من حياة البلاد والعباد والشجر والدواب. وأن تلك الظلمات التي فيه، وذلك الرعد والبرق مقصود لغيره، وهو وسيلة إلى كمال الانتفاع بذلك الصيب، فالجاهل لفرط جهله يقتصر على الإحساس بما في الصيب من ظلمة ورعد وبرق ولوازم ذلك من بردٍ شديد، وتعطلِ (١) مسافر عن سفره، وصانع عن صنعته؛ ولا بصيرة له تنفذ إلى ما يؤول إليه أمر ذلك الصيب من الحياة والنفع العام.
وهكذا شأن كل قاصر النظر ضعيف العقل لا يجاوز نظرهُ الأمر المكروه الظاهر إلى ما وراءه من كل (٢) محبوب.
وهذه حال أكثر الخلق إلا من صحَّت بصيرته، فإذا رأى ضعيف البصيرة ما في الجهاد من [ب/ق ٩ ب] التعب (٣) والمشاق والتعرض لِتَلاف المهجة، والجراحات الشديدة، وملامة اللوام، ومعاداة من يخاف معاداته= لم يقْدِم عليه؛ لأنه لم يشهد ما يؤول إليه من العواقب الحميدة، والغايات التي إليها تسابق (٤) المتسابقون، وفيها تنافس المتنافسون.
стр. 107
وكذلك من عزم على سفر الحج إلى البيت الحرام فلم يعلم (١) من سفره ذلك إلا مشقة السفر، ومفارقة الأهل والوطن، ومقاساة الشدائد، وفراق المألوفات، ولا يجاوز نظره وبصيرته آخر ذلك السفر ومآله وعاقبته= فإنه لا يخرج إليه ولا يعزم عليه.
وحال هؤلاء حال ضعيف البصيرة والإيمان، الذي يرى ما في القرآن من الوعد والوعيد والزواجر والنواهي والأوامر الشاقة على النفوس التي تفطمها عن رضاعها من ثدي المألوفات والشهوات
ـ والفطام على الصبي أصعب شيء وأشقه ـ والناس كلهم صبيان العقول إلا مَن بلغ مبالغ الرجال العقلاء الألباء، وأدرك الحق علمًا وعملًا ومعرفة، فهو الذي ينظر إلى ما وراء الصيِّب، وما فيه من الرعد والبرق والصواعق، ويعلم أنه حياة الوجود.
وقال (٢) الزمخشري: «لقائل أن يقول: شبَّه دين الإسلام بالصيب؛ لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يتعلق به من شَبَهِ الكفار بالظلمات، وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق، وما يصيب الكفرة من الأفزاع والبلايا والفتن [ظ/ق ٨ ب] من جهة أهل الإسلام بالصواعق، والمعنى: أو كمثل ذوي صيِّب. والمراد: كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة، فلقوا منها ما لقوا».
стр. 108
قال: «والصحيح الذي عليه علماء البيان (١) لا يتخطَّونه: أنَّ المثَلَين (٢) جميعًا من جهة التمثيلات المتركبة دون المفرقة، لا يُتكلف لواحدٍ واحدُ شيءٍ يقدر شبهه به، وهذا (٣) القول الفحل، والمذهب الجزل. بيانه: أن العرب تأخذ أشياء فرادى، معزولًا بعضها من بعض، لم يأخذ هذا بحجزةِ ذاك فتشبهها بنظائرها، كما جاء في القرآن، حيث شبَّه كيفية حاصلة من مجموع أشياء [ب/ق ١٠ أ] قد تضامَّت وتلاصقت حتى عادت شيئًا واحدًا= بأخرى مثلها، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ... ﴾ [الجمعة/ ٥]، الغرض تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوراة وآياتها الباهرة بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة، وتساوي الحالتين (٤) عنده من حمل أسفار الحكمة وحمل ما سواها من الأحمال، ولا يشعر بذلك إلا بما يمر بدفيه (٥) من الكدِّ والتعب.
وكقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ... ﴾ الآية [الكهف/٤٥]،
стр. 109
المراد قلة بقاء زهرة الدنيا كقلة بقاء هذا النبات (١)، فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوطٍ بعضها ببعض وتصييرها (٢) شيئًا واحدًا فلا.
كذلك لمَّا وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة شُبِّهتْ حيرتهم وشدة الأمر عليهم بما يكابد مَن طَفئت ناره بعد إيقادها في ظلمة الليل، وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق».
قال: «فإن قلت: أي (٣) المَثَلَين (٤) أبلغ؟ قلت: الثاني، لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته، ولذلك أُخِّر، وهم يتدرجون في مثل هذا من الأهون إلى الأغلظ. اهـ (٥).
قلت (٦): الناس في الهدى الذي بعث الله تعالى به رسوله ﷺ أربعة أقسام، قد اشتملت عليهم هذه الآيات، من أول السورة إلى هاهنا:
القسم (٧) الأول: قبلوه (٨) ظاهرًا وباطنًا، وهم نوعان: أحدهما أهل
стр. 110
الفقه فيه والفهم والتعليم، وهم الأئمة الذين عقلوا عن الله تعالى كتابه وفهموا مراده، وبلغوه إلى الأمة، واستنبطوا أسراره وكنوزه، فهؤلاء مثل الأرض الطيبة التي قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فرعى الناس فيه ورعت أنعامهم، وأخذوا من ذلك الكلأ الغذاء [ظ/ق ٩ أ] والقوت والدواء وسائر ما يصلح لهم.
النوع الثاني: حفظوه وضبطوه وبلَّغوا ألفاظه إلى الأُمة، فحفظوا عليهم النصوص، وليسوا من أهل الاستنباط والفقه (١) في مراد الشارع [ب/ق ١٠ ب]، فهم أهل حفظٍ وضبطٍ وأداء لِمَا سمعوه، والأولون أهل فهم وفقه واستنباط وإثارةٍ لدفائنه وكنوزه، وهذا النوع الثاني بمنزلة الأرض التي أمسكت الماء للناس فوردوه وشربوا منه وسقوا منه أنعامهم وزرعوا به.
فصل
القسم الثاني: من ردَّه ظاهرًا وباطنًا، وكفر به ولم (٢) يرفع به رأسًا.
وهؤلاء أيضًا نوعان:
أحدهما: عرفه وتيقَّن صحته وأنه حق، ولكن حمله الحسد والكبر
стр. 111
وحب الرياسة والمُلْك والتقدم بين قومه على جحده ودفعه بعد البصيرة واليقين.
النوع الثاني: أتباع هؤلاء الذين يقولون: هؤلاء ساداتنا وكبراؤنا، وهم أعلم منا بما يقبلونه وما يردونه، ولنا أسوة بهم، ولا نرغب بأنفسنا عن أنفسهم، ولو كان حقًّا لكانوا هم أهله وأولى بقبوله. وهؤلاء بمنزلة الدواب والأنعام، يُساقون حيث يسوقهم راعيهم، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة/١٦٦، ١٦٧].
وقال تعالى فيهم: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَثِيرًا (١)﴾ [الأحزاب/٦٦ ـ ٦٨].
وقال تعالى فيهم: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ
стр. 112
(٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر/٤٧، ٤٨].
وقال فيهم: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [ص/٥٧ ـ ٦٠].
أي: سننتموه لنا وشرعتموه ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ فقولهم: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾ أي: داخلوها كما دخلناها، ومقاسون عذابها كما نقاسيه، فأجابهم الأتباع وقالوا: ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ [ب/ق ١١ أ] لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾.
وفي الضمير قولان:
أحدهما: أنه ضمير الكفر والتكذيب ورد قول الرسول (١) ﷺ واستبدال غيره به، والمعنى [ظ/ق ٩ ب] أنتم زينتم (٢) لنا الكفر، ودعوتمونا إليه وحسنتموه لنا.
وقيل على هذا القول: إنه قول الأمم المتأخرين للمتقدمين،
стр. 113
والمعنى على هذا: أنتم شرعتم (١) لنا تكذيب الرسل، ورد ما جاءوا به، والشرك بالله وبدأتم به، وتقدمتمونا إليه فدخلتم النار قبلنا فبئس القرار، أي: بئس المستقر والمنزل.
والقول الثاني: إن الضمير في قوله: ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ ضمير العذاب وصلي النار. والقولان متلازمان وهما حق.
وأما القائلون ﴿رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ [ص/٦١]، فيجوز أن يكون (٢) الأتباع دعوا على سادتهم وكبرائهم وأئمتهم به، لأنهم الذين حملوهم عليه ودعوهم إليه.
ويجوز أن يكون (٣) جميع أهل النار سألوا ربهم أن يزيد من سنّ لهم الشرك وتكذيب الرسل صلى الله عليهم وسلم ضِعفًا (٤)، وهم الشياطين.
فصل
القسم الثالث: الذين قبلوا ما جاء به الرسول ﷺ وآمنوا به ظاهرًا وجحدوه وكفروا به باطنًا، وهم: المنافقون، الذين ضُرب لهم هذان
стр. 114
المثلان بمستوقد النار وبالصيب، وهم أيضًا نوعان:
أحدهما: من أبصر ثم عمي، وعرف (١) ثم جهل وأقرَّ ثم أنكر، وآمن ثم كفر، فهؤلاء رؤوس أهل النفاق وساداتهم وأئمتهم، ومثلهم مثل من استوقد نارًا، ثم حصل بعدها على الظلمة.
والنوع الثاني: ضعفاء البصائر، الذين أعشى بصائرهم ضوء البرق، فكاد أن يخطفها لضعفها وقوته، وأصم آذانهم صوت الرعد، فهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق، ولا (٢) يقربون من سماع القرآن والإيمان؛ بل يهربون منه، ويكون حالهم حال من يسمع الرعد الشديد، فمن شدة خوفه منه يجعل أصابعه في أذنيه (٣).
وهذه حال كثير من خفافيش البصائر، في كثير من نصوص الوحي؛ إذا وردت عليه مخالفةً لما تلقَّاه عن أسلافه وذوي مذهبه، ومن يحسن به الظن، ورآها مخالفة لما عنده عنهم= هرب من النصوص، وكره من يُسمعه إياها، ولو أمكنه لسدَّ أُذنيه عند [ب/ق ١١ ب] سماعها، ويقول: دعْنا من هذه. ولو قَدَرَ لعاقَبَ من يتلوها (٤) ويحفظها وينشرها ويعلمها، فإذا ظهر له منها ما يوافق ما عنده مشى فيها وانطلق، وإذا جاءت بخلاف
стр. 115
ما عنده أظلمت عليه، فقام حائرًا لا يدري أين يذهب، ثم يعزم له التقليد وحسن الظن برؤسائه وسادته على اتباع ما قالوه دونها، ويقول المسكين الحال: هم أخبر بها منِّي وأعرف.
فيالله العجب! أوليس أهلها والذَّابون عنها والمنتصرون لها والمعظِّمون لها والمخالفون [ظ/ق ١٠ أ] لأجلها آراء الرجال، المقدمون لها على ما خالفها= أعرفَ بها أيضًا منك وممن اتبعته؟ فلِمَ كان من خالفها وعزلها عن اليقين، وزعم أن الهدى والعلم لا يُستفاد منها، وأنها أدلة لفظية لا تفيد شيئًا من اليقين، ولا يجوز أن يحتج بها على مسألة واحدة من مسائل التوحيد والصفات، ويسميها الظواهر النقلية، ويسمي ما خالفها القواطع العقلية، فلِمَ كان هؤلاء أحق بها وأهلها، وكان أنصارها والذابون عنها والحافظون لها هم أعداءها ومحاربيها؟!
ولكن هذه سنة الله في أهل الباطل: أنهم يعادون الحق وأهله، وينسبونهم إلى معاداته ومحاربته، كالرافضة الذين عادوا أصحاب محمد ﷺ ؛ بل (١) وأهل بيته، ونسبوا أتباعه وأهل سنته إلى معاداته (٢)، ومعاداة أهل بيته، ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال/٣٤].
стр. 116
والمقصود أن هؤلاء المنافقين صنفان: أئمة وسادة يدعون إلى النار، وقد مردوا على النفاق. وأتباع لهم بمنزلة الأنعام والبهائم، فأولئك زنادقة مستبصرون، وهؤلاء زنادقة مقلدون.
فهؤلاء أصناف بني آدم في العلم والإيمان، لا يجاوز هذه السُّنة؛ اللهم إلا من أظهر الكفر وأبطن الإيمان، كحال المستضعف بين الكفار، الذي تبين له الإسلام ولم يمكنه (١) المجاهرة بخلاف قومه، ولم يزل هذا الضرب في الناس على عهد رسول الله ﷺ وبعده، وهؤلاء عكس المنافقين من كل وجه.
وعلى هذا فالناس: إما مؤمن ظاهرًا وباطنًا، وإما كافرًا ظاهرًا وباطنًا، أو مؤمن ظاهرًا كافر باطنًا، وإما كافر ظاهرًا مؤمن باطنًا.
والأقسام الأربعة قد اشتمل عليها الوجود، وقد بين القرآن أحكامها: فالأقسام الثلاثة الأُول ظاهرة، وقد اشتملت عليها أول سورة البقرة.
وأما القسم الرابع: ففي (٢) قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ [الفتح/ ٢٥]، فهؤلاء كانوا يكتمون إيمانهم
стр. 117
في قومهم ولا يتمكَّنون (١) من إظهاره، ومن هؤلاء مؤمن آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه، ومن هؤلاء النجاشي الذي صلى عليه رسول الله ﷺ ، فإنه كان ملك النصارى بالحبشة (٢)، وكان في الباطن مؤمنًا.
وقد قيل: إنه وأمثاله الذين عناهم الله بقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران/ ١٩٩].
وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ [ظ/ق ١٠ ب] بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران/ ١١٣، ١١٤]، فإن هؤلاء ليس المراد بهم: المتمسكَ باليهودية والنصرانية بعد بعث محمد ﷺ قطعًا، فإن هؤلاء قد شهد لهم بالكفر وأوجب لهم النار، فلا يُثْنى عليهم بهذا الثناء.
وليس المراد به: مَن آمن مِن أهل الكتاب ودخل في جملة المؤمنين وباين قومه، فإن هؤلاء لا يطلق عليهم أنهم من أهل الكتاب؛ إلا باعتبار ما كانوا عليه، وذلك الاعتبار قد زال بالإسلام واستحدثوا اسم المسلمين والمؤمنين، وإنما يطلق الله سبحانه هذا الاسم على من
стр. 118
هو باقٍ على دين أهل الكتاب، هذا هو المعروف في القرآن، كقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران/ ٧٠].
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ [آل عمران/ ٦٤].
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ ... ﴾ الآية [آل عمران/ ٦٥].
﴿ ... وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ... ﴾ الآية [البقرة/ ١٤٤]، ونظائره.
ولهذا قال جابر بن عبد الله (١)، وعبد الله بن عباس (٢)، وأنس بن مالك (٣)،
والحسن، وقتادة: إن قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
стр. 119
لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ ... ﴾ الآية [آل عمران/ ١٩٩] أنها نزلت في النجاشي [ب/ق ١٢ ب].
زاد الحسن (١) وقتادة (٢): «وأصحابه».
وذكر ابن جرير في «تفسيره»: من حديث أبي بكر الهذلي عن قتادة عن ابن المسيب عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اخرجوا فصلوا على أخٍ لكم»، فصلى بنا فكبر أربع تكبيرات، فقال: «هذا
стр. 120
النجاشي أصحمة»، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم يره قط. فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ... ﴾ الآية (١).
والمقصود أن الأقسام الأربعة قد ذكرها الله تعالى في كتابه، وبيَّن أحكامها في الدنيا وأحكامها في (٢) الآخرة، وقد تبين أن أحد الأقسام من آمن ظاهرًا وكفر باطنًا، وأنهم نوعان: رؤساؤهم وساداتهم، وأتباعهم ومقلدوهم، وعلى هذا فأصحاب المَثَل الأول النَّاري شرٌّ من أصحاب المثل الثاني المائي؛ كما يدل السياق عليه، وقد يقال ـ وهو أولى ـ إن المثلين لسائر النوع، وإنهم قد جمعوا بين مقتضى المثل الأول من الإنكار بعد الإقرار، والحصول في الظلمات بعد النور، وبين مقتضى المثل الثاني من ضعف البصيرة في القرآن، وسد الآذان عند سماعه والإعراض عنه، فإن المنافقين فيهم هذا وهذا، وقد يكون الغالب على فريق منهم المثل الأول، وعلى فريق المثل الثاني.
стр. 121
فصل
وقد اشتمل هذان المثلان على حِكَمٍ عظيمة:
منها: أن المستضيء [ظ/ق ١١ أ] بالنار مستضيء بنور من جهة غيره لا من قِبَلِ نفسه، فإذا ذهبت تلك النار بقي في ظلمة، وهكذا المنافق لمَّا أقر بلسانه من غير اعتقادٍ ومحبةٍ بقلبه وتصديق جازم كان ما معه من النور كالمستعار.
ومنها: أن ضياء النار يحتاج في دوامه إلى مادة تحمله، وتلك المادة للضياء بمنزلة غذاء الحيوان؛ فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة من العلم النافع والعمل الصالح يقوم (١) به ويدوم بدوامها، فإذا ذهبت مادة الإيمان طفئ، كما تطفأ النار بفراغ مادتها.
ومنها: أن الظلمة نوعان: ظلمة مستمرة لم يتقدمها نور، وظلمة حادثة بعد النور، وهي أشد الظلمتين وأشقُّهما على من كانت حظّه. وظلمة المنافق ظلمة بعد إضاءة، فمُثِّلت حاله بحال المستوقد للنار (٢) الذي حصل في الظلمة بعد الضوء، وأما (٣) الكافر (٤) فهو في الظلمات
стр. 122
لم يخرج منها قط.
ومنها: أن [ب/ق ١٣ أ] في هذا المثل إيذانًا وتنبيهًا على حالهم في الآخرة، وأنهم يعطون نورًا ظاهرًا كما كان نورهم في الدنيا ظاهرًا، ثم يطفأ ذلك النور أحوج ما يكونون (١) إليه، إذ لم تكن له مادة باقية تحمله ويبقون في الظلمة على الجسر (٢) لا يستطيعون العبور، فإنه لا يمكن أحدًا عبوره إلا بنورٍ ثابت يصحبه حتى يقطع الجسر فإن لم يكن لذلك النور مادة من العلم النافع والعمل الصالح وإلا (٣) ذهب الله تعالى به أحوج ما كان (٤) إليه صاحبه، فطابق مَثَلهم في الدنيا بحالهم (٥) التي هم عليها في هذه الدار، وبحالهم يوم القيامة عندما تُقْسم الأنوار دون الجسر، ويثبت نور المؤمنين ويطفأ نور المنافقين.
ومن هاهنا تعلم السِّرَّ في قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة/١٧]، ولم يقل: أذهب الله نورهم، فإن أردت زيادة بيان وإيضاح فتأمل ما رواه
стр. 123
مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ ــ وقد سُئل عن الورود ــ فقال: نجيء نحن يوم القيامة على تلٍّ (١) فوق الناس قال: فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا ﵎ بعد ذلك، فيقول من تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا، فيقول: أنا ربكم، فيقولون حتى ننظر إليك، فيتجلَّى لهم يضحك، قال: فينطلق بهم ويتبعونه، ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورًا، ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله تعالى، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون، فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفًا لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء، ثم كذلك، ثم تحل الشفاعة ويشفعون حتى يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله [ظ/ق ١١ ب]، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، فيُجعلون بفناء الجنة، ويجعل أهل الجنة يرشُّون عليهم الماء (٢)، وذكر باقي الحديث.
فتأمَّل قوله: «فينطلق بهم ويتبعونه، ويعطى كل إنسان منهم نورًا المنافق والمؤمن»، ثم تأمَّل قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾.
وتأمل حالهم إذا طفئتْ أنوارهم فبقوا في الظلمة، وقد ذهب
стр. 124
المؤمنون في نور إيمانهم يتبعون ربهم عزوجل.
وتأمل قوله ﷺ في حديث الشفاعة: «لِتَتْبع كل أُمة ما كانت تعبد» (١) فيتبع كل (٢) مشرك إلهه الذي [ب/ق ١٣ ب] كان يعبده، والموحد حقيق بأن يتبع إلهه (٣) الإله الحق، الذي كل معبود سواه باطل.
وتأمل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم/٤٢]، وذِكْرَ هذه
الآية في حديث الشفاعة في هذا الموضع، وقوله في الحديث: «فيكشف عن ساقه» (٤). وهذه الإضافة تُبيِّن المراد بالساق المذكورة
في الآية.
وتأمل ذكر الانطلاق واتباعه سبحانه بعد هذا وذلك؛ يفتح لك بابًا من أسرار التوحيد وفهم القرآن، ومعاملة الله لأهل توحيده الذين عبدوه وحدهم ولم يشركوا به شيئاً، هذه المعاملة التي
стр. 125
عامل بمقابلها أهل الشرك، حيث ذهبت كل أمة مع معبودها؛ فانطلق بها واتبعته إلى النار، وانطلق المعبود الحق واتبعه أولياؤه وعابدوه، فسبحان الله رب العالمين الذي قرَّت عيون أهل التوحيد به في الدنيا والآخرة، وفارقوا الناس فيه (١) أحوج ما كانوا إليهم.
ومنها: أن المثل الأول متضمن لحصول الظلمة التي هي: الضلال والحيرة التي ضدّها الهدى، والمثل الثاني متضمن لحصول الخوف الذي ضدّه الأمن، فلا هدى ولا أمن: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام/٨٢]، قال ابن عباس (٢) وغيره (٣) من السلف: «مثل هؤلاء في نفاقهم، كمثل رجل أوقد نارًا في ليلةٍ مظلمةٍ في مفازة، فاستدفأ ورأى ما حوله فاتقى مما يخاف، فبينما (٤) هو كذلك إذ طَفئت (٥) ناره فبقي في ظلمة خائفًا متحيرًا، كذلك المنافقون بإهار كلمة الإيمان أمِنُوا على أموالهم وأولادهم،
стр. 126
وناكحوا المؤمنين ووارثوهم، وقاسموهم الغنائم، فذلك نورهم فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف».
قال مجاهد: «إضاءة النار لهم إقبالهم على المسلمين (١) والهدى، وذهاب نورهم إقبالهم إلى المشركين والضلالة» (٢).
وقد فُسِّرت تلك الإضافة وذهاب النور بأنها في الدنيا. وفُسِّرت بالبرزخ. وفُسِّرت بيوم القيامة. والصواب أنَّ ذلك شأنهم في الدور الثلاثة، فإنهم لمَّا كانوا كذلك في الدنيا جُوزوا [ظ/ق ١٢ أ] في البرزخ وفي القيامة بمثل حالهم، ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ/٢٦] ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت/٤٦]، فإن المعاد يعود على العبد فيه ما كان حاصلًا له في الدنيا، ولهذا يُسمى يوم الجزاء، ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي [ب/ق ١٤ أ] الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء/٧٢]، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ الآية [مريم/٧٦].
ومن كان مستوحشًا مع الله بمعصيته إياه في هذه الدار فوحشته معه في البرزخ، ويوم المعاد أعظم وأشد. ومن قَرَّتْ عينه به في الحياة
стр. 127
الدنيا قرت عينه به يوم لقائه (١) عند الموت ويوم البعث. فيموت العبد على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه، ويعود عليه عمله بعينه فينعم به ظاهرًا وباطنًا، أو يعذب به ظاهرًا وباطنًا، فيعود عليه حكم العمل الصالح باطنًا فيورثه من الفرحة والسرور واللذة والبهجة (٢) والنعيم وقوة القلب واستبشاره وحياته وانشراحه واغتباطه= ما هو أفضل النعيم وأجلّه وأطيبه وألذه، وهل النعيم إلا طيب النفس وفرحة القلب وسروره وانشراحه واستبشاره. هذا وينشأ له من أعماله ما تشتهيه نفسه وتلذه عينه من سائر المشتهيات التي تشتهيها الأنفس وتلذها الأعين، ويكون تنوع تلك المشتهيات وكمالها وبلوغها مرتبة الحسن والموافقة بحسب كمال عمله ومتابعته فيه وإخلاصه وبلوغه مرتبة الإحسان فيه، وبحسب تنوعه، فمن تنوعت أعماله المرضية لله المحبوبة له في هذه الدار تنوعت الأقسام التي يلتذُّ (٣) بها في تلك الدار، وتكثرت له بحسب تكثر (٤) أعماله هنا، وكان مزيده بتنوعها والابتهاج بها والالتذاذ بنيلها هناك على حسب مزيده من الأعمال وتنوعه فيها في هذه الدار.
стр. 128
وقد جعل الله سبحانه لكل عمل من الأعمال المحبوبة له والمسخوطة أثرًا وجزاء ولذة وألمًا يخصه، لا يشبه (١) أثر الآخر وجزاؤه، ولهذا تنوعت لَذَّات أهل الجنة وآلام أهل النار، وتنوع ما فيهما من الطيبات والعقوبات، فليست لذة من ضَرَبَ في كل مرضاةٍ لله (٢) بسهم وأخذ (٣) منها بنصيب كَلَذَّة من أنمى سهمه ونصيبه في نوعٍ واحدٍ منها، ولا ألمُ من ضرَب في كل مسخوط لله بنصيب وعقوبته كألم من ضرب بسهمٍ واحدٍ من مساخطه.
وقد أشار النبي ﷺ إلى أن كمال ما يُستمتع به من الطيبات في الآخرة بحسب كمال ما قابله من الأعمال في الدنيا، فرأى قنوًا من حشف معلقًا في المسجد للصدقة، فقال: «إن صاحب هذا يأكل الحشف يوم القيامة» (٤)، فأخبر أن جزاءه [ظ/ق ١٢ ب] يكون من جنس
стр. 129
عمله، فيجزى على تلك [ب/ق ١٤ ب] الصدقة بحشف من جنسها.
وهذا الباب يفتح لك أبوابًا عظيمة من فهم المعاد، وتفاوت الناس في أحواله، وما يجري فيه من الأمور المتنوعة:
فمنها: خِفَّة حمل العبد على ظهره وثقله إذا قام من قبره، فإنه بحسب خِفَّة وزره وثقله، إنْ خفَّ خف، وإن ثقلَ ثقل.
ومنها: استظلاله بظل العرش، أو ضحاؤه للحرِّ (١) والشمس، إن كان له من الأعمال الصالحة الخالصة والإيمان ما يظله في هذه (٢) الدار من حرِّ الشرك والمعاصي والظلم استظل هناك في ظل أعماله تحت عرش الرحمن، وإن كان ضاحيًا هنا للمناهي (٣) والمخالفات والبدع والفجور ضَحَى هناك للحرِّ الشديد.
ومنها: طول وقوفه في الموقف ومشقَّته عليه وتهوينه؛ إن طال وقوفه في الصلاة ليلًا ونهارًا لله، وتحمَّل لأجله المشاق في مرضاته وطاعته= خفَّ عليه الوقوف ذلك اليوم وسهل عليه، وإن آثر الراحة (٤)
стр. 130
هنا والدَّعة والبطالة والنعمة طال عليه الوقوف هناك ذلك اليوم (١)، واشتدت مشقته عليه.
وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان/٢٣ ـ ٢٧]، فمن سَبَّح الله ليلاً طويلاً لم يكن ذلك اليوم ثقيلاً عليه، بل كان أخف شيء عليه.
ومنها: أن ثقل ميزانه هناك بحسب تحمل ثقل الحق في هذه الدار؛ لا بحسب مجرد كثرة (٢) الأعمال، وإنما يثقل الميزان باتباع الحق والصبر عليه، وبذله إذا سُئل وأخذه (٣) إذا بُذل، كما قال الصديق ﵁ في وصيته لعمر: «واعلم أن لله حقًّا بالليل لا يقبله بالنهار، وله حق بالنهار لا يقبله بالليل، واعلم أنه إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم (٤) الحق، وثقل ذلك عليهم في دار الدنيا، وحُقَّ لميزانٍ يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلًا. وإنما خفَّت موازين من خفت موازينه باتباعهم الباطل في دار الدنيا وخفَّته عليهم، وحُقَّ لميزان يوضع فيه
стр. 131
الباطل أن يكون خفيفًا ... » (١).
ومنها: أن ورود الناس الحوض وشربهم منه يوم العطش الأكبر [ب/ق ١٥ أ] بحسب ورودهم سنة رسول الله ﷺ وشربهم منها، فمن [ظ/ق ١٣ أ] وردها في هذه الدار وشرب منها وتضلَّع وَرَدَ هناك حوضه وشرب منه وتضلَّع، فَلَهُ ﷺ حوضان عظيمان، حوض في الدنيا وهو: سُنَّته وما جاء به، وحوض في الآخرة، فالشاربون من هذا الحوض في الدنيا هم الشاربون من حوضه يوم القيامة، فشارب ومحروم، ومستقل ومستكثر، والذين يذودونهم (٢) هو والملائكة عن حوضه يوم القيامة هم الذين كانوا يذودون أنفسهم وأتباعهم عن سنته ويؤثرون عليها غيرها، فمن ظمِئ من سنته في هذه الدنيا ولم يكن له منها شِرْبٌ فهو في الآخرة أشدُّ ظمأً وأحرُّ كبدًا، وإن الرجل ليلقى الرجل فيقول: يا فلان أشربت؟ فيقول: نعم والله، فيقول: لكني والله ما شربت، واعطشاه!.
стр. 132
فَرِدْ أيها الظمآن والورد ممكن ... فإن لم ترد فاعلم بأنك هالكُ
وإن لم يكن رضوان يسقيك شربة ... سيسقيكها إذ أنت ظمآن مالكُ (١)
وإن لم ترد في هذه الدار حوضه ... ستصرف عنه يوم يلقاك آنُكُ (٢)
ومنها: قسمة الأنوار في الظلمة دون الجسر، فإن العبد يُعطى من النور هناك بحسب قوة نور إيمانه ويقينه، وإخلاصه ومتابعته للرسول ﷺ في دار الدنيا.
فمنهم: من يكون نوره كالشمس، ودون ذلك كالقمر، ودونه كأشد كوكب في السماء إضاءةً. ومنهم: من يكون نوره كالسراج في قوَّته وضعفه وما بين ذلك. ومنهم: من يُعطى نورًا على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ أُخرى، بحسب ما كان معه من نور الإيمان في دار الدنيا، فهو هذا النور بعينه أبرزه الله لعبده في الآخرة ظاهرًا يُرى عيانًا بالأبصار، ولا يستضيء به غيره، ولا يمشي أحد إلا في نور نفسه، إن كان له (٣) نور مشى في نوره، وإن لم يكن له (٤) نور أصلًا لم ينفعه نور غيره.
ولمَّا كان المنافق في الدنيا قد حصل له نور ظاهر غير مستمرٍّ ولا متصل بباطنه، ولا له مادة من الإيمان أُعطي في الآخرة [ب/ق ١٥ ب] نورًا
стр. 133
ظاهرًا لا مادة له، ثم يُطفَى عنه أحوج ما كان إليه.
ومنها: أن مَشْيهم على الصراط في السرعة والبطء بحسب سرعة (١) سيرهم وبطئه على صراط الله المستقيم في الدنيا، فأسرعهم سيرًا هنا أسرعهم هناك، وأبطؤهم هنا أبطؤهم هناك.
وأشدهم ثباتًا على الصراط المستقيم هنا (٢) أثبتهم هناك، ومن خطفته (٣) كلاليب الشهوات والشبهات [ظ/ق ١٣ ب] والبدع المضلة هنا خطفته الكلاليب التي كأنها شوك السعدان هناك، ويكون تأثير الكلاليب فيه هناك على حسب تأثير كلاليب الشهوات والشبهات (٤) والبدع فيه هاهنا، فناجٍ مسلَّم، ومخدوش مسلَّم، ومخزول (٥) ـ أي: مقطَّع بالكلاليب ـ مكردس في النار كما أثرت فيهم تلك الكلاليب في الدنيا، جَزَاءً وِفَاقًا (٦) وما ربك بظلام للعبيد (٧).
стр. 134
والمقصود أن الله ﵎ ضرب لعباده المَثَلين (١) المائي والناري في سورة البقرة وفي سورة الرعد وفي سورة النور لِمَا تضمن المثلان من الحياة والإضاءة، فالمؤمن حي القلب مستنيره، والكافر والمنافق ميت القلب مظلمه، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام/ ١٢٢].
وقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر/١٩ ـ ٢٢] فجعل من اهتدى بهداه واستنار بنوره بصيرًا حيًّا في ظلٍّ يقيه من حرِّ الشبهات، والضلال والبدع والشرك مستنيرًا بنوره، والآخر أعمى ميتًا في حرِّ الكفر والشرك والضلال منغمسًا في الظلمات.
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى/٥٢].
وقد اختُلِف في مُفسِّر الضمير من قوله: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾:
стр. 135
فقيل: هو الإيمان (١) لكونه أقرب المذكورين.
وقيل: هو الكتاب (٢) فإنه النور الذي هدى به عباده.
قال شيخنا: والصواب أنه عائد على الروح المذكور في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ [الشورى/ ٥٢] أي: جعلنا ذلك الروح نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا، فسمَّى وحيه روحًا لِمَا يحصل به من حياة القلوب والأرواح، التي هي الحياة في الحقيقة، ومن عدمها فهو ميت لا حي، والحياة [ب/ق ١٦ أ] الأبدية السرمدية في دار النعيم هي ثمرة حياة القلب بهذا الروح الذي أُوحي (٣) إلى رسوله ﷺ ، فمن لم يَحْيَ به في الدنيا فهو ممن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا، وأعظم الناس حياة في الدور الثلاث: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار الجزاء= أعظمهم نصيبًا من هذه الحياة بهذا الروح.
وسمَّاه روحًا في غير موضع من القرآن، كقوله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر/ ١٥]، وقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ
стр. 136
يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ (١) أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل/ ٢].
وسمَّاه نورًا لما يحصل به من استنارة القلوب وإضاءتها [ظ/ق ١٤ أ]، وكمال الروح بهاتين الصفتين: بالحياة والنور، ولا سبيل إليهما إلا على أيدي الرسل صلوات الله وسلامه عليهم والاهتداء بما بُعثوا به، وتلقي العلم النافع والعمل الصالح من مِشْكاتهم، وإلا فالروح ميتة مظلمة. فإن (٢) كان العبد مشارًا إليه بالزهد والفقه والفضيلة والكلام والبحوث؛ فإن الحياة والاستنارة بالروح الذي أوحاه الله تعالى إلى رسوله ﷺ وجعله نورًا يهدي به من يشاء من عباده وراء ذلك كله، فليس العلم كثرة النقل والبحث والكلام؛ ولكن نور يميِّز به صحيح الأقوال من سقيمها، وحقَّها من باطلها، وما هو من مشكاة النبوة مما هو من آراء الرجال، ويميِّز النقد الذي عليه سكة المدينة النبوية الذي لا يقبل الله ثمنًا لجنته سواه من النقد الذي عليه سكَّة (٣) جنكيز خان ونوابه من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة. وكل من اتخذ لنفسه سكَّة وضربًا ونقدًا يروِّجه بين العالم فهذه الأثمان كلها زيوف، لا يقبل الله في ثمن جنته شيئًا منها، بل تُردُّ على عاملها أحوج ما يكون إليها، وتكون من الأعمال التي قَدِمَ الله
стр. 137
تعالى إليها (١) فجعلها هباءً منثورًا (٢)، ولصاحبها نصيب وافر من قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف/ ١٠٣، ١٠٤].
وهذا حال أرباب الأعمال التي كانت لغير الله ، أو على غير سنة رسول الله ﷺ ، وحال أرباب العلوم والأنظار التي لم يتلقوها عن مشكاة النبوة، ولكن تلقوها عن زبالة أذهان الرجال وكناسة أفكارهم [ب/ق ١٦ ب] فأتعبوا (٣) قواهم وأفكارهم وأذهانهم في تقرير آراء الرجال أو الانتصار لهم، وفَهْم ما قالوه وبثّه في المجالس والمحاضر، وأعرضوا عما جاء به الرسول ﷺ صفحًا.
ومن به رمق منهم يعيره أدنى التفات طلبًا للفضيلة. وأما تجريد اتباعه وتحكيمه، واستفراغ (٤) قوى النفس في طلبه وفهمه، وعرض آراء الرجال عليه، وردّ ما يخالفه (٥) منها، وقبول ما وافقه ولا يلتفت إلى شيء من آرائهم وأقوالهم (٦) إلا إذا أشرقت عليها شمس الوحي وشهد
стр. 138
لها بالصحة= فهذا أمر لا تكاد ترى أحدًا منهم يحدث به نفسه، فَضْلًا عن أن يكون آخيته ومطلوبه، وهذا الذي لا ينجي سواه، فوارحمتا لعبدٍ شقِيَ في طلب العلم، واستفرغ فيه قواه، واستنفد فيه أوقاته وآثره على ما الناس فيه، والطريق بينه وبين رسول الله ﷺ مسدود، وقلبه عن المرسل وتوحيده والإنابة إليه والتوكل عليه والتنعم بحبِّه والسرور بقربه مطرود ومصدود. قد طاف عمره كله على أبواب المذاهب، فلم يفز إلا بأخسِّ المطالب! (١) ـ إن هي والله إلا فتنة أعْمَت القلوب عن مواقع رشدها، وحيَّرت العقول عن طرق قصدها. تربَّى فيه الصغير، وهرم عليه الكبير، فظنت (٢) خفافيش الأبصار أنها الغاية التي تسابق إليها المتسابقون، والنهاية [ظ/ق ١٤ ب] التي تنافس فيها المتنافسون، وهيهات! أين الظلام من الضياء! وأين الثرى من كواكب (٣) الجوزاء! وأين الحرور من الظلال! وأين طريقة أصحاب اليمين من طريقة أهل (٤) الشمال! وأين القول الذي لم تضمن لنا عصمة قائله بدليل معلوم من النقل المصدق عن القائل المعصوم! وأين العِلْم الذي سَنَدُه محمد بن عبد الله ﷺ عن جبرائيل ﵇ عن رب العالمين
стр. 139
سبحانه وتعالى إلى (١) الخرص الذي سنده شيوخ أهل (٢)
الضلال من الجهمية والمعتزلة وفلاسفة المشَّائين! بل أين الآراء التي أعلى درجاتها أن تكون عند الضرورة سائغة الاتِّباع إلى النصوص النبوية الواجب على كل مسلم تحكيمها والتحاكم إليها في موارد النزاع! وأين الآراء التي نَهَى قائلها عن تقليده فيها وحذَّر إلى النصوص التي فُرِض على كل عبدٍ أن يهتدي بها ويتبصَّر!
وأين الأقوال والآراء التي إذا مات أنصارها والقائمون بها فهي من جملة الأموات [ب/ق ١٧ أ] إلى النصوص التي لا تزول إلا إذا زالت الأرض والسماوات!
لقد استبان ـ والله ـ الصبح لمن له عينان ناظرتان، وتبين الرشد من الغي لمن له أُذنان واعيتان، لكن عَصَفت على القلوب أهوية البدع والشبهات والآراء المختلفات، فأطفأت مصابيحها. وتحكَّمت فيها أيدي الشهوات، فأغلقت أبواب رشدها، وأضاعت مفاتيحها. وران عليها كسبها وتقليدها لآراء الرجال فلم تجد حقائق القرآن والسنة فيها منفذًا. وتمكَّنت فيها أسقام (٣) الجهل والتخبيط (٤)؛ فلم تنتفع معها بصالح الغذاء. واعجبا! جعلت غذاءها من هذه الآراء التي لا تسمن ولا
стр. 140
تغني من جوع، ولم تقبل الاغتذاء بكلام الله تعالى ونص نبيِّه المرفوع. واعجبا لها! كيف اهتدت في ظُلَم الآراء إلى التمييز بين الخطأ منها (١) والصواب، وعجزت عن الاهتداء بمطالع الأنوار ومشارقها من السنة والكتاب، فأقرَّتْ بالعجز عن تلقي الهدى والعلم من مشكاة السنة والقرآن، ثم تلقته من رأي فلان ورأي فلان!
فسبحان (٢) الله! ماذا حُرم المعرضون عن نصوص الوحي واقتباس الهدى من مشكاتها من الكنوز والذخائر، وماذا فاتهم من حياة القلوب واستنارة البصائر! قنعوا بأقوالٍ استنبطتها معاول الآراء فكرًا (٣)، وتقطَّعوا أمرهم بينهم لأجلها زُبرًا، وأوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا، فاتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجورًا.
درست معالم القرآن في قلوبهم فليسوا يعرفونها، ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها، ووقعت أعلامه بين (٤) أيديهم فليسوا يرفعونها، وأفلت كواكبه من آفاقهم فليسوا يبصرونها، وكسفت (٥) شمسه عند اجتماع ظلم آرائهم وعقدها فليسوا [ظ/ ق ١٥ أ] يثبتونها.
خلعوا نصوص الوحي عن سلطان الحقيقة، وعزلوها عن ولاية
стр. 141
اليقين، وشنُّوا عليها غارات التحريف بالتأويلات الباطلات (١)؛ فلا يزال يخرج عليها من جيوشهم المخذولة كَمِين بعد كمين. نزلت عليهم نزول الضيف على أقوام لئام، فعاملوها (٢) بغير ما يليق بها من الإجلال والإكرام. وتلقوها من بعيد ولكن بالدفع في صدورها والأعجاز، وقالوا: ما لَكَ عندنا من عبور، وإن كان [ب/ ق ١٧ ب] لا بد فعلى سبيل المجاز! أنزلوا النصوص منزلةَ الخليفة العاجز في هذه الأزمان، له السكة والخطبة وما له حكم نافذ ولا سلطان. حُرِموا والله الوصول بخروجهم عن منهج الوحي وتضييع الأصول، تمسَّكوا بأعجازٍ لا صدور لها فخانتهم أحرص ما كانوا عليها، وتقطعت بهم أسبابها (٣) أحوج ما كانوا إليها، حتى إذا بُعثر ما في القبور، وحصِّل ما في الصدور تميز (٤) لكل قوم حاصلهم الذي حَصَّلوه، وانكشفت (٥) لهم حقيقة ما اعتقدوه، وقَدِموا على ما قدَّموه، ﴿ ... وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر/ ٤٧]، وسقط في أيديهم عند الحصاد لما (٦) عاينوا غلة
стр. 142
ما بذروه، فيا شِدة الحسرة عندما يعاين (١) المبطل سعيه وكده هباءً منثورًا، ويا عظم المصيبة عندما تتبين بوارق آماله وأمانيه خُلَّبًا غرورًا!
فما ظن من انطوت سريرته على البدعة والهوى والتعصب للآراء بربه يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِر (٢)؟ وما عذر مَن نبَذ كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وراء ظهره في يوم لا ينفع فيه (٣) الظالمين المعاذر (٤)؟ أفيظن (٥) المُعرِض عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أن ينجو غدًا بآراء الرجال، أو (٦) يتخلَّص من مطالبة الله تعالى له بكثرة البحوث والجدال، أو ضروب الأقيسة وتنوع الأشكال، أو بالشطحات (٧) والإشارات وأنواع الخيال؟ هيهات! والله لقد ظن أكذب الظن، ومنَّته نفسه أبين المحال، وإنما ضمِنت النجاة لمن حكَّم هدى الله تعالى على غيره، وتزود التقوى، وأتمَّ بالدليل وسلك الصراط المستقيم، واستمسك من التوحيد واتباع الرسول ﷺ بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والله سميع عليم.
стр. 143
فصل
وملاك النجاة والسعادة والفوز بتحقيق التوحيدين اللذين عليهما مدار كتب (١) الله تعالى، وبتحقيقهما بعث الله رُسُلَه (٢) عليهم الصلاة والسلام وإليهما رغَّب (٣) الرسل صلوات الله وسلامه عليهم كلهم (٤)، من أولهم إلى آخرهم.
أحدهما: التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي المتضمن إثبات صفات الكمال لله تعالى، وتنزيهه فيها عن التشبيه والتمثيل، وتنزيهه عن صفات النقص.
والتوحيد الثاني: عبادته وحده لا شريك له، وتجريد محبته والإخلاص له وخوفه ورجاؤه والتوكل عليه والرضى به ربًّا وإلاهًا ووليًّا، وأن لا يجعل له عدلًا في شيء [ب/ق ١٨ أ] من الأشياء.
وقد جمع هذين النوعين من التوحيد في سورتي الإخلاص وهما: سورة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ المتضمنة للتوحيد العملي الإرادي، وسورة [ظ/ق ١٥ ب] ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ المتضمنة
стр. 144
للتوحيد الخبري العلمي (١).
فسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها بيان ما يجب لله تعالى من صفات الكمال، وبيان ما يجب تنزيهه من النقائص والأمثال. وسورة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فيها إيجاب عبادته وحده (٢)، والتَّبري من عبادة كل ما سواه.
ولا يتم أحد التوحيدين إلا بالآخر، ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ بهاتين السورتين في سنة الفجر (٣) والوتر (٤)، اللتين هما فاتحة العمل
стр. 145
وخاتمته، ليكون مبدأ النهار توحيدًا وخاتمته توحيدًا.
فالتوحيد العلمي الخبري له ضدَّان: التعطيل والتشبيه والتمثيل. فمن نفى صفات الرب وعطلها كذَّب تعطيلُه توحيدَه، ومن شَبَّهه بخلقه ومَثَّلَهُ بهم كذَّب تشبيهُه وتمثيلُه توحيده.
والتوحيد الإرادي العملي له ضدَّان أيضًا (١): الإعراض عن محبته والإنابة إليه والتوكل عليه، أو الإشراك به في ذلك، واتخاذ أولياء وشفعاء من دونه.
وقد جمع بين التوحيدين (٢) في غير موضع من