← Фикх шафии

Фикх шафии · id 18610

قضاء الأرب في أسئلة حلب

تقي الدين السبكي

Полный текст (459 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المسألة العشرون رأى المملوك في أدب القضاء لأبي الحسن الرسلى من أصحابنا ما لفظه:٠ وإن كان أحد الخصمين وكل وكيلا، وحضر مجلس القاضي، فيجب أن يكون الموكل والوكيل والخصم يجلسون بين يديه، ولا يجوز أن يكون الموكل يجلس بجنب القاضي ويقول وكيلي جالس مع الخصم. انتهى. وظن المملوك أنه رآه في الكفاية أيضا، وأقره الشيخ عليه، هل في كلام الأصحاب ما يخالف هذا أو يوافقه؟ مع ظهور حسنه، وعموم البلوى به، (والمسئول بيان ذلك مع الحكم بصحته أو فساده). الجواب (الحمد لله) نعم هو في الكفاية عنه، وهو صحيح وليس في كلام الأصحاب ما يخالفه، وإن لم يصرحوا بموافقته، لكن كلامهم لا يأباه، والمعنى فيه ظاهر، لأن الموكل هو المحكوم عليه، أو المحكوم له، وهو الذي يحلف، وهو

стр. 212

الذي يستوفى الحق من ماله، إن كان مالا، ومن بدنه إن كان قصاصا، أو نحوه. والوكيل سفير في المخاصمة فقط فميل القاضي مع الموكل أشد من ميله مع الوكيل، وإجلاسه الموكل إلى جانبه مرفوعا، عن مجلس خصمه، يكسر قلب خصمه، ويفت عضده، ويوهمه أنه عند القاضي أرفع منه، فيتوهم في قلبه، أنه قد يحيف عليه لذلك. وقد قال الأصحاب: إن الخصم إذا اختفى ولم يمكن إحضاره، ووكل القاضي عنه وكيلا، وثبت الحق، فإن كان في ماله، وله مال أخذه، وإن كان في بدنه، أرسل من يتطلبه وهجم عليه، ويستوفيه منه، وهذا بين أنه هو الخصم المحكوم عليه، والتسوية بينه وبين غريمه، كالتسوية/ بين المتخاصمين والمتحاكمين بأنفسهما. ومما تبين لك ذلك، أن الموكل يسمى خصما، والتسوية بين الخصوم مأمور بها، ومن الدليل على أنه يسمى خصما أن الخصومة له، وقال ﷺ : "إنكم تختصمون إلى ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له" فالمضي له من جملة الخصوم، سواء باشر الخصومة بنفسه، أم بوكيله. وانظر كلام التنبيه: في الهدية وقوله: ممن كانت له خصومة،

стр. 213

ولا شك أن الموكل له خصومة، فأحكام الخصوم جارية عليه. وقد قال عمر بن الخطاب في رسالته إلى أبي موسى:- وآس بين الناس في مجلسك ووجهك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك. وقال العلماء: إنه لا يمكن أحدهما أن يرفع صوته بحضرته على الآخر وأنه إذا ظهر للقاضي أن أحدهما ألحن بحجته من الآخر، وأن الضعيف لا يعلم ماله وما عليه، ولا يبلغ حجته، أمر رجلا عالما فدخل بينهما فهذا الرجل وكيل، وما أخرجهما عن خصومتهما. وقول الرسلي يجب ولا يجوز، هو اختيار الشيخ أبي حامد ـ أعني أصل التسوية، فإنه يرى وجوبها. وأما القاضي أبو الطيب وابن الصباغ فيريان أن التسوية في ذلك

стр. 214

مستحبة لا واجبة. والذي عندي في ذلك أن الواجب على القاضي أن يظهر عدم الميل، وأما تعين المجلس عن يمينه، أو عن شماله، أو بين يديه، فأمر سهل، والأظهر فيه الاستحباب، لا الوجوب فإنه أدب. وفي سنن أبي داود "قضى أن يجلس الخصمان بين يدي الحكم"، فالمبالغة في إظهار ذلك أدب ومستحب، وإظهار ما يفهم الخصمين استواءهما عند القاضي، واجب، إما بمجلس وإما بغيره. وهذا المعنى يؤول إلى تحريم رفع أحدهما على الآخر، في المجلس،

стр. 215

ووجوب إنزاله عن منزلته إلى منزلة غريمه، إلا أن يجبر ذلك بما يفهم به غريمه، أن ذلك ليس رفعا له عليه، وأنهما عنده في الحق سواء، فحينئذ يرخص فيه. والله أعلم.

стр. 216

المسألة الحادية والعشرون رجل بعث إلى آخر جارية، فماتت عنده، فقال باعثها: إنما بعثتها إليك لتشتريها، وقال المبعوث إليه، بل هدية، فمن المصدق؟ وهل هذا كما لو قال: بعتكه فقال: بل وهبتنيه أم لا؟ للاتفاق هناك على نقل الملك، (والمسئول بيان ذلك). ورأى المملوك على بعض نسخ فتاوي البغوض، أنه سئل عن جارية مميزة، جاءت إلى رجل،/ فقالت: إن سيدي بعثني إليك هدية، (فهل له قبول خبرها بذلك؟ كما لو بعث على يدها هدية)، أجاب نعم، له قبولها، والتصرف فيها بذلك، وربما قال: والاستمتاع بها، هذا معنى كلامه. وقد استبعده المملوك غاية البعد، فهل الأمر كما ذكر؟ ولعل هذا النقل غير صحيح، أم الحكم كذلك؟ كما لو بعث على يدها هدية. الجواب (الحمد لله) أما المسألة فيسبق إلى الذهن أن القول قول الباعث، لأنه الدافع، وهو

стр. 217

أعلم بنيته، لكن دعواه السوم، يقتضي تضمين القابض، والأصل عدمه، وجعل القابض مستاما من غير قصده السوم، ولا ما يدل عليه بعيد، وقبول قول القابض في الهدية لا يمكن أيضا. فلو كانت الجارية موجودة أمرناه بردها، بعد تحليف كل منهما، وجعلها أمانة، أما ردها فلعدم ثبوت الملك، وأما الأمانة فلأن القبض حصل بالإذن، ولم يعترف القابض أنه قبض لغرض نفسه، حتى يضمنه، فلم يبق إلا مجرد الإقباض وهو غير مضمن، فينزل على أقل الدرجات، وهو الوديعة. لكن الجارية قد تلفت، فإذا ادعى الباعث قيمتها بحكم السوم، حلف القابض على نفيه وبرئ عنها، وإن ادعى القابض الهدية، فلا فائدة في دعواه بعد موتها، نعم قد يختلفان فيما عساه، يدخل في ملك سيدها بعد موتها، من جهتها، فإذا حصل التداعي لذلك، حلف كل منهما على نفي ما يدعى عليه، وحكم بأنها، وما حصل بسببها للباعث. وأما مؤنة التجهيز فكل منها قوله: يقتضي أنها عليه، فإن حلف كل منهما حيث يسوغ التداعي وحكم بأنها للباعث اختص بها. وأما كون هذه المسألة كاختلافهما في البيع والهبة فلا، لأن هناك اختلافًا في عقد واتفقا على ملك وهنا لم يختلفا في عقد ولا/ اتفقا على ملك وإنما اختلفا في قصد، والقول قول مدعيه إلا في التضمين المستدعي زيادة على قصده. ولا يرد على هذا قبول الأصحاب دعوى الراهن الإقباض عن العارية، لأنا نحمله على أنهم أرادوا قبول قول، في أن القبض ليس من جهة الرهن، أما إيجاب الضمان فبعيد، لأن العارية تستدعي عقدا، ولا يرد أيضًا قبولهم قوله في أحد الدينين، إذا لم يقصد القابض القبض عن الدين أصلا، لأنا نقول إذا كان حيث يجبر على قبول الدين، لم يلتفت إلى عدم قصده.

стр. 218

أما إذا كان حيث لا يجبر فينبغي أن لا يدخل في ملكه، إلا برضاه، والأصحاب لم يصرحوا في هذه الصورة بشيء، ولكن إطلاقهم يقتضي القبول، والإمام استشكل القبول وأطلق هذا الاستشكال أيضا، والصواب عندي التفصيل الذي ذكرته. وأما المسألة الثانية: فإن احتف بخبر المميزة قرائن تفيد العلم بصدقها، فلا شك في قبولها والتصرف فيها، والاستمتاع بها، وقد حكى الإجماع على أنه يحل للزوج الإقدام على وطء الزوجة، التي زفت إليه ولم يرها قط قبل ذلك، بل عقد عليها هو أو وكيله في الغيبة، ولكنه اعتماد على النسوة اللاتي معها، والقرائن المحتفة بذلك. وهذا الإجماع المحكى لا شك فيه، فهو معلوم من عمل الناس، من لدن النبي ﷺ إلى اليوم، وإن لم تنته القرائن إلى حد إفادة العلم، بل حصل غلبة الظن فكذلك، ويحل الاستمتاع والوطء لغلبة الظن، وإن حصل/ ظن الصدق مستندا إلى خبرها فقط، من غير قرينة جاز قبولها، والتصرف فيها، لإطلاق الأصحاب جواز قبول الخبر في حمل الهدية. وأما الاستمتاع والوطء فينبغي أن يتوقف فيه، على قرينة احتياطا للأبضاع، وبدون ظن الصدق لا يحل الوطء، ويجوز القبول إذا لم يظن الكذب، لأن الظاهر الصدق في الخبر. والله أعلم.

стр. 219

المسألة الثانية والعشرون قال القاضي أبو الطيب في كتابه في "أصول الفقه" فصل أقل الجمع ثلاثة في قول أكثر أصحابنا، وقال بعض أصحابنا اثنان. وكان القاضي أبو بكر يختاره وينصره في المجالس. انتهى.

стр. 220

ما الذي منع الأصحاب تخريج قولهم: لو قال له على دارهم على هذا الأصل؟ ولم لا قيل لا يلزمه إلا درهمان على كلا القولين؟ لجواز أن يكون تجوز وأطلق الجمع على الاثنين. وما الحكم فيما لو قال: أردت بقولي دراهم درهمين؟ إن قيل يلزمه ثلاثة كما (هو) المشهور فهو مشكل مع أن الإقرار مبني على اليقين، وهذا مجاز مستعمل مانع بالاتفاق من القائلين بالمنع، مع أن المملوك رأى في الإشراف للهروي عزو ذلك إلى بعض أصحابنا لكن بصيغة تعريض. فقال: وقد عزا ذلك إلى بعض أصحابنا (أنه) لا يلزمه إلا درهمان، وحكاه الماوردي عن أهل العراق ومراده: المخالفين، لا أصحابنا، كما بينه مولانا قاضي القضاة أدام الله نعمه عليه في غير هذا الموضع. والمسئول بيان وجه العذر عن الأصحاب في إضرابهم عن ذلك. الجواب (الحمد لله) النقل الذي قاله القاضي أبو الطيب صحيح، ووافقه عليه تلميذه ابن الصباغ في كتاب عدة العالم في أصول الفقه.

стр. 221

وذكره إمام الحرمين في البرهان، ونسبه إلى الأستاذ أبي إسحاق وهو من كبار أصحابنا. وقال الإمام: إن ظاهر مذهب الشافعي في مواضع تعريفه/ الأصول، يشير غلى أن أقل الجمع ثلاثة، وهذه المسألة أصولية كبيرة، والمختار المشهور عند الجمهور أن أقله ثلاثة. ومن قال: من أصحابنا كالأستاذ وغيره، اثنان مردود عليه، وليس هذا موضع تقريره، .........................................

стр. 222

فإن ثبت الوجه الذي قاله صاحب الإشراف فهو مبني على ذلك، وانقطع السؤال، وإن لم يثبت خلاف فيه في الفروع عن أحد من أصحابنا، فسببه أن الخلاف المذهبي، هو الذي يرجع إلى قواعد صاحب المذهب. وكلامه في الفقه، إما من مسالة معينة له فيها نص، كالقول، المخرج، أو قاعدة مذهبية، أو مسائل منتشرة، وهي الوجوه، أو من قاعدة أصولية عرف من صاحب المذهب، أنه يقول بها، لبعض الوجوه أيضا، ووراء ذلك شيئان. أحدهما: أن يقول بعض أصحاب الشافعي قولا يختاره لنفسه في الفقه، بدليل انتهض عنده، ولا يكون ذلك الدليل منتهضا على قواعد الشافعي، فهذا لا ينبغي أن يعد وجها ولا يلتحق بالمذهب، ولكن هذا قل أن يقع لاصحابنا، بل لا أعرفه لهم، لأنهم لا يخالفون قواعد إمامهم في الأصول، فلهذا كل ما يؤخذ من أصحاب الشافعي، في الفقه يعد وجها. والثاني: أن من الأصحاب من توسع في العلوم من الأصول وغيره، فقد يرى رأيا في الأصول، ولا يفرع عليه، إما أهمالاً للتفريع، وإما لأمر آخر كهذه المسألة، فإن الأستاذ أبا إسحاق شافعي، وهو من حذاق

стр. 223

الأصوليين له فيه اليد الطولي وقد رأى أن أقل الجمع اثنان، ولم يحفظ عنه تفريع في الفقه عليه. فإذا أرادنا نحن، أن نخرج من قوله في الأصول وجها ونلحقه بالمذهب، لا ينبغي لاحتمال أن يكون هو خالف إمامه في الأصول، لقوته فيه، ولم تنهض نفسه على القوة في الفروع، والمصيب في الأصول واحد قطعا، بخلاف الفروع فمع قول الشافعي: إن أقل الجمع ثلاثة، لا يمكن القول/ ولا التردد في أن أقل الجمع اثنان، فلذلك لم يثبتوا الخلاف في الفروع التي مآخذها متجاذبة متقاربة. وقول السائل لم لا؟ قيل لا يلزمه إلا درهمان، على كلا القولين، لجواز أن يكون تجوز وأطلق الجمع على الاثنين، جوابه: أن الإقرار إنما يحمل على الحقيقة، واحتمال المجاز لا يقتضي الحمل عليه، إذ لو فتح هذا الباب لم يتمسك بإقراره. وقد قال الهروى في هذا المكان: إن أصل هذا ما قاله الشافعي ﵁ أنه يلزم في الإقرار باليقين، وظاهر المعلوم وهو الظن القوي، ولا يلزم بمجرد الظن كما لا يلزم في حال الشك إذ الأصل براءة الذمة وهذا الذي قاله صحيح واحتمال إرادة المجاز دون الشك لأنه وهم فكيف نعمل به؟ ولو قال أردت بقولي دراهم درهمين لم يقبل، لكن له تحليف غريمه. وكون الإقرار مبنيا على اليقين لا يقدح في ذلك، لأن هذا يقين فإنه

стр. 224

موضوع اللفظ لغة، وليس المراد باليقين القطع، ولو أريد القطع، فقد تقدم كلام الهروي أنه يأخذ باليقين، وبالظن القوي، وحمل اللفظ على المجاز إنما يكون بقرينة، أما بغير قرينة، فيحمل على الحقيقة قطعا، وهذا هو المراد باليقين.

стр. 225

المسألة الثالثة والعشرون رأى المملوك في "شرح الوجيز" للعلامة تاج الدين بن يونس رحمه الله تعالى ما لفظه:- والأصح أنه يجوز اقتناء الكلب لحراسة الدور وحفظ الماشية وللإعارة كحلى النساء. انتهى. هل ذكر هذه الصورة غيره؟ وهل الحكم كما ذكره؟ وقد ذكر الرافعي أنه يحرم اقتناؤه قبل شراء الماشية ولمن لا يصيد، ثم قال ابن يونس وإذا جوزنا اقتناء الجرو للتعليم قال البغوي شرط الجواز أن يكون من نسل المعلم. انتهى. فهل هذا شرط صحيح؟ حتى يكون الرافعي أخل به، وهل في

стр. 226

اشتراط ذلك خلاف أم لا؟ الجواب (الحمد لله) أما صورة العارية فذكرتها أنا في " شرح المنهاج" فقلت: ولو اقتنى كلب صيد/ ولا يريد أن يصطاد به في الحال، ولا فيما بعد، لم يجز على المذهب، وإن أراد إعارته لمن يصطاد، ومعنى الحديث، إلا كلبا يصطاد به، هذا نص ما قتله في "شرح المناهج". ومما يدل على أن معنى الحديث ذلك، الحديث الآخر: "من اقتنى كلبا لا يغني عنه زرعا ولا ضرعا" فقد بان أن الصورة ذكرها غير ابن يونس، وأن الأصح فيها غير ما صححه، وأما تشبيهه بالإعارة كحلى

стр. 227

النساء، فالفرق بينهما أن ذلك معد لاستعمال مباح، وكل معد لاستعمال مباح لا زكاة فيه، وأيضا فإن الحلى ليس من الأموال النامية، ولهذا إذا لم يوجد قصد أصلا لم تجب الزكاة في الأصح، وكان الأصل فيه عدم الزكاة إلا عند قصد المحرم أو المكروه أو القنية. والأصل في اقتناء الكلب المنع، إلا ما رخص فيه، وليس هذه الصورة مما رخص فيه، والحديث الذي فيه إلا "كلب صيد" مطلق، تقيد بالحديث الآخر الذي فيه "لا يغني عنه" وقد نقل إمام الحرمين إجماع الأصحاب على أن النهي عن الاقتناء نهي تحريم. واستثنى من النهي كلب الصيد والماشية، وكذا كلب الزرع، لصحة

стр. 228

الحديث فيه، وكذا الذي في معناه كحراسة البوادي على ما قاله الأصحاب. وفي كلام القاضي حسين خلاف في حراسته في السفرن واختلفوا في الذي يقتني لحراسة الدور والدروب والأصح المنصوص الجواز وصحح آخرون المنع. وقال ابن عبد البر من المالكية في "التمهيد" يجوز الكل إلا

стр. 229

أنه مكروه لغير الوجوه المذكورة في الحديث، لنقصان أجر مقتنيها. وقال الشيخ محيى الدين النووي ﵀ في "شرح مسلم" وقد اتفق أصحابنا وغيرهم على أنه يحرم اقتناء الكلب لغير حاجة، مثل أن يقتني كلبا إعجابا بصورته أو المفاخرة، فهذا حرام بلا خوف. وأما الحاجة التي/ يجوز الاقتناء لها؛ فقد ورد الحديث بالترخيص فيه، لأحد ثلاثة أشياء: الزرع والماشية والصيد، وهذا جائز بلا خلاف واختلف أصحابنا في اقتنائه لحراسة الدور والدروب وفي اقتناء الجرو ليعلم، فمنهم من حرمه، لأن الرخصة إنما وردت في الثلاثة، ومنهم من أباحه وهو الأصح، لأنه في معناه. واختلفوا أيضا فيمن اقتنى كلبا وهو رجل لا يصيد.

стр. 230

وأما اشتراط كون الجرو من نسل المعلم فقد وقع في كلام إمام الحرمين ما يفهمه، لأنه قال: ومن اقتنى جرو كلب حتى إذا استقل صاد ففي تحريم اقتنائه جروا وجهان: ذكرهما العراقيون: أحدهما: يجوز لأنه كلب صيد، والثاني: لا لأنه ليس ضاريا في الحال. وقال المحاملي في "التجريد" فإن اقتنى جروا صغيرا من جنس الكلاب التي تصطاد حتى إذا كبر اصطاد به ففيه وجهان: ذكرهما أبو إسحاق في "الشرح" أحدهما: لا يجوز لقوله إلا "كلب صيد" والأصح يجوز، لأن كلاب الصيد جنس من الكلاب صغارها وكبارها، فهذا كلب صيد فجاز اقتناؤه. قال وكذا إذا اقتنى كلبا للصيد، ولا يصطاد به الآن، لكن إذا احتاج، وكذا إذا كان من التجار وليس من عادته الصيد. انتهى. وهو يقتضي أن الأصح عنده في الصورتين على خلاف الأصح عند غيره، وفي إفهام اشتراط كون الجرو من نسل المعلم، أقوى من كلام الإمام.

стр. 231

وقال القاضي حسين وفي جواز اقتناء جرو كلب للصيد وجهان: أحدهما: لا، لأنه ليس من كلاب الصيد، والثاني: يجوز، لأنه مرصد لأن يعلم فيصطاد، وهذه العبارة ظاهرها أنه لا يشترط، فليكن فيه خلاف والأصح الاشتراط. وأما كون الرافعي أخل به فإن كان الأمر كما أشار إليه المحاملى من أن كلاب الصيد جنس فيتجه القول بالاشتراك، وعذر الرافعي في عدم ذكره أنه لا يكون إمساك الجرو للتعليم إلا في ذلك الجنس، ومن ضرورته أن يكون من نسله فلا حاجة/ إلى التصريح به. والظاهر أن الأمر كما قال المحاملي، وإن لم يكن كذلك، وكان كل جرو صالحا للتعليم، اتجه هنا القول بتحريم الاقتناء، لأنه لا يسمى كلب صيد، وبهذا بأن صحة قول البغوي وعدم إخلال الرافعي، فإن الأصح الجواز وهو مشروط بذلك. وإنما استغرب ما قاله ابن يونس لكونه أتى بعبارة ليست مألوفة، فالجرو الذي من جنس ما يصيد، القول بالجواز فيه يقرب لأجل الاسم ولأجل قرب تعلمه، والقول بالجواز في غيره بعيد إن قيل به، لانتفاء الأمرين، لكن هذا إنما أقوله في الجرو الذي يقصد تعليمه للصيد. أما لو قصد تعليم جرو واقتناؤه للزرع أو للدروب، فالظاهر أن ذلك ليس جنسا مخصوصا، فلا يأتي هذا فيه، وقضية هذا أنه لا يشترط فيه إلا القصد أعني المقتني للدروب.

стр. 232

وقول المحاملي الجنس أولى من قول غيره النسل، لأنه قد يتولد بين صيود وغيره، فيكون من النسل ولا يكون من الجنس إلا أن يكتفي بكونه من نسل أحدهما، والله أعلم.

стр. 233

المسألة الرابعة والعشرون قال الإمام الرافعي ﵀ في كلامه على الركن الثالث من أركان الإجارة، ما لفظه: وفيه صور: أحداهما: ذكر أن استئجار تفاحة للشم فاسد، وكأن المنع ناشئ من أن التفاحة الواحدة لا يقصد للشم، فيكون استئجارها كشراء الحبة الوحدة من الحنطة والشعير، فإن كثر فالوجه: الصحة إلى آخره، وتابعه في الروضة. وقع في ذلك نزاع، وتوهم المملوك أن ذكر التفاحة في كلام الإمام والغزالي ليس للتقيد بالوحدة، وإنما الأعواض لا تبذل في مقابلة شم التفاح، ولهذا قال الإمام فإن ذلك وإن كان منفعة فليست من المنافع التي تبذل الأموال عليها، ومالك/ التفاح لا يرضى بتسليمه ليبتذل ويقرب من الفساد ثم يرد. انتهى. ثم رأى المملوك في نسخة قديمة بشرح مختصر الجويني للإمام أبي عمرو

стр. 234

عثمان بن محمد المصعبي ما لفظه: كل عين يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، ويبذل المال عرفا في مقابلتها يجوز إجارتها فلا يجوز استئجار التفاح والرياحين للشم، لأنه لم يجر العرف ببذل المال في مقابلة ذلك. وجزمه في الرياحين بالمنع يمنع استشهاد الرافعي ﵀ بها، لكن رأي المملوك في كفاية الجالجرمي حكاية الوجهين في الرياحين. ورأى المملوك في مختصر نحو التنبيه مسمى بالملخص للإمام أبي الخطاب البخاري، قال في خطبته: إنه لخصه من مجموعه المسمى

стр. 235

بالمصباح، ولعله في حدود الخمسمائة ما لفظه: والمنفعة شرطها التقويم، فلا يصح استئجار التفاح للشم في وجه، وكذا الشجر لنشر الثياب. انتهى. وهذا قد صرح بالخلاف، والمسئول بيان الصواب في هذا جميعه. الجواب (الحمد لله) الذي خطر لكم من كون ذكر التفاحة في كلام الإمام والغزالي ليس للتقيد بالوحدة هو الصحيح. وقد ذكرته في "شرح المنهاج". واستشكلت كلام الرافعي وقوله: إن كثير فالوجه الصحه والذي أقوله: إن الوجه: البطلان، لأن التفاح فيه المنفعتان: الأكل والشم، والأكل أعلاهما وهي المقصود منه، ولا يتصور الاستئجار لها، والشم أدنى منفعته، فلا يصح استئجاره، لأمرين: أحدهما: أن الإجارة إنما جوزت للحاجة، والحاجة، إنما تدعو فيما يعتاد، ولا يعتاد بذل الأعواض في ذلك. والثاني: أنه إن قصر زمان الإجارة فهي تافهة، فبذل المال في

стр. 236

مقابلتها سفه، وإن طالب حتى يفسد فاتت المنفعة العظمى المقصودة فأشبه تنقيص عين المبيع، بل هذا أولى بالبطلان، لأنه إذا امتنع تنقيص المبيع لغيره المساوي له، فلأن يمتنع عين المقصود لما هو المقصود أولى. وهذان المعنيان/ لا فرق فيهما بين التفاحة الواحدة والتفاح الكثير، ولكن الغزالي ذكر التفاحة على سبيل التمثيل لاشتراط كون المنفعة مقصودة، فإن الواحدة أبلغ في إيضاح ذلك لجمعها ثلاثة معان، وسكت عن التفاح الكثير ويؤخذ حكمه من إطلاق القاعدة ومما ذكرناه. وأما المسك والرياحين فقد جزم البغوي في التهذيب بجوار استئجارهما للشم، وسببه أن الشم هو المقصود فيهما، بخلاف التفاح، فليكن الأصح في الرياحين الجواز وجه الخلاف فيها أنها وإن كان لا منفعة لها، إلا ذلك فهي منفعة يسيرة لا نقصد بالأعواض في العرف، وإن طرد ذلك في المسك فبعيد، ولم أر من ذكر فيه خلافا، ولا شك أن كل منفعة مباحة مملوكة مقصودة يجوز الاستئجار لها اتفاقا، فإن فاتت الإباحة لم تز، وإن وجدت وفات الملك فوجهان: كاستئجار الكلب للصيد، وإن وجدت وفات القصد، فلفوات القصد مراتب يقوى في بعضها الصحة وفي بعضها الفساد بحسب المقصود في ذلك الجنس، وعلى هذا يخرج الخلاف في استئجار الدراهم

стр. 237

والدنانير والأطعمة للتزين، والأشجار للتجفيف، والطور لسماع أصواتها.

стр. 238

المسألة الخامسة والعشرون وقع للمملوك فيما مع من فتاوي القفال رحمة الله، في آخر مسالة، أولها: إذا وقف داره على مسجد لم يصح، ما لم تبين جهة الوقف على ماذا؟ هذا لفظه، أما إذا وقف كتابا على عامة المسلمين، واشترط في الوقف أن لا يعار على أحد من المسلمين إلا برهن، فإنه ليس للقيم أن يعيره إلا برهن، ويكون هذا الشرط ثابتا. انتهى. وقد رأى المملوك ما كتبه مولانا قاضي القضاة على ذلك في شرح المهذب، وهو في غاية النفاسة، ولكن بعد عهد/ المملوك به، وسؤال المملوك بيان ذلك، وظن المملوك أن كلام القفال موافق له في المعنى، وليس فيه ما يقتضي صحة الرهن بالأعيان. الجواب (الحمد لله) رأيت كلام القفال هذا، وهو موافق لما قلته في شرح المهذب، ولم أكن

стр. 239

وقفت عليه قبل ذلك، وإنما قلته تفقها، ونص ما قلته في شرح المهذب، فرع: حديث في الأعصار القريبة، وقف كتب يشترط الواقف أن لا يعار إلا برهن، أو لا يخرج من مكان تحبيسها إلا برهن، أو لا تخرج أصلا. والذي أقول في هذا: أن الرهن لا يصح بها، لأنها عين مأمونة في يد موقوف عليه، ولا يقال لها عارية أيضا، بل الآخذ لها إذا كان من أهل الوقف مستحق للانتفاع، ويده عليها يد أمانة، فشرط أخذ الرهن عليها فاسد، وإن أعطاه كان رهنا فاسدا، وتكون في يد خازن الكتب أمانة، لأن فاسد العقود في الضمان كصحيحها، والرهن أمانة، هذا إذا أريد الرهن الشرعي، وإن أريد مدلوله لغة، وأن يكون تذكرة، فيصح الشرط، لأنه غرض صحيح، وإذا لم يعلم مراد الواقف، فيحتمل أن يقال: بالبطلان في الشرط المذكور حملا على المعنى الشرعي ويحتمل أن يقال بالصحة حملا على اللغوي، وهو الأقرب، تصحيحا للكلام ما أمكن، فإذا قال لا يخرج إلا برهن، وحملنا الرهن على المعنى اللغوي، صح الشرط، وجاز إخراجها به، ولم يجز بدونه، وإن حملناه على المعنى الشرعي لم يجز إخراجها به لتعذره ولا بدونه، إما لأنه خلاف شرط الواقف، وإما لفساد الاستثناء، فكأنه قال: لا يخرج مطلقا، ولو قال ذلك: صح، لأنه شرط فيه غرض صحيح، لأن إخراجها مظنة ضياعها، بل يجب على ناظر الوقف أن يمكن كل من يقصد الانتفاع بتلك الكتب في مكانها وفي بعض الأوقاف يقول لا يخرج إلا بتذكرة، وهذا لا باس به، ولا وجه لبطلانه، وهو كما حملنا عليه قوله: إلا برهن، في المدلول اللغوي فيصح، ويكون المقصود أن تجويز الواقف/ الانتفاع لمن يخرج به مشروط، بأن يضع في خزانة الكتب ما يتذكر هو به إعادة

стр. 240

الموقوف، ويتذكر الخازن به مطالبته، فيبغي أن يصح هذا، ومتى أخذه على غير هذا الوجه الذي شرط الواقف فيمتنع، ولا نقول بأن تلك التذكرة تبقى رهنا، بل له أن يأخذها، وإذا أخذها طالبه الخازن برد الكتاب، ويجب عليه أن يرده أيضا بغير طلب، ولا يبعد أن يحمل قول الواقف الرهن على هذا المعنى حتى يصحح، إذا ذكره بلفظ الرهن، تنزيلا للفظه على الصحة ما أمكن، وحينئذ يجوز إخراجه بالشرط المذكور، ويمتنع بغيره، لكن لا يثبت له أحكام الرهن، ولا يستحق بيعه، ولا بدل الكتاب الموقوف، إذا تلف بغير تفريط، ولو تلف بتفريط ضمنه، ولكن لا يتعين ذلك المرهون لوفائه، ولا يمتنع على صاحبه التصرف فيه، وهذا الذي ظهر لي في ذلك، ومما ينبه له: أنا حيث قلنا لا يجوز، إخرجها برهن، ولا بدونه، فأخرجها برهن صح الرهن، بناء على صحته بالأعيان المضمونة، لأن الكتاب بالإخراج حيث لا يجوز صار مضمونا، لكن بشرط أن يكون القابل للرهن له أهلية القبول فإن فرض أنه المخرج، فقد شارك في الضمان، وربما انعزل بذلك عن أهلية النظر، وقبول الرهن، وما أحسن قول الغزالي: الرهن وثيقة دين في عين. انتهى كلامي في شرح المهذب. وموافقته للقفال في قوله: إنه ليس للقيم أن يعيره إلا برهن، وإن لم يبين حكم ذلك الذي سماه رهنا.

стр. 241

المسألة السادسة والعشرون وقع في فوائد المهذب للقاضي أبى على الفارقي ﵀ أنه ينبغي أن يكون محل الوجهين في ولاية الأعمى ما إذا لم تر المرأة الخاطب، أما إذا رأته، فينبغي أن يصح وجها واحدا/، ما وجه هذا الفقه؟ مع غرابته، إذ لم يشترط أحد فيما علم المملوك رؤية الولي البصير للخاطب، وإذا كان كذلك فما وجه هذا الكلام؟ وقائله معظم في المذهب، مشهور بالفضل.

стр. 242

أعز الله الإسلام بقائكم. الجواب (الحمد لله) لعل وجهه أن الأصحاب استندوا في الجواز إلى تزويج شعيب ﵇ ابنته من موسى ﵇ وكانت قد رأته، فيجعل محل النص متفقا عليه والخلاف في غيره، هل يقاس عليه؟ أو يعمل بالمقتضى للمنع السالم عن معارضة النص. وإن رأته فوجهان: مبنيان على أن شرع من قبلنا هل هو شرع لنا أو لا؟ ويمكن أن يقال: الخلاف مطلقا، وهو الظاهر، ووجه البناء المذكور، ولعله استند أيضا إلى أن النظر في حال الزوج، منه ما يدرك بالبصر، ومنه ما يدرك بالسماع والبصير مظنة إدراك القسمين، وحذف فحولية الرجال

стр. 243

تحمله على تعرف ما يحتاج إلى رؤيته، إما بالإبصار وإما بالسماع، والأعمى فات فيه الإبصار، وليس في المرأة من الحذق ما يكتفي فيها بالمظنة، فإذا وجدت حقيقة الرؤية منها، ولها حظ فيها، وانضم (إلى ذلك) ما أدركه وليها الأعمى بالسماع كفى والله أعلم.

стр. 244

المسألة السابعة والعشرون جمع الشيخ محي الدين ﵀ في "شرح المهذب" مسائل مما يخالف الأعمى البصير فيها. منها: أنه لا يصح بيعه، وإجارته، واستئجاره، على المذهب، فظن بعض الفقهاء: أن هذا شامل لإجازة العين والذمة. والذي ظنه المملوك أن هذا مصروف إلى ما يتعلق بالإبصار، فأما ما لا يختلف الأعمى والبصير فيه، كالإلزام والالتزام بحمل المتاع إلى مكة مثلا أو الركوب أو تعليم القرآن فإنه يصح، ويبعد أيضا، لأنه لو استأجر عين من يعلمه القرآن أنه لا يصح، إذ لا غرض يتعلق برؤية المعلم، والمسئول بيان ذلك، وهل هو على عمومه أو مقصور على ما يتوقف العلم به على البصير؟ نظر إلى المعنى. الجواب (الحمد لله) عجيب كيف تسأل عن هذا؟ فإن إجارة الذمة سلم وسلم الأعمى يصح. وانظر قول الرافعي إذا قلنا لا يصح بيع الأعمى وشراؤه/، لا تصح منه الإجازة، كيف جعل الإجازة والبيع والشراء سواء؟ وبيع الأعمى وشراؤه

стр. 245

في الذمة وهو السلم يصح، فكذا الإجازة. وأما استئجار عين من يعلمه القرآن فلا يصح، لأن الرؤية فيها غرض، وهو معرفة حال الأجير، ورؤيته تفيد معرفته. وهل هو ملول أو جلد على التعليم أو نحو ذلك؟ والله أعلم.

стр. 246

المسألة الثامنة والعشرون قال الإمام الحافظ أبو داود السجستاني في سننه في باب فضل المشي إلى الصلاة ما لفظه: حدثنا محمد بن عيسى حدثنا أبو معاوية، عن هلال بن ميمون، عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "الصلاة في جماعة تعدل خمسا وعشرين صلاة،

стр. 247

فإذا صلاها في الفلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة". قال أبو داود: قال عبد الواحد بن زياد في هذا الحديث: "صلاة الرجل في الفلاة تضاعف على صلاته في الجماعة وذكر الحديث. انتهى. والظاهر أن سند صحيح. المسئول بيان معنى هذا الحديث، وما قيل فيه، وعلام يحمل؟ فقد أشكل فهمه على المملوك، جبر الله المسلمين بحياتكم. الجواب (الحمد لله) هذا الحديث رواه أبو داود وابن ماجه، ورجال سنده من رجال الصحيح، إلا هلال بن ميمون، وقد وثقه يحيى بن معين، وقال أبو حاتم الرازي ليس بالقوى، يكتب حديثه فالحديث جيد يحتج به إن شاء الله.

стр. 248

واللفظ الأول الذي رواه أبو داود لا إشكال فيه، لاحتمال أن يكون إذا صلاها في الفلاة في جماعة وأتم ركوعها وسجودها، بل هو ظاهره من حيث الوضع، لأن المتقدم صلاة الجماعة، والضمير يعود عليها، وإنما الإشكال في اللفظ الذي رواه أبو داود من طريق عبد الواحد بن زياد، وعبد الواحد بن زياد متفق عليه، من الرتبة المتوسطة وقد علقه أبو داود عنه، ولم يذكر شيخه فيه، ولا شيخ عبد الواحد، فتوقف علينا تصحيح/ هذا اللفظ، لكن معناه ثابت من جهة أخرى. روى أبو حاتم بن حبان البستي في كتاب "التقاسيم والأنواع" أحاديث فضل الجماعة ثم قال: ذِكْر البيان بأن قوله ﷺ : "صلاة الفذ" في الخبرين اللذين ذكرناهما لفظة أطلقت على العموم، يراد بها الخصوص، دون استعمالها على عموم ما وردت فيه.

стр. 249

أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية عن هلال بن ميمون عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته وحده بخمس وعشرين درجة، فإن صلاها بأرض قى، فأتم ركعوها وسجودها، بلغت صلاته خمسين درجة". وهذا مثل لفظ أبي داود الأول محتمل لأن يكون صلاها في جماعة في أرض قى، لكن إنما فهموا منه أنه منفرد، فيكون الضمير على الصلاة، لا بوصف كونها في الجماعة، والأرض القى التي لا أهل لها، والإقواء الفاقة قال تعالى: (متاعًا للمقوين) والظاهر أن الذي فهموه من معنى

стр. 250

الحديث من الانفراد صحيح. ويشهد له حديث رواه النسائي من حديث سلمان الفارسي ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا كان الرجل في أرض قى فتوضأ فإن لم يجد الماء تيمم ثم ينادي بالصلاة ثم يقيمها ثم يصليها إلا أم من جنود الله صفا يركعون بركوعه، ويسجدون بسجوده ويؤمنون على دعائه" وفي بعض طرق هذا الحديث "صفا لا يرى قطره". فهذا الحديث يبين أنه صلى وحده، وسبب التفضيل اجتماع أمور: وهي أنه في مكان لم يجد فيه جماعة، وأذن وأقام وأم جما غفيرا من الملائكة، نالته بركتهم، وأتم الركوع والسجود، وكان نداؤه سببا في حضور هذا الجمع/ من جنود الله وصلاتهم، فبمجموع ذلك بلغت خمسين. ولعل خمساً وعشرين منها على الجماعة، التي كانت عادته أن يصليها فيها، إن كانت له عادة بذلك، وخمسًا وعشرين على هذه الصفات الزائدة التي ذكرناها، وحينئذ لا يكون معارضا لتفضيل صلاة الجماعة، ولا يحتاج إلى تخصيص كما ظنه ابن حبان، أو تكون هذه الصلاة الخاصة بهذه الأمور
следующие страницы →