Полный текст (831 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
واجبة للطواف. قلنا: لأنها عبادة تجب لها الطهارة؛ فوجب أن تكون من شرطها كالصلاة.
وعلى قول من لا يسلمه نقول: لأنها عبادة لها تعلق بالبيت تختص به؛ فكانت الطهارة من شرطها؛ اعتبارًا بالصلاة.
فأما تعلقهم بقوله تعالى:﴾ وليطوفوا ﴿ففيه جوابان:
أحدهما: أن الطهارة واجبة عندهم أو مسنونة؛ فإيقاع الطواف بغير طهارة مكروه من قول الجميع، والأمر لا يتناول الفعل على وجه مكروه.
والثاني: أن رسول الله ﷺ قد بين ذلك بقوله: "خذوا عني مناسككم"، وتوضأ وطاف واعتبارهم بالوقوف بعلة أنه ركن: غير صحيح؛ لأن الوقوف لا تجب له الطهارة بالاتفاق؛ فلم يكن من شرط صحته. وليست كذلك الطواف.
واعتبارهم بالصوم بعلة أنه لم يشترط فيه منع الكلام: باطل أيضًا بما قلناه؛ لأن الطهارة غير واجبة فيه، أو لأنه لا يفعل متوجهًا به للبيت.
وقولهم أن هذه الأفعال من موجبات الإحرام فإذا لم تجب الطهارة للأصل كانت بأن لا تجب لأفعاله أولى محض الدعوى؛ لأنه لا يمتنع أن يكون فعل هذه الأشياء لا يصح إلا بعد تقدم الإحرام، وأن الإحرام نفسه يجزئ بغير طهر وما بعده لا يجزئ إلا بطهر لمعنى يختصه؛ فبطل ما ذكروه وقولهم: لو كانت الطهارة شرطًا في ركن من هذه الأركان لكانت شرطًا في الجميع ينقلب عليهم في الوجوب؛ لأن الطهارة لو كانت واجبة في الجميع.
стр. 632
على أن الصلاة جملتها تتعلق بالبيت؛ فلذلك كانت الطهارة من شروطها.
وليس كل أركان الحج متعلقًا بالبيت؛ فلم تكن الطهارة شرطًا فيما وجد هذا المعنى فيه.
وقولهم: لما لم يكن من شرطها استقبال القبلة كذلك الطهارة: لا نسلمه؛ لأنه لابد أن تكون بجهة من جهاتها.
والعلة في الصوم أنه ليس له تعلق بالبيت، ولأنه يتقلب عليهم في الوجوب.
وكذلك الجواب عن قياسهم على السعي وسائر مفروضات الحج ومسنوناته. والله أعلم.
* * *
مسألة
قال ﵀: "ثم يخرج يوم التروية إلى منى [فيصلى] بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم يمضي إلى عرفات، ولا يدع التلبية في هذا كله حتى تزول الشمس [من] يوم عرفة، [ويخرج] إلى مصلاه، وليتطهر قبل رواحه فيجمع بين الظهر والعصر مع الإمام، ثم يروح معه إلى موقف عرفة فيقف معه إلى غروب الشمس".
стр. 633
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀: قوله: يخرج يوم التروية إلى منى ليصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح ثم يمضي إلى عرفة؛ فلما روى عن النبي- ﷺ أنه فعل ذلك.
وروى الأعمش عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: صلى رسول الله- ﷺ [ق/١٤٢] الظهر يوم التروية والفجر يوم عرفة.
وروى عبد العزيز بن رفيع قال: سألت أنس بن مالك أين صلى رسول الله- ﷺ الظهر يوم التروية؟
قال: بمنى.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله- ﷺ ركب يوم التروية فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس.
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى، ثم يغدو إذا طلعت الشمس إلى يوم عرفة.
وقوله: أنه لا يدع التلبية في ذلك كله حتى تزول الشمس يوم عرفة: فقد ذكرناها فيما تقدم، وبينا وجهه بما يغني عن إعادته.
فأما تسميته بأنه يوم التروية بهذا الاسم فقيل فيه: إنه من الري من الماء
стр. 634
كان معدومًا بعرفة وجمع فكانوا يحملون معهم الماء الكثير فيروي به من حضر من الحاج ومن أهل الموضعين.
وروى هذا عن محمد بن الحنفية.
وقوله: إنه يتطهر- يعني: للوقوف بعرفة- فليأتي بالوقوف على أكمل أحواله؛ لأنه أعظم شعائر الحج، وقد ثبت بما قدمناه استحباب الغسل للإحرام؛ فكذلك الوقوف.
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخوله مكة، ولوقوفه عشية بعرفة.
وقوله: إنه يجمع بين الظهر والعصر مع الإمام ثم يروح معه إلى موقف عرفة؛ فلما رواه جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله- ﷺ نزل بعرفة حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فركب حتى أتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا، ثم ركب القصواء حتى أتى الموقف.
وروى ابن وهب عن موسى بن زيد عن ابن شهاب عن سالم قال: إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة يوم عرفة. فقلت لسالم بن عبد الله: أفعل ذلك رسول الله- ﷺ ؟ - فقال: نعم؛ إنما يتبعون سنته.
стр. 635
وقوله: إنه يقف حتى تغرب الشمس فلأن رسول الله- ﷺ كذلك فعل على ما سنذكره. ولا خلاف أن هذا هو الأولى والأفضل، وإنما الخلاف في أن ذلك يلزم أو يستحب؛ فعندنا أنه يلزم، وأن الاعتماد في الوقوف بعرفة على الليل من ليلة النحر والنهار من يوم عرفة تبع، والأحسن أن يجمع بين النهار والليل بالوقوف، وإن أفرد الليل بالوقوف أجزأه أي وقت منه وقف أوله أو وسطه أو آخره وإن كان جزءًا يسيرًا، وإن أفرد النهار بالوقوف لم يحزءه حتى يصله بجزء من الليل.
فإن وقف نهارًا، أو دفع قبل الغروب ولم يرجع إلى عرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فأته الحج عندنا، وإن رجع فوقف بها قبل طلوع الفجر أجزأه.
وعند أبي حنيفة والشافعي أن الاعتماد على النهار من يوم عرفة بعد الزوال وأن الليل كله تبع، فإذا وقف جزءًا من نهار يوم عرفة بعد الزوال أجزأه، وكذلك إن وقف جزءا من الليل ليلة النحر ولم يقف شيئا من نهار يوم عرفة أجزأه.
إلا أنهم يقولون: إن أفرد الوقوف بالنهار دون الليل أجزأه وعليه دم لترك الوقوف ليلًا.
واختلف أصحاب الشافعي في تأويل قوله: (إن عليه دم) فمنهم من حمله على ظاهره- وهو الإيجاب-، ومنهم من قال: المراد به الاستحباب لئلا يلزمهم عليه ما يذكره أصحابنا؛ وذلك أن أحد ما يستدل به إذا دفع قبل الغروب ولم يرجع حتى طلع الفجر فإن الحج قد فاته هو أن يقول: إن
стр. 636
وقت الوقوف هو الليل والنهار إنما دخل على وجه التبع؛ بدلالة أن من ذهب إلى جواز الاقتصار على النهار يقول: إن عليه دم لترك الليل. ولو أفرد الليل بالوقوف لم يكن عليه دم لترك النهار فدل ذلك على أن الدم إنما وجب لترك الوقوف في آكد الزمانين وأولاهما للوقوف، ولا يجوز أن يكون الليل تبعًا والنهار هو المقصود وتأكيد أمره عليه. وإذا ثبت ذلك صح ما قلناه.
فذكر أصحاب الشافعي أن الدم غير واجب عليه، ولكنه مستحب، والسؤال لازم في الاستحباب أيضًا؛ لأنه لا وجه إلا ما ذكرناه.
فإن قيل: لو كان المقصود بالوقوف هو الليل، والنهار على سبيل التبع لم يكن أكثر الوقوف بالنهار، وأقله الذي منه ينصرف عن الموقف هو الليل؛ لأن ذلك يوجب كون التبع أخص بالحكم من المقصود. فلما كان النبي- ﷺ يقف نهارًا ويدفع عند غروب الشمس علمنا أن النهار هو المقصود بالوقوف.
قلنا: هذا ليس بصحيح؛ وذلك أن المقصود وإن كان هو الليل فإن الأفضل الجمع بينه وبين النهار وإطالة الوقوف وكثرة الدعاء.
وهناك سنة أخرى لا يمكن تركها؛ وهي الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة، فلو لم يكثر الوقوف بالنهار لبطل ما يقصده الإنسان بالوقوف من الدعاء والتفرغ إلى الله ؛ لأن ذلك يحتاج مهلة من الزمان، وليس ذلك يمكن في الليل؛ لما ذكرناه من أنه يبطل معه سنة مؤكدة لازمة؛ وهي الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة، وإذا ثبت ذلك بطل إلزامهم.
стр. 637
ومما يدل على ما قلناه أن رسول الله- ﷺ دفع بعد المغرب، وقد قصد بفعله بيان المناسك؛ روى ذلك جماعة من الصحابة ﵃؛ فروى أبو داود قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثنا سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن عياش بن الحارث عن يزيد بن علي عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي- ﵁ قال: أردف- يعني: النبي- ﷺ أسامة فجعل ﷺ يسير على ناقته، والناس يضربون الإبل يمينًا وشمالًا لا يلتفت إليهم، ويقول: "السكينة أيها [ق/١٤٣] الناس"، فدفع حين غابت الشمس.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله- ﷺ أتى الموقف فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص فذهب فأردف أسامة خلفه.
وروى أبو داود قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا يعقوب قال: حدثنا أبي عن ابن عباس قال: حدثنا إبراهيم بن عقبة عن كريب مولى ابن عباس عن أسامة بن زيد قال: كنت رديف رسول الله- ﷺ فلما وقعت الشمس دفع رسول الله- ﷺ .
والاستدلال بهذه الأخبار من وجهين:
أحدهما: أن فعله على الوجوب.
والآخر: قصد به بيان المناسك بقوله: "خذوا عني مناسككم".
стр. 638
فدل ذلك على أن من دفع قبل الغروب يجزئه؛ لخلافه فعل رسول الله- ﷺ .
فإن قيل: إنما دفع بعد الغروب ليستوفى أجزاء النهار، لا انتظار الليل.
قيل له: هذا ليس بصحيح من قبيل أنه لا خلاف أن الأفضل الجمع بين الليل والنهار. وحمل الخبر على ما قالوا يوجب أن يكون قصد معنى غير الأفضل وترك الأفضل؛ لأنه إذا كان الأفضل هو الجمع بينهما اقتضى ذلك أن يكونا جميعًا مقصودين بالوقوف؛ ولأن أجزاء النهار غير مستغرقة للوقوف؛ فلا معنى لما قالوه.
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه ابن وهب عن ابن جريج عمن حدثه من محمد بن قيس عن المسور بن مخرمة قال: خطب رسول الله- ﷺ عشية عرفة، ثم قال: "أما بعد فإن هذا [يوم] الحج الأكبر، وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل غروب الشمس حين تعتم بها رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم، وإنا ندفع بعد غروبها؛ فلا تعجلوا بنا".
ورواه سلمة بن هرام عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة، فإذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال يدفعون، فأخر رسول الله- ﷺ الدفعة من عرفة حتى
стр. 639
تغرب الشمس.
وروى أصحابنا أن رسول الله- ﷺ قال: "خالفوا المشركين". قال: لا تدفعوا من عرفة حتى تغرب الشمس".
والاستدلال بهذه الأخبار من وجوه:
أحدهما: إخباره ﷺ بفعله الذي قصد به بيان المناسك؛ وهو أنه يدفع بعد مغيب الشمس.
والآخر: إخباره بأنه يقصد به خلاف المشركين.
فدل ذلك على أن الوقوف جزء من الليل مقصود؛ لأن المشركين كانوا يدفعون قبل الغروب، ولا يرون الوقوف بالليل؛ فخلافهم إنما يكون بأنه يقف بالليل.
والثالث: تجريد نهيه عن الدفع قبل الغروب، والنهي عن الخطر والمنع.
ويدل على ذلك أيضًا ما أخبرنا به الشيخ أبو بكر الأبهري إجازة عن أبي بكر بن الجهم حدثنا بشر بن موسى حدثنا عفان حدثنا شعبة قال: أخبرني بكير بن عطاء قال: سمعت عبد الرحمن بن يعمر يقول: سئل النبي- ﷺ عن الحج فقال: "الحج عرفة؛ من أدرك ليلة جمع قبل صلاة الصبح فقد أدرك الحج".
وأخبرنا أبو بكر عن ابن الجهم قال: حدثنا إبراهيم الحربي قال: حدثنا
стр. 640
أبو الربيع حدثنا عبد الرزاق حدثنا الثوري عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: أتيت رسول الله- ﷺ بعرفة، فجاءه نفر من نجد، فأمروا رجلًا فنادى: كيف الحج يا رسول الله؟ فقال: "الحج يوم عرفة؛ من جاء ليلة جمع قبل الصبح فقد تم حجه". فأردف رسول الله- ﷺ رجلًا خلفه فنادى بمثل هذا".
وأخبرنا الشيخ أبو بكر عن ابن الجهم حدثنا أحمد بن الهشيم حدثنا القعنبي حدثناه عمرو بن قيس المكي عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله- ﷺ قال: "من أدرك عرفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج".
وأخبرنا الشيخ عن ابن الجهم حدثنا أحمد بن أبي عمران حدثنا [سورة] بن الحكم حدثنا عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله- ﷺ قال: "من أفاض من عرفات قبل الصبح فقد تم حجه، ومن فاته فقد فاته الحج".
وأخبرنا الشيخ أبو بكر أيضًا عن الجهم حدثنا إبراهيم بن حماد حدثنا أبو عون عمرو بن عون حدثنا داود بن جبير حدثنا رحمة بن مصعب أبو هاشم الفراء عن ابن أبي ليلى عن عطاء، وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله- ﷺ قال: "من وقف بعرفات بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته
стр. 641
عرفات بليل فقد فاته الحج، فليهل بعمرة، وعليه حج قابل".
كل هذه الأخبار عن الشيخ أبي بكر، فما فاتني سماعه فهي لي إجازة منه. والتعلق من هذه الأخبار بصريحها، ومن الأول بدليل الخطاب؛ وهو أنه ﷺ يعلق فوات الحج بفوات الوقوف ليلًا؛ فدل على ما قلناه.
ويدل على ما قلناه أيضًا من جهة الاعتبار أن نقول: لأنه لم يقف بعرفة جزءًا من ليلة النحر فلم يجزئه؛ اعتبارًا بوقوفه قبل الزوال.
وأيضًا فلأن أول النهار لما لم يكن وقتًا يجرئ فيه الوقوف؛ كذلك آخره؛ ألا ترى أن الليل لما كان وقتًا يجرئ فيه الوقوف استوى أوله وآخره.
وتحريره أن يقال: لأنه أحد نوعي الزمان؛ فوجب أن يستوي أوله وآخره في حكم الوقوف.
أصله: الليل.
أو نقول: إن أول لا يجزئ فيه الوقوف؛ فكذلك أخره؛ اعتبارًا بسائر الأيام.
واستدل من خالفنا بما رواه عروة بن مضرس أن رسول الله- ﷺ قال: "من صلى معناه الغداة بجمع، وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه، وقضى تفثه".
стр. 642
فالجواب أن معنى هذا: من وقف بعرفة ليلًا أو نهارًا، ودفع بعد الغروب فقد قضى حجه؛ بدلالة ما ذكرناه.
قالوا: وروي أن النبي- ﷺ قال: "عرفة يوم يعرفون"؛ فعلق حكم التعريف بالنهار دون الليل.
فالجواب: أن معنى هذا: وقت تعرفون؛ لأن الليل كله وقت للوقوف عندنا، وعند [ق/١٤٤] مخالفنا، وليس اليوم كله وقتًا للوقوف عند مخالفنا، وإنما عبد عن ذلك باليوم؛ لأن ابتداء الاجتماع يكون في آخره.
قالوا: ولأن الوقوف بعد الزوال إلى وقت الغروب قد نقل من جهة الاستفاضة والانتشار؛ فلم يجر أن يجعل ذلك تبعًا لوقوف لم يقع بعد، وإنما يقع بعده.
فالجواب: أن الوقوف بعد الغروب قد نقل أيضًا عن جهة الاستفاضة والانتشار؛ لأنه لم يرو أن النبي- ﷺ دفع إلا بعد الغروب، وليس يمتنع أن يكون الوقوف بالنهار تبعًا لوقوف يقع بعد- وهو الوقوف بالليل- إذا قام الدليل. وعلى أن الوقوف بالليل هو المقصود، وأن يكون التابع أسبق من المتبوع وأطول مانًا منه هذا ما لا شيء منع منه.
قالوا: ولأن النبي- ﷺ لما أراد الوقوف قصد الموقف نهارًا، ولما أقبل الليل- انصرف من الوقوف؛ فجعل الليل وقتًا للانصراف وترك الوقوف، والنهار وقتًا للوقوف. وأنتم تجعلون الليل هو المقصود للوقوف.
فالجواب: أن النبي- ﷺ قصد الأفضل بجمعه بين الليل والنهار في
стр. 643
الوقوف، وإنما انصرف بعد أن حصل واقفًا جزءًا من الليل؛ لئلا تفوته سنة من شعائر الحج.
ولم يجعل الليل وقتًا للانصراف؛ لأنه لو كان كذلك لم يجز الوقوف فيه، ولكن ما زاد على زمان الوقوف الذي يحتاج إليه وقصده الوقوف بالنهار لا يوجب أن يكون ذلك هو وقت الوقوف؛ كما أن قصده لصلاة الجمعة قبل الزوال لا يوجب أن يكون هو وقت الصلاة بل لأمور تتقدمها؛ كذلك سبيل قصده الوقوف نهارًا.
قالوا: ولأن الليل وقت لنسك آخر؛ وهو المبيت بالمزدلفة؛ لأن بدخول الليل يدفع من عرفة إلى المزدلفة، وما بعد الزوال من يوم عرفة ليس بوقت لشيء من النسك غير الوقوف؛ فوجب أن يكون هذا الوقت أخص بالوقوف من الليل؛ لأنه فارغ والليل مشتغل فيه بنسك آخر.
فالجواب: أن قولهم أن ما بعد الزوال ليس بوقت لشيء من النسك غير الوقوف: إن عنوا به الوقوف الذي هو المقصود الذي يفوت الحج بفواته: فهذا موضع الخلاف، وإن أرادوا أنه وقت لفضيلة الوقوف: فالفضيلة لا توجب أن يتعلق الإجزاء بوقتها.
وعلى أنا لا نمنع أن يكون الليل مشتعلًا بنسكين يختص بها جميعًا.
واختصاص الليل بالوقوف آكد عندنا من اختصاصه بالمبيت؛ لأن الحج يفوت بفوات الوقوف، ولا يفوت بترك المبيت.
قالوا: ولأنه لبث في مكان مخصوص فجاز أن يفعل نهارًا، وليلة الوقوف بمزدلفة.
стр. 644
قلنا: ما وضع سنته في وقت مخصوص لا يقال فيه: فجائر أن يفعل في ذلك الوقت، ووقت المبيت بالمزدلفة الليل عندنا، فإذا فات في الليل فات الوقت جملة.
وبالله التوفيق
وحكي عن أحمد بن حنبل وغيره أنه جوز الوقوف بعرفة قبل الزوال من يوم عرفة. وما ذكرناه دلالة على فساد قوله.
وبالله التوفيق
* * *
فصل
ويستحب للواقف بعرفة أن يقف راكبًا، وإن وقف راجلًا فلا بأس.
وإنما قلنا ذلك؛ لأن النبي- ﷺ فعل كذلك؛ فروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله- ﷺ نزل بعرفة حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فركب حتى أتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم صلى الظهر والعصر ثم ركب القصواء حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل جبل المشاة بين يديه، فاستقبل القبلة، فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس.
وروى مالك عن أبي النضر عن عمير مولى ابن عباس عن أم الفضل بنت الحارث أن ناسًا تماروا عندها يوم عرفة في رسول الله- ﷺ ؛ فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليست بصائم؛ فأرسلت إليه أم
стр. 645
الفضل بقدح فيه لبن- وهو واقف على بعيره- فشرب منه بعرفة.
ولأن الركوب أعون له على الوقوف، وأمكن له في الدعاء، وأروح له من التعب فإن وقف راجلًا فلا بأس.
* * *
مسألة
قال ﵀: "ثم يدفع بدفعه إلى المزدلفة فيصلي معه بالمزدلفة المغرب والعشاء والصبح، ثم يقف معه بالمشعر يومئذ بها، ثم يدفع بقرب طلوع الشمس إلى منى، ويحرك دابته ببطن محسر".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀: وإنما قال ذلك لما روى من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله- ﷺ دفع من عرفة بعد غروب الشمس حتى إذا أتى المزدلفة فجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، ثم صلى الصبح، ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام واستقبل القبلة فحمد الله وكبره وهلله ولم يزل واقفًا حتى أسفر جدا، ثم دفع قبل أن تطلع الشمس.
وروى مالك عن موسى بن عقبة بن كريب مولى ابن عباس عن أسامة ابن زيد قال: دفع رسول الله- ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشعب فنزل فبال ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء. فقلت له: الصلاة. فقال: "الصلاة
стр. 646
أمامك"، فركب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها، ولم يصل بينهما شيئًا.
وروى مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله- ﷺ صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة.
وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن عدي بن ثابت عن عبد الله بن عبد الله بن زيد الأنصاري عن أبي أيوب الأنصاري أنه صلى مع رسول الله- ﷺ في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعًا.
فلهذا قال: إنه يدفع من عرفة إلى المزدلفة ويجمع [ق/١٤٥] بها بين صلاتي المغرب والعشاء.
وقد اختلف قوله: هل- يجمع بينهما بأذان واحد وإقامتين أو بأذانين وإقامتين، وقد ذكرنا ذلك في كتاب الصلاة.
* * *
وهذا الجمع عندنا مسنون، فإن صلى المغرب في وقتها في عرفات والعشاء في وقتها أجزأه إلا أنه ترك السنة، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يجزئه إلا أن يجمع بينهما بالمزدلفة.
стр. 647
ودليلنا أنهما صلاتان يسن الجمع بينهما في وقت إحداهما فلم يمنع ترك الجمع بينهما جوازهما.
أصله: الظهر والعصر بعرفة، لا خلاف أن الجمع بينهما مسنون لا يمنع تركه الجواز؛ كذلك هنا فإن قالوا: فقد قال رسول الله- ﷺ : "خذوا عني منساككم"، ورأينا جمع بينهما.
قلنا: عنه جوابان:
أحدهما: أن المناسك منها السنة والفريضة.
والآخر: أن الجمع من أحكام الصلاة ليست من المناسك؛ لأنه يجوز عندنا للعذر في سفر الحج وغيره فإن قيل: فمن منزلة بمزدلفة يجمع وليس بمسافر. قلنا: يفعل ذلك تبعًا؛ كما أن من ليس بمعتكف إذ جمع في المسجد معه المعتكفون تبعًا.
ثم لا يمتنع أن يكون الشيء مقصودًا لغيره ويكون واجبًا، أو يجب بترك الدم.
والفرق بين المبيتين أن ليلة عرفة ليس في صدر نهار غيرها نسك؛ لأن وقت الوقوف بعد الزوال، وليلة المزدلفة في صدر نهار غدها نسك؛ فصار المبيت بقرب ما يليه من المناسك منسكًا. فأما ما روى من خبر العباس أنه رخص له لأجل السقاية فإن ذلك عذر، وكذلك رعاة الإبل وقال أصحابنا: يحتمل أن يكون الإرخاص بشرط الدم.
стр. 648
فصل
والمبيت بالمزدلفة ليلة النحر مسنون، وليس بركن وبه قال كافة الفقهاء.
وحكى عن بعض التابعين أنه فرض وركن من أركان الحج.
والأصل في استحبابه ما رويناه من فعل النبي- ﷺ .
وأما سقوط فرضه فلعدم دليل يدل على ذلك، ولكن ما جاز تركه لعذر لم يكن ركنًا؛ اعتبارًا بطواف القدوم والوداع.
ولا نعرف لمن ذهب إلى خلاف هذا شبهة يتعلق بها إلا حديثًا ذكره بعضهم في كتابه أن رسول الله- ﷺ قال: "من لم يبت بمزدلفة فلا حج له"، وهذا حديث باطل، لا شبهة فيه، ولا يجوز تسليمه ولا الكلام عليه.
* * *
فصل
فإن لم يبت بها من غير عذر فعليه دم؛ لتركه شيئًا من نسكه وشعيرة من شعائر الحج المسنونة.
وعند أبي حنيفة أنه لا شيء عليه.
قالوا: ولأنه ليس بنسك مقصود فلم يجب لتركه دم. أصله: ترك الرمل. قالوا: ولأنه موضع سن فيه المبيت فوجب ألا دم عليه تركه.
أصله: إذا بات بغير منى ليلة عرفة.
стр. 649
والأصل فيما ذكرناه أن رسول الله- ﷺ بات بالمزدلفة ولم يرخص في ترك ذلك إلا للضعفاء ورعاة الإبل؛ فوجب كونه مسنونًا. وإذا صح ذلك تعلق بتركه وجوب الدم.
ولا نسلم قولهم أنه ليس بنسك مقصود، بل هو مقصود عندنا متأكدًا على غيره. والمبيت بمنى ليلة عرفة مستحب وليس بمسنون؛ فلم يكن حكمه حكم المبيت بالمزدلفة. ثم لا يمتنع أن يكون الشيء مقصودًا لغيره ويكون واجبًا وجب بتركه الدم.
والفرق بين المبيتين أن ليلة عرفة ليس في صدر نهار عدها نسك؛ لأن وقت الوقوف بعد الزوال، وليلة المزدلفة في صدر نهار غندها نسك؛ فصار المبيت بقرب ما يليه من المناسك منسكًا. فأما ما روى من خبر العباس أنه ﷺ رخص له لأجل السقاية؛ فإن ذلك عذر؛ وكذلك رعاة الإبل.
وقال أصحابنا: يحتمل أن يكون الإرخاص بشرط الدم.
والله أعلم.
فصل
فأما الوقوف بالمشعر الحرام فالأصل فيه قوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم﴾، وفي حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله- ﷺ صلى الصبح، ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام فرقى فاستقبل القبلة، فحمد الله وكبره وهلله، ولم يزل واقفًا
стр. 650
حتى أسفر جدا، ثم دفع قبل طلوع الشمس.
فأما وقت الدفع من مزدلفة فالإسفار الذي يقرب به طلوع الشمس. والأصل فيه ما روي في هذا الحديث أنه ﷺ لم يزل واقفًا حتى أسفر الصبح جدا، ثم دفع قبل طلوع الشمس.
وروي أن النبي- ﷺ قال: وكان أهل الشرك يدفعون غداة جمع بعد طلوعها حتى تعتم بها رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم وإنما ندفع قبل طلوعها؛ هدينا مخالف لهدى الشرك والأوثان.
وروي عن عمر- ﵁ أنه قال: كانت الجاهلية لا تدفع من جمع حتى تطلع الشمس علي، وكانوا يقولون: أشرق ومخالفهم رسول الله- ﷺ فدفع قبل طلوع الشمس.
فأما قوله: يحرك دابته ببطن محسر؛ فلقوله ﷺ : "كل مزدلفة موقف، وارتفعوا عن بطن محسر".
وروى سفيان عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله- ﷺ أوضع في وادي محسر.
وروى ابن وهب عن- يحيى بن عبد الله عن سالم عن عبد الرحمن
стр. 651
ابن الحارث عن زيد بن علي بن حسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب- رضوان الله عليه- أن رسول الله- ﷺ دفع من مزدلفة- فجعل يسير العنق والناس يضربون، وهو يلتفت يمينا وشمالًا ويقول: "السكينة أيها الناس" حتى وقف على وادي محسر فقرع راحلته فخبت به حتى خرج عنه، ثم سار بسيره [ق/١٤٦] الأول.
* * *
مسألة
قال ﵀: "فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات مثل حصى الخذف، [ثم] يكبر مع كل حصاة، ثم ينحر إن كان معه هدى، ثم يحلف، ثم يأتي البيت فيفيض فيطوف سبعًا، ويركع ثم يقيم بمنى [ثلاث ليال]. فإذا زالت الشمس من كل يوم منها رمى الجمرة التي منى بسبع حصيات؛ يكبر مع كل حصاة، ثم الجمرتين كل جمرة بمثل ذلك، وكبر مع كل عصاة، ثم يرمي الجمرة العقبة من أسفلها، والجمرتين من زعلاهما، ويقف للدعاء بإثر الرمي في الجمرة الأولى والثانية ولا يقف عند جمرة لعقبة ولينصرف، فإذا في اليوم الثالث- وهو رابع النحر- انصرف إلى مكة وقد تم حجه، وإن شاء تعجل في يومين من أيام منى فرمى وانصرف، فإذا خرج من مكة طاف للوداع وركع وانصرف".
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي- ﵀:
стр. 652
اعلم أن جملة ما يرميه الحاج من حصى الجمار في يوم النحر وأيام منى سبعون حصاة منها جمرة العقبة يوم النحر بسبع حصيات، وفي أيام منى يرمي كل يوم الثلاث جمار بأحدي وعشرين حصاة؛ لكل جمرة سبع، وهذا إن لم يتعجل. فإذا تعجل رمى تسعًا وأربعين، وينتقصي رمي اليوم الآخر، وهو إحدى وعشرين حصاة. وهذا الفصل مشتمل على عدة مسائل، ونحن نبينه أو نوضح القول فيها إن شاء الله.
* * *
فصل
فأما دفع الحاج من مزدلفة يوم النحر فأول ما يبدأ به إذا وصل إلى منى أن يرمي جمرة العقبة ويكبر مع كل حصاة منها؛ وذلك لما رواه جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله- ﷺ دفع من مزدلفة ... فذكر إلى أن قال: حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات؛ يكبر مع كل حصاة منها كحصى الخذف.
والمستحب عندنا أن يرميها من بطن الوادي، ولا يرميها من فوقها. فإن رماها من فوقها كرهنا له ذلك وأجزناه.
والأصل فيما ذكرناه فعل الصحابة ﵃، ونقلهم إياه عن النبي- ﷺ فروى أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: حججت مع عمر- رضوان الله عليه- سنتين: أحدهما السنة التي أصيب فيها، كل ذلك يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي.
стр. 653
وروى خديج بن معاوية عن أبي إسحاق بن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- يرمي الجمرة من بطن الوادي، ثم قال: والذي [لا إله غيره مقام الذي] أنزلت عليه سورة البقرة لقد رأته يرمي ببطن الوادي ﷺ .
وروى الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد قال: رمى عبد الله جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات، وكان يكبر مع كل حصاة. فقيل له: إن ناسًا يرمونها من فوقها. فقال عبد الله: هذا والله الذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة صلوات الله عليه.
فإن قيل: فقد روى عن عمر- ﵁ أنه رماها من فوقها.
قيل له: إنما فعل ذلك لعذر؛ وهو شدة الزحام؛ روى ذلك ابن وهب عن الثوري عن حجاج بن أرطاة عن وبرة عن الأسود بن يزيد أن عمر- ﵁ جاء فوجد الزحام عند جمرة العقبة؛ فرماها من فوقها.
وقد روى من حديث عاصم بن سليمان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله- ﷺ يرمي جمرة العقبة وظهره مما يلي الكعبة.
وعلى هذه الصفة إذا حصل مستدبرًا للكعبة كان رميه من بطن الوادي هذا بخلاف فعل رسول الله- ﷺ وأصحابه ﵃.
وقوله أن يكبر مع كل حصاة يرميها فلأن النبي- ﷺ كان يفعل ذلك.
стр. 654
وقد رويناه من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله- ﷺ رماها بسبع حصيات، وكان يكبر مع كل حصاة.
وكذلك روى من حديث ابن مسعود أيضً.
وقوله أنه يرمي بمثل حصى الخذف: فكذلك روي عن النبي- ﷺ من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله- ﷺ رماها بمثل حصى الخدف.
وروى داود بن عمرو حدثنا خالد بن عبد الله عن حميد الأعرج عن محمد بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن معاذ أن رسول الله- ﷺ كان يأمر الناس بالمناسك فقال: "ارموا الجمار بمثل حصى الخذف".
وروى سفيان عن أبي الزبير عن جابر قال: أفاض رسول الله- ﷺ وعليه السكينة، وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف.
* * *
فصل
ولا يجوز عندنا أن ترمى جمرة العقبة قبل طلوع الفجر من يوم النحر، وهذا قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق، وحكى عن النخعي والثوري أنه لا يجوز أن يرمي إلا بعد طلوع الشمس.
стр. 655
وقال الشافعي: وقت رمي جمرة العقبة من بعد نصف الليل من ليلة النحر، واستحب أن يرمي بعد طلوع الشمس.
واستدل أصحابه بما رواه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة- ﵂ أن رسول الله- ﷺ أرسل أم سلمة ليلة النحر فرمت قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت.
وروى ابن جريج عن عطاء قال: أخبرني مخبر عن أم أسماء أنها رمت الجمرة. قلنا: إنا رمينا الجمرة بليل. قالت: إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله- ﷺ .
وروى عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة (أن رسول الله- ﷺ أمرها أن تعجل الإفاضة فتوافي الصبح بمكة).
وهذا يوجب أن تكون قد رمت بليل لا محالة؛ لبعد ما بينها وبين مكة. وروى ابن جريج عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر- ﷺ قال: دخلنا مع أسماء من جمع لما غاب القمر وأتينا منى ورمينا الجمرة الصبح فقلت: اهنياه رمينا [ق/١٤٧] قبل الفجر فقالت: هكذا كنا نفعل مع رسول الله- ﷺ ولأنه رمى نصف الليل وقبل خروج وقت الرمي؛ فأشبه من رمى بعد الفجر.
стр. 656
ولأنه وقت الإفاضة على وجه فأشبه بعد الفجر وذلك أنه وقت لأهل الأعذار على ما ورد به الخبر.
والدليل على ما قلناه: ما حدثنا عبد الوهاب بن محمد بن الحسين حدثنا محمد بن بكر التمار حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن الحسن العربي عن ابن عباس قال: قدمنا رسول الله- ﷺ ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب على جمرات فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: أي بني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس.
وحدثنا عبد الوهاب بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا الوليد بن عقبة حدثنا حمزة الزيات عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عباس قال: كان رسول الله- ﷺ قدم ضعفة أهله بغلس، ويأمرهم ألا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس.
فإن قيل فأنتم تجيزون رميها قبل طلوع الشمس؛ فقد خالفتم الخبر.
قيل له: الخبر يتضمن أمرين:
أحدهما: المنع من الرمي قبل طلوع الفجر.
والآخر: المنع منه بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس.
стр. 657
فلما قام الدليل على جواز ذلك قبل طلوع الشمس سلمناه الدليل، وبقى ما عداه على موجب النهي.
ويدل عليه أيضًا ما حدثنا عبد الوهاب بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: "رأيت رسول الله- ﷺ يرمي يوم النحر ضحى. فأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس".
وهذا بيان لوقت الرمي؛ لقوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم".
وأيضًا فلأنه حصل راميًا لها بليل فلم يجزئه ذلك؛ اعتبارًا برميها قبل النصف.
فإن قيل: المعنى في النصف الأول أنه تبع لليوم الماضي، والنصف الثاني تبع لليوم الثاني، بدلالة أن النصف الأول وقت يسن فيه التأذين للعشاء، ولم يسن ذلك بعد النصف الثاني، بل يسن فيه الأذان للفجر.
قيل له: هذا يبطل من وجوه:
أحدهما: أن الأذان المسنون هو إلى آخر الثلث؛ لأنه آخر وقت العشاء
стр. 658
عندنا.
والثاني: أن الأصول مختلفة؛ ففي بعضها النصف الثاني تبع للغد، وفي بعضها أن الليلة كلها تبع لليوم الأول؛ ألا ترى أن حكم الوقوف بعرفة مبني على هذا.
والثالث: أن الليل كله وقت للمغرب والعشاء في الضرورة عندنا على الحقيقة والأداء لا على وجه القضاء. فبطل ما قالوه.
ويمكن أن نقول: لأنه رمى جمرة العقبة قبل دخول يوم النحر؛ فأشبه إذا رماها يوم عرفة نهارًا. أو نقول: لأن ما قبل الفجر وقت الوقوف بعرفة؛ فأشبه أول الليل على أصل الجميع، وما بعد الزوال من يوم عرفة على أصلهم في الإجزاء وعلى أصلنا في الفضيلة.
ولأن كل حكم مؤقت قائم بنفسه أو متعلقة بعبادة لا تتوقف في بعض الوم؛ فإن أوقات الليل متساوية فيه، فإن جاز في بعضه جاز في سائره، وإن امتنع في البعض امتنع في الباقي؛ اعتبارًا بالوقوف بعرفة وبنية الصوم وبالحلق والنحر؛ ألا ترى أن للوقوف حكم منفرد ليس يشترط في غيره وفعل جائز في كل أوقات الليل، والنية جائزة في كل أوقات الليل أيضًا وإن كانت متعلقة بغيرها لكون ذلك الغير مستغرقًا لليوم لا يتوقف في بعضه- وهو الصوم- فلا يشبه الأذان للفجر ولا العشاء الآخرة؛ لأن ذلك متوقف في بعض اليوم أو الليلة، ولا يلزم عليه لوضوء من حيث عدم التأثير أنه يجوز في كل الليل، فإن كان متعلقًا بما يتوقف في البعض لأن الوضوء ليس له وقت يوقع فيه فوت بفواته، وكلامنا فيما يتوقف.
стр. 659
وكذلك النحر لما لم يجز في بعض الليل لم يجز في جميعه.
وإذا ثبتت هذه الجملة لم يخل الرمي أن يكون حكمًا قائمًا بنفسه؛ فكل وقت قائم بنفسه لم يجز فعله في بعض الليلة لم يجز في جميعه.
أصله: النحر، أو يكون متعلقًا بغيره.
فإذا لم يكن ذلك الغير متبعضًا فحكمه حكم المنفرد بنفسه، فإذا لم يجز في أول الليل لم يجز في آخره.
وأيضًا فلأنه وقت لا تجوز فيه الأضحية؛ فأشبه أول الليل.
ولأنه وقت للوقوف؛ فأشبه الليل.
فأما ما رووه عن أم سلمة أنها رمت قبل الفجر: فيجوز أن تكون فعلت ذلك والنبي- ﷺ لا يعلم؛ فلا يدل ذلك على جوازه ويحتمل أن تكون فعلت ذلك لعذر ثم أعادته. فإذا احتمل ذلك لم يترك به ظاهر النهي وفعل رسول الله- ﷺ الذي قصد به بيان المناسك.
وقول أسماء: كذلك كنا نفعل على عهد رسول الله- ﷺ لم تذكر فيه أنه كان يعلم به فلا ينكره، ومثل ذلك يجوز أن يقع عن غير علمه كما قال أبيّ لعمر- ﵁ كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله- ﷺ ؛ فلا تغتسل- يعني: في التقاء الختانين- فقال عمر- ﵁: أفأخبرتموه بذلك فرضيه؟ فسكت أبيّ؛ فعلم بهذا أنهم قد كانوا يفعلون على عهد رسول الله- ﷺ أشياء من غير علمه يعتقدون أنه لا ينكرها إذا علم لها، فربما اتفق ذلك وربما لم يتفق. فأما ما رووه من أن رسول الله- ﷺ أمر أم سلمة أن تعجل الإفاضة فتصلي الصبح بمكة، وهذا يمنع أن
стр. 660
يكون لم يعلم بالرمي: فقد أجاب بعض أصحابنا عنه بأنه لا يمتنع أن يكون أمرها بالتعجيل لتقدم الطواف والسعي على الرمي فتكون قد حلت.
فإن قيل: إن رميها بغلس أولى؛ لأنه أستر لها، وأقل تعبًا.
قلنا: إنما يراعى ذلك فيما [ق/١٤٨] تستوي أوقاته.
فأما إذا كان كونه أستر لها يقتضي تقديم الشيء على وقته فلا معتبر به.
وأما قياسهم على الرمي بعد الفجر فالمعنى فيه أنه وقت يجوز النحر في جنسه، وليس كذلك الليل.
وقولهم أنه وقت الإضافة على وجه ينتقض بنصف الليل الأول.
وبالله التوفيق
* * *
فصل
فأما من ذهب إلى أنه لا يجوز رميها قبل طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس فحجته ما روي أن النبي- ﷺ نهى عن رمي الجمرة حتى تطلع الشمس.
وما روه جابر أن رسول الله- ﷺ كان يرمي يوم النحر ضحى فخذا موضع البات؛ لأنه قال: "خذوا عني مناسككم".
ولأنه رمى قبل طلوع الشمس؛ فأشبه الرمي قبل الفجر.
والدلالة على ما قلنا: أنه حصل راميًا لها بعد طلوع الفجر من يوم
стр. 661
النحر؛ فأشبه إذا رماها بعد طلوع؛ فأشبه طواف الإفاضة.
فأما النهي فمحمول على الندب، وما رووه من فعله ﷺ محمول على الأفضل. والأولى لما ذكرناه. وقياسهم على الرمي قبل الفجر فالمعنى في الأصل أنه وقت للوقوف بعرفة، وليس كذلك بعد الفجر.
وبالله التوفيق
* * *
فصل
فأما قوله: أنه إذا رمى جمرة العقبة نحر إن كان معه هدى ثم حلق؛ فلما روى من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله ﷺ رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر فنحر بيده ثلاثًا وستين، وأمر عليًا- رضي الله عليه- بنحر الباقي.
وروى سفيان عن هشام عن ابن سيرين عن ابن عباس قال: لما رمى رسول الله- ﷺ أتى نسكه فنحره ثم دعا الحلاق فقال له: "ابدأ بالشق الأيمن".
فلهذا استحببنا له تقديم الذبح على الحلق، وتقديم الرمي على الذبح. فإن قدم الذبح على الرمي أو الحلق على الذبح أجزأه، ولا شيء عليه.
هذا قولنا، وقول الشافعي.
стр. 662
وروي عن الحسن البصري مثل ذلك.
وقال أبو حنيفة: إذا قدم الحلق على الذبح فعليه الدم.
واستدل عنه بقوله تعالى ذكره: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾؛ فمنع من الحلق قبل الذبح. وإذا ثبت تحريمه عليه كان عليه الدم بالاتفاق. قالوا: ولما روى أن رسول الله- ﷺ ذبح ثم خلق، وقال: "خذوا عني مناسككم".
والدلالة على ما قلنا: ما روى مالك عن ابن شهاب عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال:
وقف رسول الله- ﷺ في حجة الوداع بمنى للناس فجاؤوا يسألونه فجاءوا رجل فقال: يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح. فقال: "أذبح ولا حرج". فجاء رجل آخر فقال: يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي.
فقال: "ارم ولا حرج" قال: فما سئل رسول الله- ﷺ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج.
وروى أبو داود حدثنا نصر بن علي حدثنا يزيد بن زريع حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي- ﷺ كان إذا سئل يوم منى فيقول: لا
стр. 663
حرج. فسأله رجل فقال: إني حلقت قبل أن أذبح فقال: "اذبح ولا حرج"، وقال آخر: نسكت ولم أرم قال: "ارم ولا حرج".
فأما قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ فلا حجة لهم فيه؛ لأن محله هو بلوغه المكان الذي يقع النحر فيه لا ذبحه؛ بدلالة قوله : ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾.
وما رووه من تقديمه ﷺ النحر على الحلق فهو المختار والمستحب، إلا أنا قد روينا نصًا في أنه لا حرج في تقديمه عليه. فإن قيل: ليس في الحديث ما يسقط الدم، وغنما فيه نفي الحرج؛ وهو الضيق.
قلنا: قوله: "لا حرج" يفيد: أنه لا ضيق عليك في هذا الفعل بوجه. وفي إيجابنا الدم عليه ضيق عليه.
حالة تقديم الحلق على الذبح. والخبر ينفي الضيق عنه عمومًا، والله أعلم.
هذا الكلام في تقديم الحلق على الذبح.
فأما إن قدم الحلق على الرمي فعليه الدم عندنا: وعند أبي حنيفة والشافعي في ذلك قولان:
أحدهما: أنه يجوز تقديم الحلاق على الرمي.
والآخر: أنه لا يجوز ذلك، وعليه دم؛ بناء على اختلاف قوله في الحلاق هل هو نسك أو إباحة محظور؛ فإذا قال: إنه نسك جوز تقديمه
стр. 664
على الرمي، وإذا قال: إنه إباحة محظور لم يجر تقديمه على الرمي؛ لأنه يستبيح قبل التحلل.
والدلالة على ما قلنا: قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾.
وما روي أن رسول الله- ﷺ رمى ثم نحر ثم حلق وقصد به بيان المناسك، ولأنه محرم قبل الرمي مع بقاء الوقت فلزمه الفدية. دليله: إذا حلق ليلة النحر.
ولأنه حلاق صادف إحرامًا منعقدًا.
أصله ما ذكرناه.
ولأن كل وقت لو وطأ فيه لأفسد حجه، فإذا حلق فيه لزمته الفدية.
أصله: قبل الوقوف.
فإن قيل: فقد روي من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ سئل عن من حلق قبل أن يرمي فقال: ارم ولا حرج. قيل له: ليس هذا في حديث الحفاظ والثقة، بل المحفوظ ما ذكرناه من تقديم الحلق على الذبح، والذبح على الرمي فقط.
ثم لو ثبت لحملناه على أنه لا يتعلق بإفساد.
فأما الدم فإنه واجب بما ذكرناه.
فإن قيل: ترك الترتيب فيما به يقع التحلل من العبادة ذات التحريم والتحليل لا يوجب جبرانًا.
стр. 665
أصله: التحلل من الصلاة بالتسليم؛ لأنه لو ترك البداية بالتسليم على اليمين ثم سلم على اليسار لم يجب [ق/١٤٩] في ذلك جبران.
قيل له: التحليل عندنا يقع بالتسليمة الأولى فقط؛ بدلالة أنه لو أحدث بعدها لم تفسد الصلاة؛ فلم يلزم ما قالوه. والله أعلم.
* * *
فصل
عندنا أن الحلق نسك ثياب فعله، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أصحاب الشافعي: له قولان:
أحدهما: أنه نسك.
والآخر: أنه إباحة محظور، وليس بنسك.
والذي يدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين﴾ فخص دخولهم على هذه الصفة بالذكر ممتنًا عليهم بها وواعدًا لهم بحصولها؛ فدل ذلك على أنها فضيلة وأنها ليست مباحة فقط: لأن ذلك يوجب كونها وكون غيرها من المباحات سواء؛ لأنه لم يقل: لابسين ولا متطيبين.
ويدل على قوله ﷺ : "رحم الله المحلقين" ثلاثًا. قيل: والمقصرين يا رسول الله؟ فقال في الرابعة: "والمقصرين".
стр. 666
ففي هذا دليلان:
أحدهما: أنه دعاء لهم، وبالغ في ذلك بالتكرار؛ فدل على أن الصفة التي علق الدعاء بها نسك يثاب عليه، وأنها ليست بمباحة؛ ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال: رحم الله اللابسين والمتطيبين والمجامعين والمقلمين أظافرهم وكل شيء تعلق بمجرد الإباحة؛ لأنه ليس في ذلك معنى يقتضي الدعاء ولا الفضل مما تعلق به ثواب.
والوجه الآخر: أنه نبع بتكرار الدعاء للمحلقين وترتيبه على المقصرين على فضيلة الحلق على التقصير وتأكيده على التقصير.
وليس يقع التفصيل بين فعلين إلا والثواب يتعلق بهما؛ فما كان أكثر ثوابًا كان أفضل؛ ألا ترى أنه لا فضيلة للباس على الوطء ولا للوطء على الطيب، ولا يتعلق بشيء من ذلك ثواب؟.
ويدل على ذلك ما رواه ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير عن صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان أن ابن عباس قال: قال رسول الله- ﷺ : "ليس على النساء حلق؛ إنما على النساء التقصير".
ووجه الدليل أنه أخبر بأن التقصير عليهن؛ فصح بذلك أنه نسك وليس بمباح؛ لأنه وصفه بأنه مباح ينفي أن يكون عليهن.
стр. 667
ويدل عليه أيضًا أن رسول الله- ﷺ حلق رأسه في حجة الوداع. رواه موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عنه ﷺ .
وقد قال: "خذوا عني مناسككم"، وكل شيء فعله قبل الفراغ من الحج فهو من النسك إلا ما قام عليه الدليل.
ويدل عليه أيضًا ما رواه أصحابنا أن رسول الله- ﷺ قال: "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء"؛ فعلق ﷺ إباحة الأشياء الممنوعة بالإحرام على فعل الحلق كما علقه بالرمي؛ فدل ذلك على أنه نسك. وأيضًا فإنه قول عمر، وابن عمر- ﵄ ولا مخالف لهما؛ فروى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر بن الخطاب- ﵁ قال: من ظفر فليحلق، ولا تشبهوا بتلبيد اليهود.
وروى مالك- ﵁ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب- ﵁ قال: من عقص أو لبد فقد وجب عليه الحلاق.
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه لقى رجلًا من أهله قد أفاض ولم يحلق ولم يقصر، جهل ذلك فأمره عبد الله بن عمر أن يرجع فيحلق أو يقصر، ثم يرجع إلى البيت فيفيض.
стр. 668
واستدل أصحاب الشافعي بأن الأمر بالحلاق ورد عقيب حظر؛ فاقتضى كونه مباحًا.
قالوا: ولأن النسك إذا وقع قبل وقته لم يعتد به، ولم يلزم فيه فدية [] الرمي وغيره. وليس كذلك الحلق؛ لأنه لو وقع قبل وقته لتعلقت الفدية به؛ فدل ذلك على أنه ليس بنسك كاللباس والطيب.
فالجواب: أن صيغة الأمر إذا وردت بعد الحظر كانت محمولة على أصلها الذي هو الوجوب.
وعلى أن ورودها بعد الحظر إن كانت علة في كونها على الإباحة فذلك باطل من قبل أنا قد رأينا ما قد أمر به بعد حظر وفيه صفة زائدة على الإباحة؛ ألا ترى أنه ممنوع من أن يفعل في الصلاة سلام التحليل قبل وقته، ومع ذلك فهو شرط.
وكذلك الصائم يثاب على إفطاره وإن كان بعد خطر.
على أنه لا يمتنع أن يكون واردًا بعد حظر، فيدل الدليل على كونه واجبًا أو تدبًا.
واعتلالهم ساقط بما رويناه من الأخبار. وبالله التوفيق.
* * *
فصل
وقوله: أنه "إذا رمى الجمرة ونحر وحلق أتى البيت فأفاض"؛ فلقوله
стр. 669
عز وجل: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله- ﷺ نحر ثم ركب فأفاض إلى البيت وصلى بمكة الظهر.
وقوله: (يركع)؛ فلأن من سنة كل طواف أن يركع عقيبه. وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم.
* * *
فصل
قد ذكرنا ذلك أنه يرمي يوم النحر جمرة العقبة وحدها، ثم يأتي البيت فيفيض.
فإذا ثبت ذلك فإنه يرجع إلى متى ليبيت بها ثلاث ليال؛ يرمي في كل يوم أحد وعشرين حصاة ثلاث جمرات؛ كل جمرة بسبع حصيات، والجملة ثلاث وستون حصاة.
هذا لمن لم يتعجل.
وصفة التعجيل نذكرها فيما بعد إن شاء الله.
والأصل في ذلك ما رواه عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة- ﵂ قالت: أفاض رسول الله- من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق؛ يرمي الجمرة إذا زالت
стр. 670
الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع ويرمي الثالثة ولا يقف عندها.
ولا يجوز عندا أن يرمي الجمار في أيام منى إلا بعد الزوال. ولا يجوز قبل الزوال إلا يوم النحر خاصة.
هذا قولنا وقول الشافعي، وروي عن [ق/١٥٠] عمر- ﵁، وابن عمر، وابن عباس، وخلق كثير من الصحابة والتابعين ﵃.
وقال أبو حنيفة: القياس لا يجزئ بحال بعد الزوال، ولكنا استحببنا أن يكون في اليوم الثالث قبل الزوال.
وقال عطاء: إن جهل فرد قبل الزوال أجزأه؛ هكذا روى عنه مطلق من غير تفصيل.
والذي يدل على ما قلناه ما رواه يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير قال: سمعت جابر عن عبد الله يقول: "رأيت رسول الله ﷺ يرمي ويوم النحر ضحى. فأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس"، وهذا صدر منه ﷺ على وجه البيان؛ فيجب امتثاله لقوله: "خذوا عني مناسككم".
وروي من حديث عائشة- ﵂ الذي ذكرناه أنه ﷺ مكث يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات.
следующие страницы →