← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18632

اجتماع الجيوش الإسلامية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (604 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الذي لم يعقل عن الله ولا انقاد لما بُعث به رسوله ﷺ ، ولهذا يصف سبحانه هذا الضرب من الناس بأنهم أموات غير أحياء، وبأنهم في الظلمات لا يخرجون منها، ولهذا كانت الظلمة مستولية عليهم من (١) جميع جهاتهم، فقلوبهم مظلمة ترى الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، وأعمالهم مظلمة، وأقوالهم مظلمة، وأحوالهم كلها مظلمة (٢)، وقبورهم ممتلئة عليهم ظلمة. وإذا قُسمت (٣) الأنوار دون الجسر للعبور عليه بقوا في الظلمات، ومدخلهم في (٤) النار مُظلم، وهذه الظلمة هي التي خُلق فيها الخلق أوَّلًا، فمن أراد الله به السعادة أخرجه منها إلى النور، ومن أراد به الشقاوة تركه فيها، كما روى الإمام أحمد [ظ/ق ٢ أ] وابن حبان في "صحيحه" من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله خلقَ خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من (٥) نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول:

стр. 72

جفَّ القلم على علم الله" (١). وكان النبي ﷺ يسأل الله تعالى أن يجعل له نورًا في قلبه، وسمعه وبصره، وشعره وبشره، ولحمه وعظمه (٢) ودمه، ومن فوقه ومن تحته، وعن يمينه وعن شماله، وخلفه وأمامه، وأن يجعل ذاته نورًا (٣)، فطلب ﷺ النور لذاته ولأبعاضه ولحواسه (٤) الظاهرة والباطنة ولجهاته الست. وقال أُبيُّ بن كعب ﵁: "المؤمن مدخله نور، ومخرجه نور، وقوله نور، وعمله نور" (٥)، وهذا النور بحسب قوته وضعفه يظهر

стр. 73

لصاحبه يوم القيامة فيسعى بين يديه وبيمينه. فمن الناس من يكون نوره كالشمس، وآخر كالنجم، وآخر كالنخلة السحوق، وآخر دون ذلك حتى إن (١) منهم من يُعطى نورًا على رأس إبهام قدمه يضيء مرة ويطفئ أُخرى، كما كان نور إيمانه ومتابعته في الدنيا كذلك، فهو هذا بعينه يظهر هناك للحس والعيان. وقال : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ... ﴾ الآية [الشورى/٥٢].

стр. 74

فسمَّى وحيه وأمره روحًا؛ لِمَا يحصل (١) به من حياة القلوب والأرواح. وسمَّاه نورًا؛ لما يحصل به من الهدى واستنارة القلوب والفرقان بين الحق والباطل. وقد اختُلف في الضمير في قوله : ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ [الشورى/٥٢]. فقيل: يعود على الكتاب (٢). وقيل: على الإيمان. والصحيح أنه يعود على الروح في قوله: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾، فأخبر تعالى أنه جعل أمره روحًا ونورًا وهدى، ولهذا ترى صاحب اتباع (٣) الأمر والسنة قد كُسي من الروح والنور وما يتبعهما من الحلاوة والمهابة والجلالة والقبول ما قد حُرِمَه غيره، كما قال الحسن: "إن المؤمن رُزق حلاوة ومهابة" (٤). وقال جل وعلا: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ... ﴾ الآية [البقرة/ ٢٥٧].

стр. 75

فأولياؤهم يعيدونهم إلى ما خُلقوا فيه من ظلمة طبائعهم وجهلهم وأهوائهم، وكلما أشرق لهم نور النبوة والوحي وكادوا أن يدخلوا فيه منعهم أولياؤهم منه وصدُّوهم، فذلك إخراجهم إياهم من النور إلى الظلمات. وقال جل وعلا: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ... ﴾ الآية [الأنعام/١٢٢] فأحياه سبحانه [ظ/ق ٢ ب] وتعالى بروحه الذي هو وحيه، وهو روح الإيمان والعلم، وجعل له نورًا يمشي به بين أهل الظلمة كما يمشي الرجل بالسراج المضيء في الظلمة، فهو يرى أهل الظلمة في ظلماتهم وهم لا يرونه كالبصير الذي يمشي بين العميان. فصل والخارجون عن طاعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ومتابعتهم يتقلَّبون (١) في عشر ظلمات: ظلمة الطبع، وظلمة الجهل، وظلمة الهوى، وظلمة القول، وظلمة العمل، وظلمة المدخل، وظلمة المخرج، وظلمة القبر، وظلمة القيامة، وظلمة دار القرار، فالظلمة لازمة لهم في دورهم الثلاث.

стр. 76

وأتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يتقلبون في عشرة أنوار، ولهذه الأُمة ونبيها من النور ما ليس لأمة غيرها ولا لنبي غيره، فإن لكلٍّ منهم نورين (١)، ولنبينا ﷺ تحت كل شعرة من رأسه وجسده نور تام، كذلك صفته وصفة أمته في الكتب المتقدمة (٢). وقال جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد/٢٨]. وفي قوله ﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾: إعلام بأن تصرفهم وتقلبهم الذي ينفعهم إنما هو النور، وأن مشيهم بغير النور غير مُجْدٍ عليهم، ولا نافع لهم بل ضرره أكثر من نفعه. وفيه: أن أهل النور هم أهل المشي في الناس، ومَنْ سواهم أهل الزمانة والانقطاع، فلا مشي لقلوبهم ولا لأحوالهم (٣) ولا لأقوالهم (٤)، ولا لأقدامهم إلى الطاعات. وكذلك لا تمشي على الصراط إذا مشت بأهل الأنوار أقدامهم.

стр. 77

وفي قوله تعالى: ﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾: نكتةٌ بديعة وهي: أنهم يمشون على الصراط بأنوارهم كما مَشَوا (١) بها بين الناس في الدنيا، ومن لا نور له فإنه لا يستطيع أن ينقل قدمًا عن قدم على الصراط، فلا (٢) يستطيع المشي أحوج ما يكون إليه. فصل والله سمّى نفسه نورًا، وجعل كتابه نورًا، ورسوله ﷺ نورًا، ودينه نورًا، واحتجب عن خلقه بالنور، وجعل دار أوليائه نورًا يتلألأ (٣)، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور/ ٣٥]، وقد فُسِّر قوله (٤): ﴿ ... نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... ﴾ الآية بكونه: مُنوِّر السماوات والأرض، وهادي أهل السماوات والأرض، فبنوره اهتدى

стр. 78

أهل السماوات والأرض، وهذا إنما هو فعله، وإلا فالنور الذي هو من أوصافه قائم به، ومنه اشْتُقَّ له اسم النور الذي هو أحد الأسماء الحسنى. والنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين: إضافة صفةٍ إلى موصوفها، وإضافة مفعولٍ إلى فاعله. فالأول: كقوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ [ظ/ق ٣ أ] الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ... ﴾ [الزمر/٦٩]، فهذا إشراقها يوم القيامة بنوره تعالى إذا جاء لفصل القضاء، ومنه قول النبي ﷺ في الدعاء المشهور: "أعوذ بنور وجهك الكريم أن تضلني، لا إله إلا أنت" (١). وفي الأثر الآخر: "أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات" (٢)

стр. 79

فأخبر ﷺ [ب/ق ٤ أ] أن الظلمات أشرقت لنور وجه الله (١) كما أخبر تعالى أن الأرض تشرق يوم القيامة بنوره. وفي "معجم الطبراني" و"السنة" (٢) له وكتاب عثمان الدارمي، وغيرها، عن ابن مسعود ﵁ قال: "ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه" (٣). وهذا الذي قاله ابن مسعود ﵁ أقرب إلى تفسير الآية من قول من فسَّرها بأنه هادي أهل السماوات والأرض، وأما من فسرها بأنه منوّر السماوات والأرض (٤) فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود، والحق أنه نور السماوات والأرض بهذه الاعتبارات كلها.

стр. 80

وفي "صحيح مسلم" (١) وغيره من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس، فقال: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (٢). وفي "صحيح مسلم" عن أبي ذر ﵁، قال: سألت رسول الله ﷺ : هل رأيت ربك؟ قال: "نور أنَّى (٣) أراه" (٤). فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ورضي عنه يقول: معناه كان ثَمَّ نور، أو حال دون رؤيته نور فأنّى أراه. قال: ويدل عليه أن في بعض ألفاظ الصحيح: "هل رأيت ربك؟ " فقال: "رأيت نورًا" (٥). وقد أعضل أمر هذا الحديث على كثير من الناس حتى صحَّفه بعضهم، فقال: "نورانيٌّ (٦) أراه" على أنها ياء النسب، والكلمة كلمة

стр. 81

واحدة، وهذا خطأ لفظًا ومعنى، وإنما أوجب لهم هذا الإشكال والخطأ أنهم لما اعتقدوا أن رسول الله ﷺ رأى ربه وكان قوله: "أنَّى أراه" كالإنكار للرؤية حاروا في الحديث، وردَّه بعضهم باضطراب لفظه، وكل هذا عدول عن موجب الدليل. وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب "الرد له" (١) إجماع الصحابة على أنه ﷺ لم يَرَ ربه ليلة المعراج، وبعضهم استثنى ابن عباس من ذلك، وشيخنا (٢) يقول: ليس ذلك بخلافٍ في الحقيقة، فإن ابن عباس لم يقل رآه بعيني رأسه، وعليه اعتمد أحمد في إحدى (٣) الروايتين حيث قال: إنه ﷺ رآه، ولم يقل بعيني رأسه (٤). ولفظ أحمد كلفظ ابن عباس [ظ/ق ٣ ب] ﵄. اهـ. ويدل على صحة ما قاله شيخنا في معنى (٥) حديث أبي ذر ﵁، قوله ﷺ في الحديث الآخر: "حجابه النور" (٦). فهذا النور هو ـ والله

стр. 82

أعلم ـ النور [/ق ٤ ب] المذكور في حديث أبي ذر ﵁ "رأيت نورًا" (١). فصل وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ... ﴾ الآية [النور/٣٥]. هذا مَثَلٌ لنوره في قلب عبده المؤمن، كما قال أُبيُّ بن كعب (٢) وغيره. وقد اختلف في مفسِّر (٣) الضمير في "نوره": فقيل: هو النبي ﷺ ، أي مثل نور محمد ﷺ . وقيل: مفسِّره المؤمن، أي مثل نور المؤمن.

стр. 83

والصحيح أنه يعود على الله ، والمعنى: مثل نور الله في قلب عبده. وأعظم عباده نصيبًا من هذا النور رسوله ﷺ ، فهذا مع ما تضمنه عود الضمير إلى (١) المذكور، وهو وجه الكلام يتضمن التقادير الثلاثة، وهو أتم معنى ولفظًا. وهذا (٢) النور يضاف إلى الله تعالى: إذ هو مُعطيه لعبده وواهبه إياه، ويضاف إلى العبد: إذ هو محله وقابله، فيضاف إلى الفاعل والقابل، ولهذا النور فاعل وقابل ومحل وحامل ومادة، وقد تضمنت الآية ذكر هذه الأمور كلها على وجه التفصيل. فالفاعل: هو الله تعالى، مفيض الأنوار، الهادي لنوره من يشاء. والقابل: العبد المؤمن، والمحل: قلبه، والحامل: همته وعزيمته وإرادته، والمادة: قوله وعمله. وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية فيه من الأسرار والمعاني وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن بما أناله من نوره ما تقر به عيون أهله وتبتهج به قلوبهم. وفي هذا التشبيه لأهل المعاني طريقتان (٣): إحداهما: طريقة التشبيه المركب، وهي أقرب مأخذًا وأسلم من

стр. 84

التكلُّف، وهي أن تُشَبَّه الجملة بِرُمَّتها بنور المؤمن (١)؛ من غير تعرُّض لتفصيل كل جزء من أجزاء المشبه، ومقابلته بجزء من المشبه به، وعلى هذا عامَّة أمثال القرآن. فتأمل صِفة "مشكاة" وهي: كُوَّة لا تنفذ لتكون أجمع للضوء، قد وضع فيها مصباح، وذلك المصباح داخل زجاجة تشبه الكوكب الدُّرِّي في صفائها وحسنها، ومادته من أصفى الأدهان وأتمِّها وقودًا، من زيت شجرة في وسط القَرَاح (٢) [ب/ق ٥ أ] لا شرقية ولا غربية بحيث تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار، بل هي في وسط القراح محمية بأطرافه، تصيبها الشمس أعدل إصابة، والآفات إلى الأطراف دونها، فمن شدة إضاءة زيتها وصفائه وحسنه يكاد يضيء من غير أن تمسه نار، فهذا المجموع المركب هو مَثَلُ نور الله تعالى الذي وضعه في قلب عبده المؤمن وخصَّه [ظ/ق ٤ أ] به. والطريقة الثانية: طريقة التشبيه المفصَّل. فقيل: المشكاة: صدر المؤمن، والزجاجة: قلبه، وشبه قلبه بالزجاجة لرقتها وصفائها وصلابتها، وكذلك قلب المؤمن فإنه قد جمع الأوصاف الثلاثة، فهو يرحم ويحسن ويتحنن ويشفق على الخلق

стр. 85

برقته (١). وبصفائه تتجلى فيه صور الحقائق والعلوم على ما هي عليه، ويباعد الكدر والدرن والوسخ بحسب ما فيه من الصفاء (٢)، وبصلابته يشتد في أمر الله تعالى، ويتصلب في ذات الله تعالى، ويغلظ على أعداء الله تعالى، ويقوم بالحق لله تعالى، وقد جعل الله تعالى القلوب كالآنية، كما قال بعض السلف: "القلوب آنية الله في أرضه، فأحبها إليه أرقُّها وأصلبها وأصفاها" (٣). والمصباح: هو نور الإيمان في قلبه. والشجرة المباركة: هي شجرة الوحي المتضمنة للهدى ودين الحق، وهي مادة المصباح التي

стр. 86

يَتَّقِد (١) منها. والنور على النور: نور الفطرة الصحيحة والإدراك الصحيح، ونور الوحي والكتاب، فينضاف أحد النورين إلى الآخر فيزداد العبد نورًا على نور؛ ولهذا يكاد ينطق بالحق والحكمة قبل أن يسمع فيه بالأثر، ثم يبلغه الأثر بمثل (٢) ما وقع في قلبه ونطق به، فيتفق عنده شاهد العقل والشرع والفطرة والوحي، فيريه عقله وفطرته وذوقه أن (٣) الذي جاء به الرسول ﷺ هو الحق، لا يتعارض عنده العقل والنقل البتة، بل يتصادقان ويتوافقان، فهذا علامة النور على النور، عكس من تلاطمت في قلبه الشبه [ب/ق ٥ ب] الباطلة، والخيالات الفاسدة من الظنون الجهليات، التي يسميها (٤) أهلها القواطع العقليات، فهي (٥) في صدره كما قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور/٤٠]. فانظر كيف انتظمت (٦) هذه الآيات طوائف بني آدم كلهم أتمَّ

стр. 87

انتظام، واشتملت عليه أكمل اشتمال. فإن الناس قسمان: أهل الهدى والبصائر، الذين عرفوا أن الحق فيما جاء به الرسول ﷺ عن الله، وأن كل ما عارضه فشبهات يشتبه (١) على من قل نصيبه من العقل والسمع أمرها، فيظنها شيئًا له حاصل يُنتفع به وهي: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٢) [النور/ ٣٩، ٤٠]. وهؤلاء هم أهل الهدى ودين الحق، أصحاب العلم النافع والعمل الصالح الذين صدّقوا الرسول ﷺ في أخباره ولم يعارضوها بالشبهات، وأطاعوه في أوامره (٣)، ولم يضيعوها بالشهوات، فلا هم في علمهم من أهل [ظ/ق ٤ ب] الخوض الخراصين الذين هم في غمرة ساهون (٤)، ولا هم في عملهم من المستمتعين بخلاقهم الذين حبطت أعمالهم في

стр. 88

الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون (١). أضاء لهم نور الوحي المبين فرأوا في نوره أهل الظلمات في ظلمات آرائهم يعمهون، وفي ضلالتهم يتهوكون، وفي ريبهم يترددون، مغترين بظاهر السراب، ممحلين مجدبين مما بعث الله تعالى به رسوله (٢) من الحكمة وفصل الخطاب، إن عندهم إلا نخالة (٣) الأفكار وزبالة الأذهان، التي قد رضوا بها واطمأنوا إليها، وقدّموها على السنة والقرآن، إن في صدورهم إلا كبر (٤) ما هم ببالغيه (٥) أوجبه لهم اتباع الهوى ونخوة الشيطان، وهم لأجله يجادلون في آيات الله بغير سلطان. فصل: القسم الثاني: أهل الجهل والظلم الذين جمعوا بين الجهل بما جاء به، والظلم باتباع أهوائهم، الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ

стр. 89

سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ [ب/ق ٦ أ] الْهُدَى﴾ [النجم/٢٣]. وهؤلاء: قسمان: أحدهما: الذين يحسبون (١) أنهم على علم وهدى، وهم أهل جهلٍ وضلال، فهؤلاء أهل الجهل المركب الذين يجهلون الحق ويعادونه ويعادون أهله، وينصرون الباطل ويوالونه (٢) ويوالون أهله وهم يحسبون أنهم على شيء ألا أنهم هم الكاذبون (٣)، فهم لاعتقادهم الشيء على خلاف ما هو عليه بمنزلة رائي السراب الذي يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، فهكذا هؤلاء أعمالهم وعلومهم بمنزلة السراب الذي يخون صاحبه أحوج ما هم إليه، ولم يقتصر على مجرد الخيبة والحرمان كما هو حال من أمَّ (٤) السراب فلم يجده ماءً، بل انضاف إلى ذلك أنه وجد عنده أحكم الحاكمين وأعدل العادلين ، فحسب له (٥) ما عنده من العلم والعمل ووفَّاه إياه

стр. 90

بمثاقيل الذَّر، وقدم إلى ما عمل من عمل يرجو نفعه فجعله هباءً منثورًا (١)؛ إذ لم يكن خالصًا لوجهه، ولا على سنة رسوله ﷺ ، وصارت تلك الشبهات الباطلة التي كان يظنها علومًا نافعة كذلك هباءً منثورًا، فصارت أعماله وعلومه حسراتٍ عليه. والسراب: ما يرى في الفلوات المنبسطة من ضوء الشمس وقت الظهيرة، يسرب على وجه الأرض كأنه ماء يجري. والقِيعةُ (٢) والقاع هو: المنبسط من الأرض الذي لا جبل فيه ولا وادٍ. فشَبَّه علوم من لم يأخذ علومه من (٣) الوحي وأعماله بسراب يراه المسافر في شدة الحرِّ، فيؤمُّه فيخيب ظنه [ظ/ق ٥ أ] ويجده نارًا تلظَّى، فهكذا علوم أهل الباطل وأعمالهم إذا حُشِرَ الناس واشتد بهم العطش بدت لهم كالسراب فيحسبونه ماءً، فإذا أتوه وجدوا الله عنده فأخذتهم زبانية العذاب فعتلوهم إلى نار الجحيم، فسقوا ماءً حميمًا فقطع أمعاءهم (٤)، وذلك الماء الذي سقوه هو تلك العلوم التي لا تنفع،

стр. 91

والأعمال التي كانت لغير الله تعالى صيرها الله تعالى حميمًا سقاهم إياه، كما أن طعامهم من ضريع لا يُسمن ولا يُغني من جوع (١)، وهو تلك العلوم والأعمال الباطلة التي كانت في الدنيا كذلك لا تسمن ولا تغني من جوع، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ [ب/ق ٦ ب] أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف/١٠٣، ١٠٤]، وهم الذين عنى الله بقوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان/٢٣]، وهم الذين عنى بقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة/١٦٧]. القسم الثاني من هذا الصنف: أصحاب الظلمات، وهم المنْغمِسون في الجهل بحيث قد أحاط بهم من كل وجهٍ، فهم بمنزلة الأنعام، بل هم أضل سبيلًا، فهؤلاء أعمالهم التي عملوها على غير بصيرة، بل بمجرد التقليد واتباع الآباء من غير نورٍ من (٢) الله. ﴿كَظُلُمَاتٍ﴾: جمع ظُلمة، وهي ظلمة الجهل، وظلمة الكفر، وظلمة الظلم واتباع الهوى، وظلمة الشك والريب، وظلمة الإعراض

стр. 92

عن الحق الذي بعث الله تعالى به رسله (١) صلوات الله وسلامه عليهم، والنور الذي أنزله معهم ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور، فإن المعرض عما بعث الله تعالى به محمدًا ﷺ من الهدى ودين الحق يتقلَّب (٢) في خمس ظلمات: قوله ظُلْمة، وعمله ظُلمة، ومدخله ظُلمة، ومخرجه ظُلمة، ومصيره إلى الظُّلمة (٣)، فقلبه مظلم، ووجهه مظلم، وكلامه مظلم، وحاله مظلم، وإذا قابلت بصيرته الخفَّاشيَّة ما بعث الله به محمدًا ﷺ من النور جَدَّ في الهرب منه وكاد نوره يخطف بصره فهرب إلى ظلمات الآراء التي هي أنسب به (٤) وأولى، كما قيل: خفافيش أعشاها النهار بضوئه ... ووافقها (٥) قطع من الليل مظلم (٦)

стр. 93

فإذا جاء إلى زبالة الأفكار ونحاتة الأذهان (١)، جال وصال، وأبدى وأعاد، وقعقع وفرقع. فإذا طلع نور الوحي وشمس الرسالة انجحر في أجحرة الحشرات. وقوله تعالى: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ اللُّجِّيُّ (٢): العميق، منسوب إلى لُجَّة البحر، وهو مُعْظمُه. وقوله: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ تصوير لحال (٣) هذا المعرض عن وحْيه، فشَبَّه تلاطم أمواج الشُبه والباطل [ظ/ق ٥ ب] في صدره بتلاطم أمواج ذلك البحر، وأنها أمواج بعضها فوق بعض، والضمير الأول في قوله: ﴿يَغْشَاهُ﴾ راجع إلى البحر. والضمير الثاني في قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ عائد إلى الموج، ثم (٤) إن تلك الأمواج مغشاة بسحاب، [ب/ق ٧ أ] فه?هنا ظلمات (٥): ظلمة البحر اللُّجِّي، وظلمة الموج الذي فوقه، وظلمة السحاب الذي فوق ذلك كله إذا أخرج مَنْ (٦) في هذا البحر يده لم يكد يراها. واختُلِف في معنى ذلك، فقال كثير من النحاة: هو نفي لمقاربة

стр. 94

رؤيتها، وهو أبلغ من نفي الرؤية، فإنه قد ينتفي وقوع الشيء ولا تنتفي مقاربته، فكأنه قال: لم يقارب رؤيتها بوجه. قال هؤلاء: وكاد من أفعال المقاربة، لها حكم سائر الأفعال في النفي والإثبات، فإذا قيل: كاد يفعل، فهو إثبات لمقاربة الفعل، فإذا (١) قيل: لم يكد يفعل، فهو نفي لمقاربة الفعل. وقالت طائفة أخرى: بل هذا دالٌّ على أنه إنما يراها بعد جُهد شديد، وفي ذلك إثبات رؤيتها بعد أعظم العُسر؛ لأجل تلك الظلمات، قالوا: لأن كاد لها شأن (٢) ليس لغيرها من الأفعال: فإنها إذا أثبتت نفت، وإذا نفت أثبتت، فإذا قلت: ما كدت أصِلُ إليك، فمعناه: وصلتُ إليك بعد الجهد والشدة. فهذا إثبات للوصول، وإذا قلت: كاد زيد يقوم، فهي نفي لقيامه (٣)، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن/١٩] ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ ... ﴾ الآية [القلم/٥١]. وأنشد بعضهم في ذلك ملغِزًا: أنحويّ هذا العصر ما هي لفظة (٤) ... جرت في لسانَيْ جرهم وثمود

стр. 95

إذا استعملت في صورة النفي أثبتت ... وإن أُثبِتت قامت مقام جحود (١) وقالت فرقة ثالثة منهم أبو عبد الله بن مالك وغيره: إن استعمالها مثبتة يقتضي نفي خبرها كقولك (٢): كاد زيد يقوم. واستعمالها منفية يقتضي نفيه بطريق الأولى، فهي عنده تنفي (٣) الخبر سواء كانت منفية أو مثبتة (٤)، فلم يكد زيد يقوم، أبلغ عنده في النفي مِنْ: لم يَقُم، واحتجَّ بأنها إذا نفيت وهي من أفعال المقاربة فقد نفت مقاربة الفعل وهو أبلغ من نفيه، وإذا استعملت مثبتة فهي تقتضي مقاربة اسمها لخبرها، وذلك يدل على عدم وقوعه. واعتذر عن مثل قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ... ﴾ الآية [البقرة/٧١] وعن مثل قولهم: وصلت إليك وما كدت أصِل. وسَلمت وما كدت [ب/ق ٧ ب] أسلم [ظ/ق ٦ أ]؛ بأن هذا وارد على كلامين متباينين، أي: فعلت كذا بعد أن لم أكن مقاربًا له، فالأول: يقتضي وجود الفعل، والثاني: يقتضي أنه لم يكن مقاربًا له (٥)؛ بل كان آيسًا منه، فهما كلامان مقصود بهما أمران متغايران.

стр. 96

وذهبت فرقة رابعة: إلى الفرق بين ماضيها ومستقبلها، فإذا كانت في الإثبات فهي لمقاربة الفعل؛ سواء كانت بصيغة الماضي أو (١) المستقبل. وإن كانت في ظرف النفي، فإن كانت بصيغة المستقبل كانت لنفي الفعل ومقاربته، نحو قوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور/ ٤٠]. وإن كانت بصيغة الماضي فهي تقتضي الإثبات، نحو قوله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة/ ٧١]. فهذه أربعة طرق للنحاة في هذه اللفظة، والصحيح أنها فعل يقتضي المقاربة، ولها حكم سائر الأفعال، ونفي الخبر لم يُستفد من لفظها ووضعها؛ فإنها لم توضع لنفيه، وإنما استفيد من لوازم معناها، فإنها إذا اقتضت مقاربة (٢) الفعل لم يكن واقعًا فيكون منفيًا باللزوم، وأما إذا استعملت منفية، فإن كانت في كلام واحدٍ فهي لنفي المقاربة، كما إذا قلت: لا يكاد البطَّال يفلح، ولا يكاد البخيل يسود، ولا يكاد الجبان يفرح، ونحو ذلك. وإن كانت في كلامين اقتضت وقوع الفعل بعد أن لم يكن مقاربًا، كما قال ابن مالك، فهذا التحقيق في أمرها. والمقصود أن قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ إما أنه يدل (٣) على أنه

стр. 97

لا (١) يقارب رؤيتها لشدة الظلمة وهو الأظهر، فإذا كان لا يقارب رؤيتها فكيف يراها. قال ذو الرمة: إذا غَيَّر النأيُ المُحبين لم يكد ... رسيسُ الهوى من حُبِّ مَيَّة يبرحُ (٢) أي لم يقارب البراح، وهو الزوال؛ فكيف يزول. فشبَّه سبحانه أعمالهم أولًا في فوات نفعها وحصول ضررها عليهم بسراب خدَّاع يخدع رائيه من بعيد، فإذا جاءه وجد عنده عكس ما أمّله ورجاه. وشبهها ثانيًا في ظلمتها وسوادها، لكونها باطلة خالية عن نور الإيمان، بظلمات متراكمة في لُجَجِ البحر المتلاطم الأمواج الذي قد غشيه السحاب من فوقه، فيا له تشبيهًا ما أبدعه، وأشدَّه [ب/ق ٨ أ] مطابقة بحال (٣) أهل البدع والضلال، وحال مَنْ عَبَدَ الله على خلاف ما بعث به رسوله ﷺ وأنزل به كتابه!

стр. 98

وهذا التشبيه هو تشبيه لأعمالهم الباطلة بالمطابقة والتصريح، ولعلومهم وعقائدهم الفاسدة باللُّزوم، وكل واحدٍ من السراب والظلمات مَثَل لمجموع علومهم وأعمالهم، فهي سراب لا حاصل لها, [ظ/ق ٦ ب] وظلمات لا نور فيها. وهذا عكس مَثَل أعمال المؤمن وعلومه التي تلقاها من مشكاة النبوة, فإنها مثل الغيث الذي به حياة البلاد والعباد، ومثل النور الذي به انتفاع أهل الدنيا والآخرة. ولهذا يذكر سبحانه هذين المَثَلين في القرآن في غير موضع لأوليائه وأعدائه، كما ذكرهما في سورة البقرة في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة/١٧، ١٨]. شَبَّه سبحانه أعداءه المنافقين بقومٍ أوقدوا نارًا لتضيء لهم وينتفعوا بها، فلما أضاءت لهم النار فأبصروا في ضوئها ما ينفعهم ويضرهم، وأبصروا الطريق بعد أن كانوا حيارى تائهين، فهم كقوم سفرٍ ضلّوا عن الطريق فأوقدوا النار لتضيء لهم الطريق، فلما أضاءت لهم فأبصروا وعرفوا طفئت تلك النار (١)، وبقوا في الظلمات لا يبصرون، قد سُدَّت عليهم أبواب الهدى الثلاث، فإن الهدى يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب:

стр. 99

مما يسمعه بأذنه، ويراه بعينه، ويعقله بقلبه (١). وهؤلاء قد سُدَّت عليهم أبواب الهدى، فلا تسمع قلوبهم شيئًا، ولا تبصره (٢)، ولا تعقل ما ينفعها. وقيل: لمَّا لم ينتفعوا بأسماعهم وأبصارهم وقلوبهم نُزِّلوا بمنزلة مَنْ لا سمع له ولا بصر ولا عقل، والقولان متلازمان. وقال في صِفتهم: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾؛ لأنهم قد رأوا في ضوء النار وأبصروا الهدى، فلما طفئت عنهم لم يرجعوا إلى ما رأوا وأبصروا. وقال : ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ولم يقل: ذهب نورهم، وفيه (٣) سرٌّ بديع، وهو انقطاع سر تلك المَعيَّة الخاصَّة التي هي (٤) للمؤمنين من الله تعالى، فإن الله تعالى مع (٥) المؤمنين، و ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣]، و ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ [ب/ق ٨ ب] ... اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل/١٢٨]، فذهاب الله بذلك النور انقطاع لمعيته الخاصة (٦) التي خصَّ بها أولياءه، فقطعها بينه وبين المنافقين فلم يبق

стр. 100

عندهم بعد ذهاب نورهم ولا معهم، فليس لهم نصيب من ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة/ ٤٠] ولا من: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء/ ٦٢]. وتأمل قوله تعالى: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ كيف جعل ضوءها خارجًا عنه منفصلًا، ولو اتصل ضوؤها به ولابسه لم يذهب؛ ولكنه كان ضوء مجاورةٍ لا ملابسة ومخالطة، فكان الضوء عارضًا والظلمة أصلية، فرجع الضوء إلى معدنه، وبقيت الظلمة في معدنها، فرجع [ظ/ق ٧ أ] كل منهما إلى أصله اللائق به، حجةً من الله قائمة، وحكمة بالغة تعرَّف بها إلى أُولي الألباب من عباده. وتأمل قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، ولم يقل: بنارهم ليطابق (١) أول الآية؛ فإن النار فيها إشراق وإحراق، فذهب بما فيها من الإشراق وهو النور، وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق، وهو النارية. وتأمل كيف قال: ﴿بِنُورِهِمْ﴾ ولم يقل: بضوئهم، مع قوله: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾؛ لأن الضوء هو زيادة في النور، فلو قيل: ذهب الله بضوئهم لأوْهَمَ الذهاب بالزيادة فقط دون الأصل، فلمَّا كان النور أصل الضوء كان الذهاب به ذهابًا بالشيء وزيادته.

стр. 101

وأيضًا: فإنه أبلغ في النفي عنهم (١)، وأنهم من أهل الظلمات الذين لا نور لهم. وأيضا: فإن الله تعالى سَمَّى كتابه نورًا، ورسوله ﷺ نورًا، ودينه نورًا، وهداه نورًا، ومن أسمائه النور، والصلاة نور، فذهابه سبحانه بنورهم ذهاب بهذا كله. وتأمل مطابقة هذا المَثَل لِمَا تقدَّمه من قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة/ ١٦] كيف طابق هذه التجارة (٢) الخاسرة التي تضمنت حصول الضلالة والرضى بها، وبذل الهدى في مقابلتها، وحصول (٣) الظلمات التي هي الضلالة، والرضى بها؛ بدلًا عن النور الذي هو الهدى، فبدَّلوا الهدى والنور، وتعوَّضوا (٤) عنه الظُلْمَة والضلالة، فيا لها من (٥) تجارة ما أخسرها، وصفقة ما أشد غبنها (٦).

стр. 102

وتأمل كيف قال الله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ فوحَّده، ثم قال: ﴿وَتَرَكَهُمْ [ب/ق ٩ أ] فِي ظُلُمَاتٍ﴾ فجمعها، فإن (١) الحق واحد، وهو صراط الله المستقيم الذي لا صراط يوصل إليه سواه، وهو عبادته وحده لا شريك له، بما شرعه على لسان رسوله ﷺ ، لا بالأهواء والبدع وطرق الخارجين عما بُعث به (٢) رسوله من الهدى ودين الحق؛ بخلاف طرق الباطل؛ فإنها متعددة متشعبة. ولهذا يُفْرد الحق، ويجمع الباطل، كقوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة/ ٢٥٧]. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام/١٥٣]. فجمع سُبُل الباطل، ووحَّد سبيله (٣) الحق، ولا يناقض هذا قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة/ ١٦]؛ فإن تلك هي طرق مرضاته [ظ/ق ٧ ب] التي يجمعها سبيله الواحد وصراطه المستقيم، فإن طرق مرضاته (٤) كلها ترجع إلى صراطٍ واحدٍ وسبيلٍ واحدٍ،

стр. 103

وهي سبيله التي لا سبيل إليه إلا منها. وقد صحَّ (١) عن النبي ﷺ أنه خطَّ خطًّا مستقيمًا، وقال: «هذا سبيل الله» ثم خطَّ خطوطًا عن يمينه وعن شماله فقال: «هذه سُبُلٌ، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه» ثم قرأ قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام/١٥٣] (٢).

стр. 104

وقد قيل: إن هذا (١) مَثَلٌ للمنافقين وما يوقدونه من نار الفتنة التي يوقعونها بين أهل الإسلام ويكون بمنزلة قول الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة/٦٤] ويكون قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ مطابقًا لقوله تعالى: ﴿أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ ويكون تخييبهم وإبطال ما راموه هو تركهم في ظلمات الحيرة لا يهتدون إلى التخلُّص مما وقعوا فيه ولا يبصرون سبيلًا، بل هم صُمٌ بكمٌ عميٌ (٢). وهذا التقدير وإن كان حقًّا ففي كونه مرادًا بالآية نَظَر، فإن السياق إنما قُصِد لغيره، ويأباهُ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، وموقد نار الحرب لا يضيء ما حوله أبدًا. ويأباه قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ وموقد نار الحرب لا نور له. ويأباه قوله تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ [ب/ق ٩ أ] لَا يُبْصِرُونَ﴾، وهذا يقتضي أنهم انتقلوا من نور المعرفة والبصيرة إلى ظلمة الشك والكفر. قال الحسن ﵀: «هو المنافق أبصر ثم عمي، وعرف ثم أنكر» (٣)، ولهذا قال: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: لا يرجعون (٤) إلى النور الذي فارقوه.

стр. 105

وقال تعالى في حق الكفار: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة/ ١٧]، فسلب العقل عن الكفار، إذ لم يكونوا من أهل البصيرة والإيمان، وسلب الرجوع عن المنافقين؛ لأنهم آمنوا ثم كفروا فلم يرجعوا إلى الإيمان. فصل ثم ضرب لهم مثلًا آخر مائيًّا فقال: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة/ ١٩] فشبَّه نصيبهم مما بعث الله تعالى به رسوله ﷺ من النور والحياة بنصيب (١) المستوقد النار، التي (٢) طَفِئتْ عنه أحوج ما كان إليها، وذهب نوره، وبقي في الظلمات حائرًا تائهًا لا يهتدي سبيلًا ولا يعرف طريقًا؛ وبنصيب أصحاب الصَّيِّب: وهو المطر الذي يصوب، أي ينزل من علوٍّ إلى سُفلٍ، فشَبَّه الهُدى الذي هدى به عباده بالصيب؛ لأن القلوب تحيا به حياة [ظ/ق ٨ أ] الأرض بالمطر، ونصيبَ المنافقين من هذا الهدى بنصيب من لم يحصل له نصيب من الصيب إلا ظلمات ورعد وبرق، ولا نصيب له فيما وراء ذلك مما هو المقصود بالصيّب (٣)

стр. 106

من حياة البلاد والعباد والشجر والدواب. وأن تلك الظلمات التي فيه، وذلك الرعد والبرق مقصود لغيره، وهو وسيلة إلى كمال الانتفاع بذلك الصيب، فالجاهل لفرط جهله يقتصر على الإحساس بما في الصيب من ظلمة ورعد وبرق ولوازم ذلك من بردٍ شديد، وتعطلِ (١) مسافر عن سفره، وصانع عن صنعته؛ ولا بصيرة له تنفذ إلى ما يؤول إليه أمر ذلك الصيب من الحياة والنفع العام. وهكذا شأن كل قاصر النظر ضعيف العقل لا يجاوز نظرهُ الأمر المكروه الظاهر إلى ما وراءه من كل (٢) محبوب. وهذه حال أكثر الخلق إلا من صحَّت بصيرته، فإذا رأى ضعيف البصيرة ما في الجهاد من [ب/ق ٩ ب] التعب (٣) والمشاق والتعرض لِتَلاف المهجة، والجراحات الشديدة، وملامة اللوام، ومعاداة من يخاف معاداته= لم يقْدِم عليه؛ لأنه لم يشهد ما يؤول إليه من العواقب الحميدة، والغايات التي إليها تسابق (٤) المتسابقون، وفيها تنافس المتنافسون.

стр. 107

وكذلك من عزم على سفر الحج إلى البيت الحرام فلم يعلم (١) من سفره ذلك إلا مشقة السفر، ومفارقة الأهل والوطن، ومقاساة الشدائد، وفراق المألوفات، ولا يجاوز نظره وبصيرته آخر ذلك السفر ومآله وعاقبته= فإنه لا يخرج إليه ولا يعزم عليه. وحال هؤلاء حال ضعيف البصيرة والإيمان، الذي يرى ما في القرآن من الوعد والوعيد والزواجر والنواهي والأوامر الشاقة على النفوس التي تفطمها عن رضاعها من ثدي المألوفات والشهوات ـ والفطام على الصبي أصعب شيء وأشقه ـ والناس كلهم صبيان العقول إلا مَن بلغ مبالغ الرجال العقلاء الألباء، وأدرك الحق علمًا وعملًا ومعرفة، فهو الذي ينظر إلى ما وراء الصيِّب، وما فيه من الرعد والبرق والصواعق، ويعلم أنه حياة الوجود. وقال (٢) الزمخشري: «لقائل أن يقول: شبَّه دين الإسلام بالصيب؛ لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يتعلق به من شَبَهِ الكفار بالظلمات، وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق، وما يصيب الكفرة من الأفزاع والبلايا والفتن [ظ/ق ٨ ب] من جهة أهل الإسلام بالصواعق، والمعنى: أو كمثل ذوي صيِّب. والمراد: كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة، فلقوا منها ما لقوا».

стр. 108

قال: «والصحيح الذي عليه علماء البيان (١) لا يتخطَّونه: أنَّ المثَلَين (٢) جميعًا من جهة التمثيلات المتركبة دون المفرقة، لا يُتكلف لواحدٍ واحدُ شيءٍ يقدر شبهه به، وهذا (٣) القول الفحل، والمذهب الجزل. بيانه: أن العرب تأخذ أشياء فرادى، معزولًا بعضها من بعض، لم يأخذ هذا بحجزةِ ذاك فتشبهها بنظائرها، كما جاء في القرآن، حيث شبَّه كيفية حاصلة من مجموع أشياء [ب/ق ١٠ أ] قد تضامَّت وتلاصقت حتى عادت شيئًا واحدًا= بأخرى مثلها، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ... ﴾ [الجمعة/ ٥]، الغرض تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوراة وآياتها الباهرة بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة، وتساوي الحالتين (٤) عنده من حمل أسفار الحكمة وحمل ما سواها من الأحمال، ولا يشعر بذلك إلا بما يمر بدفيه (٥) من الكدِّ والتعب. وكقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ... ﴾ الآية [الكهف/٤٥]،

стр. 109

المراد قلة بقاء زهرة الدنيا كقلة بقاء هذا النبات (١)، فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوطٍ بعضها ببعض وتصييرها (٢) شيئًا واحدًا فلا. كذلك لمَّا وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة شُبِّهتْ حيرتهم وشدة الأمر عليهم بما يكابد مَن طَفئت ناره بعد إيقادها في ظلمة الليل، وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق». قال: «فإن قلت: أي (٣) المَثَلَين (٤) أبلغ؟ قلت: الثاني، لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته، ولذلك أُخِّر، وهم يتدرجون في مثل هذا من الأهون إلى الأغلظ. اهـ (٥). قلت (٦): الناس في الهدى الذي بعث الله تعالى به رسوله ﷺ أربعة أقسام، قد اشتملت عليهم هذه الآيات، من أول السورة إلى هاهنا: القسم (٧) الأول: قبلوه (٨) ظاهرًا وباطنًا، وهم نوعان: أحدهما أهل

стр. 110

الفقه فيه والفهم والتعليم، وهم الأئمة الذين عقلوا عن الله تعالى كتابه وفهموا مراده، وبلغوه إلى الأمة، واستنبطوا أسراره وكنوزه، فهؤلاء مثل الأرض الطيبة التي قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فرعى الناس فيه ورعت أنعامهم، وأخذوا من ذلك الكلأ الغذاء [ظ/ق ٩ أ] والقوت والدواء وسائر ما يصلح لهم. النوع الثاني: حفظوه وضبطوه وبلَّغوا ألفاظه إلى الأُمة، فحفظوا عليهم النصوص، وليسوا من أهل الاستنباط والفقه (١) في مراد الشارع [ب/ق ١٠ ب]، فهم أهل حفظٍ وضبطٍ وأداء لِمَا سمعوه، والأولون أهل فهم وفقه واستنباط وإثارةٍ لدفائنه وكنوزه، وهذا النوع الثاني بمنزلة الأرض التي أمسكت الماء للناس فوردوه وشربوا منه وسقوا منه أنعامهم وزرعوا به. فصل القسم الثاني: من ردَّه ظاهرًا وباطنًا، وكفر به ولم (٢) يرفع به رأسًا. وهؤلاء أيضًا نوعان: أحدهما: عرفه وتيقَّن صحته وأنه حق، ولكن حمله الحسد والكبر
следующие страницы →