Полный текст (459 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وروى النسائي، من حديث داود بن أبي الفرات، عن علباء بن أحمر اليشكري، عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، قال: (أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد) .....
стр. 142
وداود بن أبي الفرات، وعلباء بن أحمر ثقتان، فالحديث صحيح، وهو صريح في أنها وأمها أفضل نساء أهل الجنة.
والحديث الأول، يدل لتفضيلها على أمها.
وقد قال ﷺ : (فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها)
وأما تفضيل خديجة، على عائشة، فبهذا الحديث، وبقوله ﷺ في الصحيح: (خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد).
стр. 143
والضمير قيل إنه للسماء والأرض، ويؤيده ما ورد من الإشارة إليهما، وعلى هذا يكون المراد خير نساء الدنيا، وهويقتضي أن مريم وخديجة، أفضل النساء مطلقا، فمريم أفضل نساء زمانها، وخديجة أفضل نساء زمانها، وليس في تعارض، لفضل أحداهما على الأخرى.
وقد علمت أن مريم اختلف في نبوتها، ولا شك أنها إن كانت نبية فهي أفضل، ويهشد لنبوتها ذكرها في سور الأنبياء معهم هو قرينةوإن لم تكن نبية، فالأقرب أنه أفضل أيضا لذكرها في القرآن وشهادته بصديقيتها.
وقال ﷺ (خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش) قيل إنما قال: ركبن الإبل، لأن مريم لم تركب بعيرا قط.
وزمان خديجة إن كان المراد به زمان ملتها، احتجنا إلى تخصيصه
стр. 144
بفاطمة، وإن كان المراد به زمان وجودها قفد يقال: عائشة لم تكن في ذلك الوقت، فلا يدل فضل خديجة على عائشة، فالحديث الأول كان في الاستدلال.
وقد اختلف في نبوة نسوة غير مريم، كأم موسى، وآسية، وحواء، وسارة، ولم يصح عندنا في ذلك شيء / إلا أن رسول ﷺ قال: (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع، مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد)
و (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)
والحديث الذي فيه خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة (لم يتعرض في لآسية، ولا يؤخذ منه حكمها لأنها ليست في زمانها).
وفي قوله: خير نسائها مربم، وجه آخر، وهو أن الضمي يعودعلى مريم، وتكون كلمة مريم مبتدأ وكذا خديجة، والتقدير: مريم خير نساء مريم، وخديجة خير نساء خديجة وإضافة النساء إليهما، كإضافتهن في قوله تعال:
(أو نسائهن) ويعود شرحه إلى ما سبق، إما نساء زمانها
стр. 145
أو نساء ملتها.
وفي الصحيح عن عائشة: (ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة).
وفي غير الصحيح: (ما أبدلني الله خيرا منها).
ولا شك أنها أول من آمن بالنبي ﷺ ، وظهر عنها في ذلك الوقت من العقل، والنور ما لا يخفى.
وقال ﷺ : (إني رزقت حلها، ووالله إني لأحب عائشة محبة كثيرة، لفضلها وفقهها)
ولمحبة رسول الله ﷺ إياها ولأمره بمحبتها كما سأذكره وما كنت اشتهي
стр. 146
أن أقدم عليها أحدا، ولكن تكلمت بما تقتضيه الأدلة.
والحديث الذي أشرت إليه بالأمر بمحبتها، في الصحيح لم جاءت فاطمة إلى النبي ﷺ : (وقال لها ألست تحبين ما أحب؟ قال بلى قال فأحبي هذه يعني عائشة).
وهذا الأمر لا صارف لحمله على الوجوب، وحكمه ﷺ على الواح حكمه على الجماعة، ويلزم من هاتين المقدمتين، وجوب محبتها على كل واحد، وقال ﷺ فيها ما لا يحصى من الفضل ونطث القرآن في أمرها بما لم ينطق به في غيرها.
وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ : (بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت أي الناس أحب / إليك؟ قال: عائشة، قلت من الرجال قال أبوها، قلت ثم من؟ قال: عمر، فعد رجال).
стр. 147
وقد قال المتولى من أصحابنا، تكلم الناس في عائشة وفاطمة، أيهما أفضل، والأولى للعاقل، أن لا يشتغل بمثل ذلك.
وحكى عن الصعلوكي: أنه قال: من أراد أن يعرف التفاوت بينهما، فليتأمل في زوجته وبنته. وتكلموا في خديجة وعائشة.
قال قوم: خديجة أفضل، وقسل عائشة أفضل هذا كلام المتولى،
وأما بقية أزواج النبي ﷺ فلا يبلغن هذه المرتبة، وإن كن خير نساء الأمة بعد هؤلاء الثلاث، وهن متقاربات في الفضل، لا يعلم حقيقة ذلك إلا الله، ولكن نعلم لحفصة بنت عمر من الفضائل كثيرا، فما أشبه أن تكون هي بعد عائشة، والكلام في التفضيل صعب، ولا ينبغي التكلم إلا بما ورد، والسكوت عما سواه وحفظ الأدب، رضي الله عن الجميع، ورزقنا محبتهم ونفعنا بهم
стр. 148
المسألة الخامسة عشرة
قال في (الروضة): لا يجوز للرجل أن يضاجع الرجل ولا المرأة أن تضاجع المرأة، وإن كان كل واحد في جانب من الفراش. انتهى. هل مراده ما إذا كانا متجردين أو أعم من ذلك؟
فإن كان الثاني، فما وحهه لا سيما إذا بعد أحدهما عن الآخر؟
وقد قال المتولى يكره للرجل أن يضاجع رجلا بإزار واحد، ما بين بدينهما ثوب.
وقال أيضا: يكره للابن الكبير، أن يضاجع أمه، وللأب أن يضاجع ابنته الكبيرة، بلا حائل. انتهى معنى كلامه.
ولعله المراد من الحديث الوارد في ذلك، والمسئول بيان كلام الروضة، وعلام يحمل؟
فإن حمل على حالة التجرد الوارد، فهل يحمل كلام المتولى على التحريم، فيحصل الوفاق، أو على التنزيه، فيكون مسألة خلاف.
والمسئول إيضاح ذلك، فإنه مما يعم به البلوى أجزل الله لكم الأجر بمنه وكرمه.
стр. 149
الجواب (الحمد لله)
قول الروضة هنا، هو نص كلام الرافعي، وأصله من القاضي حسين، وعبارته: لا يجوز للرجلين، أن يتجردا في ثوب واحد /، فانظر كيف صرح بالتجرد، ويجب حمل كلام الرافعي والروضة عليه.
وإنما قلت ذلك، لأنهم استدلوا بقوله ﷺ : (لا يفضي الرجل إلى الرجل، في الثوب الواحد، ولا تفضي
المرأة إلى المرأة، في الثوب الواحد.
رواه مسلم في صحيحه، وأبو داود، والترمذي، وقال حسن غريب.
стр. 150
وتأملت هذا الحديث، فوجدت فيه لفظتين، أحدهما يفضي والإفضاء إنما يكون بغير حائل، يقول العرب، أفضى بيده إلى الأرض إذا مسها بباطن راحته، وأفضى إليه بسره.
وقال تعالى: (وقد أفضى بعضهكم إلى بعض) وقال ﷺ : (إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه) واللفظة الثانية: قوله: في الثوب الواحد، ومن المعلوم أنهما إذا كانا في ثوبيهما، وشملهما لحاف من فوقهما، فهما في ثوبين لا في ثوب واحد.
وقد قال ﷺ : (إذا لم يكن لها جلباب، فتلبسها أختها من جلبابها)،
стр. 151
فالجلباب شامل لما من فوق الثياب شمول اللحاف.
ولما نزل قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا).
دعا النبي ﷺ : (فاطمة وحسنا وحسينا فجللهم بكساء)
стр. 152
وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂: (خرج النبي ﷺ غداة، وعليه مرط مرجل، وشعر أسود، فجاء الحسن بن علي، فأدخله ثم جاء الحسين، ودخل معه، ثم جاءت فاطمة، فأدخلها، ثم جاء علي، فأدخله)
ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا).
فهذه الأحاديث كلها، فيها الالتحاف بثوب واحد من فوق الثياب، فلم يبق في حالة المضطجعين في ثوب واحد، وهما لابسان إلا هيئة الاضطجاع، وما يظهر نهوضها لأن تكون علة في التحريم، نعم يظهر نهوضها علة للكراهية، لأن النوم مظنة هيجان الشهوة، وعدم التحفظ لانغمار العقل بالنوم، فربما يصدر منمها ملا يليث./
ولاشك أنه لو ورد نهي، أمكن أن يجعل هذا المعنى علة للتحريم الذي دل عليه، لكن لم يرد نهي عن الاضطجاع.
فالذي يظهر أنهما متى كانا لا بسين ثيابهما، لم يحرم اضطجاعهما في فراش، سواء تقاربا أم تباعدا؟
стр. 153
وليس كلام القاضي حسين أيضا، وإن كان كل منهما في طرف الفراش.
لكني أقول: إن كانا مجردين والفراش ساتر لهما معا، ولايستر أحدهما من الآخر فهو حرام، لعدم التستر. وإن سدلا وسطه، لم يظهر التحريم أيضا، وإن كانا في ثوب واحد، لأن معنى الإفضاء لم يوجد.
وهذا الحديث وهو قوله: (لا يفضي) بقية من حديث أوله: (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل). وفي رواية إلى عرية مكان عورة وهو يدل على أن المراد بآخره ما ذكر في أوله من حفظ العورة، ولذلك أورده مسلم في ذلك المكان.
وأورده أبو داود في كتاب الحمام، والترمذي في كتاب الاستئذان، ولم
стр. 154
أجد فيما وقفت عليه من الحديث: (ولا يضاجع الرجل الرجل، ولا المرأة المرأة) حتى يكون دليلا لظاهر كلام الرافعي والروضة.
وقال الخوارزمي في (الكافي): ولا تجوز مضاجعة الرجلين العاريين، وإن كان أحدهما لا من جانب، والآخر من جانب، وكذا في حق المرأتين، فإن كانا لا بسين، أو أحدهما لا بأس، وهذا الذي قاله الخوارزمي في العاريين، والمضاجعة واللابسين صحيح، أما إذا كان أحدهما غير لابس، فينبغي أن يحرم عليه لعدم التستر.
وقال إمام الحرمين ذكر الأصحاب كراهة تضاجع الرجلين في ثوب
стр. 155
واحد، واستدل بالحديث.
وقال ابن أبي عصرون يكره اضطجاع الرجلين في ثوب واحد، فإن أراد التحريم وفيحمل على التفصيل الذيقدمناه، وإن أراد الكراهة التنزيهية، وهو الظاهر، فيحتاج إلى دليل.
وما قاله الخوارزمي من نفي البأس عند اللباس أولى، والكلام في كلام المتولى كذلك.
وقول: بإزار واحد، إن أراد أنهما جميعا / في إزار واحد، فلاشك أن ذلك حرام، وإن أراد أن كلا منهما في إزار مع التجرد في باقي بدينهما فيحتمل التحريم لظاهر الحديث، وعليه يحمل كلام القاضي حسين المتقدم، ويحتمل الكراة، لأن العورة محفوظة، وننزل الحديث على هذه الحالة فإنه يكره.
стр. 156
وقوله: يكره للابن الكبير أن يضاجع أمه، وللأب أن يضاجع ابنته الكبيرة، بلا حائل.
فقد قال فيه في التتمة: إنه عن قولنا أن العورة منه ما بين السرة والركبة، كما ذكرنا في الرجل مع الرجل.
والذي فهمته من هذا، أنا إن قلنا إن العورة مالا يبدو في حال المهنة، يكون الاضطجاع، ـ وليس على كل منهما إلا الإزار ـ حراما، لانكشاف العورة بينهما، وإن قلنا العورة ما بين السرة والركبة، كانا كالرجلين، فيكره للحديث ولايحرم.
وليس في كلام القاضي حسين تصريح بالتحريم، حيث يكون كل منهما بإزار، حتى يحمل خلافا بينه وبين المتولي، فالأولى الجمع بينهما، وحمل كلام القاضي على التجرد جملة، وكلام المتولى على التجرد عما سوى الإزار. ونفى الكراهة عما سوى ذلك، إذا كانا لابسين لبسا تاما، كما اقتضاه كلام الخوارزمي، وقد علمت تنزيل الحديث على ما قلناه وبه يظهر هذا التقسيم.
وقد قال الرافعي أيضا: إذا بلغ الصبي أو الصبية عشر سنين وجب التفريق، بينه وبين أمه، وأبيه وأخته، وأخيه في المضجع.
стр. 157
قال ﷺ : (واضربوهم عليها وهو أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع). وسبقه إلى ذلك القاضي حسين فقال: وإذا كان للرجل ابنة وبلغت عشر سنين، لا يجوز أن يضاجعها، وكذا الابن الكبير مع الأم، وكذا إذا كان له أولاد صغار، فإذا بلغوا عشر سنين يفرق بينهم في المضاجع.
واستدل بالحديث المذكور، وهذا الحديث رواه أبو داود بإسناد حسن وهو كما ترى يقتضي الأمر بالتفريق بين الصبيان ـ إذا بلغوا
стр. 158
العشر - في المضاجع، ولا يقتضي التفريق بينهم وبين الأبناء والأمهات، والقاضي والرافعي والنووي ذكروا الحكمين جميعا وللنتكلم على كل واحد من الحكمين./
أما الأول: وهو وجوب التفرقة بينه وبين أبيه وأمه، فلا دليل عليها، وليس في الحديث الأمر بها، كما أشرنا إليه.
فإن كان الأصحاب أخذوا ذلك من هذا الحديث فلا دليل فيه، وإن كانوا أخذوه من الحديث المتقدم عن إفضاء الرجل إلى الرجل، والمرأة إلى المرأة، فقد تقدم الكلام عليه، ونحن نقول به بالشرائط المتقدمة، لأنه مع أبيه كالرجلين، والبنت مع أمها كالمرأتين، والرجل مع المرأة بطريق الأولى.
وحيث قلنا بالجواز هناك، نقول به هنا، وأولى.
وقد ورد في سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي من حديث رجل من الطفاوة ولم يسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يفضين رجل إلى رجل، ولا امرأة إلى امرأة، إلا ولد أو
стр. 159
والد).
قال: وذكر الثالثة فنسيتها.
والرجل الذي من الطفاوة مجهول، لكن الترمذي حسن الحديث فكفانا مؤنته، وإذا ثبت هذا اقتضى الترخيص في الإفضاء بين الوالد والوالدة وولدها، والمعنى فيه قوة المحرمية بينهما، وكمال الاحتشام، وبعد الشهوة، وذلك يرد ما قاله الأصحاب.
والترخيص في المحل الذس نقول إنه يمتنع في غير الوالد والولد. أما حيث نقول بالجواز فهنا أولى، وإن لك يثبت هذا الحديث ولا هذا المعنى، فلا أقل من أن يكونا كغيرهما من الرجال والنساء، وقد تقدم التفضيل فيه وحكمه.
وإن كان الأصحاب أخذوا ذلك من أنه إذا وجب التفريق بين الصبيان وجب بينهم وبين آبائهم بالقياس، فالفرق ظاهر لما قلناه.
ولما بين الصبيان من الغرامة، وعدم التحفظ، ولا سيما في أول
стр. 160
(نشأة) الشهوة، وقبل كمال العقل، وقدبلغوا السن الذي فيه إمكان البلوغ وانبعاث الشهوة ولا وازع لها.
وأما الحكم الثاني: هو التفرقة بين الصبيان أنفسهم فهو صحيح ثابت، والذي عليه الأمر بالتفريق بينهم في المضاجع، فالأمر محمول على الوجوب، لأنه ظاهره ولاصارف عنه، والتفريق في المضجع يصدق بطريقين.
أحدهما: أن يكون لكل منهما فراش، والثاني: أن يكونا في فراش، ولكن مفترقين غير متلاصقين، فالثاني أعم من الأول، فينبغي الاكتفاء به لأنه لا دليل على حمل الحديث على الأول وحده.
ثم هو محل ذلك إذا كانا مجردين أو أعم؟
ولاشك أنه محتمل. والأمر بالتفريق مطلق، وبينهم يشمل الصبيان المتجردين ...........................
стр. 161
واللابسين، وهو في المتجرين ظاهر، لأنه داخل في الحديث الأول. وأما في اللابسين فيحتمل أن يقال: بعمومه فيهم ويعلل بما قدمناه من المعنى من عدم تحفظهم.
ويحتمل أن يقال: إن مقصودهم الحديث إنما هو التفريق، والحديث إذا سيق لمقصود لا يعم في غيره، كما يقوله الشافعي ﵁، ونزيد هاهنا أن يقال: إن عادة العرب التعري عند النوم، ورأيت عندنا بمصر رجلا من عباد الله الصالحين، فقيها مالكيا صنف كتابا في الثياب، قرأت عليه، كان يقول: إن التعري عند النوم سنة، وينكر النوم في الثياب.
وهذا الرجل هو الشيخ أبو عبد الله بن الحاج تلميذ ابن أبي
стр. 162
جمرة، فإذا ثبت هذا فقد يقال: الحديث ورد على المعهود وهو نوم الصبيان عراة، فلذلك أمر بالتفريق بينهم عند عشر سنين، كما نه عن إفضاء الرجل إلى الرجل، ويصير الحديثان في معنى واحد، وإذا وقفت عي هذه المسألة، ووفقت لإشراق ما قلته لك في قلبك، فاحمد الله، وادع لي بالمغفرة. والله أعلم.
стр. 163
المسألة السادسة عشرة
وقع في "الروضة" في هذا الموضع، أنه يحرم مس وجه الأجنبية وإن جاز النظر، ومس كل ما جاز النظر إليه من المحارم والإماء، بل لا يجوز للرجل مس بطن أمه، ولا ظهرها، ولا أن يغمز ساقها، ولا رجلها، ولا أن يقبل وجهها، حكاه العبادى عن القفال.
وقد ظن المملوك أنه مباين لكلام الرافعى، (وأن الذي اقتضاه كلام الروضة لم يقل أحد).
(نعم اتفق كلام الرافعى والروضة) على أنه لا يجوز له مس البطن والظهر وهو مشكل، لأنه قال: في "شرح مسلم" في باب فضل الغزو في البحر أن جواز ملامسة المحرم في الرأس وغيره مما ليس بعورة مجمع عليه. انتهى. والمسئول كشف الغطاء عن ذلك وبيانه.
стр. 164
الجواب (الحمد لله)
بارك الله فيك، نعم عبارة الروضة مخالفة لعبارة الرافعي، ولا أقول مباينة، والمخالفة أخف من المباينة.
ووجه المخالفة: أن الرافعي قال: قد يحرم المس حيث لا يحرم النظر، فلا يجوز للرجل مس وجه الأجنبية وإن جوزنا النظر إليه، ولا مس كل ما يجوز النظر إليه من المحارم والإماء.
وعبارة "الروضة" كما ذكر في السؤال، فعدل عن النفي إلى الإثبات، وقال: موضع لا يجوز يحرم ظانا ترادفهما، ويحرم أخصر من لا يجوز، (ثم عطف مس كل على مس وجه المحرم، فاقتضى تحريم مس كل. والرافعى عطفه على مس وجه الذي هو لا يجوز).
وأكد ذلك بإعادة حرف النفي، ومقتضاه، سواء أكد أم لم يؤكد أنه لا يجوز مس كل.
ولا يلزم من سلب جواز مس كل، تحريم مس كل.
стр. 165
وهذا يفهمه من يفهم الفرق بين سلب العموم وعموم السلب، فعدم جواز مس كل، سلب العموم وهو أعم، وتحريم مس كل عموم في معنى عموم السلب، لأنه في معنى قولنا مس كل هو لا يجوز.
وفي عبارتي هذه، تعقيده أقدر ابسطها بما يفهمه كل أحد لكن أخشى التطويل، ثم بدا لي أنه قد يقف عليه مبتدى فلا باس أن أبسط الكلام قليلا، فأقول: لفظ كل إذا وقعت في الكلام فإن تأخر النفي عنها كان النفي عن كل فرد كقوله ﷺ : "كل ذلك لم يكن" وهذا المسمى بعموم السلب، لأن موضوع القضية كل فرد وقد حكم عليه بالسلب فيعمه وكذلك قول الشاعر: "كله لم أصنع".
وإن تقدم النفي على كل، كان نفيًا للحكم عن كل فرد، ونفى الحكم عن كل فرد يحتمل أن يكون نفيه عن بعضها، لأن الحكم على كل فرد عموم، فسلبه سلب العموم، وسلب العموم يحصل بالثبوت
стр. 166
للبعض.
ولا فرق بين أن يرد النفي على كل، أو على المضاف إليها، أو على العامل فيه، وكلام الرافعي من هذا القبيل، لأن قوله: لا يجوز مس كل ما جاز النظر إليه، دخل حرف النفي على الفعل العامل في المضاف إلى كل، فيصدق بأن لا يجوز مس بعض، (ويجوز مس بعض).
هذا مراد الرافعي، والنووي لما غير لا يجوز بيحرم.
ويحرم إثبات لا نفي اقتضت تحريم مس كل فرد من أفراد ما يجوز النظر إليه وهذا لا يقوله أحد، ولا جواب عن ذلك، إلا أن يقول قائل: إن يُحْرِمُ، وإن كانت إثباتا/، هي في معنى لا يجوز فترد إليه، ويحكم لها بحكمه فتعود إلى معنى كلام الرافعي، ولكن هذا تعسف بعيد، وإنما دعانا إليه تعظيمنا للنووي ومحبتنا صيانة كلامه والمعتمد ما قدمناه.
وقد يحتمل جواب آخر وهو أن كلا لها معنيان، الكل الإفرادي، والكل المجموعي (والذي قدمناه إنما هو في الإفرادي فيحمل كلام الروضة على الكل المجموعي) ويكون المعنى يحرم مس مجموع ما جاز النظر إليه، وهو صحيح.
لكن هذا تمحل، ذكرناه لأنه غاية المقدور، وهذا البحث معروف ومشهور فلا حاجة إلى التطويل به.
والشيخ محيى الدين ﵁ لا يخفى عنه ذلك، ولكن لم يتأمل لفظ ....................................................
стр. 167
كل التي في آخر الكلام وعامل النفي الوارد على المضاف إليها، مع محبة الاختصار والشغل الكثير عليه في طاعة الله علما وعملاً فهو معذور، ولو فكر أدنى فكرة تنبه لذلك، فصار كلام الروضة يقتضي أن كل ما جاز النظر إليه من المحارم والإماء لا يجوز مسه، وهذا لا يقول به أحد وهو خلاف إجماع المسلمين المحقق وهو معلوم بالضرورة.
وعبارة الرافعي يقتضي أن منه ما لا يجوز وهو صحيح ولم يفرق إمام الحرمين بين المس والنظر.
وأما نقله الإجماع في "شرح مسلم" فقد وقفت عليه.
قال: في حديث أن النبي ﷺ : "كان يدخل على أم حرام".
قال: اتفق العلماء على أنها كانت محرما له ﷺ . واختلفوا في كيفية ذلك.
ثم قال: وفيه جواز ملامسة المحرم في الرأس وغيره مما ليس بعورة، وجواز الخلوة بالمحرم، والنوم عندها وهذا كله مجمع عليه انتهى كلامه.
стр. 168
وما نقله من الإجماع في المسائل الثلاث صحيح، وما ذكره من الاتفاق على أن أم حرام كانت محرما له ﷺ ليس بصحيح.
ومن أحاط علما بنسب النبي ﷺ ونسب أم حرام علم أنه لا محرمية بينهما، وقد بين ذلك شيخنا الحافظ الدمياطي في حين قرأته عليه.
وحينئذ أقول/: إن الأحكام الثلاثة (التي ذكرها) الشيخ محيى الدين صحيحة. ولكنها ليست مأخوذة من قصة أم حرام.
وأما الجواب عن قصة أم حرام، فهو أن النبي ﷺ يجوز له، ومن خصائصه الخلوة بالأجنبية، لأجل العصمة. وما كان النبي ﷺ (يفعل ذلك) مع كل أحد، لكن أم حرام لها خصوصية به، لذلك يقيل عندها، وتفلى رأسه ﷺ .
وأما مس الرجل بطن أمه وظهرها فعندي أنه ينقسم إلى ما يحرم، وإلا ما لا يحرم، وبذلك يصح الجمع ويزول الإشكال بين ما قاله: في الروضة
стр. 169
وما قاله: في شرح مسلم، وإن كان لا تعارض بينهما إلا بالإطلاق.
ووجه الانقسام: أن ذلك قد يفعل لحاجة أو شفقة على الأم، حيث يقتضى الحال ذلك؛ وما أشبهه فهو جائز قطعا.
وقد يفعل على صورة يثير شهوة فهو حرام قطعا وبين الحالتين مراتب متفاوتة، فما قرب إلى الأولى ظهر جوازه، وما قرب إلى الثانية، ظهر تحريمه، وكذلك أقول: في غمز الساق، والرجل، وإن قرب من الثانية إلا أنه قد يكون لحاجة الأم إلى ذلك وإن لم ينته إلى حد المداوة المبيحة للأجانب، ويبعد أو يقطع فيه بانتفاء قصد آخر فكيف يحرم ذلك.
وكذلك أقول: في تقبيل الوجه، فقد ثبت في صحيح البخاري ـ في سنن أبي داود أن أبا بكر الصديق دخل على ابنته عائشة ﵂ وهي مضطجعة قد أصابها حمى فقال كيف أنت يا بنية وقبل خدها.
فانظر هذا فعل أفضل الصحابة وليس ذلك إلا على وجه الكرامة، والحنو
стр. 170
والشفقة فهذا من الجايز المقطوع به.
وفي سنن البيهقي: "أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ كانت إذا دخلت عليه رحب بها وقام إليها فأخذ بيدها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها رحبت به وقامت فأخذت بيده فقبلته.
وقال مالك ﵀: إذا قدم الرجل من سفره فلا بأس أن تقبله ابنته وأخته، ولا بأس أن يقبل خد ابنته، قال: ولا يقل خد ابنه أو عمه لأنه لم يكن من فعل الماضيين وذكر ابن رشد المالكي في
стр. 171
"شرحه" لذلك حديثا/ في الترمذي: "لما قدم زيد بن حارثة اعتنقه النبي ﷺ وقبله" قال: وأما القبلة في الفم للرجل من الرجل فلا رخصة فيه بوجه.
وقال القرافي من المالكية: قول مالك: يقبل خد ابنته، محمول على ما إذا كان هو وغيره عنده سواء، أما متى حصل الفرق في النفس صار استمتاعا حراما والإنسان يطالع قلبه ويحكمه في ذلك، يعني أنه متى وجد لذة بالقبلة في الفم زائدة على غيره حرم، ومتى استوى عنده الخد، والفم، والرأس، والعنق، وسائر الجسد، وكان على وجه الخير والحنان جاز، وكذلك لا تكون القبلة للجمال والحسن، بل لمحض القرابة. انتهى ما قاله.
стр. 172
ولعل لصعوبة الفرق سد الباب على كثير من الناس وأطلق من أطلق من أصحابنا المنع في غمز الرجل ونحوه.
وحكى عن بعض العلماء، أنهم كانوا يتحاشون تقبيل أولادهم في أفواههم، ويقبلونهم في أعناقهم ورءوسهم، وهذا لا ينبغي أن يؤخذ على الإطلاق فقد كان النبي ﷺ : (يقبل الحسن" وغالب طباع بني آدم لا تجد في تقبيل الولد غير الحنو والمحبة الطبيعية، وإن فرض خلاف ذلك، فهو نادر، من نزعة شيطانية، وهذا إنما أقوله في قبلة الولد الصغير.
أما الكبير فقد جاء في الحديث "النهي عن المكاعمة".
ومعناها: أن يلم الرجل صاحبه، ويضع فمه على فمه، كالتقبيل، وهذا الحديث من رواية أبي ريحانة عن النبي ﷺ وفيه عدة أشياء نهي
стр. 173
عنها.
وهو في سنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجه، في بعضها بطوله، وفي بعضها مختصرا، وفي النسائي بلفظ حرم، وفي بعض طرقه المطولة والخاتم إلا لذي سلطان والمشهور أن التختم بغير الذهب جائز لكل أحد.
فقال الحليمي: ينبغي أن تحمل على معنى المنع الذي هو من التنزيه إذ لم يحفظ عن أحد تحريم التختم لغير ذي سلطان.
стр. 174
المسألة السابعة عشرة
روي في الحديث "اختلاف أمتي رحمة".
стр. 175
/ قال الإمام ﵀ عند الكلام في الكفاءة: فسره الحليمي باختلافهم في الحرف والصنايع، هل لهذا الحديث أصل؟ وقد أشكل على المملوك هذا التفسير إذا كان الأمم مختلفين في الحرف والصنايع.
وإذا كان كذلك، فأي فائدة في ذلك، والذي على ألسنة الناس أن المراد اختلافهم في الحلال والحرام ونحوهما من فروع.
هل هذا التفسير صحيح أو لا؟.
الجواب (الحمد لله)
هذا الحديث ليس معروفا عند المحدثين ولم أقف له على سند صحيح، ولا ضعيف، ولا موضوع، ولا أظن له أصلا، إلا أن يكون من كلام الناس، بأن يكون أحد قال: اختلاف أمتي رحمة، فأخذه بعض الناس وظنه
стр. 176
حديثا فعله من كلام النبوة.
ورأيت في تعليق القاضي حسين، في كتاب الشهادات، قال النبي ﷺ : "اختلاف أمتي رحمة".
قال: وفسر بعضهم باختلاف الهمم والحرف.
وفي النهاية لإمام الحرمين كما تضمنه السؤال عند الكلام في الكفاءة وقال الحليمي في تفسير قوله ﷺ : "اختلاف أمتي رحمة" وقال: أراد بذلك اختلافهم في الدرجات والمراتب والمناصب فحذف القول في الحرف. انتهى.
وما زلت أعتقد أن هذا الحديث لا أصل له.
واستدل على بطلانه بقوله تعالى: (ولا يزالون مختلفين* إلا من رحم ربك) (ولذلك خلقهم) وقوله تعالى: (ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر) وقوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة) إلى قوله: (وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البيات بغيا بينم) وقوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه) وقوله تعالى: (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه) وقوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا
стр. 177
تفرقوا) وقوله تعالى: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة). وما أشبه ذلك من الآيات.
وقوله ﷺ : "ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم".
وقوله ﷺ : "وتطاوعا ولا تختلفا" وقوله ﷺ : "ولا ينبغي عند نبي تنازع".
وقوله ﷺ : "إنما هلكت بنو إسرائيل بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم) وما أشبه ذلك من الأحاديث.
стр. 178
فانظر/ القرآن العزيز كيف دل على أن الرحمة تقتضي عدم الاختلاف، وأن الاختلاف نشأ عنه كفر بعضهم واقتتالهم وانظر كلام النبوة كيف اقتضى أن الاختلاف سبب لاختلاف القلوب، وإن كان الحديث واردًا في تسوية الصفوف فالعبرة بعموم اللفظ، والذي نقطع به، ولا شك فيه أن الاتفاق خير من الاختلاف، وأن الاختلاف على ثلاثة أقسام.
أحدهما: في الأصول، ولا شك أنه ضلال، وسبب كل فساد، وهو المشار إليه في القرآن.
والثاني: في الآراء والحروب، ويشير إليه قوله ﷺ : "تطاوعا ولا تختلفا" وكان ذلك خطابا منه ﷺ لمعاذ وأبي موسى لما بعثهما إلى
стр. 179
اليمن.
ولا شك أيضا أنه حرام، لما فيه من تضييع المصالح الدينية والدنيوية.
والثالث: في الفرع، كالاختلاف في الحلال والحرام ونحوهما، والذي يظهر لنا.
ونكاد نقطع به، أن الاتفاق خير من الاختلاف، ولا حاجة إلى قولنا يظهر ويكاد، فإنه كذلك قطعا، ولكن هل نقول الاختلاف ضلال، كالقسمين الأولين أو لا؟
كلام ابن حزم ومن سلك مسلكه، ممن يمنع التقليد، يقتضي أنه مثل القسمين الأولين.
стр. 180
أما نحن فإنا نجوز التقليد للجاهل، ويجوز الأخذ بعض الأوقات عند الحاجة بالرخصة.
من أقوال بعض العلماء من غير تتبع الرخصة، ومن هذا الوجه قد يصح أن يقال: الاختلاف رحمة، فإن الرخص من الرحمة:
مثاله إذا كان يشخص مبتلى بسلس البول أو نحوه ولا يكاد يخلو ثوبه أو بدنه عن نجاسة بسيرة، ويشق عليه التنزه عنها، ولو ترك النوافل بسببها فاته خير كثير، وربما يشق عليه التنزه عن النجاسة اليسيرة في الفرض أيضا، وهو معتقد أن النجاسة اليسيرة غير معفو عنها، (لتمذهبه بمذهب من يرى ذلك، فإذا قلد من يرى العفو عنها) وصلى كان في ذلك رخصة له ورحمة وإدراك أجر كثير.
وهذا لا ينافي قطعنا أن الاتفاق خير من الاختلاف فلا تنافى بين الكلامين، لأن جهة الخيرية تختلف، /وجهة الرحمة تختلف، فالخيرية في العلم بالدين الحق الذي كلف الله به عباده، وهو الصواب عنده، والرحمة في الرخصة له، وإباحة الإقدام بالتقليد على ذلك.
ورحمة نكرة في سياق الإثبات لا يقتضي العموم، فيكفي في صحته أن يحصل في الاختلاف رحمة ما، في وقت ما، في حالة ما، على وجه ما، فإن كان ذلك حديثا، فيخرج على هذا، وإن لم يكن حديثا ويكون من كلام أحد من العلماء فمخرجه على هذا.
следующие страницы →