Полный текст (459 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
الجواب: (الحمد لله)
يتعين أن يكون ما قاله ابن الأستاذ مفروضا، عند التساوي، أما متى ظهرت مصلحة الميت في إحداهما تعين تقديمها.
стр. 352
المسألة الثامنة والأربعون
في التتمة: أنه يكره رش القبر بماء الورد، وأن يطلى بالخلوق. وقال ابن الأستاذ: لأنه إسراف وإضاعة مال. انتهى.
وهذا التعليل يقتضي التحريم، فهل هذا الفعل حرام أم لا؟ وما القول الأحق في إضاعة المال؟ والضابط المرجوع إليه فيه، فقد تكرر في كلام الأصحاب، تارة يحرمونه، تارة يقتصرون على الكراهة.
والمسئول إيضاح ذلك، فالضرورة داعية إلى معرته.
الجواب: (الحمد لله)
كراهية رش القبر بماء الورد، وأن يطلى بالخلوق، لا ينتهي إلى
стр. 353
التحريم، بل غايتها كراهة تنزيه، ولابد من تفصيل، وقد ينحط به ذلك عن درجة الكراهة، وقد يترقى إلى درجة التحريم، وهذا التفصيل يتبين مما سأذكره إن شاء الله تعالى.
والتعليل بالإسراف، والإضاعة في التتمة، وإنما ابن الأستاذ ناقل.
والضابط في إضاعة المال، أن يكون لا لغرض ديني، ولا دنيوي، فمتى انتفى هذان الغرضان من جميع وجوههما، حرم قطعا، قليلا كان المال، أو كثيرا، ومتى وجد واحد من الغرضين وجودا له مال، وكان الاتفاق/ لائقا بالحال، ولا معصية فيه جاز قطعا، وبين المرتبتين وسائط كثيرة جدا، لا يمكن أن تدخل تحت ضبط لكن الفقيه يرى فيها رأيه، فيما انتشر، ومنها: أمور لم تنتشر، تعرض لها الفقهاء في كتبهم، فمن ذلك الإنفاق في الحرام وهو إضاعة الأموال كلها، لأن الله تعالى جعل الأموال قياما لمصالح العباد، وأمر بحفظها، أو إنفاقها فيما أذن فيه، فجعلها في غير ذلك تضييع لها، محرم بالنهي عن إضاعة المال، وبقوله ﷺ (أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها) مضافا إلى التحريم الحاصل م المعصية التي أنفق فيها، فصار التحريم في ذلك من ثلاث جهات، إخراج المال المنهي عنه نهي
стр. 354
التزام، بقوله (أمسكوا)، وإضاعة المنهي عنه نهي مطابقة، بنهيه ﷺ (عن إضاعة المال) وإضاعته وضعه في غير موضعه، وهو معنى زائد على عدم الإمساك، والمعصية التي وضعه فيها حتى إذا كانت صغيرة، تصير باجتماع هذين الأمرين كبيرة، ولا نظر مع ذلك إلى ما يحصل معه، من غرض دنيوي، من لذة جسم، أو قضاء شهوة، لأن تلك أغراض شيطانية، أبطل الشرع حكمها فصار وجود هذا الغرض الدنيوي كعدمه، فدخل تحت قولنا: إنه لا لغرض ديني، ولا دنيوي، فيحرم قطعا، قليلا كان المال، أو كثيرا.
والشافعي ﵁ يسميه إسرافا، لأن الإسراف مجاوزة الحد، وهذا قد جاوز الحد، فإنه بالإنفاق في المعصية تعدى حدود الله تعالى، لأن العاصي خارج بفعله من الشريعة، وكل من خرج من الشريعة، فقد تعدى حدودها، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، ولك أن تجعل هذه جهة رابعة للمعصية، فإن الخروج عن الحد/ إلى المعصية غير المعصية التي خرج إليها، فالخروج منهى عنه، بقوله (ولا تسرفوا) والمعصية منهى عنها بالنهي الخاص فيها، فصارت المعاصي أربعة: عدم الإمساك، والإضاعة والإسراف، والفعل المحرم بخصوصه.
ومن ذلك من تصدق بماله كله فليس بحرام، لأنه لا سرف في الخير،
стр. 355
والصدقة خير وقصدها غرض أخروي، وهذا لا شك فيه، فيمن يصبر كأبي بكر الصديق ﵁ أما من لا يصبر على الإضافة، فقد ذكر الفقهاء حكمه، وهو، منقسم إلى مكروه، وحرام.
فانظر كيف وجد الغرض الأخروي، وانقسم إلى جائز، ومكروه وحرام. ومن ذلك من أنفق ماله في ملاذه المباحة، ولكنه زائد على ما يليق بحاله: اختلف الفقهاء هل يسمى إسرافا أو لا؟ والشافعي ﵁ لا يسميه إسرافا، ويجعل الإسراف الإنفاق في الحرام، ولو درهما، وعليه يحمل قوله تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) وهذا الحمل قد يظهر في هذه الآية.
وأما قوله تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا، ولم يقتروا، وكان بين ذلك قواما).
стр. 356
فالظاهر منه أن الزيادة على اللائق بالحال إسراف، فينبغي أن يقال: الإسراف لفظ مشترك، بين المعصية، وزيادة النفقة، والمشهور من المذهب ومذاهب العلماء خلافه، فعلى المشهور حصلت الإباحة مع تجرد الغرض الدنيوي، بل بعض الأغراض الدنيوية، دون بعض.
ومن ذلك أمور قد يضعف الغرض فيها، فلا يكون قويا، وتتفاوت مراتب القوة، والضعف فيه، تفاوتًا كثيرا، ومع ذلك يتفاوت المال المبذول فيها، تفاوتا كثيرا بالقلة والكثرة، فيمن بذل مالا كثيرا، في غرض يسير تافه،
стр. 357
عده العقلاء مضيعا، ومن بذل مالا كثيرا تافها في غرض صحيح وإن كان يسيرا لم يعد مضيعا، وكذلك القصد/ الأخروي يختلف بالنسبة إلى قيام الدليل عليه، والإخلاص فيه، فقد يقصد الشخص خيرا ولا يكون في الشرع دليل على استحبابه، بل يكون تركه أولى، فعلى من يقصد الفتوى في ذلك التحري والإحاطة بمدارك الشرع، ومقاصد العقلاء.
ورش القبر بماء الورد إن كان يسيرا، وقصد به حضور الملائكة، وأنها تحب الطيب لا بأس به، ولا يكره في هذا الحال، والإكثار منه لذلك مكروه، والإكثار منه لا لقصد الملائكة، بل للتفاخر والزينة حرام، فهذه أمثلة ليتنبه بها لغيرها، ويقاس عليها, واله يرزقنا فهما وعلما، ويجعل لنا من كل حظ من الخير قسما.
стр. 358
المسألة التاسعة والأربعون
قال في (التتمة) إن المستحب لزائر القبور، أن يقول وعليكم السلام، ديار قوم مؤمنين، ولا يقل السلام عليكم، لأنهم ليسوا أهلا للخطاب، قال ابن الأستاذ وهذا مخالف للخبر الصحيح. انتهى.
وكأن صاحب التتمة: أخذ بالحديث المشهور، في الرجل الذي سلم عن النبي ﷺ (فقال لا تقل عليك السلام فإنها تحية الموتى).
стр. 359
هل الأفضل ما ذكره صاحب التتمة، أو المشهور؟ لأنه ورد في معرض التعليم، وحديثه أصح. والمسئول بيان ذلك، أحسن الله إليكم.
الجواب: (الحمد لله)
هذا الذي قال صاحب التتمة، سبقه إليه شيخه القاضي حسين، وذكر المتولى هذه المسألة في باب الجمعة، واستدل بأنهم ليسوا أهلا للتحيات، ولم يذكر الحديث.
وما قاله المتولي وشيخه، ليس بصحيح، ففي الصحيح عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ (كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ ، يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول/: السلام عليكم دار قوم مؤمنين) رواه مسلم.
وعنها قالت: قلت كيف أقول يا رسول الله؟ قال (قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، رحم الله المستقدمين منا، والمستأخرين) وإنما إن شاء الله بكم للاحقون. رواه مسلم.
وعن بريدة بن الخصيب قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمهم، إذا
стр. 360
خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول: في رواية أبي بكر بن أبي شيبة، السلام على أهل الديار.
وفي رواية زهير: السلام عليكم أهل الديار، من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية رواه مسلم.
وعن ابن عباس قال مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه (فقال السلام عليكم يأهل القبول، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر). رواه الترمذي وقال حسن غريب.
فهذه أحاديث متظاهرة متضافرة، قولا وفعلا، تقتضي أن السنة أن
стр. 361
يقول السلام عليكم كما في الحياة. وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة السلام على أهل الديار، وهو موافق على تقديم لفظ السلام، ولكنه لم يجئ بالخطاب وإنما جاء بالغيبة، ومثله في حال الحياة لا يستحق الجواب، (على ما قاله: القاضي حسين، فإنه قال: لو قال سلام اله تعالى على الشيخ، لا يستحق الجواب) لأنه لم يخاطبه بالسلام إذ في الشيوخ كثرة، وهكذا لو قال في الرد، وعلى الشيخ السلام لا يسقط عنه فرض الرد لما بيناه.
قلت، وفي التعليل بأن في الشيوخ كثرة، يقتضى أنه لو أراد المعهود استحق، والتعليل بعدم الخطاب ينفيه، وإضافة السلام/ إلى الله لا يمنع، فإنه قال قبل ذلك، لو قال سلام الله عليك يستحق الجواب، فلعل اللفظ الوارد في رواية ابن أبي شيبة اختير، لأن الأموات لا يجيبون. وأما حديث لا تقل عليك السلام، فرواه أبو تميمة الهجيمي واسمه طريف بن مجالد عن رجل من قومه، قال طلبت النبي ﷺ فلم أقدر عليه، فجلست
стр. 362
فإذا نفر هو فيهم ولا أعرفه وهو يصلح بينهم فلما فرغ، قام معه بعضهم، فقالوا يا رسول الله فلما رأيت ذلك، قلت عليك السلام يا رسول الله عليك السلام قال (إن عليك السلام تحية الميت) ثم أقبل على فقال: (إذا لقى الرجل أخاه المسلم، فليقل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته).
ورواه أبو تميمة الهجيمي أيضا عن أبي جرى جابر بن سليم ويقال سليم ابن جابر قال أتيت النبي ﷺ ، فقلت عليك السلام، قال: (لا تقل عليك السلام، ولكن قل السلام عليك) , وذكر قصة طويلة رواهما الترمذي وقال في الثاني وهذا حديث حسن صحيح. ورواه أبو داود والنسائي.
ولنا في الجواب عنه ثلاث طرق، أحدهما: أنه وإن كان حديثا جيدا، فإن الأحاديث المتقدمة أصح منه وأكثر فترجح عليه. الثاني: أنه يجوز ي السلام على الموتى الأمران تقديم السلام، وتأخيره، لأنهم لا يردون، والحي ليس فيه إلا تقديم السلام، فلذلك نهى عن تأخيره، ثم الأفضل في حق المسلم على الميت أيضا التقديم، عملا بالأحاديث المتقدمة، فالميت شارك الحي فيما هو الأفضل في حقه، واختص عنهم بالتأخير.
стр. 363
الثالث أن يكون المراد من قوله تحية الميت إضافة المصدر إلى الفاعل لا إلى المفعول، معناه أن عليك السلام، (هي التحية التي يرد بها الميت على الحي، ولا يتأتى في حقه غيرها، لأنه لا يبتدئ بالسلام) وأما الحي فإنه تارة يبتدئ وتارة يرد/، فإذا ابتدأ، ينبغي أني قدم السلام، ليحصل الأمانة منه بأول لفظه. والله أعلم.
стр. 364
المسألة الخمسون
ما الذي يترجح عند مولانا وسيدنا قاضي القضاة أعز الله الإسلام ببقائه، في قراءة القرآن وإهداء الثواب للميت؟ وقد نقل الحناطي عن بعض
стр. 365
أصحابنا أن القارئ إن نوى ذلك قبل قراءته، لم يقع، وبعده يقع، هكذا قال فهل لهذا التفصيل وجه مرجح، أم لا فرق؟
الجواب: (الحمد لله)
قد نص الشافعي والأصحاب على أنه يقرأ ما تيسر من القرآن، ويدعو للميت عقيبها، وفيه فائدتان: إحداهما أن الدعاء عقب القراءة أقرب إلى الإجابة والثاني ينال الميت بركة القراءة، كالحاضر الحي ولا أقول إنه يحصل له ثواب مستمع، لأن الاستماع عمل، والعمل منقطع بالموت.
وفائدة ثالثة، ذكرها الرافعي عن عبد الكريم الشالوسي، أنه إن نوى القارئ بقراءته أن يكون ثوابها للميت لم يلحقه، ولكن لو قرأ، ثم جعل ما حصل من الأجر له، فهذا دعاء لحصول ذلك الأجر للميت، فينفع
стр. 366
الميت واخترته: في "شرح المناهج".
وقلت إنه لا دليل على منعه، وحاصل ما أقوله: أنهما مسألتان إحداهما القراءة عن الميت، وذلك بأن ينوي بقراءته أن يكون للميت، كما يقصد ذلك بحجه عنه، وبصومه عنه، إذا جوزناه، والذي يقوي في هذه أنه لا يصل إلى الميت، لأنها عبادة بدنية، لا تقبل النيابة، وليست كالصدقة، ولا كالحج، ولا كالصوم الواجب على الميت، والفرق الحاجة إلى براءة ذمته، نعم لو كان نذر قراءة، ومات وهي عليه يحتمل/ أن يقال: يجوز أن تقرأ عنه فإن لنا في الصلاة وجها غريبا أنه يصلي عنه، فهذه مسألة برأسها في القراءة ولم نر أحدا يعلمها.
والمسألة الثانية: وهي التي عليها عمل الناس، أن يقرأ القارئ، ثم يسأل الله تعالى، أن يجعل ثواب تلك القراءة للميت، فالثواب قد حصل للقارئ، وسؤاله لله تعالى دعاء ترجى إجابته، وذلك لا يمنع منه.
ولا ينبغي أن يكون فيه خلاف.
стр. 367
فقد كان بعض شيوخنا يقول إذا كان له أن يسأل الله تعالى أن يعطيه ما ليس له، فلأن (يكون له أن) يسأله ما هو له أولى وأحرى. ويظهر من هذا أنا لا نجزم بوصول القراءة بذلك، بل هو إلى الله تعالى، إن استجاب الدعاء وصل وإلا فلا، وإن لم يحصل دعاء ولكن قال أهديت ثواب قراءاتي إلى الميت لم يصح، لأن ذلك تصرف في الثواب، من غير إذن من الشرع فيه.
وإذا أخذ على قياس الأمور الفقهية يقال إنه لم يتصل بالقبض، فلا يصح التصرف فيه، وقول الناس في كتب الأوقاف وغيرها ويهدي ثواب ذلك إلى الميت، مرادها به الدعاء، لأنه المعهود في العادة، والدعاء قد أجمعوا عليه
стр. 368
أعني على حصول المدعو به، إن استجاب الله. وأما ثواب الدعاء نفسه فللداعي، والتفرقة بين أن ينوي قبل القراءة، أو بعدها، ينبغي أن يحمل على ما قاله: الشالوسي، فإن النية قبل القراءة أو معها، تحقق النيابة عن الميت، وقد قدمنا. ومجرد النية بعدها/، لا ينقل الثواب، وقد قلنا، إن مجرد الإهداء بغير الدعاء، لا ينقله، فالنية أولى أن لا تنقله.
وقد رأيت المسألة في فتاوي أبي عبد الله الحناطي قال: قال الشيخ دوير الكرخي، سمعت شيخي عبد الكريم الشالوسي يقول: إن القارئ إذا نوى بقراءته أن يكون ثوابها للميت لم يلحقه، إذ جعل له قبل حصوله، وإن قرأ ثم جعل ما حصل من المثوبة للميت تبلغه، فصارت أربع مسائل.
أحدهما النية قبل القراءة، أو معها، لا يكفي باتفاق أصحابنا، الثانية مجرد النية بعدها لا يكفي، ولم نر من قال: يكفي، إلا ما تضمنه السؤال، والظاهر أنه وهم على الشالوسي، الثالثة، جعله للميت وهو زائد على النية،
стр. 369
وهو مسألة الشالوسي والظاهر أنه لا يشترط الدعاء، الرابعة الدعاء، وهو الذي نقوله نحن ونختاره، وعليه العمل.
والمشهور عن الإمامين، مالك، والشافعي، عدم وصول القرآن إلى الميت، وعن الإمام أبي حنيفة، وأحمد وصوله، فإن حمل محل الخلاف، على المسألة الأولى اتجه، وكان الثاني جائزا، مع أن السلف لم يفعلوا ذلك، وإنما كثر في الأعصار المتأخرة، وذلك لا يرد ما اقتضاه الدليل، والتفصيل الذي قدمناه.
وقوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) عنه أجوبة، منها: أن إيمانه الذي اكتسبه به مودة القارئ ودعاءه من سعيه، ومنها، أن هذا ليس له، ولكنه شيء، أهدى إليه.
стр. 370
المسألة الحادية والخمسون
هل يصح استئجار الأرض لدفن الموتى أم لا؟ وهل يجوز للمستأجر لغير الدفن أن يدفن الميت، في الأرض المستأجرة؟ وجوازه بعيد، وإن فعل/ المستأجر.
فهل يجوز نقله عند طلب المؤجر الأجرة لإبقائه أولا؟ وهل يلزم الوارث بذل الأجرة، والحالة هذه أم يجوز له نقله، لضرر الأجرة؟ وإذا جوزنا له نقله فهل له ذلك قبل إعلام صاحب الأرض أم لا؟ لجواز أن يبقيه بلا أجرة فيكون في نقله والحالة هذه هتك لحرمته، بلا فائدة.
الجواب: (الحمد لله)
يصح استئجار الأرض للدفن، بشرط تعيين الميت، أو يقول ليدفن من شاء، ويشترط تعيين مقدار الحفرة، أو العلم به بالعادة، أو بالشرع.
ولا يجوز للمستأجر لغير الدفن أن يدفن إلا أن يستأجر أن ينتفع كيف شاء لجميع الانتفاعات، وإذا دفن حيث لا يجوز الدفن للمؤجر نقله، وإذا طلب الأجرة لإبقائه، لم يلزم الوارث بذلها من عنده، إلا إذا كان للميت تركة، وكان نقله يحتاج إلى مؤنة، لا تنقص عن الأجرة المطلوبة.
ونقله قبل إعلام صاحب الأرض، ينبني على أن نقل الميت هل يجوز؟
стр. 371
المشهور المنع. وقد ملت في (شرح المنهاج) إلى جواز النقل، للمصلحة، ورأيته بعد ذلك في فتاوى الحناطي، منسوبا إلى اختيار القفال في فتاويه، فإن قلنا بالجواز لا حجر، وإن قلنا بالمنع فينبغي أن لا يقدم عليه، إلا بعد اليأس من إبقائه مجانا. والله أعلم.
стр. 372
المسألة الثانية والخمسون
إذا شهد برؤية الهلال، فهل يكفي أن يقول أشهد أني رأيت الهلال، أم يكون فيه شهادة على فعل نسه، كشهادة المرضعة، أو يأتي، بلفظ آخر كقوله: أشهد أن الليلة أول شهر كذا، أو من شهر كذا/؟ والمسئول بيانه، فقد وقع فيه نزاع طويل.
الجواب: (الحمد لله)
نعم، يكفي أن يقول: أشهد أني رأيت الهلال، ومازلت أسمع من
стр. 373
يتوقف في ذلك، ويسأل عنه، وأما أنا، فلا ريبة عندي فيه، وأنه يقبل وها أنا، إن شاء الله، أبين ذلك، بمباحث: أحدها: في الدليل عليه، قال ابن عمر ﵄ (ترايا الناس الهلال، فأخبرت النبي ﷺ (أني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه) رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وعن ابن عباس قال: جاء أعرابي، إلى النبي ﷺ ، فقال: إني رأيت الهلال (قال أتشهد أن لا إله إلا الله؟ أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال نعم، قال يا بلال أذن في الناس، أن يصوموا غدا) رواه الترمذي بسند فيه اختلاف
стр. 374
فكل من هذين قال إني رأيت، واكتفي النبي ﷺ ، به رواية كان أو شهادة، فمن قال: لابد من شهادة بغير هذه الصيغة، فقوله مردود بالحديث، على أني لا أعلم أحدا من العلماء قال بذلك، وإما هو بحث، يجري بين الفقهاء سيظهر فساد، إن شاء الله.
ولما حولت القبلة، صلى رجل مع رسول الله ﷺ العصر، ثم مر على قوم من الأنصار وهم ركوع في صلاة العصر نحو بيت المقدس، فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله ﷺ ، وأنه قد وجه إلى القبلة، فانحرفوا وهم ركوع رواه الترمذي وهذه وإن كانت رواية فلفظها شهادة على فعل
стр. 375
نفسه، وأخذ بها الصحابة، واعتمدوها.
وقال تعالى: (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله، إنه لمن الصادقين) ولا فرق بين أن يشهد بصدق نفسه، أو برؤية نفسه، وخصوصية اللعان كونه يشهد لنفسه، ولم يكلف أن يقول: أشهد أنها كذا، فدل على صحة هذه الصيغة، وحصول المقصود بها.
البحث الثاني: في نقل ذلك، قال القاضي حسين في باب العيدين، إذا شهد شاهدان، يوم الثلاثين من رمضان قبل الزوال (بأنا رأينا الهلال البارحة، وصحت عدالتهما قبل الزوال) فالإمام يصلي بهم، صلاة العيد.
وقال الإمام إذا شهد عدلان قبل زوال الشمس يوم الثلاثين، أنا رأينا الهلال البارحة، فلا شك أن نصغى إلى هذه الشهادة. وقال الرافعي لو شهد
стр. 376
شاهدان يوم الثلاثين من رمضان أنا رأينا الهلال البارحة، وكان ذلك قبل الزوال، وقد بقى من الوقت ما يمكن جمع الناس فيه، وإقامة الصلاة، أفطروا وصلوا، وكانت الصلاة أداء، فهؤلاء ثلاثة أئمة، أطلقوا هذه العبارة وإن لم يكن كلامهم في تحرير لفظ الشهادة، بل في حكمها، ولكن لا يظن بهم إطلاق ذلك، من غير تأمل.
وقال أبو سعد الهروي في (الإشراف): وصفة أداء الشهادة على الهلال أن يقول: رأيته في المغرب، وأطال الكلام في وصفه، وهو أيضًا لم يذكر ذلك في معرض أن رأيت هي المشهور بها، بل في معرض بيان صفة المرئى، ولكنه كر الصيغة المذكورة.
(وقال ابن سراقة العامري، وهو من متقدمي أصحابنا، إن قلنا إن رؤية رمضان شهادة أتى بلفظ الشهادة، فيقول: أشهد أيها القاضي أني رأيته،
стр. 377
وذكر ذلك في أدب الشاهد له، وليس مقصوده مسألتنا، وإنما مقصوده التصريح/ بلفظ الشهادة على هذا القول، ولكنه يؤخذ منه مسألتنا وقال في هذا الكتاب أيضا: وإن شهد على الزنا فلابد من استفسار الزنا الذي أثبته وصفته فيقول: أشهد أني رأيت فلان بن فلان زنا بفلانة بنت فلان وغيب فرجه في فرجها كتغيب الميل في الكحلة.
وقال ابن أبي الدم في (أدب القضاء) إذا انعقد نكاح بحضور
стр. 378
شاهدين، قال الشاهد مؤديا حضرت العقد، أو مجلس العقد الجاري، بين الزوج والمزوج، وأشهد به، ومن الناس من يقول: أشهد أني حضرت، واللفظ الأول أصح، وأصوب، ولا يبعد تصحيح الثاني، وهو قريب من الخلاف في المرضعة، وذكر المذهب أنها تقول أرضعته.
وقول الفورابي ارتضع منى، ولا تقل أرضعته، لفساد الصيغة، قال ونظيره في النكاح عقد بحضوري، قال: ومثل هذا شهادة المرء برؤية الهلال، أن يشهد أن هذه أول ليلة من رمضان، اكتفى به، استنادًا إلى رؤية الهلال، وإن قال أشهد أني رأيت، ففيه النظر المتقدم، وإن قال رأيت هلال شهر رمضان هذا من هذه السنة، في وقت كذا، وبذلك أشهد. قبل،
стр. 379
انتهى كلامه.
وقوله: وبذلك، إن كان إشارة إلى مجموع كلامه، فهو رؤيته، فأي فرق بينه وبين أشهد أني رأيت، الذي قال فيه فيه النظر، ولعله أراد الإشارة إلى المرئي، وهو الهلال، فيصح كلامه، ويخرج منه، أن في أشهد أني رأيت خلافا، كالمرضعة، والصحيح القبول، ولسنا نوافقه على ذلك، بل يقبل قطعا، وليس كالمرضعة.
وقال شيخنا ابن الرفعة ﵀ في (الكفاية) في باب تحمل الشهادة/ وأدائها: في الشاهد إن كان يحمله على الإقرار من غير استرعاء، ولا حضور عنده، قال في شهادته أشهد أني سمعته يقر بكذا، ولا يقول أقر عندي، وهو في (الحاوي) للماوردي هكذا: وقد رأيته فيه، وقوله: إني سمعته مثل قوله: إني رأيته، ورأيت في كتاب القضاء، لأبي على الكرابيسي صاحب الشافعي، في شهود شهدوا لرجل على رجل بحق عند حاكم، واختلفوا في اللفظ، والمعنى واحد، قال: قائل من أهل العلم
стр. 380
والنظر، إذا شهدوا جميعا، أنهم سمعوه، أقر عندهم مرة واحدة، ولم يقر عدهم، في مواطن مختلفة الشهادة باطلة، وذلك أنهم اختلفوا في الشهادة، فقال بعضهم سمعناه في تلك المرة الواحدة، يقول: من ثمن عبد ابتعته منه، وقال بعضهم سمعناه يقول: من ثمن مملوك اشتريته منه، فهذه ألفاظ مختلفة، وإن كان المعنى واحدا فاللفظ مختلف، ولا تجوز شهادة مختلفة. انتهى.
فانظر كيف ذكر الشهادة بأنهم سمعوا؟ وإنما الاختلاف في القبول، إذا اختلف اللفظ مع اتحاد المعنى.
وقال الرافعي عند الكلام في التزكية، في صيغة الجرح، من أرباب المسائل، هل يشترط التعرض لسب رؤية الجرح، أو سماعة؟ قال قائلون نعم، فلابد أن يقول رايته، يزني، وسمعته يقذف وعلى هذا القياس استفاض عندي، وفي الشامل إنه لا حاجة إليه، انتهى.
وهذا يحتمل (أن يكون من نفس الشهادة فيقتضي) الاتفاق على قبول قوله: أشهد أني رأيت/، ويحتمل أن يكون بعد بت الشهادة، تبين السبب، والحمل على هذا أولى، لذكرة الاستفاضة، وذكر الاستفاضة، إنما يحمل على هذا النوع، وحينئذ لا بدال لما نحن فيه، وقد يقال إنه بدل.
стр. 381
لأنه لولا أن ذلك أقوى لما اختلف في اشتراطه.
البحث الثالث: في سبب التباس ذلك على بعض الناس، وسببه: أن قوله: رأيت وحكمت، وقسمت، وأرضعت, وزوجت، ألفاظها كلها أعال، مستندة إلى المتكلم، وقد اشتهر الكلام في أن الشاهد لا يشهد على فعل نفسه، وأصله في القاضي إذا عزل، ثم شهد مع آخر، على قضاء كان منه، قال الشافعي ومالك لا يجوز، وقال الثوري والأوزاعي يجوز وهو وجه لأصحابنا وكذلك القسام إذا قسموا ثم شهدوا لبعض الشركاء على
стр. 382
بعض أنهم قسموا بينهم، واستوفوا حقوقهم بالقسمة، قال الشافعي ومحمد ابن الحسن، وابن القاسم على معاني كلام مالك لا يجوز، وقال
стр. 383
أبو حنيفة يجوز، وهو وجه لأصحابنا. واختلف قول أبي يوسف.
فكان أولا يقول لا يجوز، ثم رجع وقال يجوز, ومحل ذلك، إذا كان بغير أجرة.
ولو شهد الأب وآخر أنه زوج ابنته من رجل وهي تنكر، قال محمد بن الحسن شهادته باطلة، وهو قياس قول الشافعي ومالك، وقياس قول الثوري، والأوزاعي أنها جائزة، ذكر ذلك محمد بن الحسن التميمي الجوهري.
وأما المرضعة إذا شهدت مع غيرها، فقال: الشافعي تقبل شهادتها،
стр. 384
وحجته: قوله ﷺ (كيف؟ وقد زعمت أن قد أوضعتكما).
/ومحل قبول شهادتها إذا لم يكن لها غرض من طلب أجرة ونحوه، فإن كان لم يقبل بلا خوف، وأورد المخالفون على الشافعي فرقه بين المرضعة والحاكم وسنذكر الفرق بينهما، فينتفي الإيراد عنه، وفصل الأصحاب صيغة شهادة المرضعة، فقالوا: إن قالت أشهد أن ارتضع قبل، وليس ذلك شهادة على فعل نفسها، وإن قالت: اشهد أني أرضعته، فوجهان: أصحهما عند جمهورهم القبول للحديث وفرقوا بينها وبين الحاكم، والقاسم بأن فعل المرضعة غير مقصود، وإنما المقصود وصول اللبن إلى الجوف، وأما الحاكم والقاسم، ففعلهما مقصود، ويزكيان أنفسهما لأنه يشترط فيه عدالتهما.
стр. 385
وأقول زيادة أخرى في شرح كون فعل الحاكم والقاسم مقصودا أنه إنشاء يحدث حكما لم يكن، لأن حكم الحاكم إلزام، ويرفع الخلاف، وقسمة القاسم تميز الحقين، أو تنقلهما، وهذه الأحكام حدثت من فعلهما، من حيث هو فعلهما.
وأما فعل المرضعة فليس بإنشاء، بل فعل محسوس، ولم يترتب عليه حكم الرضاع، من حيث هو فعلها، بل ولا يترتب عليه أصلا، بل على ما بعده، وهو وصول اللبن إلى الجوف، حتى لو وصل بغير ذلك الطريق، حصل المقصود، فبان الفرق بين المرضعة والحاكم والقاسم، والذي يشبه فعل الحاكم والقاسم، تزويج الأب، فإنه إنشاء لعقد النكاح، يترتب عليه الحل، فإذا شهد به، كما قدمناه/ كان كشهادة الحاكم، والقاسم سواء، وكذلك لو أن رجلا وكل وكيلاً في بيع داره ومضت مدة يمكن فيها البيع، ثم عزله، ثم شهد من آخر أنه كان باعها من فلان قبل العزل، ينبغي أن يكون مثل الحاكم، ولم أرها منقولة، وقد ذكر الأصحاب حكم إقراره، ولم أرهم ذكروا حكم شهادته.
وأما قول الشاهد: اشهد أني رأيت الهلال، ففيه شبه بالمرضعة، من جهة أنه أمر محسوس، يترتب عليه حكم، فمن هنا ظن بعض الناس أنه يجري فيه الخلاف الذي في المرضعة، ولو صح ذلك، كان الأصح القبول، كما في المرضعة. لكن ذلك لا يصح، بل الصواب القبول قطعا، وأن الشبه المذكور
стр. 386
لا يلحقه بالمرضعة، وأن من ألحقه بالمرضعة فقد التبس عليه.
ووجه الالتباس أن فعل المرضعة على الجملة فعل يترتب عليه أثر، وأما رؤية الشاهد فليست فعلا، وإنما هي إدراك، والإدراك من نوع العلوم لا من نوع الأفعال وتنصيص الشاهد عليها تحقيق لتيقنه وعلمه.
وقد ذكر الأصحاب تعرض الشاهد للاستفاضة، إذا كانت مستندة واختلفوا في قبوله على تفصيل ليس هذا موضعه، ولا يتوهم جريان ذلك هنا، لما في التعرض للاستفاضة من الإيذان بعدم التحقق، عكس التعرض للرؤية، فإنه يؤكد التحقق فقد زال الالتباس بحمد الله تعالى.
стр. 387
البحث الرابع: إذا لم يقل أشهد أني رأيت، بل قال أشهد برؤيته، فإنه يقبل أيضا. قال الشافعي في (المختصر) وإن شهد على/ رؤيته عدل وحده، رأيت أن أقبله.
وقال في (التنبيه) وإن قامت البنية برؤيته يوم الشك، وجب عليهم قضاؤه، وفي المهذب في باب العيدين وإن شهد شاهدان يوم الثلاثين، برؤية الهلال بعد الزوال، على أني أجوز أن لا يكون الشافعي والشيخ قصدا حكم اللفظ بل الحكمين اللذين سبق الكلام لأجلهما، وهما القبول في كلام الشافعي.
والقضاء في كلام الشيخ، ولكن جلالة الشافعي تحملنا على التمسك بعبارته، كما يتمسك النحاة، بعبارة سيبوية.
ثم اعلم أن رؤيته مصدر، مضاف إلى المفعول، يحتمل أن يكون المعنى رؤيتي إياه، أو رؤية غيري إياه، أو أعم من ذلك، فإن كان الأول، فهو كقوله: إني رأيته وقد سبق، وإن كان الثاني، فالذي يظهر أنه لا يقبل،
стр. 388
إلا أن تكون شهادة على شهادة، فتبين بشروطها، وإن كانا لثالث، فيقبل وفيه احتمال وقد قال الشافعي في (المختصر) فإن شهد شاهدان، أن الهلال رئى قبل الزوال، أو بعده فهو لليلة المستقبلة.
فإن تمسكا بهذا اللفظ اقتضى قبول الشهادة بأنه رئى وهو محتمل، ولعل سببه إخبار جمع يحصل العلم أو الظن، بقولهم إنهم رأوه، فيعتمدهم الشاهد، ولم أر الأصحاب تعرضوا، لأن ذلك مما يشهد فيه بالاستفاضة، ولا شك أن أصل الشهر، والعام إنما علم بالتواتر، فإن هذا الشهر الذي رأينا هلاله، كونه شهر رمضان، إنما علم بالتواتر، المعلوم بالضرورة/، خلفا عن سلف إلى زمن النبي ﷺ .
وقوله أي شهر هذا ليس ذا الحجة، وبينا عليه شهرا بعد شهر، وعامًا بعد عام، وإلى وقتنا هذا، وكذا كون هذا البلد هو البلد الفلاني، إنما يثبت بالتواتر.
وإذا نظرنا إلى الأشياء التي سوغ الفقهاء الشهادة فيها بالاستفاضة، تجدها أمورا لا يمكن إدراكها بالحس، كالنسب، والملك، والموت. أما ما يدرك بالحس كالعقد، والإقرار، فلا يثبت بالاستفاضة ورؤية الهلال تدرك بالحس، وبالخبر عن جمع عظيم، فإن صرح الشاهد أنه رأى قبل، وإن قال أشهد برؤيته كان قوله برؤيته محتملا، لكنا نحمله على رؤية نفسه، بقرينة قوله: أشهد، فإنها مشتقة من الشهادة بمعنى المشاهدة واستقرت في الشرع على ذلك، فلابد إذا أطلقت فيما يدرك بالحس أن تكون عن معاينة حتى لو
стр. 389
تبين أنه عن غير معاينة، كانت شهادة زور.
وإنما قبلناها في الاستفاضة عن غير معاينة، لأن قرينة الحال وهو كون ذلك الأمر لا يعاين صرفت لفظ الشهادة من معناها إلى معنى العلم القطعي فلهذا قبلنا قوله: أشهد برؤيته، وحملناه على أنه أراد رؤية نفسه، ولهذا تقبل الشهادة بالإقرار والتتابع، وشبهته، وإن احتمل التوسط، لكن قبلناه تنزيلا للشهادة على المعاينة، حتى لو تبين خلاف ذلك، كانت شهادة زور، وأما الشهادة بأنه رئى، فيحتمل أن يحمل على أنه الرائي لذلك، ويحتمل أن يحمل على أن الرائي غيره/ لأن قرينه البناء لما لم يسم فاعله تبعد أن يكون هو الرائي.
وعبارة الشافعي في (المختصر) في باب العيدين: ولو شهد عدلان في الفطر، بأن الهلال كان بالأمس وهذه صيغة أخرى، لم يتعرض فيها للرؤية، أصلا، فإذا شهد الشاهد بوجود الهلال، يحتمل أن يقال لا يقبل، لأن الهلال في السماء دائما، وتتفاوت رؤيته، ويحتمل وهو الأصح أنه يقبل، لأن الهلال اسم له عند إمكان رؤيته مأخوذ من الاستهلاك وهو رفع الصوت عند رؤيته، وقول الناس طلع الهلال، أقرب إلى القبول، من قوله وجد أو كان.
البحث الخامس: قوله اشهد أن الليلة أول الشهر، ليس فيه تعرض
стр. 390
للهلال أصلا، (فيحتمل أن قال: لا تقبل) لأن الشارع أناط بالرؤية (أو استكمال العدد، واستكمال العدد يرجع إلى رؤية) شهر قبله، فمتى لم يتعرض الشاهد، في شهادته إلى ذلك ينبغي أن لا يقبل، أو يجري فيه الخلاف فيما إذا شهد الشاهد بالاستحقاق من غير بيان السبب ففيه خلاف، لأن ذلك وظيفة الحاكم، ووظيفة الشاهد الشهادة بالأسباب فقط، وهنا احتمال آخر زائد يوجب التوقف، وهو احتمال أنه اعتمد الحساب كما ذلك أحد الوجهين في جواز الصوم بالحساب، إذا دل على طلوع الهلال، واحتمال إمكان رؤيته.
ولهذه الأمور، يحتمل أن يقال: لا يقبل الحاكم شهادته، حتى يستفسره، ويحتمل أن يقال: إن عدالته تمنعه من اعتماد الحساب، ومن
следующие страницы →