← Фикх шафии

Фикх шафии · id 18610

قضاء الأرب في أسئلة حلب

تقي الدين السبكي

Полный текст (459 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

حديثا فعله من كلام النبوة. ورأيت في تعليق القاضي حسين، في كتاب الشهادات، قال النبي ﷺ : "اختلاف أمتي رحمة". قال: وفسر بعضهم باختلاف الهمم والحرف. وفي النهاية لإمام الحرمين كما تضمنه السؤال عند الكلام في الكفاءة وقال الحليمي في تفسير قوله ﷺ : "اختلاف أمتي رحمة" وقال: أراد بذلك اختلافهم في الدرجات والمراتب والمناصب فحذف القول في الحرف. انتهى. وما زلت أعتقد أن هذا الحديث لا أصل له. واستدل على بطلانه بقوله تعالى: (ولا يزالون مختلفين* إلا من رحم ربك) (ولذلك خلقهم) وقوله تعالى: (ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر) وقوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة) إلى قوله: (وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البيات بغيا بينم) وقوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه) وقوله تعالى: (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه) وقوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا

стр. 177

تفرقوا) وقوله تعالى: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة). وما أشبه ذلك من الآيات. وقوله ﷺ : "ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم". وقوله ﷺ : "وتطاوعا ولا تختلفا" وقوله ﷺ : "ولا ينبغي عند نبي تنازع". وقوله ﷺ : "إنما هلكت بنو إسرائيل بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم) وما أشبه ذلك من الأحاديث.

стр. 178

فانظر/ القرآن العزيز كيف دل على أن الرحمة تقتضي عدم الاختلاف، وأن الاختلاف نشأ عنه كفر بعضهم واقتتالهم وانظر كلام النبوة كيف اقتضى أن الاختلاف سبب لاختلاف القلوب، وإن كان الحديث واردًا في تسوية الصفوف فالعبرة بعموم اللفظ، والذي نقطع به، ولا شك فيه أن الاتفاق خير من الاختلاف، وأن الاختلاف على ثلاثة أقسام. أحدهما: في الأصول، ولا شك أنه ضلال، وسبب كل فساد، وهو المشار إليه في القرآن. والثاني: في الآراء والحروب، ويشير إليه قوله ﷺ : "تطاوعا ولا تختلفا" وكان ذلك خطابا منه ﷺ لمعاذ وأبي موسى لما بعثهما إلى

стр. 179

اليمن. ولا شك أيضا أنه حرام، لما فيه من تضييع المصالح الدينية والدنيوية. والثالث: في الفرع، كالاختلاف في الحلال والحرام ونحوهما، والذي يظهر لنا. ونكاد نقطع به، أن الاتفاق خير من الاختلاف، ولا حاجة إلى قولنا يظهر ويكاد، فإنه كذلك قطعا، ولكن هل نقول الاختلاف ضلال، كالقسمين الأولين أو لا؟ كلام ابن حزم ومن سلك مسلكه، ممن يمنع التقليد، يقتضي أنه مثل القسمين الأولين.

стр. 180

أما نحن فإنا نجوز التقليد للجاهل، ويجوز الأخذ بعض الأوقات عند الحاجة بالرخصة. من أقوال بعض العلماء من غير تتبع الرخصة، ومن هذا الوجه قد يصح أن يقال: الاختلاف رحمة، فإن الرخص من الرحمة: مثاله إذا كان يشخص مبتلى بسلس البول أو نحوه ولا يكاد يخلو ثوبه أو بدنه عن نجاسة بسيرة، ويشق عليه التنزه عنها، ولو ترك النوافل بسببها فاته خير كثير، وربما يشق عليه التنزه عن النجاسة اليسيرة في الفرض أيضا، وهو معتقد أن النجاسة اليسيرة غير معفو عنها، (لتمذهبه بمذهب من يرى ذلك، فإذا قلد من يرى العفو عنها) وصلى كان في ذلك رخصة له ورحمة وإدراك أجر كثير. وهذا لا ينافي قطعنا أن الاتفاق خير من الاختلاف فلا تنافى بين الكلامين، لأن جهة الخيرية تختلف، /وجهة الرحمة تختلف، فالخيرية في العلم بالدين الحق الذي كلف الله به عباده، وهو الصواب عنده، والرحمة في الرخصة له، وإباحة الإقدام بالتقليد على ذلك. ورحمة نكرة في سياق الإثبات لا يقتضي العموم، فيكفي في صحته أن يحصل في الاختلاف رحمة ما، في وقت ما، في حالة ما، على وجه ما، فإن كان ذلك حديثا، فيخرج على هذا، وإن لم يكن حديثا ويكون من كلام أحد من العلماء فمخرجه على هذا.

стр. 181

وعلى كل تقدير، لا نقول إن الاختلاف مأمور به، (وهل نقول الاتفاق مأمور به؟). هذا يلتفت على أن المصيب واحد أم لا؟ فإن قلنا المصيب واحد وهو الصحيح. فالحق في نفس الأمر واحد، والناس كلهم مأمورون بطلبه، واتفاقهم عليه مطلوب، والاختلاف حينئذ منهي عنه، وإن عذر المخطئ، وكذلك إذا قلنا بالأشبه كما هو قول بعض الأصوليين. وأما إذا قلنا كل مجتهد مصيب، فكل أحد مأمور بالاجتهاد وباتباع ما غلب على ظنه، فلا يلزم أن يكونوا كلهم مأمورين بالاتفاق، ولا أن يكون اختلافهم منهيا عنه، وإطلاق الرحمة على هذا التقدير في الاختلاف أقوى، من إطلاقها على قولنا المصيب واحد. هذا كله إذا جعلنا الاختلاف (المراد به الاختلاف) في الفروع. وأما الذي حمله الحليمي عليه، فقد علمت نقل الإمام عنه في النهاية لم يقل الصنايع والحرف، كما تضمنه السؤال ولو قال ذلك لا يستبعد، كما استبعده السائل، لأنه كان المناسب أن يقال: اختلاف الناس رحمة. ولا شك أن ذلك من نعم الله تعالى وقد عدها الحليمى في شعب الإيمان

стр. 182

من النعم التي يطلب من العبد شكرها. وأما اختلاف الأمة فلابد من خصوصية الأمة به. وما قاله إمام الحرمين قد يظهر فيه خصوصية، لأن المراتب والمناصب التي أعطيتها أمة النبي ﷺ لم تعطها أمة غيرهم فهي من رحمة الله تعالى لهم، وفضله عليهم، لكنه لا يسبق الذهن من لفظة الاختلاف إليها،/ ولا إلى الصنايع والحرف. والله أعلم.

стр. 183

المسألة الثامنة عشرة قال العلامة تاج الدين بن يونس، في كتابه الإبريز، في شرح الوجيز، في آخر كتاب الضمان: خاتمة، اثنان عليهما عشرون درهما، وكل واحد منهما ضامن للآخر، فقال لهما الدائن: أبرأتكما من عشرة، يبقى عليهما بالأصالة خمسة عشر. ووجهه ثم قال: قال شيخي كمال الدين موسى ﵀: ويحتمل فيما بقى بالكفالة ثلاثة أوجه، لأن سقوط خمسة من الأصالة، يقتضى سقوط خمسة من الكفالة، ثم يحتمل حصر هذه الخمسة الساقطة، بهذا الطريق في الخمسة الساقطة بالتوزيع، ويحتمل حصرها في غيرها. ويحتمل جعلها منهما، وكل احتمال له وجه وشبه، هذا بما إذا وهبته نصف الصداق، ثم طلقها، وقلنا: الهبة تمنع الرجوع، فإن في وجه ينحصر في نصيبه، وفي وجه في نصيبها وفي وجه يشيع. انتهى.

стр. 184

وقع السؤال عن هذه المسألة، وعلم ما ذكره من براءة المقربين من خمسة الأصالة، وأما خمسة الكفالة، فلم يتحرر للمملوك الراجح، من الاحتمالات التي ذكرها، والمتبادر الأول. والمسئول بيان ذلك، وإيضاحه، والراجح منه، وبيان صحة التشبيه ووجهه. الجواب (الحمد لله) ينبغي أن يضبط أمران أحدهما: أن الدين الذي على الأصل، وهو الذي على الكفيل لا غيره، والذمتان مشغولتان به، كالرهنين بدين واحد، ونظيره، فرض الكفاية واحد، متعلق بجماعة فليس على الاثنين في هذه المسألة أربعون بل عشرون فقط. وهي لازمة لكل منهما، لكن الجهة مختلفة، فعلى أحدهما عشرة أصالة، وعشرة كفالة، وعلى الآخر تلك العشرة الأصالة كفالة، وتلك العشرة الكفالة أصالة، فالعشرون، على كل منهما تعددت، بحسب التعلق، لا

стр. 185

بحسب الذات، ولهذا يقول الفقهاء: الضمان ضم ذمة إلى ذمة. ومن يراعى الاشتقاق يقول: الضمان جعل ما على الأصيل في ضمن ذمة/ الكفيل، وليس حقيقة إلا توثقا كالرهن، ومن ظن أن الذي على الأصيل غير الذي على الكفيل فهو واهم. الأمر الثاني: فرع ما ذكرته في آخر كتاب الضمان من شرح المنهاج: لو كان عليهما عشرة، وهما متضامنان، فأدى أحدهما خمسة، وإن أداها عن نفسه، أو عن صاحبه، أو عنهما فلا يخفى الحكم، وإن أطلق. قال ابن أبي هريرة: يكون بينهما مقسطا.

стр. 186

وقال أبو علي الطبري يصرفها، إلى ما شاء منهما، والاعتبار بنية المؤدى، والقول قوله بيمينه. ولو أبرأ المستحق أحدهما عن خمسة، فالاعتبار بنية المستحق، والقول والحكم على ما سبق في الأداء. وإذا عرف هذان الأمران، قياس قول أبي على الطبري الرجوع إلى المشترى، ليصرفها إلى ما شاء عند الإطلاق، ومقتضى ما تقرر في باب الرهن أنه الأصح، وهو قول أبي إسحاق وهو نظير ما قبل في الطلاق. فعلى هذا لا يأتي قول ابن يونس إلا إذا تعذرت مراجعته، ويقبل قوله بيمينه، إن قال إنه نوى شيئًا يخالف الإطلاق، ومحل ذلك في توزيع العشرة على الأصالة والكفالة، مع انقسامها بالسوية، بين الضامن والأصيل.

стр. 187

أما لو أراد (تخصيص أحدهما بها)، فلا تقبل قطعا، لأنه مخالف لصريح مخاطبتها بالإبراء. ولو أراد المفاوتة بينهما ليبرأ، أحدهما من أقل من خمسة، والآخر من أكثر من خمسة، هل يسمع؟ فيه نظر مذكور في كتاب الرهن عن الصيدلاني في حكاية قول ابن أبي هريرة. والأقرب عندي عدم السماع، وقياس قول ابن أبي هريرة أنه هنا إذا أطلق، ولم تكن له نية، تكون العشرة مقسطة، بين الأصالة والكفالة بالسوية، وهي مقسطة، بين الضامن والأصيل، كما قدمناه، فيصير كأنه قال: لكل منهما أبرأتك عن خمسة، نصفها عن الأصالة، ونصفها عن الكفالة. وعلى هذا بنى ابن يونس كلامه، أو على ما إذا تعذرت المراجعة، ولا يقال: إن الدين إذا كان واحدا، في ذمة الأصيل والكفيل/، يلزم أن تكون خمسة على كل منهما عن الأصالة، فيلزم براءتهما عن عشرة لأنا نقول: هو وإن كان واحدا بالذات، فقد تعدد بحسب التعلق كما قدمناه.

стр. 188

وكذلك يصح أن يبرأ عن أحدهما، دون الآخر، ويتأجل أحدهما، دون الآخر، فلا يبرأ كل واحد منهما بذلك، من دين الأصالة، إلا عن نصف الخمسة، وبذلك يصح الجواب، أن الباقي عليهما بالأصالة خمسة عشر، على كل واحد نصفها. وأما الباقي بالكفالة، فقد ذكر كمال الدين موسى ﵀ الاحتمالات الثلاثة. ومقصوده: أنه على الاحتمال الأول، يكون الباقي بالكفالة خمسة عشر أيضا بينهما بالسوية، والساقط هو الخمسة التابعة لخمسة الأصالة الساقطة. ومأخذه، حصر الخمسة الساقطة، المبرأ منها بالكفالة، بالخمسة الساقطة بالتبعية، ولكن هذا ضعيف، وإن تضمن السؤال أنه المتبادر، وإنما قلنا إنه ضعيف، لأن الخمسة الساقطة بالتبعية سقوطها معلول، لسقوط خمسة الأصالة المعلول للإبراء. فهي متأخرة عنه بمرتبتين، والإبراء متوجه بذاته على خمسة من الكفالة يقتضى أن تكون معلولة له متأخرة عنه بمرتبة واحدة، فسقوطها أسبق من سقوط الخمسة التابعة، وعلى الاحتمال الثاني، يكون الباقي بالكفالة عشرة، ومأخذه، حصر الخمسة في غيرها، لما ذكرناه. وعلى الاحتمال الثالث، يكون الباقي بالكفالة التي عشرة ونصفا، ولا يخفى توجيهه مما سبق. ولولا ما لاحظناه من التعدد بحسب التعلق، لكان يتجه أن يقال: يسقط من دين الأصالة عشرة، ومن الكفالة مثله، وبقى بهما عشرة، لأنه دين واحد، لكن جوابه، ببيان التعدد في التعلقات، كما سبق. وأما التشبيه بما إذا وهبت نصف الصداق قبل الطلاق فحسن، لكن

стр. 189

الفرق بينهما ما ذكرته: من توجه الإبراء إلى خمسة من الكفالة، يصح الإبراء منها. ومسألة الصداق أصلها في هبة الكل مشكل، حتى قال الغزالي إن مذهب أبي حنيفة/ أحسن وأعدل. ومذهب الشافعي أقيس، وكل منها متجه للصواب، ذكر الغزالي ذلك في كتاب التحصين. وتوجيه مذهب الشافعي الإجماع، على أنه: إذا تعذر رد النصف، وجب بدله، فكذلك قال: يرجع إذا وهبت الكل، وله قول آخر أنه لا يرجع فعلى هذا إذا وهبت النصف فثلاثة أقوال:

стр. 190

أصحها أنه لا يرجع، ويجعل كأنه تعجل حقه، والثاني يرجع في النصف الباقي، الثالث يشيع فيأخذ الربع، وبدل الربع الآخر. ولتقرير هذه الأقوال: موضع غير هذا على إشكالها ومسألتنا أوضح منها وأبين وأبعد مأخذا عن تلك. وفي مسألتنا شبه من مسألة أخرى، وهي إذا قال: أحد الشريكين للعبد المشترك أعتقت نصفك، فقولا الحصر والإشاعة، أحدهما ينحصر في نصيبه، (والثاني يشيع، فيعتق نصف نصيبه)، فإن كان معسرا، سرى إلى بقية نصيبه فقط. وإن كان موسرا، سرى إلى بقية نصيبه، ثم إلى نصيب شريكه، وعلى القولين لا ينفذ عتقه في نصف نصيب شريكه، استقلالا، بل بطريق السراية، لأنه تصرف في غير الملك. وإذا عرف ذلك، فمسألة الضمان، المستحق قادر على الإبراء، من دين الكفالة استقلالاً، وقادر على الإبراء منه تبعا، بالإبراء من أصله وبهذا فارق مسألة العتق، من بعض الوجوه، وساواها من بعض، لأن الشريك قادر على عتق نصيب شريكه، تبعا بالسراية. فإذا أطلق المستحق الإبراء في الضمان، ينبغي تنزيله على ماله أن يفعله استقلالا، ولا ينزل على ما يفعل تبعا، أو يشيع بينهما كما لم يعمل ذلك في العتق، وبهذا تبين ضعف ما قاله ابن يونس، وأن الراجح أنه: يسقط عشرة من الكفالة، ويبقى عشرة، ويبقى من الأصالة خمسة عشر، منها، خمسة بلا كفالة، وعشرة مكفولة، والله أعلم.

стр. 191

المسألة التاسعة عشر رأي المملوك فيما ألفه، مولانا قاضي القضاة، أسبغ الله ظلاله، ورفع وضاعف جلاله، ذكر الخلاف، في نظر العبد إلى سيدنا استطرادا، في كتاب الرهن أو غيره من تكملة شرح المهذب. وإن ابن أبي عصرون رحمه اله،/ اختار التحريم، ووافقه مولانا قاضي القضاة على اختياره، وكان في قلب المملوك، من تصحيح الجواز حزازة فلما رأى المملوك، ترجيح مولانا قاضي القضاة، أحسن الله

стр. 192

إليه، فرح به، وسعى في طلب النقل في ذلك، فظفر الملوك بقطعة، مما علقه الشيخ محيى الدين النووي ﵀، مسودة على المذهب، من كتاب النكاح وغيره، بخط يده قال فيها بعد كلام المهذب: الشرح: هذه المسألة مما تعم بها البلوى، ويكثر الاحتياج إليها، والخلاف فيها مشهور، والصحيح عند أكثر أصحابنا، أنه محرم لها، كما نص عليه الشافعي، ونقل عن جماعة تصحيحه. ثم قال: وقال الشيخ أبو حامد، فيما نقله عنه صاحب البيان، الصحيح عند أصحابنا، أنه لا يكون محرما لها، لأن الحرمة: إنما تثبت بين شخصين، لم يخلق بينهما شهوة، كالأخ والأخت، وغيرهما. وأما العبد وسيدته، فشخصان خلق بينهما شهوة. قال: فأما الآية فقال أهل التفسير فيها: المراد بها الإماء، دون العبيد.

стр. 193

وأما الخبر فيحتمل أن يكون الغلام صغيرا. قال: وهذا الذي صححه الشيخ أبو حامد، وهو الصواب، بل لا ينبغي أن يجري فيه خلاف، بل تقطع بتحريمه. وكيف تفتح هذا الباب، للنسوة الفاسقات، مع حسان المماليك، الذين الغالب من أحوالهم الفسق، بل العدالة فيهم، في غاية القلة، وكيف يستجير الإنسان، الإفتاء بأن هذا المملوك يبيت ويقبل، مع سيدته مكررا ذلك، مع ما هما عليه من التقصير في الدين، وكل منصف يقطع بأن أصول الشريعة تستقبح هذا، وتحرمه أشد تحريم. ثم القول بأنه محرم، ليس له دليل ظاهر، فإن الصواب في الآية: أنها في الإماء، وأما الحديث، فرواه أبو داود في كتاب اللباس، والبيهقي في سنته، وهو محمول على ما ذكره الشيخ أبو حامد أنه كان صغيرا. انتهى. ورأى المملوك ما عزاه إلى البيان فيه كذلك، وربما ذكره بعد أن

стр. 194

حكى عن النص الجواز، ورأى المملوك البغوي في تفسيره قد قال: واختلفوا: فقال قوم: هو محرم لها، إذا كان عفيفا، وقال قوم: كالأجنبي فهذا النقل وإن كان عند العلماء/ فهل محل الخلاف عند أصحابنا كذلك أم لا فرق؟ كما هو ظاهر إطلاقهم. ورأى المملوك في المجرد للقاضي أبي الطيب الطبري ﵀ في نسخة معتمدة، والصحيح أنه لا يجوز يعني نظره إلى سيدته، وقال بعض أصحابنا يجوز، وهو خطأ، ولم يحضر المملوك من كتب الأصحاب، غير ما ذكره، لعدم الكتب بحلب. والمسئول عن إنعامكم، أدام الله نعمه عليكم، كشف الغطاء في هذه المسألة. فقد عمت بها البلوى، وكثر السؤال عنها، لكثرة المماليك للنساء، في هذه الأزمات الكثيرة الفساد. وقد جاء في حديث أم سلمة ما معناه "إذا كاتبت إحداكن مملوكها

стр. 195

فلتحتجب منه" ولكن لا أعلم مخرجه وصحته، من ضعفه، والمسئول

стр. 196

بيانه، والاعتذار عنه، إن كان صحيحا. وقد وقع للمملوك جملة من تفاوى الشيخ عز الدين بن عبد السلام، غير الموصلية، وقد سئل فيها، عن قيام الناس، بعضهم لبعض، فاجاب بجوازه، واستحبابه، ثم قال: ولو قيل بوجوبه، لم يكن بعيدا، لأنه قد صار تركه إهانة واحتقارا، لمن جرت العادة بالقيام له، ولله أحكام، تحدث عند حدوث أسباب، لم تكن موجودة في الصدر الأول. انتهى. فهل يمكن التمسك، بمثل هذا المسلك ـ أن لو ثبتت الإباحة ـ لفساد الزمان؟ وقد أكثر الروياني في حليته، من اختيار جانب الحظر، معللا ذلك بفساد الزمان. والمسئول شفاء الغليل، في هذه المسألة.

стр. 197

الجواب (الحمد لله) أما حديث الغلام، ففي سنن أبي داود وإسناده جيد، عن أنس أن النبي ﷺ : "أتى فاطمة، بعبد، قد وهبه لها، قال: وعلى فاطمة ثوب، إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها، لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي ﷺ ، ما تلقى، قال إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغلامك". والتأويل الذي حمله عليه، الشيخ أبو حامد، تأويل جيد، لا سيما، والغلام في اللغة إنما يطلق على الصبي وهي واقعة حال ولم يعلم بلوغه، لا حجة فيها للجواز، ولم تحصل مع ذلك خلوة/، ولا معرفة ما حصل النظر فيه، وإنما فيه نفي البأس، عن تلك خلوة/، ولا معرفة ما حصل النظر فيه، وإنما فيه نفي البأس، عن تلك الحالة التي ما علمت حقيقتها، ولم تجد فاطمة ﵍ ما يحصل به كمال التستر الذي قصدته. وغايته التعليل، باسم الغلام، وهو اسم للصبي، أو محتمل له، والاحتمال في وقائع الأحوال مسقط للاستدلال.

стр. 198

وأما حديث أم سلمة، ففي سنن أبي داود، والترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي، حسن صحيح، ولفظه: "إذا كان لأحداكن مكاتب، وكان عنده ما يؤدي، فلتحتجب منه". قال البيهقي: قال الشافعي: قد يجوز أن يكون أمر رسول الله ﷺ ، أم سلمة، إن كان أمرها بالحجاب، من مكاتبها، إذا كان عنده ما يؤدي، على ما عظم الله به، أزواج رسول الله ﷺ ، أمهات المؤمنين، وخصهن به، وبسط الكلام فيه. وحمل الحديث على تخصيصه أزواجه بذلك. انتهى كلام البيهقي. وهو يقتضي أن الشافعي قائل بجواز نظر العبد، إلى سيدته، كما هو المشهور عنه. وهي مسالة خلاف وممن منع ذلك من التابعين الحسن،

стр. 199

وطاوس، ومجاهد، والشعبي كانوا يكرهون أن ينظر العبد إلى شعر مولاته. وروى البيهقي عن سليمان بن يسار .................................

стр. 200

أنه قال: "استأذنت على "عائشة ﵂، فقالت من هذا؟ قال: سليمان قالت: كم بقى عليك من كتابتك؟ قال: قلت: عشر أواق، قالت ادخل، فإنك عبد، ما بقى عليك درهم". وعن القاسم بن محمد، قال: "إن كانت أمهات المؤمنين، يكون لبعضهن المكاتب، فتكشف له الحجاب، ما بقى عليه درهم، فإذا قضى، أرخته ...................................................

стр. 201

دونه، وهذه الآثار، تدل على الجواز، كما رآه الشافعي. وأشكلها قصة سليمان بن يسار، فإنه ليس مكاتب عائشة، ولا مولاها، بل هو مولى أم سلمة، وقيل مولى ميمونة، وعلى القولين هو أجنبي من عائشة، فلابد من تأويل، لإذنها له. ولعلها كانت ترى، أن العبد بالنسبة إلى النساء كالإماء الأجنبيات، بالنسبة إلى الرجل، لنقص الرق، لا تحتشم منهم، كما تحتشم من الأحرار مع رعاية التحفظ/، والتستر من غير أن نقول، إنهم في حقهن كالمحارم، وعلى كل تقدير هو مخالف لما نقله البيهقي عن الشافعي، من جعل ذلك من خصائص زوجات النبي ﷺ إذ لو كان كذلك لاحتجبت منه عائشة. والذي تلخص من ذلك، أن هذه المسالة، اختلف فيها من زمن الصحابة، وما اختلفتم فيه من شئ، فحكمه إلى الله، فوجب الرجوع إلى الله وإلى رسوله. ووجدنا المجوزين، استتندوا إلى الآية الكريمة، وتأملنا الآية الكريمة، ونظرنا، أقوال المفسرين فيها، فلم يظهر لنا منها تنزيل عبدها منزلة محرمها. قال ابن جرير الطبري، اختلف أهل التأويل، فقال .............

стр. 202

بعضهم: أو مماليكهن، وقال آخرون بل معنى ذلك: أو ما ملكت أيمانهن، من إماء المشركين كما ذكرنا عن ابن جريج لما قال: (أو نسائهن) عن المسلمات دون المشركات، ثم قال: (أو ما ملكت أيمانهن) أي من الإماء المشركات. وقال الواحدي ........................................

стр. 203

في "البسيط" (أو ما ملكت أيمانهن) يعني المماليك والعبيد للمرأة، أن تظهر لمملوكها، إذا كانا عفيفين، ما تظهر لمحارمها، وكذلك لمكاتبها، ما لم يعتق بالأداء أو الإبراء. وقال الواحدي في "الوجيز" خلاف ذلك وقال الكواشي أو ما ملكت أيمانهن، من العبيد إذا كان عفيفا، فيجوز له النظر، إلى بدن مولاته سوى ما بين السرة والركبة، لظاهرة الآية.

стр. 204

وابن المسيب لا يجيز ذلك، خصيا كان أو فحلا، ويقول: المراد من الآية الإماء، دون العبيد. فانظر هؤلاء المفسرين، وهم كلهم شافعية قيد المجوزون منهم ذلك بالعفة، فيجب تقييد الجواز إذا قيل به. وإن كان الأصحاب في كتب المذاهب أطلقوا، لأنهم تكلموا في الوصف المتقضي وهو الرق، ولا ينافي أن يكون له شرط ومع ذلك فالمنع أرجح، وهو المختار عندنا موافقة لسعيد بن المسيب، وابن جريج، والحسن، وطاوس، ومجاهد، والشعبي، وأبي حنيفة، وغيرهم رضي الله

стр. 205

عن العلماء أجمعين. ولا ينكر أن الشافعي ﵁ قائل بالجواز ولكنا نختار غيره. وقال المحاملى في "التجريد" الأشبه بكلام الشافعي أنه كالمحرم، والذي يختاره أصحابنا، أنه بمنزلة الأجنبي، وهذا نقل صحيح. ثم نظرت في الآية نظرا آخر، فوجدت التعرض، للنص على الإماء لابد منه، لأنهن منعن من إبداء الزينة، إلا لمن ذكر إلى قوله: (أو نسائهن) / والمراد المسلمات الحرائر، لأنه المتبادر إلى الفهم فلذلك احتيج إلى ذكر الإماء، وذلك يرجح حمل (ما ملكت أيمانهن) عليهن.

стр. 206

وقد يقال: لا نسلم، اختصاص المسلمات بالحرائر، ولئن سلم، فالعموم في (ما ملكت أيمانهن) يغني: لدخول الإماء فيه، ونظرت أيضا في أن الآية اقتضت: أنهن لا يبدين زينتهن، إلا لبعولتهن، أو آبائهن، إلى آخرها. ومن المعلوم، أن الذي يبدينه للبعولة أكثر من الذي يبدينه للمحارم، فما الداعي لمن جوز نظرهن إلى العبيد أن يسوي بينهم وبين المحارم، ولعل الجائز في حقهم ما كانت عادة العرب جارية عليه من بعض ذلك من دخول عليهن، في بعض الأحيان لحاجة، من غير خلوة ولا زيادة نظر، وعلى هذا يحمل دخولهم على نساء النبي ﷺ مع ما فيهم من العفة والعدالة، لأنهم صحابة فمن أين يقاس بهم غيره. وقال النبي ﷺ : "لا يخلون رجل بامرأة إلا أن يكون ناكحا أو ذا محرم". ولا شك أن العبد ليس محرما، لأن المرحم من حرم نكاحها، تحريما مؤبدا، لسبب مباح، لحرمتها والسيدة مع العبد ليست كذلك.

стр. 207

وقول الشيخ أبي حامد، إن المحرم من لم يخلق بينهما شهوة، ليس بصحيح، لأنه منقوض بالصهر، ولعل مراده، من لا يرتفع سبب عدم الشهوة بينهما، والعبد وسيدته: إذا سلم عدم الشهوة بينهما قد يرتفع بالعتق، والخروج عن الملك، فلا شك أن العبد ليس بمحرم، فلا شك في دخوله في النهي عن الخلوة. وليس في الآية الكريمة، دليل على جواز الخلوة، ولا على النظر إلى ما فوق السرة وتحت الركبة، غاية ما فيها إذا سلم حمل (ما ملكت أيمانهن) على العبيد، أنهن يبدين لهم زينة ما. وما تلك الزينة؟ الكلام فيه. وقد تضمن صدر الآية (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) فقيل ما ظهر: هو الثياب، وقيل الوجه والكفان، والمختار الأول. ثم قال: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن) والمراد بهذه الزينة (هو المراد بالزينة) الأولى، لأنهما معرفتان، فالثاني هو الأول، ولكنه استثنى من الأولى ما ظهر، ولم يستثن من هذه شيئا، فيشمل ما ظهر وما

стр. 208

خفي من الزينة. وقال: (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) فعلمنا أن الزينة الخفية، هي/ الخلخال ونحوه، فذلك لا يبدي إلى للمذكورين في الآية وأما إبداء ما سوى الزينة الخفية مثل النظر إلى الصدر ونحوه، بل الوجه والكفين، فمسكوت عنه في حق الجميع. عرف في حق البعولة والمحارم، بالإجماع، كما عرف بالإجماع، زيادة البعولة، على الآباء، فبقى فيما عدا البعولة، والمحارم يحتاج إلى دليل على قدر مباح النظر إليه، ولا تعرض في الآية إليه، فبقى على الأصل: المنع. والآية في معرض المبالغة في التستر، فلذلك جاءت على هذا النمط. والعبد يحتاج إلى مداخلته، في بعض الأحوال، على بعض الهيئات لا كهيئة المحارم، فلو قيل بذلك، وحمل ما ورد على السلف عليه لكان أولى. ولكني لم أر من تعرض لذلك، وإذا لم يكن إلا الضبط بضابط، فالواجب سد الباب وسدل الحجاب، ومنع ظهور السيدة على عبدها، كغيره من الأجانب، خصيا كان أو فحلا، عفيفا كان أو فاجرا، وفيما إذا كان عفيفين شبهة خلاف العلماء.

стр. 209

وأما إذا كانا فاجرين، أو أحدهما، فلا شبهة فيه، وليس كالمحرم الفاجر، لأن قوة الصلة في المحرمية، تكفي في الحياة، والصلة في المملوك مع الفجور ضعيفة، ولا نص يقتضي الجواز، ولا قياس يُبينه. وقد تضمن السؤال طلب الاعتذار عن حديث أم سلمة، والعذر ما ذكرته، من عفتهما مع ما نزلت الآية عليه، ودلت عادة العرب عليه، في أن التحفظ من العبيد دون التحفظ من الأحرار. وأما اختلاف الأحكام، باختلاف الزمان فلا نختار إطلاقه، لأن الأحكام كلها كملت في حياته ﷺ . وقال تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) وأجمع المسلمون على أنه لا وحي بعد النبي ﷺ "فمستحيل أن يتجدد حكم بعده لم يكن في حياته ﷺ ". وقول الشيخ عز الدين، لله أحكام تحدث عند حدوث أسبابها، محمول على حدوث تعلقها عند حدوث أسبابها، كما يحدث وجوب الظهر اليوم عند الزوال، بالحكم الذي أنزل الله على رسوله ﷺ وهكذا أقول: من قال من الكتاب يحدث للناس من الأحكام بقدر ما يحدث لهم من الفجور محمول على ما قلناه. وتلك الأحكام المتعلقة بالفجور، عرفت منه ﷺ ، فلما حضر زمانها ومن هي متعلقة به، وتعلقت به/، فلا يجوز أن يعتقد غير ذلك، وما اختاره

стр. 210

الروياني، من جانب الحظر وترجيحه في أشياء لفساد الزمان إن صح ما قلناه فيه قبل، وإلا رد. والقيام الذي أفتى فيه الشيخ عز الدين، جوازه لا شك فيه، واستجابه في بعض الأوقات قد ثبت من الشرع أدلة فيه. وقول الشيخ عز الدين لو قيل بوجوبه يعني في هذه الأزمان، لم يكن بعيدا، محمول على أنه يجب، لأنه وسيلة إلى ترك الإهانة والاحتقار اللذين علم تحريمهما من الشرع، ولا يريد أنه يجب لذاته. فالقيام من حيث هو قيام، لا يجب أصلا، وترك الإهانة والاحتقار واجب، وهذان الحكمان ثابتان، من زمنه ﷺ ، والحادث في هذا الزمان استلزام ترك القيام للاحتقار فالتغير فيه، ولأجله حرم في زعمه لا في الحكم. ومسألتنا هذه، إن فرض أن الذي أنزل الله على رسوله، ﷺ : أن العبد أجنبي من سيدته فلا يتصور تغيره، أو كالمحرم بشرط العفة، فلا يتغير إلا إذا لم يوجد الشرط فيحرم، لانتفاء الشرط لا لتغير الحكم. وإن فرض أن الحكم الجواز مطلقا كالمحرم، لم يتصور تغيره باختلاف الزمان، كما لو جاء زمان كان غالب المحارم فيه فجارا، لا نقول يحرم النظر والخلوة في حقهم، بل النظر حلال والفجور حرام. والله أعلم.

стр. 211

المسألة العشرون رأى المملوك في أدب القضاء لأبي الحسن الرسلى من أصحابنا ما لفظه:٠ وإن كان أحد الخصمين وكل وكيلا، وحضر مجلس القاضي، فيجب أن يكون الموكل والوكيل والخصم يجلسون بين يديه، ولا يجوز أن يكون الموكل يجلس بجنب القاضي ويقول وكيلي جالس مع الخصم. انتهى. وظن المملوك أنه رآه في الكفاية أيضا، وأقره الشيخ عليه، هل في كلام الأصحاب ما يخالف هذا أو يوافقه؟ مع ظهور حسنه، وعموم البلوى به، (والمسئول بيان ذلك مع الحكم بصحته أو فساده). الجواب (الحمد لله) نعم هو في الكفاية عنه، وهو صحيح وليس في كلام الأصحاب ما يخالفه، وإن لم يصرحوا بموافقته، لكن كلامهم لا يأباه، والمعنى فيه ظاهر، لأن الموكل هو المحكوم عليه، أو المحكوم له، وهو الذي يحلف، وهو

стр. 212

الذي يستوفى الحق من ماله، إن كان مالا، ومن بدنه إن كان قصاصا، أو نحوه. والوكيل سفير في المخاصمة فقط فميل القاضي مع الموكل أشد من ميله مع الوكيل، وإجلاسه الموكل إلى جانبه مرفوعا، عن مجلس خصمه، يكسر قلب خصمه، ويفت عضده، ويوهمه أنه عند القاضي أرفع منه، فيتوهم في قلبه، أنه قد يحيف عليه لذلك. وقد قال الأصحاب: إن الخصم إذا اختفى ولم يمكن إحضاره، ووكل القاضي عنه وكيلا، وثبت الحق، فإن كان في ماله، وله مال أخذه، وإن كان في بدنه، أرسل من يتطلبه وهجم عليه، ويستوفيه منه، وهذا بين أنه هو الخصم المحكوم عليه، والتسوية بينه وبين غريمه، كالتسوية/ بين المتخاصمين والمتحاكمين بأنفسهما. ومما تبين لك ذلك، أن الموكل يسمى خصما، والتسوية بين الخصوم مأمور بها، ومن الدليل على أنه يسمى خصما أن الخصومة له، وقال ﷺ : "إنكم تختصمون إلى ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له" فالمضي له من جملة الخصوم، سواء باشر الخصومة بنفسه، أم بوكيله. وانظر كلام التنبيه: في الهدية وقوله: ممن كانت له خصومة،

стр. 213

ولا شك أن الموكل له خصومة، فأحكام الخصوم جارية عليه. وقد قال عمر بن الخطاب في رسالته إلى أبي موسى:- وآس بين الناس في مجلسك ووجهك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك. وقال العلماء: إنه لا يمكن أحدهما أن يرفع صوته بحضرته على الآخر وأنه إذا ظهر للقاضي أن أحدهما ألحن بحجته من الآخر، وأن الضعيف لا يعلم ماله وما عليه، ولا يبلغ حجته، أمر رجلا عالما فدخل بينهما فهذا الرجل وكيل، وما أخرجهما عن خصومتهما. وقول الرسلي يجب ولا يجوز، هو اختيار الشيخ أبي حامد ـ أعني أصل التسوية، فإنه يرى وجوبها. وأما القاضي أبو الطيب وابن الصباغ فيريان أن التسوية في ذلك

стр. 214

مستحبة لا واجبة. والذي عندي في ذلك أن الواجب على القاضي أن يظهر عدم الميل، وأما تعين المجلس عن يمينه، أو عن شماله، أو بين يديه، فأمر سهل، والأظهر فيه الاستحباب، لا الوجوب فإنه أدب. وفي سنن أبي داود "قضى أن يجلس الخصمان بين يدي الحكم"، فالمبالغة في إظهار ذلك أدب ومستحب، وإظهار ما يفهم الخصمين استواءهما عند القاضي، واجب، إما بمجلس وإما بغيره. وهذا المعنى يؤول إلى تحريم رفع أحدهما على الآخر، في المجلس،

стр. 215

ووجوب إنزاله عن منزلته إلى منزلة غريمه، إلا أن يجبر ذلك بما يفهم به غريمه، أن ذلك ليس رفعا له عليه، وأنهما عنده في الحق سواء، فحينئذ يرخص فيه. والله أعلم.
следующие страницы →