Полный текст (459 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
الجواب (الحمد لله)
صح عن ابن عمر عن النبي ﷺ : "أنه كان يصلي على راحلته" وصح عن ابن عمر أنه صلى الظهر بطريق مكة ثم أقبل فحانت منه التفاته نحو حيث صلى فرأى ناسا قياما فقال ما يصنع هؤلاء؟ قيل يسبحون قال لو كنت مسبحا لأتممت صلاتي، يا بن أخي إني صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وقد قال الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) ولا تنافى بين هذين الحديثين فالأول، في النفل المطلق، والثاني في السنن الراتبة مع الفرائض، اختلف العلماء هل تصلي في السفر؟ فمذهب الشافعي أن تصلي، ورأى ابن عمر في طائفة أنها لا تصلي لأن الفريضة قد قصرت وتلك السنن إنما جعلت
стр. 317
لتكمل منها ما عساه يكون في الفرائض من نقص.
فإذا ترك بعض المتبوع فلأن يترك بعض التابع أولى وهذا قوى على رأي من يرى أن القصر عزيمة، ولا يقوي على رأي من رآه رخصة ولم
стр. 318
ير ابن عمر ترك النوافل المطلقة. فاعلم ذلك فإنه وجه الجمع بين الحديثين والوتر ليس داخلا في هذا الخلاف، فإن ابن عمر وغيره متفقون على أنه يصلي في السفر، ولعل ذلك لأنه صلاة مستقلة، فهذا/ وجه الجمع بين الحديثين فيما ظهر لنا.
ورأيت في الأم في الجزء التاسع في باب النافلة في السفر أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر: "أنه لم يكن يصلي مع الفريضة في السفر شيئا قبلها، ولا شيئا بعدها، إلا من جوف الليل".
قال الشافعي: ومعروف عن ابن عمر عيب النافلة في النهار في السفر، قال مالك لا بأس بالنافلة في السفر نهارا. انتهى. فإن كان هذا على إطلاقه فيخرج جواب آخر غير ما ذكرناه والجمع بين الحديثين بأن أحدهما محمول على النهار والآخر على الليل, والأولى عندي ما قدمته. وأن الوتر وقيام الليل كالصلوات المستقلة، والرواتب غيرهما هي محل الخلاف
стр. 319
بين ابن عمر وغيره، ولا أدري هل يطرد ذلك، في ركعتي الفجر وسنة المغرب أو لا؟ فإن متبوعهما لا يقصران، وماعدا ذلك من النوافل المطلقة، الذي يظهر أن لا فرق بين الليل والنهار وأنه يصلي عند الجميع. وفي موطأ معن عن مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر كان يرى عبيد الله ابن عبد الله بن عمر (يتنفل في السفر فلا ينكر عليه) (وأنه بلغه أن القاسم بن محمد، وعروة ابن الزبير، وأبا بكر بن عبد الرحمن يتنفلون في السفر).
стр. 320
وعن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر" لم يكن يصلي مع الفريضة في السفر شيئا قبلها ولا بعدها إلا من جوف الليل وعلى بعيره أو راحلته حيثما توجهت".
وفي الصحيح عن عامر بن ربيعة "أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي السبحة في الليل في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت" وهذا يوافق ما أشار إليه الشافعي من الفرق بين الليل والنهار. والله أعلم.
стр. 321
رواحلهم المحملة ولئلا يتأخروا عن مصالح أنفسهم ودوابهم آخر النهار أو للمسارعة إلى الجهاد وللعبادة التي بين أيديهم فإن معظم أسفارهم كان لذلك فيفعلونها على الرواحل لذلك ولا يفعلونها على الأرض لما ذكرنا والله أعلم". كتبه أحمد الأذرعي غفر الله له ورحمه.
стр. 322
المسألة الأربعون
نقل أبو زكريا عن الشيخ أبي عمرو بن الصلاح رحمهما الله ما لفظه: والأوجه لأصحاب الشافعي/ المنتسبين إلى مذهبه يخرجونها على أصوله، ويستنبطونها من قواعده، ويجتهدون في بعضها، وإن لم يأخذوها من أصله.
أشكل هذا الكلام على الخادم في عد مثل هذا وجها في المذاهب وأي فرق بين هذا وبين مفردات المزنى.
والمشهور أنها لا تعد من المذهب، مع أنه كيف يسوغ لمن سئل عن
стр. 323
حكم مسألة في مذهب الشافعي من مفتى العصر أن يجيب فيها مصرحا بإضافة ذلك إلى مذهب الشافعي، إذا لم يعلم أن ذلك من منصوصاته أو مخرجا منها.
والمسئول كشف الغطا في ذلك حرس مجدكم وكُبت ضدكم.
الجواب (الحمد لله)
قد يؤخذ من نص معين، في مسألة معينة، فيخرج منها إلى مثلها المساوية لها من غير فرق، ولا نص يعارضه، وهذا أقوى ما يكون من التخريج، وتارة يكون من نص معين، في مسألة معينة، وله في نظيرها نص يخالفه، فيتحزب الأصحاب، منهم من يتكلف فرقا، ومنهم من يقول قولان بالنقل والتخريج وهذه رتبة ثانية في التخريج.
стр. 324
وتارة لا يكون له نص معين في مسألة معينة، ولكن يكون له قواعد مذهبية، ونصوص مختلفة، في مسائل يؤخذ منها قاعدة كلية، تدل على حكم في مسألة لم يوجد فيها له نص، وهذه رتبة ثالثة، وقد تكون أقوى من الثانية، إذا ظهر الفرق في الثانية ولم يظهر في هذه وهو يزاحم الأولى، وقد يربو عليها، لأن الأولى من مسألة واحدة، وهذه من مسائل شتى.
فقد يكون باجتماعها يقوى على ما يؤخذ من تلك الواحدة، وقد لا يجد المخرج شيئا من هذه الأنواع الثلاثة، ولكن يجد دليلا شرعيا جاريا على أصل من أصول الشافعي الذي قرره في أصول الفقه، وهذه رتبة رابعة.
وقد لا يجد نوعا من هذه الأربعة ولكن يجد دليلا شرعيا جاريا على أصل من جنس ما يقول به/ الشافعي، وإن لم يكن له نص في ذلك الأصل، وهذه رتبة خامسة، وقد لا يجد شيئا من الخمسة، ولكنه رجل قد تكيف بمذهب الشافعي، وبتصرفاته الفقهية والأصولية، حتى صارت له مزاجا، ومن يكون كذلك تجده يدرك مراد الشخص فيما لم يصرح به، ثم تجد مع ذلك دليلا شرعيا، فيقول به فيما لم يجد فيه نصا للشافعي، وهذه رتبة سادسة، وفي جميعها تقيد بالمذهب، وتارة لا يكون شيء من ذلك، ولا يكون الشخص مقلدا لإمامه في المذهب، ولا في الدليل، وإنما ينسب إليه، لكونه سلك طريقه في الاجتهاد ودعا إلى سبيله، فيقول قولا فهو فيه كالمجتهد المطلق، ولكن لانتسابه إلى الشافعي وقدوته بقوله يعد قوله وجها، وليس فوق هذه السبعة رتبة إلا الاجتهاد المطلق الذي لا يسلك فيه طريقة غيره، ولا ينتسب إليه وهي التي اختلف في إثباتها للمزني، حتى إن تفرد لا تعد من
стр. 325
المذهب، وله مع ذلك ما يشارك فيه السبعة المتقدمة فيعد ما قاله على ذلك من المذهب، والقسم الذي قاله ابن الصلاح وأشكل عليكم جدير بأن يكون هو السادس، وأما من يسأل عن مذهب الشافعي ويجيب مصرحا بإضافته إلى مذهب الشافعي، ولم يعلم ذلك منصوصا للشافعي، ولا مخرجا من منصوصاته، فلا يجوز ذلك لأحد، بل اختلفوا فيما هو مخرج، هل يجوز نسبته إلى الشافعي أو لا؟.
واختيار الشيخ أبي إسحاق أنه لا ينسب فهذا في القول المخرج، وأما
стр. 326
الوجه فلا تجوز نسبته بلا خوف. نعم إنه مقتضى قول الشافعي أو من مذهبه بمعنى أنه من قول أهل مذهبه/، والمفتي يفتى به إذا ترجح عنده، لأنه من قواعد الشافعي، ولا ينبغي أن يقال قال الشافعي لا لما وجد منصوصا له، ولا مذهب الشافعي إلا لما جمع أمرين أحدهما: أن يكون منصوصا له.
والثاني أن يكون قال به أصحابه أو أكثرهم. أما ما كان منصوصا وقد خرج عنه الأصحاب إما بتأويل وإما بغيره، فلا ينبغي أن يقال إنه مذهب الشافعي، لأن تجنيب الأصحاب له يدل على ريبة في نسبته إليه.
وما اتفق عليه الأصحاب، وقالوا إنه ليس بمنصوص، فيسوغ تقليدهم فيه، ولكن لا يطلق إنه مذهب الشافعي، بل مذهب الشافعية.
وما اتفقوا عليه ولم يعلم هو منصوص له أو لا .. يسوغ ابتاعهم فيه، ويسهل نسبته إليه، لأن الظاهر من اتفاقهم أنه قال به.
стр. 327
المسألة الحادية والأربعون
رأى المملوك بخط بعض الفضلاء، قال: قال القفال في (شرح التخليص) إذا عصر عنبا للخل ولم يخرج العصير، حتى استحال خمرا، هل يحكم بأنه نجس أم لا؟ فعلى وجهين أحدهما: نعم، والثاني أنا لا نحكم بالطهارة ولا بالنجاسة، كما قلنا في البيض. ما معنى هذا الكلام وبسطه؟ أعني قوله: في الوجه الثاني، إنا لا نحكم بطهارته ولا نجاسته، فقد عسر معرفة ذلك مع أنه نقل موثوق.
الجواب: (الحمد لله)
معناه أنه هل يحكم بأنه نجس؟ وهو في باطن الحبات، قبل خروجه، بعد استحالته خمرا في الباطن، وقد دل على ذلك بقوله: ولم يخرج العصير حتى استحال خمرا ولا ينافيه قوله: إذا عصر لأن مع العصر قد تبقى بعض الحبات صحيحة، وقد ذكر الأصحاب هذه المسألة، فقال الرافعي: في كتاب الطهارة: إنهم ذكروا وجها في أن بواطن حبات العنقود مع استحالتها خمرا، لا يحكم بنجاستها، تشبيها بما في باطن الحيوان.
стр. 328
وقال في كتاب الصلاة، ولو حمل بيضة صار حشوها دما، وظاهرها طاهر ففي صلاته/ وجهان: أحدهما تصح صلاته، كما لو حمل حيوانا طاهر الظاهر، لأن النجاسة في الصورتين مستترة خلقة، وأظهرها أنها لا تصح كالنجاسة الظاهرة إذا حملها، بخلاف باطن الحيوان، لأن للحياة أثرا ظاهرًا في درء النجاسات، ألا ترى، أنها إذا زالت نجس جميع الأجزاء، وأما البيضة فهي جماد.
قال ويجري هذا الخلاف فيما إذا حمل عنقودا استحال باطن حباته خمرا ولا رشح على ظاهرها وكذلك في كل استتار خلقي انتهى كلام الرافعي.
стр. 329
وقطع القاضي حسين، والغزال، بالنجاسة، وحكيا الخلاف في البيع وهو مشكل، لأن تجويز البيع مع النجاسة يخالف ما قالوه، في اشتراط طهارة المبيع، إلا أن يعتذر بطهارة الظاهر، وعدم الالتفات، إلى ما في الباطن، والغرض أن الوجه القائل، بأن ما في باطن حبات العنقود ليس بنجس، مشهور معروف، وإن كان الأصح خلاف.
فإن قلت صحيح معرفة الوجه، بأنه ليس بنجس ولكن الذي عسر معرفته كونه ليس بنجس ولا طاهر.
قلت، النجاسة حدها معروف، وهي: كل عين حرم تناولها، على الإطلاق في حالة الاختيار، مع الإمكان، لا لحرمتها، ولا لضرر فيها، ولا لاستقذارها، والطاهر يحتمل أن يقال إنه ما ليس كذلك، فكل ما ليس بنجس طاهر، وعلى هذا يلزم إذا قلنا ما في باطن العنقود ليس بنجس أن يكون طاهرا، ويوافقه قول الشيخ أبي علي:
أن الخمر
стр. 330
المحترمة طاهرة، وسببه، أنها ليست معدة للشرب المحرم الذي هو سبب التنجيس، ولا شك، أن الذي في باطن العناقيد أبعد عن الاستعداد، وعلى هذا لا يكون لنا في باطن العنقود إلا وجهان: أصحهما النجاسة، والثاني الطهارة/ ويحتمل أن يقال الطاهر: كل عين أذن الشرع في تناولها، على مقابل ما حددنا به النجاسة، أو يقال: الطاهر ما جاز استصحابه في الصلاة، والنجس ما وجب اجتنابه في الصلاة.
ولنا قاعدة في الأصول، وهي أن الإذن أعم من عدم المنع، فالإذن والمنع بينهما واسطة، فالنجس ممنوع منه والطاهر مأذون فيه، وما ليس ممنوعا منه ولا مأذونا فيه، لا نجس ولا طاهر، وذلك هو الأشياء التي لم يحكم فيها، وهو ما في باطن الحيوان، فإن المصلى في باطنه البول والغائط، ويحمل الصغير الذي في باطنه ذلك، لأنه لا حكم لتلك النجاسة، المستترة بمحلها.
فقد صرح الأصحاب بأنه لا حكم لها، ويبعد إطلاق الطهارة عليها، فيخرج من ذلك أنها في محلها لا نجسة، ولا طاهرة، لأنه لم يتعلق بها حكم ويلتحق به ما في باطن العنقود، وما في باطن البيضة من الدم على أحد الوجهين، فتجتمع ثلاثة أوجه: النجاسة، والطهارة، وعدم الحكم
стр. 331
رأسا، لا نجاسة ولا طهارة.
واستشكل إمام الحرمين القول بنفي النجاسة، وقال: إنه لا يليق بقاعدتنا، أن ننفي حكم النجاسة عما في باطن حبات العنقود، ثم يقول لو اعتصرت صارت نجسة، والانفصال لا يثبت النجاسة، قال: وهذا يوافق قول أبي حنيفة: أن الدم في العروق في خلل اللحم ليس نجسا، فإذا سفح اكتسب النجاسة.
وهذا الذي عزاه الإمام، إلى أبي حنيفة، نقله الشيخ محي الدين النووي عن الثعلبي المفسر من أصحابنا.
ووافقه في الدم الباقي على اللحم وعظامه، لمشقة الاحتراز عنه، ولأنه ليس بمسفوح، والذي يظهر أن ما في باطن الحيوان نجس، ولكن يعفى
стр. 332
عنه، ويحتمل القول بأنه لا يحكم بنجاسته، ولا بطهارته، لأنه كالمعدوم، الذي لا حكم له، وهو ظاهر كلام الأصحاب، ويحتمل القول بطهارته، وهو ضعيف جدا/.
وقد ذكروا حكم الخيط، الذي يتصل طرفه بما في الباطن، وبعضه خارج، وأنه يمنع الصلاة، وذلك يشهد للقول بالنجاسة، إلا أن ظهور طرف الخيط يصيرها في حكم الخارج، وذكروا أنه يجوز ابتلاع السمكة حية، واستدل بذلك من قال بطهارة خرئها، وذلك يقتضي أن لا فرق عنده بين حالة الباطن، والخارج.
والعمدة في القول بنجاسة ما في الباطن، أن علة النجاسة استحالته إلى نت، وهو موجود في الباطن، لكن لا يحكم عليه بذلك، لتعذر اجتنابه، وباطن حبات العنقود، وباطن البيضة يبعد فيهما القول بالطهارة، والقول بأنه لا حكم له، ويتجه القطع بالنجاسة، ولكن أصل الخلاف لا ينكر، وأبعد منهما القارورة المصممة الرأس لأنه قد ثبت لها حكم الانفصال في
стр. 333
وقت، وقد شبهوا الدم الذي في باطن البيضة بالعلقة لأن كلا منهما من حيوان، ويصير حيوانا، وهذا لشبه حاصل لهما، قبل الانفصال، أما بعد الانفصال فالوجه القطع، فيما خرج من البيضة بالنجاسة، لأنه دم لا يصير حيوانا ولا كان متعينا لذلك، بخلاف العلقة فإنها تكونت ليصير منها حيوانا.
فإن قلت هل يفترق الحال في ذلك بين ما عصر للخلية، أو الخمرية؟ قلت قال الإمام إذا صححنا بيع العنقود، فلا فرق بين أن يكون طارحة في الدن، قصد بذلك الخلية، أو الخمرية، لأن العادة أن من يقصد الخمر يعتصره، ولا يصب في الدنان إلا العصير، فإن عفونة العنقود تفسد شدة الخمر، فإذا وجدنا العناقيد، لم نعول على قصد المتخذ، إذا كان ما وجدنا، مايلا عن عادة مقتنى/ الخمور. انتهى كلام الإمام.
فقول القفال الذي حكيتموه، إذا عصر عنبا للخل، تصوير بما هو الغالب، في أن عادة من يعتصر العنب للخل، يخلى بعض العناقيد فيه، وليس قوله: للخل قيدا لنفي الحكم المذكور عن غيره، فإنه لا فرق.
وقوله: ولم يخرج العصير، سماه عصيرا، وإن لم يخرج باعتبار ما قصد به وما يصير إليه. وقوله: حتى استحال خمرا، ليس مراده بهذه الغاية أنه خرج، حتى يكون الخلاف بعد الخروج، بل مراده تحقيق صيرورته خمرا، ليجري الخلاف فيه، ولولا ذلك لكان ظاهرا قطعا. الله أعلم.
стр. 334
المسألة الثانية والأربعون
المذهب الصحيح، أن الواجب في التكفين، ثوب واحد، وقد أشكل على المملوك، أن بعض الورثة، أو كلهم ـ على ما ارتضاه الشيخ أبو زكريا ـ إذا امتنعوا من الثلاثة، أجبروا عليها، وكيف يجبر الشخص على
стр. 335
المندوب، وهذا رجوع إلى الوجه الشاذ أن الواجب ثلاثة أثواب.
(وما الحكم يما لو مات ولم يخلف إلا صغارا، فهل يقتصر الولي على ثوب، أم يكفنه بثلاثة؟) والظاهر ـ من قولنا أن الورثة إذا منعوا بأجمعهم كفن بثلاثة ـ أنه يكفن هنا بثلاثة، وهو مشكل على المملوك، إذ مال الطفل لا يتسع للمندوبات، وما الدليل بأن الميت يقدم بالمندوبات على حق الورثة؟.
الجواب: (الحمد لله)
الثوب الواحد واجب لحق الله تعالى والثلاثة واجبة لحق الميت، لأنها لجمالة، كما يترك للمفلس دست ثوب يليق به، فهما حقان مختلفان، فلا تناقض، ولا نقول إن الثلاثة مندوبة، بل واجبة، إلا أن يسقطها الميت
стр. 336
بوصية، وما أجبرنا الورثة على مندوب، وإنما أجبرناهم على واجب عليهم لمورثهم.
وكيف يليق أنهم يشاحون/ أباهم، في ثيابه التي كان يقدم بها، في حال الحياة، وهم إنما يأخذون ميراثه فضلة عنه، وليس هذا رجوعا إلى الوجه الشاذ، أن الواجب ثلاثة أثواب، لأن ذلك الوجه يجعلها حقا لله تعالى.
ولو مات وخلف ورثة أطفالا، فالحكم كذلك، ليس للولي أن يقتصر على ثوب واحد، إذا لم يوص الميت به، بل يكفنه في ثلاثة ويكل الأطفال إلى الله، وهذا المعنى، أغنى عن الجواب، عن كون مال الطفل يتسع للمندوبات، فلا هذه مندوبات ولا هذا مال طفل، سالما عن التعليق به.
ومن الدليل على ذلك، أن مصعب بن عمير مات ولم يخلف إلا نمرة،
стр. 337
إذا غطوا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطوا رجليه بدا رأسه، فقال النبي ﷺ (غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر).
فانظر كيف كفنه النبي ﷺ في الثمرة، وهي زائدة على ما يستر العورة؟ ولا مال له غيرها، ولم يقدم ورثته بالزائد على ساتر العورة، ولو جازت المضايقة في الزائد على الثوب الواحد، لجازت المضايقة في الزائد على ما يستر العورة.
وقوله: ﷺ (في المحرم كفنوه في ثوبيه).
стр. 338
فقدمه على الورثة، ومن الدليل على ذلك، قوله: ﷺ (ما تركناه صدقة) وقد كفن في ثلاثة أثواب، بإجماع الصحابة.
وقد ظهر بما ذكرناه أن قول السائل ما الدليل على أن الميت يقدم بالمندوبات؟ ليس لما بيناه أنها ليست مندوبات، بل واجبات لحقه، وإذا كان يقدم بها/ في حال الحياة على الغرماء فتقديمه بها بعد الموت على ورثته الذين هم فضلة عنه أولى.
والمختار أن الورثة كلهم، إذا أجمعوا على منعه من التكفين في الثلاثة لا يسمع منهم ويكفن فيها كما مال إليه النووي، وحجته ما قلناه، ولا يرد
стр. 339
على هذا قولنا: إن للغرماء نفعا منها، لأن حق الغرماء أكد، وهو نظر لحق الميت، لبراءة ذمته، وقد زال التجمل، وخرجت الذمة، فلا يتوقع الوفاء، بخلاف حال الحياة. والله أعلم.
стр. 340
المسألة الثالثة والأربعون
لو وجد الكفن عند أجنبي، ولم يكن ثم غيره وامتنع من بذله، نقل الرويانى في (البحر) أنه يلزمه بذله بالقيمة قهرا، كطعام المضطر، كذا حكاه عنه ابن الأستاذ قاضي حلب ﵀ وهو مشكل إذا غايته أن يكون
стр. 341
كسترة الحي، ولا يجوز المقاتلة لأجلها، ولما في المقاتلة على ذلك من الخطر، وهو بخلاف الطعام، إذ فيه حفظ المهجة.
والمسئول بيان ذلك، أدام الله نعمه عليكم.
الجواب: (الحمد لله)
سترة الحي حق للحي، وهو قادر على تحصيلها، أو تحصيل مثلها، وعنده داعية إليها، والكفن حق لله تعالى، والقيام به فرض كفاية، والامتناع منه بعد بذل القيمة، امتناع من واجب، وكل من امتنع من واجب، وجب قهرا عليه، وإذا لم يكن إلا بالقتال قوتل، ما لم يخش فتنة.
وقد قال الأصحاب، إن من مات ولا مال له، وجب تكفينه من بيت المال، فإن لم يكن في بيت المال شيء فعلى سائر المسلمين، ولم يقولوا في الحي الفاقد للسترة كذلك، فأين السترة من الكفن، فكلام الأصحاب يقتضي أن الكفن بعد الموت مثل الطعام في حال الحياة ولا تردد في ذلك والله أعلم.
стр. 342
المسألة الرابعة والأربعون
لو ماتت/ المطلقة ثلاثا، وهي حامل، فهل على الزوج تكفينها؟.
إذا قلنا بوجوب نفقتها عليه فهل يجب عليه تكفينها لو ماتت ناشزة؟
وكذا لو ماتت صغيرة وقلنا لا يجب نفقتها، حصل يجب عليه تكفينها أم يستثنى هذه المسائل الثلاثة؟
الجواب: (الحمد لله)
الذي يظهر، أنه لا يجب تكفين واحدة من هذه الثلاثة، لأن تكفين الزوجة على خلاف فيه، لما بينهما من الوصلة المقرونة بوجوب النفقة، ووجوب النفقة مفقود في الناشزة، والصغيرة، والوصلة مفقودة في
стр. 343
البائن، وإنما وجبت نفقتها لأجل الحمل، ومعنى هذه العلة زال بالموت، وإذا علم ذلك، فالزوجة الناشزة، والصغيرة مستثنيان من إطلاق تكفين الزوجة، والبائن الحامل مستثناة من تكفين من تجب نفقته. والله أعلم.
стр. 344
المسألة الخامسة والأربعون
أطلق الأصحاب أن الشهيد في حرب الكفار لا يغسل، ولا يصلى عليه. قال ابن الأستاذ ﵀ تفقها، نعم لو كان عاصيا بالخروج ففيه نظر عندي، قال والظاهر أنه شهيد، أما لو كان فارا حيث لا يجوز الفرار
стр. 345
فالظاهر أنه ليس بشهيد، فإنه من الكبائر، فلا يليق أن يكون المقتول فيه شهيدا. انتهى.
فهل ما ذكره صحيح، جار على قياس المذهب أم لا؟ وقد يكون الخروج كبيرة أيضا، بأن يتضمن عقوق الوالدين، وإذا كان كذلك فلا وجه للتفصيل.
الجواب: (الحمد لله)
أما الفار فليس بشهيد في أحكام الآخرة ولكنه شهيد في أحكام الدنيا ـ وقد ذكرته في (شرح المنهاج) وليس ذلك كما قاله ابن الأستاذ من كون الفرار كبيرة فقط لأنه أتى بضد المطلوب من الجهاد، فإن الثواب إنما يحصل بسبب الإقدام/ على العدو، والنكاية فيهم لإعلاء كلمة الله تعالى والفار قد أعرض عن ذلك.
ومن الدليل في ذلك، ما ثبت في الصحيح عن أبي قتادة عن رسول الله
стр. 346
صلى الله عليه وسلم أنه قام فيهم، فذكر لهم (أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله، أفضل الأعمال فقام رجل فقال يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر "ثم قال رسول الله ﷺ " كيف قلت؟) قال أرأيت لو قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاي؟ فقال رسول الله ﷺ "نعم وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر إلا الدين فإن جبريل ﵇ قال لي ذلك".
فانظر قوله ﷺ "مقبل غير مدبر" والفار مدبر، قد ترك الجهاد وراء ظهره لكنه لا يغسل ولا يصلى عليه. لأنه مات بسبب من أسباب القتال قبل انقضائه، ولا تتحقق منه تلك الحالة في الظاهر لأنا قد نراه مدبرا، ويكون قصده الجولان في الكفار والانعطاف عليهم فأجرينا عليه حكم الظاهر في الدنيا، وربطنا بمظنة، وهي الموت بسبب من أسباب القتال قبل انقضائه. وإذا حققت ما قلناه لم تعبأ بالتعليل بكون الفرار كبيرة، بل أقول: قد يكون الفرار جائزا إذا كان من أكثر من اثنين، فإذا حصل ذلك، وقتل وهو مدبر فقراره ليس كبيرة ولا صغيرة، ومع ذلك ينبغي أن لا يجري عليه حكم الشهادة في الآخرة لإطلاق الحديث، ولإنه لم تحصل به النكاية، وإن عذرنا في فراره/ نعم إن كان متحيزا إلى فئة، فيظهر أنه شهيد، لأنه لم يعرض عن الجهاد.
وأما من خرج إلى الجهاد، وكان عاصيا بخروجه وذلك إما بعقوق
стр. 347
الوالدين أو بدين أو نحوهما فهو كالمصلي في الدار المغصوبة والعاصي
стр. 348
بالسفر ونحوهما يحسن أن يتردد الفقهاء فيه، بالنسبة إلى كونه من شهداء الآخرة أو لا؟ والأقرب أنه من شهداء الآخرة لقصد إعلاء كلمة الله، وقتاله.
ولكنه قارنته معصيته من وجه آخر فلعلمه وجهان: وجه طاعة، ووجه معصية. وقد يكفر الله عنه المعصية بسبب الطاعة وقد يربوا وجه الطاعة، على وجه المعصية، أما كونه من شهداء الدنيا، بالنسبة إلى الغسل والصلاة، فلا ينبغي أن يتردد فيه، بل يكون شهيدا قطعا. والله أعلم.
стр. 349
المسألة السادسة والأربعون
إذا حضرت الجنائز دفعة، واستووا في الخصال، المقتضية للقرب من الإمام، فتنازع الأولياء، أقرع، فإن تراضوا فعلى ما يتراضون به، قال ابن الأستاذ وفيه نظر، فإن القرب حق الميت، فلا يجوز تركه برضى الورثة.
والمسئول إيضاح ذلك، وهل هذا التشكيك صحيح أما لا؟.
الجواب: (الحمد لله)
هذا الحكم من الإقراع عند التنازع، والحمل على ما يتراضون به عند التراضي، هو المذكور في الرافعي والروضة وغيرهما.
ومحله عند التساوي في جميع الخصال، فلا وجه للنظر المذكور، فإن القرب الذي هو حق الميت، ولا يتركه برضى الورثة، إنما يكون إذا ترجح الميت، والفرض أنه مساو لغيره، فلم يبق إلا التراضي والقرعة.
стр. 350
المسألة السابعة والأربعون
قال ابن الأستاذ، لو تنازع الورثة في مقبرتين مسبلتين، أو مملوكين، ولم يكن الميت أوصى بشيء فينبغي أن يجاب من يقدم في الصلاة والغسل، فإن كانوا/ في درجة أقرع، فإن كانت امرأة وتنازع الزوج والقريب أن يقدم القريب هنا كالصلاة بخلاف الغسل والدفن، قال هذا ما ظهر لي، من غير نقل فليتأمل. انتهى.
وقد تخيل المملوك أن النظر إلى مراعاة مصلحة الميت أولى.
وذلك بأن يكون أحدهما أقرب، أو صلبة، أو مجاورة لأخيار، والأخرى لفجار فإنه لاحظ للولي في ذلك.
ويجوز أن يكون كلامه مفروضا، عند التساوي، حيث لا مرجح. والمسئول بيان الحكم في ذلك، أثابكم الله الجنة بكرمه.
стр. 351
الجواب: (الحمد لله)
يتعين أن يكون ما قاله ابن الأستاذ مفروضا، عند التساوي، أما متى ظهرت مصلحة الميت في إحداهما تعين تقديمها.
стр. 352
المسألة الثامنة والأربعون
في التتمة: أنه يكره رش القبر بماء الورد، وأن يطلى بالخلوق. وقال ابن الأستاذ: لأنه إسراف وإضاعة مال. انتهى.
وهذا التعليل يقتضي التحريم، فهل هذا الفعل حرام أم لا؟ وما القول الأحق في إضاعة المال؟ والضابط المرجوع إليه فيه، فقد تكرر في كلام الأصحاب، تارة يحرمونه، تارة يقتصرون على الكراهة.
والمسئول إيضاح ذلك، فالضرورة داعية إلى معرته.
الجواب: (الحمد لله)
كراهية رش القبر بماء الورد، وأن يطلى بالخلوق، لا ينتهي إلى
стр. 353
التحريم، بل غايتها كراهة تنزيه، ولابد من تفصيل، وقد ينحط به ذلك عن درجة الكراهة، وقد يترقى إلى درجة التحريم، وهذا التفصيل يتبين مما سأذكره إن شاء الله تعالى.
والتعليل بالإسراف، والإضاعة في التتمة، وإنما ابن الأستاذ ناقل.
والضابط في إضاعة المال، أن يكون لا لغرض ديني، ولا دنيوي، فمتى انتفى هذان الغرضان من جميع وجوههما، حرم قطعا، قليلا كان المال، أو كثيرا، ومتى وجد واحد من الغرضين وجودا له مال، وكان الاتفاق/ لائقا بالحال، ولا معصية فيه جاز قطعا، وبين المرتبتين وسائط كثيرة جدا، لا يمكن أن تدخل تحت ضبط لكن الفقيه يرى فيها رأيه، فيما انتشر، ومنها: أمور لم تنتشر، تعرض لها الفقهاء في كتبهم، فمن ذلك الإنفاق في الحرام وهو إضاعة الأموال كلها، لأن الله تعالى جعل الأموال قياما لمصالح العباد، وأمر بحفظها، أو إنفاقها فيما أذن فيه، فجعلها في غير ذلك تضييع لها، محرم بالنهي عن إضاعة المال، وبقوله ﷺ (أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها) مضافا إلى التحريم الحاصل م المعصية التي أنفق فيها، فصار التحريم في ذلك من ثلاث جهات، إخراج المال المنهي عنه نهي
стр. 354
التزام، بقوله (أمسكوا)، وإضاعة المنهي عنه نهي مطابقة، بنهيه ﷺ (عن إضاعة المال) وإضاعته وضعه في غير موضعه، وهو معنى زائد على عدم الإمساك، والمعصية التي وضعه فيها حتى إذا كانت صغيرة، تصير باجتماع هذين الأمرين كبيرة، ولا نظر مع ذلك إلى ما يحصل معه، من غرض دنيوي، من لذة جسم، أو قضاء شهوة، لأن تلك أغراض شيطانية، أبطل الشرع حكمها فصار وجود هذا الغرض الدنيوي كعدمه، فدخل تحت قولنا: إنه لا لغرض ديني، ولا دنيوي، فيحرم قطعا، قليلا كان المال، أو كثيرا.
والشافعي ﵁ يسميه إسرافا، لأن الإسراف مجاوزة الحد، وهذا قد جاوز الحد، فإنه بالإنفاق في المعصية تعدى حدود الله تعالى، لأن العاصي خارج بفعله من الشريعة، وكل من خرج من الشريعة، فقد تعدى حدودها، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، ولك أن تجعل هذه جهة رابعة للمعصية، فإن الخروج عن الحد/ إلى المعصية غير المعصية التي خرج إليها، فالخروج منهى عنه، بقوله (ولا تسرفوا) والمعصية منهى عنها بالنهي الخاص فيها، فصارت المعاصي أربعة: عدم الإمساك، والإضاعة والإسراف، والفعل المحرم بخصوصه.
ومن ذلك من تصدق بماله كله فليس بحرام، لأنه لا سرف في الخير،
стр. 355
والصدقة خير وقصدها غرض أخروي، وهذا لا شك فيه، فيمن يصبر كأبي بكر الصديق ﵁ أما من لا يصبر على الإضافة، فقد ذكر الفقهاء حكمه، وهو، منقسم إلى مكروه، وحرام.
فانظر كيف وجد الغرض الأخروي، وانقسم إلى جائز، ومكروه وحرام. ومن ذلك من أنفق ماله في ملاذه المباحة، ولكنه زائد على ما يليق بحاله: اختلف الفقهاء هل يسمى إسرافا أو لا؟ والشافعي ﵁ لا يسميه إسرافا، ويجعل الإسراف الإنفاق في الحرام، ولو درهما، وعليه يحمل قوله تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) وهذا الحمل قد يظهر في هذه الآية.
وأما قوله تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا، ولم يقتروا، وكان بين ذلك قواما).
следующие страницы →