← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18632

اجتماع الجيوش الإسلامية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (604 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

اليقين، وشنُّوا عليها غارات التحريف بالتأويلات الباطلات (١)؛ فلا يزال يخرج عليها من جيوشهم المخذولة كَمِين بعد كمين. نزلت عليهم نزول الضيف على أقوام لئام، فعاملوها (٢) بغير ما يليق بها من الإجلال والإكرام. وتلقوها من بعيد ولكن بالدفع في صدورها والأعجاز، وقالوا: ما لَكَ عندنا من عبور، وإن كان [ب/ ق ١٧ ب] لا بد فعلى سبيل المجاز! أنزلوا النصوص منزلةَ الخليفة العاجز في هذه الأزمان، له السكة والخطبة وما له حكم نافذ ولا سلطان. حُرِموا والله الوصول بخروجهم عن منهج الوحي وتضييع الأصول، تمسَّكوا بأعجازٍ لا صدور لها فخانتهم أحرص ما كانوا عليها، وتقطعت بهم أسبابها (٣) أحوج ما كانوا إليها، حتى إذا بُعثر ما في القبور، وحصِّل ما في الصدور تميز (٤) لكل قوم حاصلهم الذي حَصَّلوه، وانكشفت (٥) لهم حقيقة ما اعتقدوه، وقَدِموا على ما قدَّموه، ﴿ ... وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر/ ٤٧]، وسقط في أيديهم عند الحصاد لما (٦) عاينوا غلة

стр. 142

ما بذروه، فيا شِدة الحسرة عندما يعاين (١) المبطل سعيه وكده هباءً منثورًا، ويا عظم المصيبة عندما تتبين بوارق آماله وأمانيه خُلَّبًا غرورًا! فما ظن من انطوت سريرته على البدعة والهوى والتعصب للآراء بربه يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِر (٢)؟ وما عذر مَن نبَذ كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وراء ظهره في يوم لا ينفع فيه (٣) الظالمين المعاذر (٤)؟ أفيظن (٥) المُعرِض عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أن ينجو غدًا بآراء الرجال، أو (٦) يتخلَّص من مطالبة الله تعالى له بكثرة البحوث والجدال، أو ضروب الأقيسة وتنوع الأشكال، أو بالشطحات (٧) والإشارات وأنواع الخيال؟ هيهات! والله لقد ظن أكذب الظن، ومنَّته نفسه أبين المحال، وإنما ضمِنت النجاة لمن حكَّم هدى الله تعالى على غيره، وتزود التقوى، وأتمَّ بالدليل وسلك الصراط المستقيم، واستمسك من التوحيد واتباع الرسول ﷺ بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والله سميع عليم.

стр. 143

فصل وملاك النجاة والسعادة والفوز بتحقيق التوحيدين اللذين عليهما مدار كتب (١) الله تعالى، وبتحقيقهما بعث الله رُسُلَه (٢) عليهم الصلاة والسلام وإليهما رغَّب (٣) الرسل صلوات الله وسلامه عليهم كلهم (٤)، من أولهم إلى آخرهم. أحدهما: التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي المتضمن إثبات صفات الكمال لله تعالى، وتنزيهه فيها عن التشبيه والتمثيل، وتنزيهه عن صفات النقص. والتوحيد الثاني: عبادته وحده لا شريك له، وتجريد محبته والإخلاص له وخوفه ورجاؤه والتوكل عليه والرضى به ربًّا وإلاهًا ووليًّا، وأن لا يجعل له عدلًا في شيء [ب/ق ١٨ أ] من الأشياء. وقد جمع هذين النوعين من التوحيد في سورتي الإخلاص وهما: سورة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ المتضمنة للتوحيد العملي الإرادي، وسورة [ظ/ق ١٥ ب] ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ المتضمنة

стр. 144

للتوحيد الخبري العلمي (١). فسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها بيان ما يجب لله تعالى من صفات الكمال، وبيان ما يجب تنزيهه من النقائص والأمثال. وسورة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فيها إيجاب عبادته وحده (٢)، والتَّبري من عبادة كل ما سواه. ولا يتم أحد التوحيدين إلا بالآخر، ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ بهاتين السورتين في سنة الفجر (٣) والوتر (٤)، اللتين هما فاتحة العمل

стр. 145

وخاتمته، ليكون مبدأ النهار توحيدًا وخاتمته توحيدًا. فالتوحيد العلمي الخبري له ضدَّان: التعطيل والتشبيه والتمثيل. فمن نفى صفات الرب وعطلها كذَّب تعطيلُه توحيدَه، ومن شَبَّهه بخلقه ومَثَّلَهُ بهم كذَّب تشبيهُه وتمثيلُه توحيده. والتوحيد الإرادي العملي له ضدَّان أيضًا (١): الإعراض عن محبته والإنابة إليه والتوكل عليه، أو الإشراك به في ذلك، واتخاذ أولياء وشفعاء من دونه. وقد جمع بين التوحيدين (٢) في غير موضع من

стр. 146

القرآن: فمنها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة/٢١، ٢٢]. ومنها: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر/ ٦١ ـ ٦٥]. ومنها: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ [ب/ق ١٨ ب] وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة/٤ ـ ٦].

стр. 147

وتأمل ما في هذه الآيات من الرد على طوائف المعطلين والمشركين ، فقوله: ﴿ ... خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ .. ﴾ يتضمن: إبطال قول الملاحدة القائلين بقِدَم العالم ، وأنه لم يزل، وأن الله سبحانه لم يخلقه بقدرته ومشيئته. ومن أثبت منهم وجود الرب جعله لازمًا لذاته أزلًا (١) وأبدًا غير مخلوق، كما هو [ظ/ق ١٦ أ] قول ابن سينا والنصير الطوسي وأتباعهما من الملاحدة الجاحدين لِمَا اتَّفقت عليه الرسل عليهم الصلاة والسلام والكتب، وشهدت به العقول والفِطَر. وقوله تعالى: ﴿ ... ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ... ﴾ يتضمن: إبطال قول المعطلة والجهمية الذين يقولون: ليس على العرش شيء (٢) سوى العدم، وإن الله ليس مستويًا على عرشه، ولا ترفع إليه الأيدي، ولا يصعد إليه الكلم الطيب، ولا رفع المسيح ﵊ إليه، ولا عرج برسوله محمد ﷺ إليه، ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا ينزل من عنده جبريل ﵊ ولا غيره، ولا ينزل هو كل ليلة إلى السماء (٣) الدنيا، ولا يخافه عباده من الملائكة وغيرهم من

стр. 148

فوقهم، ولا يراه المؤمنون في الدار الآخرة عيانًا بأبصارهم من فوقهم، ولا تجوز الإشارة إليه بالأصابع إلى فوق، كما أشار إليه النبي ﷺ في أعظم مجامعه في حجة الوداع إليه، وجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكبها إلى الناس ويقول: اللهم اشهد (١). قال شيخ الإسلام (٢): «وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسوله ﷺ ، وعامة كلام الصحابة والتابعين، وكلام سائر الأئمة؛ مملوء بما هو نصٌّ أو ظاهر (٣) في أن الله فوق كل شيء، وأنه فوق العرش، فوق السماوات مستو على عرشه. مثل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ .. ﴾ الآية [فاطر/ ١٠]. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران/ ٥٥].

стр. 149

وقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء/ ١٥٨]. وقوله تعالى: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج/ ٣، ٥٤]. وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ [ب/ق ١٩ أ] ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة/٥]. وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل/٥٠]. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة/٢٩]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف/٥٤]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس/٣]. فذكر التوحيدين في هذه الآية. وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى

стр. 150

الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٤، ٥]. وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان/٥٨، ٥٩]. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ [ظ/ق ١٦ ب] السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد/٤]، فذكر عموم علمه (١) وعموم قدرته، وعموم إحاطته وعموم رؤيته. وقوله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) [السجدة/٤ ـ ٦]. وقوله : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ

стр. 151

نَذِيرِ﴾ [الملك/١٦، ١٧]. وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت/ ٤٢]. وقوله : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى/١]، فالله هو العلي الأعلى، علا كل شيء من كلِّ وجهٍ (١). وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجاثية/٢]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا ... ﴾ الآية [غافر/٣٦، ٣٧]. قال أبو الحسن الأشعري ــ وقد احتج بهذه الآية على الجهمية ــ: فأكذب (٢) فرعون موسى ﵇ في قوله: إن الله فوق السماوات» (٣). وسيأتي إن شاء الله تعالى حكاية كلامه بحروفه (٤).

стр. 152

وقال (١) الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ/٢٣]. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف/٨٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج/١٤، ١٥]. وقال: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر/١ ٢]. أقوال رسل الله والسفراء بينه وبين خلقه ، وأعرف الخلق به، وأعظمهم تنزيهًا له: وقد اتَّفقت كلهم من أولهم إلى آخرهم على: أنَّ الله فوق سماواته عالٍ على خلقه مستوٍ بذاته على عرشه. قال الشيخ أبو محمد عبد القادر الجيلي: «وعُلُو الله على خلقه فوق سماواته في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل» اهـ. قول آدم أبي البشر ﵇: ذكر عكرمة ووهب عن ابن عباس قال: «أهبط الله آدم إلى الأرض،

стр. 153

وقال له: سأُبوِّئك بيتًا أخصُّه بكرامتي، وأدَّخره لنفسي، ولست أسكنه، وليس ينبغي له أن يسعني ولا يحملني، ولكن على كرسي الكبرياء والجبروت، وهو الذي يستقل بعزتي، وهو الذي وضعت عليه عظمتي وجلالي، وهناك استقر قراري وهو بعْدُ ضعيف عنِّي لولا قوَّتي» (١). قول داود ﵇: قال أحمد: ثنا سيَّار (٢) ثنا جعفر قال: سمعت ثابتًا يقول: كان داود ﵇ يُطيل الصلاة من الليل [ظ/ق ١٧ أ] فيركع الركعة، ثم يرفع رأسه فينظر إلى أديم السماء، ثم يقول: «إليك رفعت رأسي يا عامر السماء» (٣). وقال ابن منيع: حدثنا علي بن مسلم قال: حدثنا سيَّار (٤) بن حاتم قال: حدثنا جعفر بن سليمان قال: ثنا ثابت قال: كان داود ﵇ يُطيل الصلاة، ثم يركع، ثم يرفع رأسه، فيقول: «إليك رفعت رأسي يا عامر السماء، نظر العبيد إلى أربابها» (٥).

стр. 154

قال أحمد: ثنا أبو عمر الضرير ثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الله الجدليّ، قال: «ما رفع داود ﵇ رأسه إلى السماء بعدما أصاب الخطيئة حتى مات» (١). وقال سليمان بن حرب: حدثنا حماد بن سلمة ثنا عطاء بن السائب عن أبي عبد الله الجدلي قال: «ما رفع داود ﵇ رأسه إلى السماء بعد الخطيئة حياءً من ربه » (٢). قول إبراهيم الخليل ﵇: قرأتُ بخطِّ الماوردي: «إن الله أوصى إلى خليله إبراهيم: أنا ذو الغنى عن جميع خلقي، أفيض برحمتي [على] من أشاء، وبيدي الفضل والجود والكرم، ورحمتي وسعت كل شيء علمًا، وأنا خلقت الغَيْرة، وأنا غيور، فاحذر أن أطّلع من فوق عرشي على قلبك فارًّا معرضًا عنِّي

стр. 155

مشغولًا بغيري؛ فأمحق اسمك من ديوان أهل محبَّتي. وكُنْ والِهًا بذكري، مشغولًا بجلالي، لا يخفى عليَّ شيء في الأرض ولا في السماء، الخفيّ عندي جهير». قول يوسف ﵇: قال وهب بن منبه: «قالت امرأة العزيز ليوسف: ادخل معي القَيْطون ـ يعني: السِّتْر ـ فقال: إن القيطون لا يسترني من ربي» (١). قول موسى ﵇: قال أحمد: ثنا عبد الرحمن عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار قال: قال موسى ﵇: «يا رب مَنْ أهلك الذين تظلُّهم في ظل عرشك؟ قال: هم البريئة أيديهم، الطاهرة قلوبهم الذين يتحابُّون بجلالي، الذين إذا ذُكرتُ ذُكروا بي، وإذا ذُكِروا ذُكِرتُ بذكرهم، الذين يسبغون الوضوء في المكاره، ويُنيبون إلى ذكري كما ينيب النسور إلى وكورها، ويكلفون بحبِّي كما يكلَف الصَّبيُّ بحب الناس، ويغضبون لمحارمي إذا استحلَّت كما يغضب النمر إذا حُرِّبَ (٢)» (٣).

стр. 156

قول نبينا محمد سيد الأولين والآخرين ﷺ (١): ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لمَّا خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي» (٢). وفي لفظٍ آخر: «كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده: إن رحمتي تغلب غضبي» (٣). وفي لفظ: «وهو وضْعٌ عنده على العرش» (٤). وفي لفظ: «هو مكتوب عنده فوق العرش» (٥). وهذه الألفاظ كلها في «صحيح البخاري» (٦).

стр. 157

وحديث المعراج (١) [ظ/ق ١٧ ب] «تجاوز النبي ﷺ السماوات (٢) سماءً سماءً، حتى انتهى إلى ربه تعالى فقرَّبه وأدناه، وفرض عليه [ب/ق ١٩ ب] الصلوات خمسين صلاة، فلم يزل يتردَّد بين موسى ﵇ وبين ربه ﵎: ينزل من عند ربه تعالى إلى عند موسى فيسأله: كم فرض عليه فيخبره، فيقول: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فيصعد إلى ربه فيسأله التخفيف (٣)» (٤). وفي «صحيح مسلم» عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (٥). وفي «مسند الحارث بن أبي أسامة»: من حديث أبي قُرَّة عن مالك

стр. 158

عن زياد بن سعد ثنا أبو الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا كان يوم القيامة جُمِعت الأمم، ودُعِيَ كل أُناسٍ بإمامهم، فجئنا آخر الناس، فيقول قائل الناس: من هذه الأمة، ـ قال: ـ ويشرف إلينا الناس، فيقال: هذه الأُمَّة الأمينة، هذه أُمة محمد ﷺ ، وهذا محمد في أُمَّته، فينادي منادٍ: إنكم الآخرون الأوَّلون، قال: فنأتي فنتخطَّى رقاب الناس حتى نكون أقرب الناس إلى الله منزلة، ثم يُدعى الناس، كل أُناسٍ بإمامهم، فتُدعى اليهود، فيقال: من أنتم؟ فيقولون: نحن اليهود، فيقال: من نبيكم؟ فيقولون: نبينا موسى ﵇، فيقول: ما كتابكم؟ فيقولون: كتابنا التوراة، فيقول: ما تعبدون؟ فيقولون: نعبُدُ عُزَيْرًا ونعبد الله، فيقول الملأ حولهم: اسلكوا بهم في جهنم. ثم تُدعى النصارى، فيقول: مَنْ أنتم؟ فيقولون (١): نحن النصارى، فيقول: من نبيكم؟ فيقولون: نبينا عيسى ﵇. فيقول: ما كتابكم؟ فيقولون: كتابنا الإنجيل. فيقول: ما تعبدون؟ فيقولون: نعبد عيسى (٢). فيقول لعيسى: يا عيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ

стр. 159

شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة/ ١١٦ ـ ١١٨]. ثم يُدعى كل أُناسٍ بإمامهم، وما كانوا يعبدون، ثم يصرخ الصارخ أيها الناس: مَنْ كان يعبد إلهًا فليتبعه، تقدمهم آلهتهم فيها الخشب والحجارة [ظ/ق ١٨ أ]، وفيها الشمس والقمر وفيه الدجال، حتى يبقى المسلمون، فيقف عليهم فيقول: مَنْ أنتم؟ فيقولون: نحن المسلمون. قال: خيرُ اسمٍ، وخير داعية، فيقول: مَن نبيكم؟ فيقولون: محمد. فيقول: ما كتابكم؟ فيقولون: القرآن. فيقول: ما تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله وحده لا شريك له. قال: سينفعكم ذلك إن صدقتم. قالوا: هذا يومنا الذي وُعِدْنا. فيقول: أتعرفون الله إن رأيتموه؟ فيقولون: نعم. فيقول: وكيف تعرفونه ولم تروه؟ فيقولون: نعلم أنه لا عِدْل له. قال: فيتجلَّى لهم ﵎، فيقولون: أنت ربنا تباركت أسماؤك، ويخرُّون له سُجَّدًا، ثم يمضي النور بأهله» (١). وذكر البخاري في كتاب التوحيد (٢) من «صحيحه» حديث أنس

стр. 160

رضي الله عنه حديث الإسراء وقال فيه: ثم علا به يعني جبرائيل فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاوز سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إليه فيما أوحى إليه خمسين صلاة، ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه، فقال: يا محمد ماذا عهد إليك ربك؟ قال: عهد إليّ خمسين صلاة كل يوم وليلة (١). قال: إن أُمتك لا تستطيع ذلك (٢)، فارجع فليخفِّف عنك ربك وعنهم، فالتفتَ النبي ﷺ إلى جبرائيل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل: أن نعم إن شئت. فعلا به إلى الجبَّار ﵎ فقال ـ وهو مكانه ـ: يا رب خفِّف عنا ... وذكر الحديث. وفي «الصحيحين» (٣) من حديث الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يُكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذَّاب، وعائل مستكبر» (٤). وفي «الصحيحين»: عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار،

стр. 161

ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم ـ وهو أعلم بهم ـ فيقول: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون» (١). ولمَّا حكَّم سعد بن معاذ ﵁ في بني قريظة [ب/ق ٢٠ أ] بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذريتهم وتقسم (٢) أموالهم، قال له النبي ﷺ : «لقد حكَمْتَ فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرْقِعَة» (٣). وفي لفظ: «من فوق سبع سماوات» (٤).

стр. 162

وأصل القصة في الصحيحين (١) [ظ/ق ١٨ ب] وهذا السياق لمحمد ابن إسحاق في «المغازي». وفي «الصحيحين» من حديث أبي سعيد ﵁ قال: بعث علي بن أبي طالب إلى النبي بذُهَيبة في أديم مقروض لم تفصل من ترابها. قال: فقسمها بين أربعةٍ: بين عيينة بن بدرٍ، والأقرع بن حابس وزيد الخيل (٢). والرابع: إما علقمة، وإما عامر بن الطفيل (٣)، قال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ

стр. 163

فقال: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء مساءً وصباحًا (١)» (٢). وفي (٣) «الصحيحين» من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا أحبَّ الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحِبُّوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» (٤). وفي لفظٍ «لمسلم»: «إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانًا فأحِبَّه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحِبُّوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل، فيقول: إني أُبغض فلانًا فأبْغِضْه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، ثم يوضع له البغضاء في الأرض» (٥). وفي «صحيح مسلم»: من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله تعالى يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلّهم

стр. 164

في ظلِّي، يوم لا ظل إلا ظلِّي» (١). وفي «صحيح مسلم» عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: لطمتُ جارية لي فأخبرت رسول الله ﷺ فعَظَّمَ ذلك عليَّ قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: بلى ائتني بها، قال: فجئت بها رسول الله ﷺ فقال لها: «أين الله؟» قالت: في السماء. قال: «فمن أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها (٢)؛ فإنها مؤمنة» (٣). وفي «صحيح البخاري» عن أنس بن مالك ﵁ قال: كانت زينب ﵂ تفتخر على أزواج النبي ﷺ وتقول: «زوجكُنَّ أهاليكنَّ، وزوجني الله من فوق سبع سماوات» (٤). وفي «سنن أبي داود»: من حديث جبير بن مطعم قال: أتى رسول الله ﷺ أعرابي فقال: يا رسول الله نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال (٥)، استسقِ لنا ربَّك، فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله،

стр. 165

فقال رسول الله ﷺ : «سبحان الله»، فما زال يُسبِّح حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه، فقال: «ويحك! أتدري ما الله؟ إنَّ شأنه أعظم من ذلك، إنه لا يُستشفع به على أحدٍ من خلقه، إنه لفوق سماواته على عرشه، وإنه عليه لهكذا، وإنه ليئطُّ به [ظ/ق ١٩ أ] أطيط الرَّحْل بالراكب» (١). وفي «سنن أبي داود»: أيضًا و «مسند الإمام أحمد» من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: كنت في البطحاء في عصابة، وفيهم رسول الله ﷺ ، فمرَّتْ سحابة فنظر إليها فقال: «ما تسمون هذه؟» قالوا: السحاب قال: «والمزن». قالوا: [ب/ق ٢٠ ب] والمزن قال: «والعنان» قالوا: والعنان قال: «هل تدرون بُعْدَ ما بين السماء والأرض؟»

стр. 166

قالوا: لا ندري قال: «إن بُعْدَ ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ثم السماء فوقها كذلك ـ حتى عدَّ سبع سماوات ـ ثم فوق السماء السابعة بحر، بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماءٍ إلى سماءٍ، ثم فوق ذلك ثمانية أوعالٍ، بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماءٍ إلى سماءٍ، ثم على ظهورهم العرش، بين (١) أسفله وأعلاه مثل (٢) ما بين سماء إلى سماء، ثم الله فوق ذلك» (٣).

стр. 167

زاد أحمد: وليس يخفى عليه شيءٌ من أعمال بني آدم» (١). وفي «سنن أبي داود» أيضًا: عن فَضَالة بن عبيد عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «من اشتكى منكم أو اشتكى أخٌ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدَّس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء

стр. 168

اجعل رحمتك في الأرض، أنت ربُّ الطيبين، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك على هذا (١) الوجع، فيبرأ» (٢). وفي «مسند الإمام أحمد» عن أبي هريرة ﵁ أن رجلًا أتى النبي ﷺ بجارية سوداء أعجمية، فقال: يا رسول الله إن عليَّ رقبة مؤمنة، فقال لها رسول الله ﷺ : «أين الله؟» فأشارت بإصبعها السبابة إلى السماء، فقال لها: «من أنا؟» فأشارت بإصبعها إلى رسول الله ﵌ وإلى السماء، أي: أنت رسول الله. فقال: «أعتقها» (٣).

стр. 169

وفي «جامع الترمذي»: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَنْ في الأرض يرحمكم مَنْ في السماء» (١).

стр. 170

قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وذكر (١) هُشيم بن بشر السلمي (٢) عن مسروق عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إنَّ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وإن الله تعالى يباهي بالعبد الملائكة إذا نام في سجوده، يقول للملائكة: انظروا إلى عبدي روحه عندي، وجسده في عبادتي، أُشهدكم أنِّي قد غفرت له» (٣).

стр. 171

وقال قتيبة بن سعيد ثنا نوح بن قيس قال: حدثني أبو هارون العبدي عن أبي سعيد [ظ/ق ١٩ ب] الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليلة أُسريَ بي انطُلِق بي إلى خلقٍ من خلق كثير نساؤه معلقات بثديهنَّ، ومنهن بأرجلهن منكَّساتٍ، ولهنَّ صراخ وخوار، فقلت: يا جبريل مَنْ هؤلاء؟ قال: هؤلاء اللواتي يزْنينَ، ويقْتلْنَ أولادهن، ويجعلْن لأزواجهنَّ ذرِّية من غيرهم» (١). وفي «جامع الترمذي»: من حديث أسماء بنت عُميس ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بئس العبد عبد تجبَّر واعتدى ونسي الجبَّار الأعلى، بئس العبد عبد تخيَّل واختال ونسيَ الكبير المتعال» (٢).

стр. 172

وفي «جامع الترمذي» (١) أيضًا: عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ لأبي: «يا حصين: كم تعبد اليوم إلاهًا»؟ قال أبي: سبعة: ستةً في الأرض وواحدًا في السماء. قال: «فأيَّهم تُعِدُّ لرغبتك ورهبتك»؟ قال: الذي في السماء. قال: «يا حصين أما إنك لو أسلمت علَّمتُك كلمتين تنفعانك». قال: فلمَّا أسلم حصين جاء فقال: يا رسول الله، علِّمني الكلمتين [ب/ق ٢١ أ] اللتين وعدتني، قال: «قل (٢) اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شرِّ نفسي» (٣).

стр. 173

وفي «صحيح مسلم»: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵌ قال: «والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها (١)» (٢). وذكر (٣) عثمان بن سعيد الدارمي: أن أبا بُردة بن أبي موسى الأشعري أتى عمر بن عبد العزيز فقال: ثنا أبو موسى أن رسول الله ﷺ قال: «يجمع الله الأمم يوم القيامة في صعيدٍ واحدٍ، فإذا بدا له أن يصدع بين خلقه، مَثَّلَ لكل قوم (٤) ما كانوا يعبدون، فيتبعونهم حتى يقحمونهم

стр. 174

النار، ثم يأتينا ربنا ونحن في مكانٍ (١)، فيقول: مَنْ أنتم؟ فنقول: نحن المؤمنون. فيقول: ما تنتظرون؟ فنقول: ننتظر ربنا. فيقول: من أين تعلمون أنه ربكم؟ فنقول: حدثتنا الرُّسُل ـ أو جاءتنا الرسل ـ فيقول: هل تعرفونه؟ فيقولون: نعم، إنه لا عِدْل له، فيتجلَّى لنا ضاحكًا، ثم يقول: أبشروا معشر المسلمين، فإنه ليس منكم أحد إلا قد جعلت مكانه في النار يهوديًّا أو نصرانيًّا». فقال عمر لأبي بُردة: آلله لقد سمعتَ أبا موسى يحدث بهذا الحديث عن رسول الله ﷺ ؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو، لقد سمعت أبي يذكره عن رسول الله ﷺ غير مرةٍ ولا مرَّتين ولا ثلاثًا. فقال عمر بن عبد العزيز: ما سمعت في الإسلام حديثًا هو أحبُّ إليَّ منه» (٢). وروى «الشافعي في مسنده» من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: «أتى جبريل بمرآةٍ بيضاء فيها نكتة سوداء [ظ/ق ٢٠ أ] إلى النبي ﵌، فقال النبي ﷺ : ما هذه؟ قال: هذه الجمعة،

стр. 175

فُضِّلْتَ بها أنت وأمتك، فالناس لكم تَبَعٌ: اليهود والنصارى، ولكم فيها خير، وفيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو الله بخير إلا استُجِيب له، وهو عندنا يوم المزيد، قال النبي ﵌: يا جبريل وما يوم المزيد؟ قال: إن ربك اتخذ في الجنة واديًا أفيح، فيه كُثُب من مِسْك، فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله ﵎ ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور عليها مقاعد النَّبيِّين، وحفَّ تلك المنابر بمنابر من ذهبٍ مُكلَّلة بالياقوت والزبرجد عليها الشهداء والصديقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكُثُب، فيقول الله : أنا ربكم، قد صدقتكم وعدي فاسألوني أعطكم. فيقولون: ربنا نسألك رضوانك. فيقول: قد رضيت عنكم، ولكم ما تمنيتم ولدَيَّ مزيد، فهم يحبُّون يوم الجمعة لما يُعطيهم فيه ربهم من الخير، وهو اليوم الذي استوى فيه ربك (١) على العرش، وفيه خَلَق آدم، وفيه تقوم الساعة» (٢). ولهذا الحديث عِدَّة طرق جمعها أبو بكر بن أبي داود في جزء. وفي «سنن ابن ماجه» من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «وبينا أهل الجنة في نعيمهم، إذ سطع لهم نور،

стр. 176

فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب ﵎ قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، وذلك قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس/٥٨]، قال: فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم» (١). وفي «الصحيحين» [ب/ق ٢١ ب] من حديث أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تصدق بعدل تمرة من كسبٍ طيبٍ ـ ولا يصعد إلى الله إلا الطيب ـ فإن الله يتقبَّلها بيمينه، ثم يُربِّيها لصاحبها كما يُربي أحدكم فُلُوَّهُ حتى تكون مثل الجبل» (٢). وفي «صحيح ابن حبان»: عن أبي عثمان النَّهْدي عن سلمان الفارسي ﵁ عن النبي ﵌ قال: «إن ربكم حَيِيٌّ كريم يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صِفرًا» (٣).

стр. 177

وروى ابن وهب قال: أخبرني سعيد بن أبي أيوب عن زُهْرة بن

стр. 178

مَعْبد عن ابن عمِّه (١) أخبره أنه سمع عقبة بن عامر ﵁ يقول: قال رسول الله ﵌: «من توضأ فأحسن وضوءه ثم رفع نظره إلى السماء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له [ظ/ق ٢٠ ب] وأن محمدًا عبده ورسوله فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء» (٢). وفي حديث الشفاعة الطويل عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﵌ قال: «فأدخل على ربي ﵎ وهو على عرشه» (٣) وذكر الحديث.

стр. 179

وفي بعض ألفاظ البخاري في «صحيحه»: «فأستأذن على ربي في داره فيُؤذن لي عليه» (١). قال عبد الحق في «الجمع بين الصحيحين»: هكذا قال: «في داره» في المواضع الثلاث (٢). اهـ. يريد: مواضع الشفاعات الثلاث التي يسجد فيها ثم يرفع رأسه. وروى يحيى بن سعيد الأموي في «مغازيه»: من طريق محمد بن إسحاق قال: خرج عبدٌ أسود لبعض أهل خيبر حتى (٣) جاء رسول الله ﵌ فقال: من هذا؟ قالوا: رسول الله ﵌ قال: الذي في السماء؟ قالوا: نعم. قال: أنت رسول الله؟

стр. 180

قال: نعم. قال: الذي في السماء؟ قال: نعم. فأمره رسول الله ﵌ بالشهادة، فتشهَّد فقاتل حتى استشهد» (١). وروى عدي بن عميرة الكندي عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ حدّث عن ربه فقال: «وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي ما من أهل قرية ولا بيت ولا رجل ببادية كانوا على ما كرهت من معصيتي، فتحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي؛ إلا تحوَّلْتُ لهم عمَّا يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي». رواه ابن أبي شيبة في «كتاب العرش» (٢)، وأبو أحمد العسال في «كتاب المعرفة». وصح عن أبي هريرة ﵁ بإسناد مسلم قال: قال رسول الله
следующие страницы →