجب السعي؛ وهو مشى على صفة، وقد اتفقنا على أن المشي على تلك الصفة ليس بركن، وهو الذي ورد به الخبر؛ فسقط التعلق به. فالجواب: أن السعي المراد بالخبر هو المشي بين الصفا والمروة على صفة

стр. 619

(الهرولة) في بعضه، وإنما سمى الجميع سعيًا باسم بعضه، فإذا سقطت الهرولة لم يسقط؛ لأن اللفظ يتناولها؛ فسقوط الصفة لا يوجد سقوط الموصوف؛ كما روى أن النبي ﷺ قال: "إن الله يأمركم أن ترفعوا أصواتكم بالتلبية"؛ فتضمن هذا وجوب التلبية ورفع الصوت بها، فإذا سقط رفع الصوت لم يسقط أصل التلبية. ويدل على ما قلناه أيضًا ما رويناه للقاضي إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا على بن المديني قالك حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن عطاء أن رسول الله ﷺ قال لعائشة ﵂: "طوافك بالبيت، وسعيك بين الصفا والمروة يجزئك بحجك وعمرتك". فلما علق به حكم الإجزاء دل ذلك على وجوبه؛ لأن غير الفرض لا يتعلق به الإجزاء. وأيضًا فلأنه مشى ذو عدد سبع؛ فوجب أن يكون ركنًا في الحج كالطواف. أو نقول: لأنه مشى يتكرر في مكان واحد كالطواف. أو نقول: لأنه نسك يتنوع نوعين؛ فوجب أن يكون منه ما هو ركن؛ اعتبارًا بالطواف؛ وذلك أنه يرمل فيه الثلاثة الأشواط الأول، ويمشى الآخرة كما يفعل في الطواف. أو نقول: لأنه نسك في العمرة ركن؛ فكان ركنًا في [ق/ ١٣٩]

стр. 620

الحج؛ اعتبارًا بالطواف. أو نقول: لأنه معنى يسن فيه الرمل؛ فوجب أن يكون منه ما هو ركن في الحج؛ اعتبارًا بالطواف ولأن كل نسك يؤتي به في الحج والعمرة على هيئة واحدة كان الدم لا ينوب منابه كالإحرام. ولا يدخل عليه الخلاف؛ لأنه يؤتي به بعد الفراغ. فأما تعلقهم بقوله تعالى:﴾ فلا جناح عليه أن يطوف بهما ﴿، وأنه ينبئ على كونه مباحًا: فإنه باطل من وجوه: أحدهما: أن السعي إما أن يكون ركنًا - على ما نقوله -، أو واجبًا - على ما يقولونه -، أو مسنونًا - على ما يقوله بعضهم -، وليس في الأمة من يقول: إنه مباح مخير فيه يستوي فعله وتركه؛ فحمل الآية على هذا لا يصح؛ لإجماع الأمة على خلافه. والوجه الآخر: أن هذه الآية نزلت على سبب؛ وهو ما روى عروة أن عائشة ﵂ قلت لها: أرأيت قول الله :﴾ إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ﴿ما على أحد جناح ألا يطوف بهما؟ قال: فقالت: بئس ما قلت يا بن أخي؛ إنها لو كانت على ما أولتها كانت لا جناح عليه أن لا يطف بهما؛ إنما كان هذا الحي من الأنصار قبل أن يسلموا صلوا لمناة الطاغية، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا، فلما أسلموا سألوا رسول الله ﷺ -

стр. 621

فقالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة؛ فأنزل الله :﴾ إن الصفا والمروة من شعائر الله ﴿. وروى الشعبي قال: كان على الصفا وثن يقال له: إساف، وعلى المروة وثن يقال له: نائلة. فكان المشركون يطوفون بينهما، فملا كان الإسلام قال ناس لرسول الله ﷺ : إن أهل الجاهلين كانوا يطوفون بين الصفا والمروة للوثنين؛ فنزلت هذه الآية. وهذا ليس هو السعي الذي نوجبه نحن، بل هو ما كان المشركون يتعاطونه. وبما يجاب به عن هذا ما روى أن رسول الله ﷺ قال في السعي: نبدأ بما بدأ الله به، وابدؤوا بما بدأ الله به، وإنه بدأ بالصفا. وهذا يدل على أن الأمر بالآية يقتضي الأمر بالسعي؛ لأنه أخبر أن ما يفعله إتباعًا للظاهر وامتثالاً له. ولا يجوز لمن يقول: فعل يفعله نبدأ بما بدأ الله به في ظاهر لا يقتضيه ولا يفيده. وإذا كان كذلك ثبت ما قلنا. وأجاب بعض من وافقنا عنه بأنه قال قوله :﴾ فلا جناح ﴿كلام مستقل بنفسه عائد إلى الحج والعمرة كأنه قال سبحانه:﴾ فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح ﴿ثم استأنف فقال:﴾ عليه أن يطوف بهما ﴿؛ ليفيد وجوب السعي. وهذا ليس بصحيح؛ لأن الكلام مرتبط بعضه ببعض؛ فلا يجوز تبعضه، ولأنا أنكرنا عليهم كون السعي مباحًا.

стр. 622

وهذا الجواب يقتضي إباحة الحج والعمرة، وذلك أدخل في الفساد مما قالوه؛ فيجب بطلانه. فأما تعلقهم بما رواه من قراءة أبي، وابن مسعود وغيرهما فباطل أيضًا؛ لأنها مخالفة للمصحف المجتمع عليه؛ فلا يلتفت إليه. وقولهم أقل ما فيه أن يكون خبر واحد غير صحيح؛ لأن أخبار الآحاد لا يثبت بها نقل القرآن؛ ويبين ذلك أن عائشة ﵂ أنكرت على عروة ما يفضي إلى هذه القراءة فقالت: لو كان ذلك على ما قلت لكانت فلا جناح عليه ألا يطوف بهما؛ فدل هذا أيضًا على أن هذه القراءة لا أصل لها. فأما قوله ﷺ : "الحج عرفة فمن وقف بعرفة فقد تم حجة" فمعناه أن المقصود الذي يفوت الحج بفواته هو عرفة، وليس المراد به حقيقة اللفظ؛ لأنه لو وقف بعرفة من غيرهم إحرام لم يكن حاجًا، وكذلك لو لم يطف في الإحرام لم يكن حجه تاما؛ فثبت أن معناه ما قلناه. فأما قولهم أن السعي تابع للطواف، وما كان تابعًا لغيره لم يكن ركنًا: فليس بصحيح؛ لأنه ليس بتابع بل هو ركن بنفسه. فأما استشهارهم على ذلك بأنه لا يفعل منفردًا بنفسه ولا يؤتي به إلا عقيب طواف: فإنه باطل؛ لأن هذا لا يوجب أن يكون تبعًا للطواف؛ لأن الشيء قد يكون له حكم نفسه، ولا يكون تبعًا لغيره وإن كان من شرطه أن يتقدمه غيره؛ يبين ذلك أن الوقوف بعرفة لا يصح لا بعد تقدم

стр. 623

الإحرام، ولم يوجب ذلك كونه من توابعه؛ وكذلك السجود لا يفعل إلا بعد ركوع أو جلوس - أعنى السجود الذي هو مر بنية الصلاة - ثم لم يوجب ذلك أن يكون من توابعه؛ فثبت بذلك أن هذا إنما وجب؛ لأنها أفعال ترتيب في الابتداء على هذا الوجه؛ لأن أحدهما تابع للآخر؛ وكذلك طواف الإفاضة لا يكون إلا بعد الوقوف، وليس هو تابع له؛ بل هو ركن بنفسه. وقولهم: أن فعله معلق على الفراغ من الطواف فكان من توابعه: باطل؛ لأن الطواف في العمرة علق على الفراغ من الإحرام وليس من توابعه. ثم المعنى فيما قاسوا عليه من المبيت بالمزدلقة والرمي أنها من توابع الوقوف؛ فلذلك لم يكن ركنًا؛ بدليل أنه نسقط بسقوط الوقوف. وليس كذلك السعي؛ لأنه منفرد بنفسه ليس بتابع في الوجوب لغيره؛ بدليل ما ذكرناه أنه يؤتى به عقيب طواف القدوم وليس بركن. وأما قولهم أن السعي لو كان ركنًا لكان من جنسه ما ليس بركن كالوقوف بعرفة: فعنه جوابان: أحدهما: يبتقض بالإحرام؛ لأنه ركن وليس في الحج من جنسه ما لبس بركن. والآخر: أن من جنس المعنى ما لبس بركن - وهو السعي في بطن محصر بمزدلفة - فقد قلنا بموجب العلة. فإن قيل: ليس السعي في بطن محصر من جنس السعي بين الصفا [ق/

стр. 624

١٤٠] والمروة؛ لأنه ليس فيه أشواط، ولا يفعل على وجه القربة لفضيلة الموضع. قيل له: هذه الشروط لا يقتضيها تعلييكم؛ لأن قولكم (من جنسه) يقتضي أن يكون مثله في وصفه الأعم. على أن المييت بالمزدلفة ليس من جنس الوقوف بعرفة؛ لأن اللبث بعرفة ليس من شرطه أن يكون مبيتًا. والمبيت بالمزدلفة يجري مجرى المبيت بمنى لـ منى. على أن الطواف من جنس السعي، وهو ركن مثله. فإن قيل: ليس في الحج ركن يتكرر من جنسه ركن آخر فلم يكن الطواف من جسن السعي. قيل له: هذا كلام في هل الطواف من جنس السعي فلا يلزمنا؛ لأنا قد بينا كونه كذلك. فأما قولهم أن الطواف لما كان ركنًا كان من جنسه ما لبس بركن - وهو طواف الوداع -: فليس بصحيح؛ لأن هذا مثله ومن اسمه، وإنما يقال: من جنسه إذا أخذ شبها من وصفه العام. فأما إذا كان مثله في جميع الجهات فكأنهم قالوا: يجب أن يتكرر على وجه لا يكون ركنًا. وهذا باطل بالوقوف بعرفة؛ على ما بيناه. وقولهم أنه مفعول بعد الإحرام من جنسه غيره كالحلق والذبح: ينتقض بالوقوف بعرفة. فإن قالوا: من جنسه المبيت بالمزدلفة. قلنا: ومن جنس السعي

стр. 625

الطواف؛ على ما بيناه. فأما رمي الجمار فإنه تاعب للوقوف؛ بدلالة أن من سقط عنه الوقوف بالفوات سقط عنه الرمي. واعتلالهم ينتقض بعرفة، ولا يحزرهم منه قولهم: (لا على وجه اللبث)؛ لأن الوقوف ليس من شرطه اللبث؛ يدلك عليه أنه لو اجتاز بعرفة لأجزأه وإن لم يقف بها ما يسمي لبثًا. وقولهم أن سبب السعي إظهار القوة وإبطال ما ظنه المشركين من عدمها فلذلك لم يكن واجبًا: باطل من وجهين: أحدهما: أن السعي ليس هذا سببه، وإنما هذا سبب الهرولة والرمل، فأما أصل المشي فليس يتعلق هذا به؛ فأكثر ما في الباب ألا تجب الهرولة، فأما ألا يجب أصل الطواف فلا. والجواب الآخر: هو أنه لو كان هذا سببه لم يخرجه عن كونه واجبًا، ولا يستحيل أن يكون هذا سبب إيجابه، ونحن لم نرعم أنه كان واجبًا لأجل سببه حتى يقال: إن هذا السبب لا يقتضي وجوبه. وإذا ثبت ذلك سقط ما ذكره. وبالله التوفيق. فصل وأفعال الحج كلها تجرى بغير طهارة إلا الطواف؛ فإن من شرطه الطهارة؛ فلا يصح من محدث أو جنب أو حائض. هذا قولنا، وقول

стр. 626

الشافعي. وقال أبو حنيفة: الطهارة واجبة للطواف، وليست شرطًا فيه. ومن [أصحابه] من يقول: ليست بواجبه فيه أصلاً، إلا أنهم متفقون على أنها ليست بشرط فيه وأنه إن طاف على غير طهارة أجزأه. واستدلوا بقوله تعالى ذكره:﴾ وليطوفوا بالبيت العتيق ﴿فأطلق ولم يقيد، والاسم يتناول من فعله محدًا وطاهرًا. قالوا: ولأنه ركن في الحج لا يتم إلا به؛ فلم يكن من شرطه الطهارة. أصله: الوقوف. أو نقول: لأنه غير مشروط فيه ترك الكلام؛ فأشبه الوقوف والصوم. قالوا: ولأنه الإحرام يوجب هذه الأفعال - وهو بعضها - فإذا لم تكن الطهارة شرطًا فيه كانت بأن لا تكون مشرطًا فيما هو من موجباته أولى. قالوا: ولأن الطهارة لو كانت شرطًا في ركن من أركان هذه العبادة لكانت شرطًا في جميع أركانها. طردة الصلاة. لما كانت الطهارة شرطًا في بعض أركانها كانت شراطًا في جميعها. عكسه سائر العبادات. قالوا: ولأنها عبادة ليس من شرطها استقبال القبلة فلم يكن من شرطها

стр. 627

الطهارة. أصله: الصوم. عكسه الصلاة. قالوا: ولأنه مبني على التكرار في الحج فأشبه السعي والرمي. قالوا: ولأن مفروضات الحج ومسنوناته لا تفتقر إلى طهارة؛ فكذلك الطواف. والدلالة على صحة قولنا ما روى فضيل بن عياض عن عطاء بن السائب عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه النطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير". ووجه الاستدلال من هذا هو أنه ﷺ سماه صلاة؛ فلم يخل من أن يكون سماه بذلك لغة أو شرعًا؛ فلا معنى لحمله على أنه سماه بذلك في اللغة؛ لأنه لم يبعث ﷺ ليعلمهم اللغة؛ لأن اللغة طبعهم ولسانهم؛ فلا يحتاجون إلى تعليمها؛ فثبت أنه سماه بذلك في الشرع. وإذا كان كذلك وثبت أنه صلاة في الشرع وجب أن تثبت لها أحكام الصلاة في كل شيء إلا ما قام عليه الدليل.

стр. 628

ومن هذه الأحكام ثبوت الطهارة؛ لأن الصلاة الشرعية لا تصح إلا بطهور؛ لقوله ﷺ : "لا صلاة إلا بطهور". ويبين ما قلناه من أن تسميه الطواف بأنه صلاة قد شمل سائر أحكام الصلاة أنه استثنى إباحة المنطق فيه؛ فأما فأفاد بذلك أن حكمه حكم الصلاة فيما عدا هذا، وأنه لا يفترق في شرائطها إلا في هذا المقدار فقط. فإن قيل: صحيح هذا الحديث موقوف وليس بمرفوع، وروى وهب عن عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس قال: "الطواف بالبيت صلاة" الحديث. قلنا: هذا لا تعلق فيه؛ لأنا قد ذكرنا إسناد الخبر المرفوع ورواته كلهم ثقات، وقد يسند الصحابي الحديث إلى النبي ﷺ تارة، ثم يفضي بلفظة أخرى؛ فلا يمتنع ذلك. وإذا صح هذا لم يكن ذكروه قدحًا في رفعه. فإن قيل: تسميه الطواف بأنه صلاة مجاز واتساع؛ لأن له اسمًا يختص به وهو الطواف، والشرائط التي تختص بها ليست بموجودة في الطواف؛ من إيقاع تحريم [ق/ ١٤١] له، وتحليل منه، وركوع وسجود، وغير هذا. وإذا كان كذلك علم أنه سماه صلاة لأجل الدعاء الذي يكون فيه. قلنا: ظاهر التسمية يفيد الحقيقة فلا يصير إلى المجاز إلا بدليل.

стр. 629

فأما استدلالهم على ذلك بأن له اسمًا يختص فإنه باطل؛ لأن اختصاص نوع من الجنس باسم غير الجنس لا يخرجه عن أن يكون منه؛ ألا ترى أن السلم والعرف نوعان من البيوع، وهما بيع على الحقيقة وإن اختصا بأسماء منفردة؛ فكذلك سبيل الطواف. فأما قولهم أن للصلاة شرائط ليست موجودة في الطواف فليس بصحيح؛ لأن هذه الشرائط في بعض الصلاة دون بعض؛ ألا ترى أن سجود التلاوة والسهو الذي يكون خارج الصلاة صلاة على الحقيقة وليس فيه ركوع. وكذلك صلاة الجنازة صلاة على الحقيقة وليس فيها ركوع ولا سجود؛ فبان بهذا أن اختلاف صفات الصلاة لا يخرجها عن أن تكون صلاة شرعية. فأما قولهم: إن المراد به الدعاء: فباطل من وجهين: أحدهما: أن هذا معلوم من اللغة؛ فلا فائدة في حمل الخبر عليه. والثاني: أنه استثنى منه إباحة المنطق، فلو كان المراد به الدعاء لم يكن لهذا الاستثناء معنى. فإن قيل: لو كان الطواف صلاة على الحقيقة لخرج بفعلها عن النذر. قلنا: هذا لا يلزم؛ لأن النذر إذا أطلق توجه إلى الصلاة المعهودة؛ ألا ترى أن سجود التلاوة وصلاة الجنازة صلاة على الحقيقة، ولا يخرج بفعله عن النذر. دليل آخر في أصل المسألة؛ وهو ما روى عن عائشة ﵃ (أن

стр. 630

الوجوب، وسيما إذا كانت بيانًا، وهذا موضع البيان؛ لأنه قال ﷺ : "خذوا عني مناسككم"؛ فدل ذلك على أن الطهارة شرط في الطواف. ويدل على ذلك أيضًا ما رواه مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: قدمت مكة وأنا حائض فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهرين". ووجه الاستدلال من هذا أن رسول الله ﷺ منعها من الطواف لعلة الحيض؛ بدلالة أنه أباحها بإياه عند ارتفاعه. وعلى نحو ذلك ما روى عن صفية في هذا الحديث أنها حاضت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "أحابستنا هي؟ " فقالوا: إنها أفاضت. قال: "فلا إذا". فاعتقد ﷺ أن الحيض هو المانع للطواف؛ فدل ذلك على ما قلناه. فإن قيل: لا دلالة لكم في هذا؛ لأن الحائض لا يجوز لها دخول المسجد؛ فلم يجز لها أن تطوف لهذا المعنى، لا لأن الطواف لا يصح منها وهي حائض. قلنا: هذا خلاف الخبر؛ لأن النبي ﷺ علل المنع من ذلك بالحيض؛ بدليل أنه علل إباحته بارتفاعه. وعلى قولهم أن علة المنع امتناعها من دخول المسجد، وهذا خلاف الخبر، ومن سلم منهم أن الطهارة

стр. 631

واجبة للطواف. قلنا: لأنها عبادة تجب لها الطهارة؛ فوجب أن تكون من شرطها كالصلاة. وعلى قول من لا يسلمه نقول: لأنها عبادة لها تعلق بالبيت تختص به؛ فكانت الطهارة من شرطها؛ اعتبارًا بالصلاة. فأما تعلقهم بقوله تعالى:﴾ وليطوفوا ﴿ففيه جوابان: أحدهما: أن الطهارة واجبة عندهم أو مسنونة؛ فإيقاع الطواف بغير طهارة مكروه من قول الجميع، والأمر لا يتناول الفعل على وجه مكروه. والثاني: أن رسول الله ﷺ قد بين ذلك بقوله: "خذوا عني مناسككم"، وتوضأ وطاف واعتبارهم بالوقوف بعلة أنه ركن: غير صحيح؛ لأن الوقوف لا تجب له الطهارة بالاتفاق؛ فلم يكن من شرط صحته. وليست كذلك الطواف. واعتبارهم بالصوم بعلة أنه لم يشترط فيه منع الكلام: باطل أيضًا بما قلناه؛ لأن الطهارة غير واجبة فيه، أو لأنه لا يفعل متوجهًا به للبيت. وقولهم أن هذه الأفعال من موجبات الإحرام فإذا لم تجب الطهارة للأصل كانت بأن لا تجب لأفعاله أولى محض الدعوى؛ لأنه لا يمتنع أن يكون فعل هذه الأشياء لا يصح إلا بعد تقدم الإحرام، وأن الإحرام نفسه يجزئ بغير طهر وما بعده لا يجزئ إلا بطهر لمعنى يختصه؛ فبطل ما ذكروه وقولهم: لو كانت الطهارة شرطًا في ركن من هذه الأركان لكانت شرطًا في الجميع ينقلب عليهم في الوجوب؛ لأن الطهارة لو كانت واجبة في الجميع.

стр. 632

على أن الصلاة جملتها تتعلق بالبيت؛ فلذلك كانت الطهارة من شروطها. وليس كل أركان الحج متعلقًا بالبيت؛ فلم تكن الطهارة شرطًا فيما وجد هذا المعنى فيه. وقولهم: لما لم يكن من شرطها استقبال القبلة كذلك الطهارة: لا نسلمه؛ لأنه لابد أن تكون بجهة من جهاتها. والعلة في الصوم أنه ليس له تعلق بالبيت، ولأنه يتقلب عليهم في الوجوب. وكذلك الجواب عن قياسهم على السعي وسائر مفروضات الحج ومسنوناته. والله أعلم. * * * مسألة قال ﵀: "ثم يخرج يوم التروية إلى منى [فيصلى] بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم يمضي إلى عرفات، ولا يدع التلبية في هذا كله حتى تزول الشمس [من] يوم عرفة، [ويخرج] إلى مصلاه، وليتطهر قبل رواحه فيجمع بين الظهر والعصر مع الإمام، ثم يروح معه إلى موقف عرفة فيقف معه إلى غروب الشمس".

стр. 633

قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀: قوله: يخرج يوم التروية إلى منى ليصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح ثم يمضي إلى عرفة؛ فلما روى عن النبي- ﷺ أنه فعل ذلك. وروى الأعمش عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: صلى رسول الله- ﷺ [ق/١٤٢] الظهر يوم التروية والفجر يوم عرفة. وروى عبد العزيز بن رفيع قال: سألت أنس بن مالك أين صلى رسول الله- ﷺ الظهر يوم التروية؟ قال: بمنى. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله- ﷺ ركب يوم التروية فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس. وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى، ثم يغدو إذا طلعت الشمس إلى يوم عرفة. وقوله: أنه لا يدع التلبية في ذلك كله حتى تزول الشمس يوم عرفة: فقد ذكرناها فيما تقدم، وبينا وجهه بما يغني عن إعادته. فأما تسميته بأنه يوم التروية بهذا الاسم فقيل فيه: إنه من الري من الماء

стр. 634

كان معدومًا بعرفة وجمع فكانوا يحملون معهم الماء الكثير فيروي به من حضر من الحاج ومن أهل الموضعين. وروى هذا عن محمد بن الحنفية. وقوله: إنه يتطهر- يعني: للوقوف بعرفة- فليأتي بالوقوف على أكمل أحواله؛ لأنه أعظم شعائر الحج، وقد ثبت بما قدمناه استحباب الغسل للإحرام؛ فكذلك الوقوف. وروى مالك عن نافع عن ابن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخوله مكة، ولوقوفه عشية بعرفة. وقوله: إنه يجمع بين الظهر والعصر مع الإمام ثم يروح معه إلى موقف عرفة؛ فلما رواه جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله- ﷺ نزل بعرفة حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فركب حتى أتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا، ثم ركب القصواء حتى أتى الموقف. وروى ابن وهب عن موسى بن زيد عن ابن شهاب عن سالم قال: إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة يوم عرفة. فقلت لسالم بن عبد الله: أفعل ذلك رسول الله- ﷺ ؟ - فقال: نعم؛ إنما يتبعون سنته.

стр. 635

وقوله: إنه يقف حتى تغرب الشمس فلأن رسول الله- ﷺ كذلك فعل على ما سنذكره. ولا خلاف أن هذا هو الأولى والأفضل، وإنما الخلاف في أن ذلك يلزم أو يستحب؛ فعندنا أنه يلزم، وأن الاعتماد في الوقوف بعرفة على الليل من ليلة النحر والنهار من يوم عرفة تبع، والأحسن أن يجمع بين النهار والليل بالوقوف، وإن أفرد الليل بالوقوف أجزأه أي وقت منه وقف أوله أو وسطه أو آخره وإن كان جزءًا يسيرًا، وإن أفرد النهار بالوقوف لم يحزءه حتى يصله بجزء من الليل. فإن وقف نهارًا، أو دفع قبل الغروب ولم يرجع إلى عرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فأته الحج عندنا، وإن رجع فوقف بها قبل طلوع الفجر أجزأه. وعند أبي حنيفة والشافعي أن الاعتماد على النهار من يوم عرفة بعد الزوال وأن الليل كله تبع، فإذا وقف جزءًا من نهار يوم عرفة بعد الزوال أجزأه، وكذلك إن وقف جزءا من الليل ليلة النحر ولم يقف شيئا من نهار يوم عرفة أجزأه. إلا أنهم يقولون: إن أفرد الوقوف بالنهار دون الليل أجزأه وعليه دم لترك الوقوف ليلًا. واختلف أصحاب الشافعي في تأويل قوله: (إن عليه دم) فمنهم من حمله على ظاهره- وهو الإيجاب-، ومنهم من قال: المراد به الاستحباب لئلا يلزمهم عليه ما يذكره أصحابنا؛ وذلك أن أحد ما يستدل به إذا دفع قبل الغروب ولم يرجع حتى طلع الفجر فإن الحج قد فاته هو أن يقول: إن
следующие страницы →