← Фикх шафии

Фикх шафии · id 18610

قضاء الأرب في أسئلة حلب

تقي الدين السبكي

Полный текст (459 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

لا يلحقه بالمرضعة، وأن من ألحقه بالمرضعة فقد التبس عليه. ووجه الالتباس أن فعل المرضعة على الجملة فعل يترتب عليه أثر، وأما رؤية الشاهد فليست فعلا، وإنما هي إدراك، والإدراك من نوع العلوم لا من نوع الأفعال وتنصيص الشاهد عليها تحقيق لتيقنه وعلمه. وقد ذكر الأصحاب تعرض الشاهد للاستفاضة، إذا كانت مستندة واختلفوا في قبوله على تفصيل ليس هذا موضعه، ولا يتوهم جريان ذلك هنا، لما في التعرض للاستفاضة من الإيذان بعدم التحقق، عكس التعرض للرؤية، فإنه يؤكد التحقق فقد زال الالتباس بحمد الله تعالى.

стр. 387

البحث الرابع: إذا لم يقل أشهد أني رأيت، بل قال أشهد برؤيته، فإنه يقبل أيضا. قال الشافعي في (المختصر) وإن شهد على/ رؤيته عدل وحده، رأيت أن أقبله. وقال في (التنبيه) وإن قامت البنية برؤيته يوم الشك، وجب عليهم قضاؤه، وفي المهذب في باب العيدين وإن شهد شاهدان يوم الثلاثين، برؤية الهلال بعد الزوال، على أني أجوز أن لا يكون الشافعي والشيخ قصدا حكم اللفظ بل الحكمين اللذين سبق الكلام لأجلهما، وهما القبول في كلام الشافعي. والقضاء في كلام الشيخ، ولكن جلالة الشافعي تحملنا على التمسك بعبارته، كما يتمسك النحاة، بعبارة سيبوية. ثم اعلم أن رؤيته مصدر، مضاف إلى المفعول، يحتمل أن يكون المعنى رؤيتي إياه، أو رؤية غيري إياه، أو أعم من ذلك، فإن كان الأول، فهو كقوله: إني رأيته وقد سبق، وإن كان الثاني، فالذي يظهر أنه لا يقبل،

стр. 388

إلا أن تكون شهادة على شهادة، فتبين بشروطها، وإن كانا لثالث، فيقبل وفيه احتمال وقد قال الشافعي في (المختصر) فإن شهد شاهدان، أن الهلال رئى قبل الزوال، أو بعده فهو لليلة المستقبلة. فإن تمسكا بهذا اللفظ اقتضى قبول الشهادة بأنه رئى وهو محتمل، ولعل سببه إخبار جمع يحصل العلم أو الظن، بقولهم إنهم رأوه، فيعتمدهم الشاهد، ولم أر الأصحاب تعرضوا، لأن ذلك مما يشهد فيه بالاستفاضة، ولا شك أن أصل الشهر، والعام إنما علم بالتواتر، فإن هذا الشهر الذي رأينا هلاله، كونه شهر رمضان، إنما علم بالتواتر، المعلوم بالضرورة/، خلفا عن سلف إلى زمن النبي ﷺ . وقوله أي شهر هذا ليس ذا الحجة، وبينا عليه شهرا بعد شهر، وعامًا بعد عام، وإلى وقتنا هذا، وكذا كون هذا البلد هو البلد الفلاني، إنما يثبت بالتواتر. وإذا نظرنا إلى الأشياء التي سوغ الفقهاء الشهادة فيها بالاستفاضة، تجدها أمورا لا يمكن إدراكها بالحس، كالنسب، والملك، والموت. أما ما يدرك بالحس كالعقد، والإقرار، فلا يثبت بالاستفاضة ورؤية الهلال تدرك بالحس، وبالخبر عن جمع عظيم، فإن صرح الشاهد أنه رأى قبل، وإن قال أشهد برؤيته كان قوله برؤيته محتملا، لكنا نحمله على رؤية نفسه، بقرينة قوله: أشهد، فإنها مشتقة من الشهادة بمعنى المشاهدة واستقرت في الشرع على ذلك، فلابد إذا أطلقت فيما يدرك بالحس أن تكون عن معاينة حتى لو

стр. 389

تبين أنه عن غير معاينة، كانت شهادة زور. وإنما قبلناها في الاستفاضة عن غير معاينة، لأن قرينة الحال وهو كون ذلك الأمر لا يعاين صرفت لفظ الشهادة من معناها إلى معنى العلم القطعي فلهذا قبلنا قوله: أشهد برؤيته، وحملناه على أنه أراد رؤية نفسه، ولهذا تقبل الشهادة بالإقرار والتتابع، وشبهته، وإن احتمل التوسط، لكن قبلناه تنزيلا للشهادة على المعاينة، حتى لو تبين خلاف ذلك، كانت شهادة زور، وأما الشهادة بأنه رئى، فيحتمل أن يحمل على أنه الرائي لذلك، ويحتمل أن يحمل على أن الرائي غيره/ لأن قرينه البناء لما لم يسم فاعله تبعد أن يكون هو الرائي. وعبارة الشافعي في (المختصر) في باب العيدين: ولو شهد عدلان في الفطر، بأن الهلال كان بالأمس وهذه صيغة أخرى، لم يتعرض فيها للرؤية، أصلا، فإذا شهد الشاهد بوجود الهلال، يحتمل أن يقال لا يقبل، لأن الهلال في السماء دائما، وتتفاوت رؤيته، ويحتمل وهو الأصح أنه يقبل، لأن الهلال اسم له عند إمكان رؤيته مأخوذ من الاستهلاك وهو رفع الصوت عند رؤيته، وقول الناس طلع الهلال، أقرب إلى القبول، من قوله وجد أو كان. البحث الخامس: قوله اشهد أن الليلة أول الشهر، ليس فيه تعرض

стр. 390

للهلال أصلا، (فيحتمل أن قال: لا تقبل) لأن الشارع أناط بالرؤية (أو استكمال العدد، واستكمال العدد يرجع إلى رؤية) شهر قبله، فمتى لم يتعرض الشاهد، في شهادته إلى ذلك ينبغي أن لا يقبل، أو يجري فيه الخلاف فيما إذا شهد الشاهد بالاستحقاق من غير بيان السبب ففيه خلاف، لأن ذلك وظيفة الحاكم، ووظيفة الشاهد الشهادة بالأسباب فقط، وهنا احتمال آخر زائد يوجب التوقف، وهو احتمال أنه اعتمد الحساب كما ذلك أحد الوجهين في جواز الصوم بالحساب، إذا دل على طلوع الهلال، واحتمال إمكان رؤيته. ولهذه الأمور، يحتمل أن يقال: لا يقبل الحاكم شهادته، حتى يستفسره، ويحتمل أن يقال: إن عدالته تمنعه من اعتماد الحساب، ومن

стр. 391

التوسط المانع من أداء الشهادة ومقتضى الحمل على أنه ما رأى، وإنما تواتر عنده الخبر برؤيته، وذلك كاف في علمه بالشهر/ وشهادته به وهذا هو الأظهر، وهو الذي قدمنا عن ابن أبي الدم الجزم بقبوله. فائدة: قال ابن أبي الدم، لا ينبغي للشاهد أن يقول أشهد على إقرار زيد، فإن الإقرار مشهود به، وزيد هو المشهود عليه، والذي قاله: صحيح، لكن في عبارة الشافعي التي حكيناها شهد على رؤية الهلال، فإما أن تجعل على بمعنى الباء، وإما أن ترد على ابن أبي الدم، وفي كلام الشيخ أبي إسحاق في (المهذب) مثل عبارة الشافعي وقال تعالى: (وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله) وورد في الحديث: (على مثلها فاشهد) فالصواب القبول ومعنى الشهادة عليه الإطلاع عليه، والإخبار عنه. والله أعلم.

стр. 392

المسألة الثالثة والخمسون نقل الروياني عن والده رحمهما الله تعالى، أنه إذا شرع المسافر في صوم رمضان ونذر إتمامه، أنه لا يلزمه، فإن إيجاب الشرع أقوى، والإتمام غير واجب، وكما لو نذر أن يقصر الصلاة أو يتمها، فإن الحكم لا يتغير بنذره، فإن الشارع لم يوجب أحدهما معينا، فلم يصح التعيين فيه، لجهة النذر. انتهى. هل هذا الذي ذكره متفق عليه؟ وهل ينقدح خلافه؟.

стр. 393

الجواب: (الحمد لله) قد حكى الرافعي وجهين، فيما لو نذر أن لا يفطر في السفر في رمضان، أحدهما: ونسبه إبراهيم المروزي، إلى عامة الأصحاب، أنه لا ينعقد نذره، وله أن يفطر إن شاء لأن في التزامه إبطال رخصة الشرع. وقد قال فيه ﷺ (إن الله تصدق عليكم فاقبلوا صدقته) والثاني: وهو اختيار صاحب التهذيب، وشيخه القاضي انعقاده، ووجوب الوفاء، كما في سائر المستحبات. قال وكذلك الحكم: فيما إذا نذر إتمام الصلاة/ في السفر، إذا قلنا إن الإتمام أفضل، ثم قال: وذكر الإمام على مساق الوجه الأول، أنه إذا نذر المريض أن يقوم في الصلاة، ويتكلف المشقة، لم يلزمه الوفاء، وأنه لو نذر صوما، وشرط أن لا يفطر بالمرض لم يلزمه الوفاء، لأن الواجب بالنذر لا يزيد على الواجب شرعا والمرض يرخص فيه. انتهى. فالصورة التي ذكرها الروياني، لا شك أن صاحب التهذيب وشيخه يخالفان، ويقولان: إنه يلزم الإتمام، ومحل ذلك حيث يكون يطيقه، حتى يكون الإتمام أفضل وأما على الوجه الأول، المنسوب إلى عامة الأصحاب،

стр. 394

فقد علمت تصريحهم، بأنه لا ينعقد نذره، لما فيه من إبطال الرخصة، فيحتمل، أن يقولوا بذلك في الصورة التي ذكرها الرياني، ويحتمل أن يقولوا هذه صورة خاصة، ليس فيها إبطال رخصة عامة، فينعقد نذره، ويلزمه الوفاء، والقول بلزوم الوفاء يخالف ما قاله الإمام، فيمن نذر صوما، وشرط أن لا يفطر بالمرض، لكن ذلك هل هو لعدم انعقاد النذر، أو انعقد؟ ولكن الواجب بالنذر لا يزيد على الواجب بالشرع، فيه احتمال، يجري مثله، في كلام الروياني، والمفهوم من كلام الرافعي الأول، (وهو أنه لا ينعقد نذره). وينبني على هذين الاحتمالين، في مسألة الروياني، أنه لو أفطر فلا شك أنه يجب القضاء عن رمضان وهو يكفي عن النذر، إن قيل بصحته، ولكن لو كان صائما تطوعا، ونذر إتمامه، وقلنا النذر ينعقد ولكنه لا يلزم الإتمام لأن الواجب بالنذر، لا يزيد/ على الواجب بالشرع، فإذا أفطر ينبغي أن يجب عليه القضاء، إن قيل بصحة النذر، (وقد اختلفوا فيما إذا نذر أن يصلي الظهر في جماعة فصلاها منردا، هل يجب قضاؤها أولا؟ إذا قلنا بصحة النذر، وهذا مثله وأولى بوجوب القضاء، حتى يقطع به، لأن هناك وجد تأدية الفرض في الجملة، وهنا لم يوجد شيء).

стр. 395

إذا عرفت ذلك ارجع إلى كلام الروياني. فقوله: لا يلزمه، يحتمل أن يكون لعدم انعقاد نذره، كما يقوله عامة الأصحاب في الصورة المطلقة، ويحتمل أن يكون مع انعقاد نذره، وهو المناسب لتعليله، بأن إيجاب الشرع أقوى، لكنا لا نعرف من صرح به. وقوله: وكما لو نذر أن يقصر الصلاة، أو يتمها، فإن الحكم لا يتغير بنذره، قد علمت النقل الصريح فيما إذا نذر الإتمام، حيث يكون أفضل، وحكاية الخلاف فيه. وعلى قياسه يكون فيما إذا نذر القصر إذا بلغ سفره ثلاثة أيام، فإن القصر أفضل، فقياس قول صاحب التهذيب وشيخه، بلا شك انعقاد نذره، ولزوم الوفاء به، فقد تغير الحكم بالنذر عندهما. وقوله: إن الشارع لم يوجب أحدهما معينا، فلم يصح التعيين فيه لجهة النذر يرد عليه ما حكيناه من الخلاف في الإتمام، وما حكاه الأصحاب من الخلاف، في نذر تطويل القيام، وقراءة سورة معينة، وإقامة الوتر، وركعتي الفجر، وأشباه ذلك. فإن قلت: قد قال القاضي فيمن وجب عليه كفارة يمين، فنذر تعيين إحدى الخصال، أنه لا يلزم، لأنه فيه تغيير إيجاب الله تعالى، وهذا يوافق كلام الروياني/، ويرد على القاضي فيما تقدم عنه قلت: من نذر الصوم في السفر، ما غير ما أوجه الشرع من الصوم، ونحن لا نقول: إن الواجب على

стр. 396

المسافر، أحد الشهرين، كما يقوله: بعض الأصوليين، وإنما الواجب صوم رمضان، ورخص له الشرع في تأخيره، ومع ذلك، الأفضل له الصوم، إذا وجد قوة، إذا نذره، لم يترك شيئا مما أمر الشرع به، بل زاد على ما هو الأفضل في حقه. أما الكفارة فقد نص الشارع فيها على ثلاث خصال مقصودة له بأعيانها، وخير بينها، ولعل القاضي لا يوافق من يقول: إن متعلق التخيير لا وجوب فيه، ومتعلق الوجوب لا تخيير فيه. وليس الواجب إلا القدر المشترك، بل يقول إن كل واحد واجب على التخيير، ومعناه أنه واجب، إذا لم يفعل غيره، ويجوز العدول عنه إلى غيره، فنذره واحد معينا منها، يفوت هذه الخاصية المقصودة للشرع، فلذلك لم يصح، بخلاف ما نحن فيه، وليعلم أن المراتب ثلاث جهات أحدها: الكفارة وأعيانها مقصودة، لا يجوز التصرف فيها بالنذر. الثانية: القربات التي قصدها الشرع، ولها أنواع يقع عليها،

стр. 397

وللشرع تصرف في تفضيل بعضها على بعض، كتطويل القراءة، وقراءة سورة معينة، والصوم في السفر، وما أشبه ذلك. ففي نذره خلاف (لأنها مطلوبة قبل النذر على وجه، وبعده على وجه آخر). الثالثة: نذر الصلاة، والصوم والحج مطلقا، أو عددا منه، وما أشبهه ابتداء، من غير تغيير أمر، فيصح/ قطعا، وإن كان في نذره تغيير له، من النفل إلى الفرض، لأن كل نذر كذلك، وإنما دعانا إلى ذكر هذا، أنه قد يتوهم من كلام الروياني، أن النذر متى اقتضى تغييرا لا يصح، وكل نذر يقتضي بالتغيير، فقسمناه على هذه المراتب الثلاث.

стр. 398

المسألة الرابعة والخمسون لو تقيأ عامدا جاهلاً ببطلان الصوم، نقل الروياني عن القاضي حسين رحمهما الله، بطلان صومه، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام قال وكذلك المحرم إذا تطيب جاهلا، قال الروياني ويحتمل عدم بطلان صومه. لأن هذا مما يشتبه على من نشأ في الإسلام أيضا، وهذا الذي قاله الروياني فيه بعد لتقصير من نشأ في الإسلام عن معرفة ذلك. والمسئول بيان ذلك واضحا، جبركم الله ورضى عنكم. الجواب: (الحمد لله) نقل ابن المنذر الإجماع على بطلان صوم من تقيا عامدا، ولو صح

стр. 399

هذا الإجماع، وكان مشهورا لم يكن لاحتمال الروياني وجه. ولكن الماوردي، والمتولي، نقلا عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا: لا يبطل صومه وهو مشهور عن ابن عباس، قال: "الفطر مما دخل، وليس مما خرج" واختلف أصحابنا هل الفطر به لرجوع شيء منه،

стр. 400

ولنفسه؟. وقد روى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ (ثلاث لا يفطرن الصائم، الحجامة، والقئ، والاحتلام) وقال الترمذي إنه غير محفوظ، وقال ي حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ (من ذرعه القئ فليس عله/ قضاء، ومن استقاء عمدا فليقض) أنه حسن غريب، وأنه لا يصح

стр. 401

إسناده. وعن أبي الدرداء، وثوبان وضالة أن النبي ﷺ (قاء

стр. 402

فأفطر. قال الترمذي معناه أنه كان صائما متطوعا، فقاء فأفطر فضعف لذلك هكذا روى في بعض الحديث مفسرا. انتهى. إذا حصل جهل لبعض العوام، كيف لا يعذر مع هذه النقول فهذا وجه احتمال الروياني. ثم إن الأصحاب قد اختلفوا هل الفطر بالقئ عمدا لنفسه، أو لما يرجع

стр. 403

إلى الجوف منه؟ على وجهين: أصحهما الأول، فعلى الثاني القئ غير مفطر، وعلى الأول قد يخفى مثل ذلك على العامى، على أن الذي يترجح عندنا أنه لا يعذر، وإنما ذكرنا أن لاحتمال الروياني وجها وليس مدفوعا. والله أعلم.

стр. 404

المسألة الخامسة والخمسون لو أسلم كافر أصلى بدار الحرب، ومضى عليه زمن، لم يعلم فيه وجوب الصلاة، والصوم، ثم علم، وجب عليه القضاء، خلافا لأبي حنية رحمة الله، قد أشكل على المملوك إذا يبعد الإيجاب عليه، قبل بلوغه، والقضاء يحتاج إلى أمر مجدد، فما الدليل الواضح في ذلك؟ فقد ذكروا ما لم تتضح دلالته. الجواب: (الحمد لله) وجوب الصلاة والصوم، من المعلوم من الدين بالضرورة، فكل من بلغته الشريعة، تعلق به، كأصول الشريعة ولا يعتبر بلوغ الخبر إليه، بوجوب

стр. 405

الصلاة والصوم بخصوصهما، وذلك كاف في ترتيب الصلاة، والصوم في ذمته، وتعلقهما به كما يتعلق بالنائم، والناسي، فإذا علم وجب/ القضاء، قياسا على قوله ﷺ (من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها) وهذا هو الأمر الجديد، ولا ريبة في ذلك، ولا إشكال. وأبو حنيفة ﵀ إنما قال: بعدم القضاء، على قاعدته: في أندار الحرب لها أثر في تغيير الأحكام، مع أني لا أحتاج أن أخصص ذلك، بما هو معلوم بالضرورة، بل كل أحكام الشريعة من هذا الجنس، يتعلق بالمكلفين، علموا بها، أو لم يعلموا، المعتبر بلوغ الخبر، إلى النبي ﷺ ، فمتى استقرت الشريعة ببلوغ الوحي، إلى النبي ﷺ ، وتبليغه، لزمت وثبت حكمها، في حق سائر المكلفين، وقبل ذلك لا يلزم. وبيان هذا، أن الحكم (أزلي) عند الله تعالى، ثم يلقيه الله تعالى إلى جبريل، ثم ينزل به جبريل من سدرة المنتهى، وفي هذه الأحوال كلها لا يتعلق حكمه بالمكلفين، حتى ينزل إلى الأرض على النبي ﷺ ، فيتعلق به، ثم هو يبلغه على الفور، فيثبت حكمه بالتبليغ، في حق من بلغه، ويتبعه سائر المكلفين، في جميع الأحكام، إلا فيما يتعلق بالإثم، لا يكون إلا من حين بلوغ الخبر فيما يخفى. وقد اختلفوا في بعض الأحكام، وتوقف ثبوتها على الخبر، كانعزال

стр. 406

القاضي، والوكيل، ونحوهما، وتلك أحكام جزئية لا اختلاف فيها. وذكروا صلاة أهل قباء، واستدارتهم، من غير إعادة بعض الصلاة المتقدم منهم بعد نزول الوحي إلى النبي ﷺ ، وذلك أمر كان في أول الإسلام، قبل استقرار الأحكام، أم اليوم فلا. وتكلموا أيضا في فرض الصلاة ليلة الإسراء، ولا شك أنها أول تعلقها بغير النبي ﷺ من الظهر، لأنها أول صلاة بعد علمهم والصبح لم يكونوا علموا وقتها، والنبي ﷺ علم والذي يعتقد أنه صلى على عادته، قبل طلوع الشمس ركعتين، وهل هي الصبح المفروضة الآن أو غيرها؟ الله أعلم لم يرد فيه نص. وهل كان التعلق به وهو/ في السماء أو بعد هبوطه ﷺ إلى الأرض؟ لم يرد فيه نص

стр. 407

أيضا وقد تكلمت في شرح المنهاج، في باب الوكالة، على اختلاف العلماء في ثبوت الحكم، قبل بلوغ الخبر، ولا ضرورة إلى ذكره هنا. والله أعلم.

стр. 408

المسألة السادسة والخمسون نقل ابن الأستاذ عن حكاية صاحب المستظهري عن الحاوي، حكاية قول عن الشافعي، أنه يصلي عن الميت، كما يصام عنه، هل لهذا القول أصل في المذهب أو وجه؟. وإذا قلنا بأنه يصام عن الميت، فلو كان له قريبان أو وارثان فصاما عنه معا في يوم واحد، فهل يسقط صيام يومين بذلك، كما لو حجا عنه في عام واحد، أم لا؟ نظرا إلى اتحاد الذي وقع الصوم عنه، قد وقعت في الفتاوي، وأحجم عنها. الجواب: (الحمد لله) الذي رأيته في المستظهري، عن الحاوي، الحكاية، عن عطاء بن

стр. 409

أبي رباح، وإسحاق بن راهويه، جواز الصلاة عن الميت وأنه قول شاذ فلعل ابن الأستاذ فهم من قوله، قول أنه قول للشافعي، وليس بفهم صحيح، وإنما هو قول من أقوال العلماء شاذ، وليس في الحاوي غير ذلك، لكن حكى لي ابني عن خط أبي عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم. المعروف

стр. 410

بابن القماح عن أبي عاصم أنه قول للشافعي. وقد قال: الرافعي في كتاب الصيام، لو مات وعليه صلاة، أو اعتكاف، لم يقض عنه وليه، وعن البويطي أن الشافعي، ﵁ قال: في الاعتكاف يعتكف عنه وليه، وفي رواية يطعم عنه وليه قال صاحب التهذيب ولا يبعد تخريج هذا في الصلاة فيطعم عن كل صلاة مدا، هذا كلام الرافعي في كتاب الصيام. وقال في كتاب الوصية، في قول الغزالي، إن الصلاة عن الميت لا تنفعه يمكن أن يعلم بالواو لوجه مخرج من الصوم أشير إليه.

стр. 411

وقد ذكرناه في باب الصوم، يعني ما قدمناه، عن البغوي، والذي قدمه عن البغوي كما ترى مجرد احتمال، ولم يصرح بأنه يصلي عنه، بل يطعم عنه وكأن الرافعي ﵀ اكتفى بذلك، في قوله أشير إليه. وحكى الشيخ محي الدين النووي ﵀ عن القاضي عياض. وأصبحنا نقل الإجماع على أنه لا يصلي عنه، وقال ابن أبي عصرون ليس في الحديث ما يدل على أنه لا يصل ثوابها إليه، ولا في القياس ما يمنع منه، وروى في الصلاة عن الوالدين، أخبار لم تشتهر،

стр. 412

وذكرت في (شرح المنهاج): أن هذا الذي قاله ابن أبي عصرون هو الظاهر، وقد جاء في الحديث، في بر الوالدين (أن تصلي لهما، مع صلاتك) فمنهم من قال: معناه أن تدعو لهما، وإن لم يمنع إجماع، فلا مانع من الأخذ بظاهره وهذا الحديث ذكره مسلم ﵀ في مقدمة كتابه، من حديث حجاج بن دينار، عن النبي ﷺ مرسلا، معضلا والحجاج بن دينار بينه وبين رسول الله ﷺ مفاوز، تنقطع فيها أعناق المطي، كذا قال ابن المبارك في مقدمة مسلم وفي سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، مات قريبي

стр. 413

وبلغني أنه قبل موته بيوم تعذرت عليه الصلاة ففاته خمس صلوات، فصليتها عنه، قياسا على الحديث الوارد في الصوم، وإن كان أكثر العلماء لم يقولوا أيضا في الصوم بظاهر الحديث. قال الشافعي في الإملاء على ما حكاه الشيخ أبو حامد، يلحق الميت من فعل غيره، وعمله ثلاث: حج يؤدي عنه أو دين يقضى عنه، أو صدقة يتصدق بها عنه، أو دعاء، قال الشيخ أبو حامد وهذه أربعة لكنه أراد أن الحج والدين شيء واحد.

стр. 414

المسألة السابعة والخمسون قال: ابن الأستاذ: يستحب لمن رأى ليلة القدر، أن يكتمها ما الحكمة في ذلك، وما الدليل عليه؟ وهل ذلك موجود في كلام الأصحاب، أم لا؟. الجواب: (الحمد لله) استحباب كتمانها، ذكرته أنا، في شرح المنهاج، وأظن الشيخ محيى الدين رحمه اله في شرح المهذب، ثم رأيته فيه عن صاحب الحاوي، ثم رأيته في الحاوي والحكمة فيه أن رؤيتها كرامة، والكرامة كلها ينبغي كتمانها، أما كونها كرامة، فلأنها أمر خارق للعادة/ اختص الله به بعض عباده، من غير صنع منه. وأما أن الكرامات ينبغي كتمانها، فذلك مما لا خلاف فيه، بين أهل الطريق بل لا يجوز إظهارها، إلا لحاجة، أو قصد صحيح، لما في إظهارها

стр. 415

من الخطر من وجود: منها: رؤية النفس، فيظن أن ذلك إنما ظهر عليه، لصلاحه وعلو منزلته عند الله، ورفعه على أبناء جنسه، واختصاصه بحسن السابقة والخاتمة، وقد يكون الأمر بضد ذلك كله، لما يحتمل أن يكون استدراجا. أنه بعيد عن عين الله تعالى، فالواجب عليه أن لا يغتر بذلك، وأن يحتقر نسه، ويود لو كان نسيا منسيا. ومنها: أنه قد يداخله في الإخبار بها رياء أو حظ نس، فيسلب ما أنعم الله به عليه، نعوذ بالله من السلب، بعد العطاء، ومن الزيغ بعد الهدى، من أدعية القرآن (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) ومن أدعية بعض الصالحين: اللهم لا تعاقبنا بالسلب، بعد العطاء. ومنها: أنه ينبغي لمن ظهرت عليه الكرامات،، أن يمتلئ قلبه بعظمة الله، الذي أهداها إليه، وقدرته على ذلك وجلاله، وكيف اختصه بها مع حقارته، ومعصيته، وحجبها عن كثير من خلقه، ممن لعلهم خير منه، ويزيد في خدمته، وخشيته والأدب معه، وإذا اشتغل بها وبالحديث عنها كان كمن خلع عليه الملك خلعة، اشتغل عن خدمته باستحسانها والنظر إليها،

стр. 416

وعرضها على الناس حكم بفوته، بذلك من أضعافها، ومن الواجب عليه، في خدمة سيده. ومنها: أنه ما دام في حال الدنيا لا يأمن مكر الله، فهب أنه ظهر على يديه ما لا يحصى من الكرامات، ثم ختم له بسوء، ماذا يغني عنه؟ فلا سرور إلا في القبور، أما تعرض الأصحاب لذلك فأكثرهم لم يتعرضوا له، لأنه ليس من مقصود التصانيف الفقهية الذين هم بصددها، وإن كانوا ﵃ عارفين بها، فقد سبقونا إلى كل خير وهم يعلمون ما لا يقولون، ونحن قد نقول ما لا نعلم. وأما الدليل على ذلك فيكي ما ذكرناه من المخاوف مع إجماع/ أهل الطريق. وقد يستأنس له بقوله تعالى: حكاية عن يعقوب ﵇ وقوله ليوسف: (يا بني لا تقصص رؤياك، على إخوتك) فقياس عليه كتمان كل نعمة، يخشى من إظهارها، والكرامات إذا أظهرها لغير أهلها، من غير حاجة، قد يحسد عليها، أو يكذبوه، أو ينصبوا إليه الغوائل، فيشوشوا عليه قلبه، هذا زيادة على الأخطار التي قدمناها. س وقد جاء عن عمر بن الخطاب ﵁، لما قال: وهو يخطب على المنبر "يا سرية الجبل، من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم" قالت الصحابة: ما يقول؟ فقال لهم على: دعوه، فما دخل في شيء إلا خرج منه، سيعود إليكم، ثم عاد إلى خطبته، فلما فرغ من صلاة الجمعة سألوه فقال: لا أعلم ما تقولون، أو قريب من هذا اللفظ، ثم ظهر أن في ذلك اليوم كان العدو

стр. 417

عملوا مكيدة للجيش الذي ساريه مقدمة بنهاوند، وأن صوت عمر بلغهم في تلك الساعة، فكشفوا الجبل، فوجدوا المكيدة. فإما أن يكون عمر ﵁ علم تفصيل الحال وكتمه، وروي في كتمانه، وإما أن يكون أجراه الله على لسانه، وحكايات الصالحين في كتمان

стр. 418

ذلك لا تحصى، وإنما يباح إظهارها لأحد رجلين، إما من يرجى أن ينفعه الله بها، وإما معاند يقام عليه الحجة بها، أو يظهرها الله من غير صنع من صاحبها، وقد يستدل بدليل خاص على كتمان ليلة القدر، بقوله ﷺ "رأيت ليلة القدر ثم أنسيتها" وقوله: "فخرجت لأخبركم بها فتلاحى، فلان وفلان، فرفعت" ووجه الدلالة أن الله تعالى قدر لنبيه ﷺ أنه لم يخبر بها، والخير كله فيما قدره له ﷺ ، فنتبعه في ذلك.

стр. 419

المسألة الثامنة والخمسون الصحيح عند الأكثرين، جواز الخروج من المعتكف للأكل ووجهه الرافعي بأنه يستحيى منه ويشق عليه، هل يمكن أن يتوسط؟ ويقال إن كان ممن لا يبالي بالأكل في المسجد، بأن كان سوقه لا يتأثر بذلك، فلا يجوز له الخروج/، لأنه كالعبث، وإن كان ليس كذلك فيجوز واقل ما فيه أن يكون على الوجهين، في جواز الذهاب لقضاء الحاجة إلى منزله، لمن لا تمنعه المروءة من قضاء حاجته في سقاية المسجد، ولعل هذا أولى بالمنع، لأن هناك لابد من الخروج من المسجد، وهنا يمكن تركه من غير مشقة ولا استحياء فما وجه الجواز والحالة هذه؟ ...........

стр. 420

أدام الله مجدكم. الجواب: (الحمد لله) جواز الذهاب لقضاء الحاجة إلى المنزل القريب (مجمع عليه) ثابت بالنص، ومنعه أحد الوجهين، إلى المنزل البعيد لمن لا تمنع المروءة معلل بعلة مركبة، من عدم الحشمة، مع البعد المفرط المخل بصورة الاعتكاف، لتكرر الحاجة مرات غالبا أكثر من تكرر الحاجة إلى الأكل، لأن الغالب أنه لا يزيد في اليوم والليلة على مرتين، وأما البول فالغالب أنه مرات، فلو منع الخروج إلى الأكل، لكان لعلة واحدة، لم يثبت اعتبار مثلها في قضاء الحاجة. وقد اختلف العلماء في الخروج للأكل مطلقا، فمنعه ابن سريج، وابن سلمة

стр. 421

والإمام والبغوي واخترته أنا في (شرح المناهج) وجوزه الأكثرون محتجين بنص، في مختصر المزني ليس تصريح، ومستندي في شرح المنهاج، أن النبي ﷺ (لم يكن يدخل البيت إلى لحاجة الإنسان) وهو أكثر الناس مروءة وحشمة، والظاهر أن المراد بحاجة الإنسان البول والغائط، وحينئذ يجوز الأكل في المسجد، ولا يحضرني الآن من الأحاديث شيء في أن النبي ﷺ ، هل كان في اعتكافه يأكل في المسجد أو في بيته؟ فعلى ما اخترته في (شرح المنهاج) لا يتوجه السؤال، وعلى ما اختاره الجمهور، لهم أن يجيبوا بتركيب العلة كما قدمناه فيكفي في عدم الإلحاق بتلك الصورة، لكن للسائل أن يقول إن كان الخروج للأكل غير منصوص، وإنما ثبت بالقياس للحاجة، فيقدر بقدر الحاجة، وهو فيمن يتحشم، أو فيمن يكون له عذر في

стр. 422

الأكل وحده، أما غيرها فينبغي/ أن يبقى على أصل المنع من الخروج، فيحصل ما قصده السائل من التوسط في هذه الصورة الخاصة تفريعا على المذهب المشهور.

стр. 423

المسألة التاسعة والخمسون لو خرج المعتكف ناسيا، لم ينقطع تتابعه على الصحيح، المنصوص في (الأم) فلو دخل في حال نسيانه مسجدا، فهل له العود إلى الأول، أم يبني في المسجد الثاني؟ فيه تردد، حكاه الروياني أيضا والأظهر أن ذلك القدر لا يحسب. انتهى. ما وجه القول بأن زمن الخروج يحسب؟ وما الراجح من التردد المذكور؟ أثابكم الله. الجواب: (الحمد لله) زمن الخروج لقضاء الحاجة متفق عليه، على أنه لا يقطع التتابع، إما لأن الاعتكاف مستمر، وإما لأن ذلك الزمان، كالمستثنى

стр. 424

عن المدة المنذورة لفظا، فعلى العلة الأولى ذلك الزمان محسوب، ووجهه أن قضاء الحاجة لما كان لابد منه جعل حكم الاعتكاف، منسحبا عليه، وزمان الخروج ناسيا يشبه أن يأتي فيه خلاف، كما في نظيره في الأيمان أحدهما: أن زمن النسيان مشمول بالنذر وبالاعتكاف، والشرع رفع حكم الخروج لأجل النسيان، والثاني أنه غير مشمول، وكأن الناذر استثناه، فعلى الأول يحسب زمن الخروج ناسيا، وهو مقتضى القول بأن اليمين

стр. 425

يخل بفعل المحلوف عليه ناسيا، مع عدم الحنث به، وعلى الثاني لا يحسب، وهو مقتضى القول بأنها لا تخل وهو الأصح، وعليه يأتي قول الروياني أنه الأظهر وأما التردد في أنه هل له العود إلى المسجد الأول، أو بيني في المسجد الثاني؟ فمحله إذا تذكر في المسجد الثاني، وتوجه القول بجواز العود بالعذر، وتوجه مقابله بأن العذر زال بالتذكر، وخصوص المسجد الأول ليس بمقصود، وقد التزم الاعتكاف في المسجد فيكمله في الثاني. ومن هذا يعلم أنه لو كان في مسجد النبي ﷺ فتذكر وهو في مسجد آخر من مساجد المدينة، يعود قولا واحدا/، وأنه لو كان اعتكاف تطوع احتمل أن يعود التردد لأن نيته تعلقت بالأول، واحتمل القطع بأنه يبني في الثاني، فإن لم يفعل بطل، وقد وقع بخطكم ما وجه القول بأن زمن الخروج يحسب؟ وأظن (لأنها) تركت سهوا فإن كانت عمدا فقد ذكر وجهه كل منهما.
следующие страницы →