← Фикх шафии

Фикх шафии · id 18610

قضاء الأرب في أسئلة حلب

تقي الدين السبكي

Полный текст (459 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فهل مراده القسم الأول، أو كلامه أعم من ذلك؟ والمسئول بيان ذلك وبيان حقيقة الإصرار ماهو؟ وبيان العزم المستقر من غيره؟ والخواطر التي تعرض ولا تستقر، وما الذي يؤاخذ به دون غيره؟ هل الاستغفار يمحص الذنب بمفرده أم لابد من ضم شيء إليه من الأركان التي ذكرها الفقهاء. وهل يصح أن كون العبد نادما على المعصية، خوفا من الله تعالى، مصرا عليها حتى يشترط الندم، والإقلاع، والعزم على أن لا يعود؟ فقد أشكل

стр. 72

هذا جدا. الجواب (الحمد لله) نحتاج إلى تقدم قاعدتين: إحداهما فيما يؤخ به من قصد المعصية، والذي يقع في النفس، من ذلك خمس مراتب، أولها: الهاجس وهو ما يلقى فيها، ثم جريانه فيها وهو الخاطر، ثم حديث النفس، وهو ما يقع فيها من التردد هل يفعل أو لا؟ ثم الهم وهو: ما يرجح قصد الفعل، يقال: هممت بالأمر إذا قصدته بهمتي. ثم العزم، وهو قوة ذلك القصد، والجزم به، فإن العزم في اللغة الجد

стр. 73

وعقد القلب، فالهاجس لا يؤخد به إجماعا، لأنه ليس من فعله، وإنما هو شيء ورد عليه لا قدرة له عليه، ولاصنع. والخاطر الذي بعده، كان قادرا على دفعه، بصرف الهاجس أول وروده ولكنه هو وما بعده من حديث النفس مرفوعان بقول النبي ﷺ : ((إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها/ مالم تعمل به أو تتكلم)) وإذا ارتفع حديث النفس، ارتفع ما قبله بالطريق الأولى. وهذه المراتب الثلاث، أيضا لو كانت في الحسنات لم يكتب له بها أجر. أما الأول، وأما الثاني، والثالث، فلعدم القصد. والمرتبة الرابعة: الهم، وقد بين الحديث الصحيح أن الهم بالحسنة يكتب حسنة، الهم بالسيئة لا يكتب سيئة، وينتظر فإن تركها كتبت له حسنة،

стр. 74

وإن فعلها كتبت سيئة واحدة. والأصح في معناه أنه يكتب عليه الفعل وحده، وهو معنى قوله: واحدة، وأن الهم مرفوع. ومن هذا يعلم أن قوله: في حديث النفس مالم تتكلم أو تعمل، ليس له مفهوم، حتى يقال: إذا تكلمت أو عملت يكتب عليها حديث

стр. 75

النفس، لأنه إذا كان الهم لا يكتب، فحديث النفس أولى. المرتبة الخامسة: العزم، المحققون على أنه يؤاخذ بالعزم على السيئة، وخالف بعضهم فقال: إنه من الهم المرفوع. وربما تمسك بقول أهل اللغة، أو بعضهم: هم بالشيء عزم عليه، التمسك بهذا غير سديد، لأن اللغوي لا يتنزل إلى هذه الدقائق. واحتج الأولون بقول النبي ﷺ ((إذا التقى المسلمان

стр. 76

بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا يارسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: كان حريصًا على قتل صاحبه)) فعلل بالحرص واحتجوا أيضا بالإجماع على المؤاخذة بأعمال القلوب، الحسد وما أشبهه. فأما احتجاجهم بأعمال القلوب، فأعمال القلوب على قسمين: أحدهما: ما لا يتعلق بفعل في الخارج، فهذا يؤاخذ به بالإجماع، مثل الكفر، والحسد، والرياء، والحقد، والبغض، والكبر، وانتقاص الناس وما أشبه ذلك، وليس مما نحن فيه. والقسم الثاني: ما يتعلق بفعل في الخارج، وهو العزم والهم. فالملتقيان بسيفيهما، عزم كل منهما على قتل صاحبه، وحرصه عليه قوة وعزمه، (و) لكنه عزم اقترن به فعل بعض ما عزم عليه، وهو شهره السلاح، ولقاه السلم، ولم يبق إلا ما لم يقدر عليه، فلذلك حصلت المؤاخذة. والتعليل قد يكون بجزء العلة، تنبيها للسائل الذي خفي عنه، وعلم الجزء الآخر، والمختار ما قاله المحققون، وهذا الفعل الذي قارن الحرص يؤاخذ به، سواء حصل القتل أم لا؟

стр. 77

وقوله ﷺ ((القاتل والمقتول في النار)) (ظاهره يقتضي أنه جزاء القتل الذي فعله أحدهما، وحرص عليه الآخر فجعلا سواء) ولولا ذلك لاختلف جزاؤهما فكان جزاء القاتل القتل، وجزاء الآخر على شهر السلاح واللقاء وهو خلاف ما اقتضاه تعليل الحديث. وقد استدل بقوله تعالى ((ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم)) والمفسرون اختلفوا: منهم من قال: الإلحاد بالظلم هنا الكفر، فعلى هذا لا دليل فيه، لأن قصد الكفر كفر. فإن فسر الإلحاد: بالمعصية استقام الاستدلال وهذا كله في العزم

стр. 78

والهم الواقعين قبل الفعل بعده فسيأتي حكمه إن شاء الله. القاعدة الثانية: أن التوبة واجبة، لقوله تعالى: ((وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون)) وبالإجماع. ولا شك أنها تكون عن الكبائر والصغائر كما صرح به الغزالى في

стр. 79

الإحياء. ووجوبها عن الكبائر لا شك فيه وهي على الفور. ومن ضرورة ذلك، العزم على عدم العود، فمتى عزم على العود قبل أن يتوب منها، فذلك مضاد للتوبة، فيؤاخذ به بلا إشكال، وهو الذي قاله قاضي القضاة تقي الدين. ولا فرق بين أن يكون تركه نسيانًا أو غيره، لأنه في كل وقت مأمور بالتوبة، والعزم على العود مضاد لها. وهو إصرار على الكرة السابقة فهو حرام، قال تعالى ((والذينإذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا)). فيفهم من الآية أن ترك التوبة إصرار، فهذا الذي قاله ابن رزين (واضح) في الكبيرة بلا إشكال وكلامه مطلق، فإذا نزل على الكبيرة فلا سؤال عليه. فإن قلت هو علل بالإصرار، والمؤاخذة إنما هي بترك التوبة قلت

стр. 80

المؤاخذة بترك التوبة، والإصرار، وبنفس العزم، لأنه أقوى منهما، ولا يجيء فيه الخلاف الذين في العزم قبل الفعل هذا كله في الكبيرة. أما الصغيرة فتحتمل أن يقال: إنها لكونها تكفر بالصلاة، وباجتناب الكبائر وبغير ذلك فلا تجب التوبة منها عينا، بل إما التوبة، وإما شيء من المكفرات، أو تجب ولكن لا تجب على الفور، حتى يمضي ما يكفرها أو تركه. وتحتمل أن يقال: تجب التوبة منها، كما تجب من الكبيرة، وهو الذيك قاله الشيخ أبو الحسن الأشعري، ولم يذكر الخلاف فيه إلا عن

стр. 81

(ابن) الجبائي، ورد عليه. ويواقفه إطلاق ابن الصباغ، فإنه قال في ((الشامل)) من ارتكب معصية أوجبت ذنبا، لزمه التوبة منها، ثم قال: فإن كانت معصية، لا يجب بها حق في الحكم. مثل إن قبل امرأة أو لمسها، أو شرب سكرًا أو ما أشبه ذلك، كان توبته أن يندم على ما فعل، ويعزم أن لا يعود إلى مثل فعله، فإطلاقه اللزوم في الأول، وذكره في التقسيم القبلة، واللمس، والغالب أنهما من الصغائر

стр. 82

يقتضي ذلك، إلا أن يقال، إنما ذكر القبلة، واللمس من جهة إنهما لا يوجبان حقًا عليه، لا من جهة الصغر والكبر وقد يكونان كبيرة، إما بالتكرار، وإما بأن يكونا من حليلة الجار أو من القريبة، كما قال القاضي حسين، وكذلك قول الغزالي في ((الوسيط)) أما من يلم بالصغيرة أحيانًا لفترة مراقبة التقوى وقلته بدافع للنفس في الخروج عن طاعة لجام الورع./ وهو مع ذلك لا ينفك عن تندم، واستشعار خوف، فهذا لا ترد به الشهادة، وإنما الفسق المرون على المعصية وإن كانت صغيرة، فانظر قوله: وهو مع ذلك لا ينفك عن تندم، واستغفار، واستشعار خوف، وكذلك قال الإمام في ((الوجيز)).

стр. 83

لكن الرافعي قال: لا سيما إذا كان المقدم عليها نادما خائفًا، فهذه تقتضي أن ذلك غير شرط وهو الأقرب، فتفارق الصغيرة الكبيرة في ذلك، ولا يكون العزم قبل التوبة منها، كالعزم قبل التوبة من الكبيرة، في كونه مضادًا للتوبة. لكنا نقول: إنه وإن لم يكن كذلك، فليس كالعزم قبل الفعل، لأن العزم قبل الفعل لم يتحقق مقصوده، والمقدم على الفعل قد خرق حجاب الهيبة وصار العزم على المعاودة فيه ضراوة، فيؤكد الفعل، ويصيره إصرارًا، كما قال ابن رزين مالم يتب أو يمض عليه ما يكفره. فإذا مضى عليه ما يكفره، أو تاب ثم عزم صار عزمًا جديدًا كما قبل الفعل. ولا يقال حينئذٍ أنه إصرار ((لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له)) إذا عرفت هاتان القاعدتان وفكون العزم إصرارًا، موضعه إذا كان بعد الفعل قبل التوبة. وكون الإصرار هو الدوام على الفعل، أو العزم المستصحب، (يقال هما إصرار، وكذا العزم غير المستحب) ما لم يتب.

стр. 84

وكون ذلك لا يكون إصرار، إذا نسي الذنب والعزم، ثم خطر له أن يفعله، مع عدم تذكره لما وقع منه، يحتمل أن يسلم، ويفرق بينه وبين ما قاله: ابن رزين، بأن هذه صورة نادرة ولم يردها ابن رزين. ويحتمل أن تمنع وهو الأقرب، لأنه حين الفعل وحين الفراغ منه، قبل تحقيق النسيان، كان يجب عليه التوبة، فيعصي بتأخيرها، فإذا عرض النسيان، عرض في حالة العصيان. فحكم المعصية منسحب عليه/ وعزمه عد ذلك من غير تذكر ما سبق قد يكون من آثار ما قد سبق، لأنه صار عادة ، فينسحب عليه حكم سببه، وشاهده في الاعتبار تنزيل ما يقع في يد المشتري، لسبب سابق في يد البائع منزلة ما يقع في يد البائع. وإذا تبين أن العزم إصرار فهو كبيرة، فيصيرضابطًا لإصرار الذين يصير الصغيرة كبيرة، وإما تكررها وإما العزم عليها قبل تكفيرها والاستغفار طلب المفغرة، إما باللسان أو بالقلب، أو بهما، فلأول فيه نفع، لأنه خير من السكوت، ويتعود قول الخير لكن فيه نقص (للغفلة). والثاني والثالث: نا فعان جدا، ولانقص فيهما، لكنهما لا يمحصان الذنب، حت التوبة، فإن الاستغفار غير التوبة، لأن الاستغفار طلب المغفرة والعاصي المصر يطلب المغفرة.

стр. 85

نعم قال: بعض العلماء إنه لابد مع التوبة من الاستغفار بقوله تعالى ((استغفروا ربكم ثم توبوا إليه)). والمشهور أن ذلك ليس بشرط في التوبة. وقال بعضهم إن الاعتراف بالذنب شرط، لقوله ﷺ ((فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه)). والمشهور أن ذلك ليس بشرط، وإنما الواجب الثلاثة التي ذكرها الفقهاء: الندم والإقلاع، والعزم على أن لا يعود وإن كان حق آدمي فالخروج عنه، فهذه الأربعة لابد منها. والأصل الندم، ولهذا جاء في الحديث ((الندم التوبة)) واشتراط الإقلاع إنما هي في معصية تدوم، أما المعصية التي لاتدوم، فلا يشترط في التوبة عنها إلا الندم، العزم على أن لا يعود، وإذا لم يقدر على وفاء حق الآدمي، فيعزم على أدائه إذا قدر، في أسرع وقت، وينبغي أن يأمر المظلوم أن يستغفر له، ويعفو عنه. واستدل لذلك بقول إخوة يوسف ((يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا)) والعاجز عن العود إلى المعصية قيل إنه يشترط عزمه

стр. 86

على / أنه لو قدم لما عاد، وقبل يتمخض الندم في حقه توبة. وأما قوله هل يصح أن يكون العبد نادما على المعصية، خوفًا من الله مصرا عليها؟ فلا. نعم يصح أن يتوب من المعصية، وهو مصر على معصية أخرى، عند الجمهور، خلافا لمن منع ذلك محتجا بأن التوبة من الذنب إنما تصح لكونه معصية، حتى لو تاب منه لا لأنه معصية، لم تصح، والعلة موجودة في المعصية الأخرى. وأما (قوله) حتى يشترط الندم، والإقلاع، والعزم، وعلى أن لا يعود اشتراط الندم إن وقع في عبارة أحد فتسمح، لأن الندم هو التوبة كما اقتضاه الحديث. والشيء لا يكون شرطًا في نفسه. واشتراط الإقلاع، والعدم على أن لا يعود، لتحقق الندم، فيهما يتحقق وجود الندم، فإن العبد قد يلتبس عليه حاله. ومراتب الندم متفاوته، والشيء قد يستدل على صحته بسببه ونتيجته. والسبب الأول هنا – هو العلم المحصل للخوف من الله تعالى، المولد للندم في القلب، والإقلاع في الحال، والعزم على أن لا يفعل في المستقبل، أو استدراك ما فات في الماضي، فإن حصلت هذه النتائج علمنا صحة الندم وحقيقة الخوف الناشئ عن العلم، وإن لم يحصل قلنا قد كذبتك نفسك في تخييلها لك إنك نادم.

стр. 87

وقد يقال: إن التوبة – في الحقيقة وفي اللغة هي الرجوع. فالتائب راجع عن المعصية إلى الطاعة، ورجوعه لا يتحقق إلا بهذه الأمور، فيجوز تسميتها شروطًا، وأعظمها الندم، ولا يتحقق إلا الباقي. ولا يمتنع أن يكون بعض الشروط شرطًا في الشرط الآخر، أو في الركن. وماذكرناه من أن معن الاستغفار غيرمعنى التوبة، بحسب وضع اللفظ وقد غلب عند كثير من الناسأن: أستغفر الله معناها التوبة، ولا يمتنع نقل وضعها إلى ذلك، فيراد للها التوبة حينئذٍ. فائدة: من علم تعالى منه الإصرار على / ذنب، وطبع على قلبه في ذلك الذنب. قال: الحليمي امتنعت توبته منه، ولم تمتنع من غيره، خلافًا

стр. 88

لمن زعم أنها لا تمنع محتجًا، بأنه مأمور بها، ورد بأن الأمر يكفي فيه الإمكان الذتاي وومن استغفر ولم يتب، فإن استجاب الله منه غفر له، ولكن ذلك غير معلوم لنا، فلهذا لا تصح توبته، ولا يجري فيه الخلاف في سقوط الحد، بالتوبة بل يحد قولًا واحدًا فائدة أخرى العزم على الكبيرة، وإن كان سيئة فهو دون الكبيرة المعزوم عليها

стр. 89

المسألة الثامنة قال القاضي حسين في (تعليقه) في باب الإجارة فرع إذا قال رجل لآخر: احمل متاعي على دابتك، إلى موضع كذا، فحمله على دابته بنفسه، وساقها فتلفت الدابة في يد المالك في الطريق، فالضمان على صاحب المتاع، لأنه استعار منه دابته ونفسه، والمستعار مضمون على المستعير، إلا أنه لا يضمن صاحب الدابة إذا مات في الطريق، لأنه حر، والحر لا تثبت عليه اليد انتهى هل صورة المسألة: أن صاحب المتاع قبضها منه، ثم أعادها إليه؟ ويكون الضمير في قوله فحمله عائد إلى صاحب المتاع وفيه بعد، أو إلى صاحب الدابة وهو المتبادر، وإذا كان كذلك فكيف يدخل في ضمانه، ولم يحصل في يده بوجه

стр. 90

الجواب (الحمد لله) هذه المسألة في (التعليقة) كما ذكرتم، وفي التهذيب وفي الشرح الكبير للرافعي في الورقة الخامسة من كتاب العارية، في شرح قول الوجيز والمستعير كل طالب أخذ المال لحاجة نفسه. قال الرافعي في آخره: ولو كان / لأحد الرفيقين في السفر متاع وللآخر دابة فقال: صاحب المتاع للآخر: احمل متاعى على دابتك. فأجابه، فصاحب المتاع مستعير لها. ولو قال: صاحب الدابة: أعطني متاعك لأضعه على الدابة، فهو مستودع متاعه، ولا تدخل الدابة في ضمان صاحب المتاع، أورده في التهذيب. هذا لفظ الرافعي، وذكرته أنا في المنهاج، وطكرت معه أن البغوي قال في (الفتاوى) فيما إذا ثال: لرجل احمل متاعي هذا على دابتك، فحمله

стр. 91

فتلفت، أن الأصحاب قالوا يضمن، وأن شيخه كان يوقل: الذي عندي أنه لا يجب عليه ضمان الدابة، لأن ضمان الدابة إما أن يكون باستعمال مال الغير أو بلد، لا جائز أن يقال بالاستعمال، لأن الاستعمال مأذون فيه، وباليد لا يجب الضمان، لأن الدابة في يد ما لكها فيما هو إلا إن استعان به في نقل متاعه إلى بلده، وبهذا لا يجب ضماندابته، فإنه إذا قال: خذ هذه الوديعة اجعلها في هذا الصندوق، ما قال أحد: إن الصندوق مضمون لأنه استعان بصندوقه في حفظ ماله. قال: وفي الفتاوى للقاضي إن استعان بعبده وحماره في نقل متاعه، لا يضمن العبد والحمار، لأنه في يد المالك. قال علي السبكي: وقد وقفت على ذلك في فتاوى القاضي حسين ونص كلامه: مسألة ـ رجل استعان برجل، في نقل أمتعة إلى موضع بنفسه أو بحماره ففعل، ووضع الأمتعة على الحمار، وساق إلى باب دار الآمر، أجاب لا يكون مضمونا، لأن صاحب الحمار لم يسلط الآمر عليه، بل الحمار في يد المالك. ولو استعان بحماره وعبده فساق عبده الحمار فكلاهما دخل في ضمانه، ويكون عاربة مضمونة تجب ضمان كل واحد إذا تلف. ولو استعان بصاحب الحمار، فصاحب الحمار أناب عبده مناب

стр. 92

نفسه لا بأمر المستعير، والعبد وضع الأمتعة على الحمار، فمات العبد والحمار، لا يكون مضمونا، لأن الآمر ما استعار العبد، بل العبد في يد مالكه وكذا الحمار، هذا نص كلامه في الفتاوى، وهو مخالف لما قاله في التعليقة. وقلت: في (شرح المنهاج) إن هذا حق / متى تلفت في يد مالكها لم يضمنها صاحب المتاع، لأنها ليست بعارية، إلا أن تفرض إعارة، وأن المستعير استعان بالمالك في تسييرها، فيحتمل أن يقال: إن المالك في هذه الحال نائبة عن المستعير، فيستعير ضمان العارية، ويحتمل أن يقال إن يد المالك لا تكون نائبة عن غيره، فلا ضمان إذا تلفت في يد مالكها. ويشهد للأول أن في فتاوي البغوي أيضا: أنه لو استعار دابة ليحمل عليها متاعا، فقال المعير لغلامه احمل هذا المتاع على الدابة، واذهب به فحمل الغلام فهلكت في الطريق، قال: يضمن المستعير إذا حمل المعير المتاع بإذنه. انتهى. وهو يقتضي أنه جعل اليد المستعير. انتهى ما ذكرته في ضرح المنهاج. وقد علمت نقل الغوي عن الأصحاب الضمان، وقد يوافقه قول

стр. 93

صاحب التنبيه وإن تداعيا بعيرا ولأحدهما عليه حمل، فالقول قول صاحب الحمل مع يمينه. قال ابن الرفعة لانفراده بالانتفاع به، قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وهذا بخلاف ما لو تداعيا عبدا لأحدهما عليه قميص وسراويل، فإنه لا يحكم له، ومن انفرد بالانتفاع كانت اليد له، وليس كذلك العبد، فإن المنفعة هناك تعود إلى العبد، فلم يجعل يدا. قال ابن الصباغ: ولأن الحمل لا يجوز أن يحمله على الجمل إلا بحق، ويجوز أ? يجبر لاعبد على لبس القميص، ومالكه وغير إذا كان عريانا، وبذله له. انتهى فإن كانت صورة المسألة أكانا مع البعير أو كان الذي معه ليس

стр. 94

صاحب الحمل فهو يوافقه، لأن المتاع حينئذ سبب في اليد المضمنة. ولكني أخشي أن تكون ورة مسألة التنبيه فيما إذا كان في يدهما أولا يد لأحدهما عليه، وحينئذ يصح الترجيح بالمتاع، والرافعي ذكر في فروع آخر الدعاوى: ـ فيما لو تنازعا دابة أو جارية حاملا، والحمل لأحدهما بالاتفاق، أنها في يده وأطلق، أو دارا ولأحدهما فيها متاع، والذي يظهر لي/ الآن أن حمل المتاع على الدابة تارة بقصد به التبرع بحمله فقط، كما يتبرع بحفظ الوديعة مع بقاء الدابة صاحبها، ومنافعها له، فلا ضمان، وتارة بقصد به التبرع بمنافع الدابة فيضمن، (وتارة يطلق وهو محتمل، والأقرب تنزيله على المعنى الثاني فيضمن). وأما مسألة الوديعة التي احتج بها البغوي ففيها مرجح، لعدم الضمان ووهو لفظ الوديعة وإرادة القصد الأول وهذا يقتضي ترجيح الضمان عند الإطلاق، كما قاله الأصحاب والقاضي في التعليقة، ويخالفه ما قاله في (الفتاوى) وما اخترته (في شرح المنهاج) لكن بالتفصيل الذ ذكرته والله أعلم.

стр. 95

المسألة التاسعة إذا كان يعتقد جواز اللعب بالشطرنج، فهل له أن يلعب مع من يعتقد تحريمه، نظرا إلى اعتقاد صاحبه؟ لأنه يكون مساعدا، له على المعصية، بالنسبة إلى معتقده. وقد قيل إنه لا ينكر الشيء المختلف في تحريمه، إلا أن يكون المرتكب ممن يعتقد التحريم. والمسئول إيضاح ذلك، فقد وقع فيه نزاع وخصام. الجواب (الحمد لله) هما مسألتان مسألة الإنكار ومسألة المعاونة، أما الإنكار فالمقصود به إزالة ما هو منكر عند الله تعالى، ودفع مفسدته من الوحود، كبيرة كان أؤ صغيرا، وإذا كان مجمعا عليه، أو مختلفا فيه. ولكن حرمته ثابت بنص أو بما ينقض قضاء القاضي بخلافه.

стр. 96

وسواء أكان فاعله يعتقد تحريمه، أم تحليله، بدليل ضعيف أو بجهل منه؟ كمن شرب خمرا يظنه جلابا أو يعتقد شيئا، كالمجنون يزنى، فكل ذلك يجب على من علم بحال الفعل الإنكار، بإجماع العلماء، إزالة للمفسدة، وكذا إذا رأيناه يطأ امرأة يظنها زوجته، ونحن نعلم أنها أجنبية، يجب علينا دفعه عنها، ولا نظر إلى اعتقاد الحل، أما ما ليس بمنكر عند الله، ولكنه منكر عن الفاعل، كمن علمنا أن أباه زوجه في ضغره، وحصل له ما يمنعه العلم بذلك،/ وأقدم على وطئها، مع علمنا باعتقاد الحرمة. وقد استبعد الغزالي في الإحياء منعه منها، من حيث إنه حلال في علم الله، واستقربه من حيث إنه حرام عليه، بحكم جهلة، ثم مال إلى عدم المنع وقال إنه الأظهر، وإنه يتحصل منه، أن الحنفي لا يعترض على

стр. 97

الشافعي في النكاح بلا ولي. وأن الشافعي يعترض على الشافعي فيه. ثم قال: وهذه المسائل فقهية دقيقة، فيها متعارضة، وإنما أفتينا بحسب ما ترجح عندنا في الحال، ولسنا نقطع بخطأ المخالف فيها، إن رأي راء أنه لا يجري الاحتساب إلا في معلوم على القطع. وقد ذهب إليه ذاهبون، وقالوا: لا حسبة إلا في مثل الخمر والخنزير، وما يقطع بكونه حراما، ولكن الأشبه عندنا، أن الاجتهاد يؤثر في حق المجتهد، إذ يبعد غاية البعد، أيجتهد في القبلة،

стр. 98

ويعترف بظهور القبلة عنده، في جهة، بالدلائل الظنية، ثم يستديرها، ولا يمنع عنه لأجل ظن غيره. ورأى من رأى، أنه يجوز لكل مقلد أن يختار من المذاهب ما أراد غير معتد به، ولعله لا يصح ذهاب ذاهب إليه أصلا، فهذا مذهب لا يثبت، فإن ثبت فلا يعتد به. وقال: القرافي إذا رأينا من فعل شيئا مختلفا في تحريمه وهو يعتقد تحريمه أنكرنا عليه، لأنه منتهك الحرمة من جهة اعتقاده. والقرافي وإن كان مالكيا، لكن هذه مسألة أصولية، فالحاصل، أن الفاعل والمنكران اعتقدا التحريم كان أو متفقا عليه، ومتى اعتقدا الإباحة فلا إنكار، ومتى اعتقد الفاعل الإلاحة والمنكر التحريم فلا إنكار، إلا إن كان التحريم مقطوعا به، والفاعل مخطئا، ومتى اعتقد الفاعل دون المنكر فهو محتمل. والأظهر عند الغزالي عدم الإنكار، ومسألة الشطرنج من هذا القبيل

стр. 99

إذا رأى من يعتقد إباحة الذي يعتقد تحريمه يلعب به، فعلى ما هو الأظهر عند الغزالي لا ينكر، وعلى ما قال القرافي: ينكر هذا في الإنكار. أما مسألة المعاونة، فيحتمل أن يقال: أنها أولى بالمنع، فينبغي / أن يرتب ويقال: إن قلنا يجب الإنكار فهل تجوز المعاونة؟ وجهان: أرجحهما عدم الجواز، لما فيه من الإعانة على انتهاك الحرمة والجرأة، وإن كان الفعل غير حرام، كمن يتناول قدح جلاب لمن يشربه ظانا أن خمر، فإنه يكون معينا له على المعصية، ونظبر هذا لو تبايع رجلان وقت النداء، أحدهما تلزمه الجمعة، والثاني لا تلزمه، وفيها وجهان: الصحيح المنصوص أنه يحرم عليهما، والثاني يحرم على الذي يلزمه، وتكره للآخر.

стр. 100

لكن مسألتنا أخف، فإن التحريم في البيع على من تلزمه الجمعة معلوم عندنا وعنده، وتحريم الشطرنج غير معلوم عندنا وعنده، وإنما الحرام فعله مع اعتقاد حرمته، وهذا لم تحصل المعاونة عليه، إنما حصلت على بعضه. وهذه دقيقة ينبغي أن يتنبه لها، وهي أن المشهور أن يقال المحرم عليه انتهاك الحرمة والجرأة، وهذه العبارة التي حررناها من أن المحرم مجموع الفعل مع الاعتقاد أنصع في المعنى، وأبين وأحسن، وأسلم عن الاعتراض، وأقرب إلى الفهم، وبها يحصل الفرق، ويتوقف في القول بالتحريم. ويقال: ينبغي أن يقال: إنها أولى بالجواز، لأن الإنكار على المجموع الصادر منه، والمعاونة إنما هي على بعضه. ومن ذلك يخرج وجهان مطلقا من غير ترتيب، وإذا سألت عن الأرجح منهما، فاعلم أن الأرجح عندي منهما من حيث ذات الفعل عدم التحريم لما ذكرت لكن يبقى شيء آخر، وهو أن مجالسة العاصي معصية، واللاعب المعتقد للتحريم عاص بالمجموع، فتحريم مجالسته سواء لعب معه أم لم

стр. 101

يلعب؟ ذلك يمنعنا من إطلاق جواز اللعب معه لئلا يفهم عن خلاف ما نريد. فائدة: قال الغزالي في الإحياء: الصغيرة تكبر المواظبة كما أن المباح يصير صغيرة بالمواظبة، كاللعب بالشطرنج والترنم بالغناء على الدوام، وغيره. وهذا الذي قاله الغزالي في المباح غريب ينظر فيه، فإن كلام الفقهاء يأباه، ولعل مراده بالنسبة إلى رد السهادة، هو قد قال: إن الشهادة / ترد بكل الذنوب إلا ما لا يخلو الإنسان عنه غالبا، بضرورة مجاري العادات. أما كون الصغيرة، تكبر بالمواظبة فلا شك فيه، بل تكبر كما قال الحليمي إذا جمعت وجهين أو أوجها من التحريم، كقبلة المحرم، أو حليلة الجار

стр. 102

أو الأجنبية على سبيل القهر والإكراه، وكذا قال القاضي حسين في القبلة، واللمس، والمفاخذة مع حليلة الجار والقريبة.

стр. 103

المسألة العاشرة قال: في (الإشراف على غوامض الحكومات) لو ادعى الابن على الأب، أنه بلغ رشيدا، وذلب فك الحجر عنه، وأنكر الأب لم يحلف. قال: ويحتمل أن يخرج وجه آخر أنه يحلف، لأن الحلف يستخرج منه الإقرار، وهو أقر برشده انعزل عن الولاية، فكان للتحليف فائدة. انتهى. ونقله الشبخ رحمه اله في الكفاية، ولم يزد عليه. ما الذي يترجح في ذلك؟ فقد عمت البلوى من الآباء بدعوى بقاء الحجر على الأولاد، ولاسيما البنات .. وهل يفترق الحال بين أن بكون سبق من الوالد تصرف، فلا يقبل قول الأب في بقاء الحجر، بالنسبة إلى ذلك التصرف، لما فيه الإضرار بالغير أم لا فرق؟ ولو فرض تصديق الوالد في بقاء الحجر عليه، هل يؤثر في

стр. 104

إبطال ما صدر منه من التصرف أم لا فرق بين أن يوافق أو يخالف؟. والمسؤول إيضاح المسألة، وأقسامها، وبيان أحكامها آجركم الله. الجواب (الحمد لله) القول بأنه لا يحلف قول أبي عاصم العبادي الذي الإشراف كتابه ويحمتل أن يخرج وجه آخر، أنه يحلف، هو الهروي صاحب الإشراف. وحجة أبي عاصم، أن الرشد لا يثبت قول الأب، ولا فائدة لإقراره لو أقر، إلا المؤاخذة. وقد وجهه الهروي (في الإشراف) من وجهين، أحدهما أنه أمين ادعي عليه العزل، فلا يحلف كالقاضي، والوصي، والقيم.

стр. 105

والثاني: أن الرشد توقف عليه حقيقة بطريق الاختبار، فلا معنى للرجوع فيه إلى الإقرار، كمن كان بمكة وتيسرت عليه معاينة الكعبة /، لا يجوز له الاجتهاد في طلبها. انتهى. وأنا أوجه بشيء ثالث، وهو أن نظر الأب لمصلحة الولد، فليس الحجر على الولد حقا عليه، بل حق له، فدعواه على أبيه ليست بحق له، ولا بما ينفع في الحق، بل هو صفة كمال له، لا يثبت إلا بالبينة، ولو أقر بها الأب لم تثبت، وإنما يؤخذ في حق نفسه. ولو ادعى شخص حسبة ـ بعد توافق الأب والابن على الرشد ـ بأنه سفيه، كان حقا على القاضي أن يكشف عنه، فإن ثبت سفهه منعه من التصرف، وإن ثبت رشده مكنه، وإن جهل حاله، فيحتمل أن يقال: الأصل السفه، فلا يثبت الرشد إلا بيقين، ويحتمل أن يقال: الظاهر الرشد، لأنه الغالب من أحوال الكبار، وقد اتفق الأب والابن عليه. وفائدة هذا البحث، لو باع أو وقف ونحوه، وطلب من الحاكم الحكم بصة تصرفه، هل يتوقف على بينة برشده أو يحكم بالصحة حتى يتبين بالبينة سفهه؟ والأقرب الأول، وأن من شرط الحكم بالصحة ثبوت رشده، إذا

стр. 106

كان في محل الاحتمال. كما أن من شرط الحكم بالصحة ثبوت بلوغه، إذا كان في سن يحتمل البلوغ والصبا. وإذا علم أن دعواه على الأب ليست بحق. ولا بما ينفع في الحق، فقد خرجت عن الضابطين اللذين قدمنا ذكرهما في الحالف، فمقتضاها أنه لا يحلف، فينبغي القطع، بعدم تحليفه، كما لو ادعى على الوصي، والقيم العزل، وأما الاحتمال الذي ذكره الهروي صاحب الإشراف نفسه فقد صرح بأنه على مقتضى قو أبي حامد، وقد كان قدم عنه قبل ذلك بورقتين، أن الذي (يقتضيه) مذهب الشافعي، أن القاضي يحلف كالمودع، إذا ادعى عليه الخيانة. وقد علم كل أحد أن قول الشيخ أبي حامد في هذا ضعيف، لأن المودع

стр. 107

مؤتمن، من جهة المودع، والمودع بشر، يجوز أن يستأمن شخصا في وقت، ثم يستخونه في وقت فيطلب يمينه، والقاضي مؤتمن، من جهة الشرع فليس كغيره أن يدعي خيانته. والرافعي لما نقل عن الشيخ أبي حامد ما صرح القاضي وإنما قال عن الشيخ أبي: أن قياس المذهب التحليف في جميع ذلك كسائر الأمناء إذا ادعيت خيانته، ونحن نمنع أن قياس المذهب ذلك، وقد بان الفرق. وقد بان بهذا أن ما قاله أبو عاصم العبادي هو الصحيح وأن الاحتمال لا وجه له، ووجه عموم البلوى بدعوى الآباء بقاء الحجر لا يبالى به، لأن الاختبار والبينة تنجي منه، بل أقول: إن الأب إذا باع عقار ابنه البالغ، الكبير، الذي هو في مظنة الرشد، وطلب من القاضي الحكم بصحة بيعه، ينبغي أن يتوقف على قيام بينة عنده بسفهه، وإن كنا بنفيه يتصرف، ولا يتعرض له تمسكا بالأصل، لكن الحكم بالصحة ينبغي أن

стр. 108

يحتاط له. ولا فرق بين أن يكون سبق من الود تصرف أم لا؟ فإن قول الأب في دعواه الحجر يعضده الأصل، وذريق الولد ومن عامله إقامة البينة على الرشد، وتصديق الولد للوالد في بقاء الحجر بعد صدور التصرف المتعلق بالغير لا أثر له، لأن تصرفه يكذبه، لكن إذا ادعى الأب الحجر، تمسكا بالأصل قبل قوله، وكان كافيا في إبطال التصرف السابق، إلا أن يقيم المشتري بينة برشده، حين التصرف، سواء ادعى الولد الرشد أو الحجر. والله أعلم.

стр. 109

المسألة الحادية عشرة حكى الإمام البيهقي ﵀ في كتابه شعب الإيمان، عن الإمام الحليمي ﵀، أنه قال: إذا قلنا بإباحة الدف فإنما يجوز تعاطيه للنساء خاصة. هل الأمر كذلك عند الأصحاب أم هذا وجه في المسألة؟ فقد وقع السؤال عن ذلك، والمتبادر أنه لا فرق بين الفريقين. وقد سمع المملوك أن ما ذهب إليه الحليمي مذهب الإمام أحمد فلعله اختاره.

стр. 110

الجواب (الحمد لله) قد روى مسلم ﵀ في صحيحه، من حديث أبي معاوي عن هشام بن عروة بن أبيه
следующие страницы →