← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18632

اجتماع الجيوش الإسلامية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (604 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قال شيخ الإسلام: «وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور جَهْم، المنكر لكون الله فوق عرشه، والنافي لصفاته، ليعرف الناس أن مذهب السلف كان بخلاف قوله» (١). وقال أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد»: « ... علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل؛ قالوا في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ ... ﴾ [المجادلة/٧]: هو على العرش وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يُحْتجُّ به (٢)» (٣). قول الحسن البصري رحمه الله تعالى: روى أبو بكر الهُذَلي عن الحسن رحمه الله تعالى قال: «ليس شيء عند ربك من الخلق أقرب إليه من إسرافيل، وبينه وبين ربه سبعة حُجُبٍ، كل حجاب مسيرة خمسمائة عام، وإسرافيل دون هؤلاء، ورأسه

стр. 247

تحت العرش ورجلاه في تخوم السابعة» (١). قول مالك بن دينار رحمه الله تعالى: ذكر أبو العباس السراج: حدثنا عبد الله بن أبي زياد وهارون قالا حدثنا سيَّار قال: حدثنا جعفر، قال: سمعت مالك بن دينار يقول: «إن الصدّيقين إذا قُرئ عليهم القرآن طَرِبتْ قلوبهم إلى الآخرة»، ثم يقول: «خذوا»، فيقرأون (٢) ويقول: «اسمعوا إلى قول الصادق من فوق عرشه (٣)، وكان مالك بن دينار وغيره من السلف يذكرون [ب/ق ٢٨ ب] هذا الأثر: «ابن آدم خيري إليك نازل، وشرّك صاعد إليَّ، وأتحبَّب (٤) إليك بالنعم، وتتبغَّض

стр. 248

إليَّ بالمعاصي، ولا يزال ملك كريم قد عرج (١) إليَّ منك بعملٍ قبيح» (٢). قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن ﵀ [ظ/ق ٢٩ ب] شيخ مالك ابن أنس رحمه الله تعالى: قال يحيى بن آدم عن أبيه عن ابن عيينة قال: سُئِل ربيعة عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥]، كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله تعالى الرسالة، وعلى الرسول ﷺ البلاغ، وعلينا التصديق» (٣).

стр. 249

قول عبد الله بن الكوَّاء رحمه الله تعالى (١): ذكر الحافظ أبو القاسم ابن عساكر رحمه الله تعالى في «تاريخه» عن هشام بن سعد قال: قَدِم عبد الله بن الكوَّاء على معاوية، فقال له: أخبرني عن أهل البصرة؟ قال: «يقاتلون معًا ويدبرون شتَّى. قال: فأخبرني عن أهل الكوفة؟ قال: أنظَرُ الناس في صغيرةٍ، وأوقعه (٢) في كبيرة. قال: فأخبرني عن أهل المدينة؟ قال: أحرص الناس على الفتنة، وأعجزهم عنها. قال: فأخبرني عن أهل مصر؟ قال: لُقْمة آكل، قال: فأخبرني عن أهل الجزيرة؟ قال: كناسة بين مدينتين. قال: فأخبرني عن أهل الموصل؟ قال: قلادة وليدة، فيها من كل شيءٍ خرزة. قال: فأخبرني عن أهل الشام؟ قال: جند أمير المؤمنين لا أقول فيهم شيئًا، قال: لتقولن. قال أطوع الناس لمخلوق وأعصاهُ (٣) لخالق، ولا يحسبون للسماء ساكنًا» (٤).

стр. 250

أقوال تابعي التابعين جملة (١) رحمهم الله تعالى: ذكر قول عبد الله بن المبارك ﵀: روى الدارمي والحاكم والبيهقي وغيرهم بأصح إسنادٍ إلى علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: نعرف ربنا بأنه فوق سبع سماوات، على العرش استوى (٢)، بائن من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية» (٣). وفي لفظ آخر: «قلت: كيف نعرف ربنا؟ قال: في السماء السابعة على عرشه، ولا نقول كما قالت الجهمية» (٤). قال الدارمي: حدثنا الحسن بن الصباح البزار حدثنا علي بن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك، قال: قيل له: كيف نعرف ربنا؟

стр. 251

قال: «بأنه فوق السماء السابعة على [ب/ق ٢٩ أ] العرش (١) بائن من خلقه» (٢). قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي: «ومما يحقق قول ابن المبارك قول رسول الله ﷺ للجارية: «أين الله»؟ يمتحن بذلك إيمانها، فلما قالت: في السماء قال: «أعتقها فإنها مؤمنة»، والآثار في ذلك عن رسول الله ﷺ كثيرة، والحجج متظاهرة والحمد لله على ذلك (٣). ثم ساقها الدارمي رحمه الله تعالى. وذكر ابن خزيمة عن ابن المبارك أنه قال له رجل: يا أبا عبد الرحمن قد خفت من كثرة ما [ظ/ق ٣٠ أ] أدعو على الجهمية، فقال: لا تخف، فإنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشيء (٤). وصح عن ابن المبارك أنه قال: إنا لنستطيع (٥) أن نحكي كلام

стр. 252

اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية (١). قول الأوزاعي رحمه الله تعالى: قال أبو عبد الله الحاكم: أخبرني محمد بن علي الجوهري ببغداد، حدثنا إبراهيم بن الهيثم، حدثنا محمد بن كثير المصيصي قال: سمعت الأوزاعي يقول: كُنا والتابعون متوافرون نقول: «إن الله تعالى جلَّ ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة» (٢). وهذا الأثر يدخل في حكاية مذهبه ومذهب التابعين، فلذلك ذكرناه في الموضعين. قول حماد بن زيد رحمه الله تعالى: قال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة: حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا سليمان بن حرب قال: سمعت حماد بن زيد يقول:

стр. 253

«الجهمية إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء» (١). قال شيخ الإسلام: «وهذا الذي كانت (٢) الجهمية يحاولونه قد صرَّح به المتأخرون منهم، وكان ظهور السنة وكثرة الأئمة في عصر أولئك يَحُول بينهم وبين التصريح به، فلمَّا بَعُدَ العهد وخفِيت السُّنة وانقرضت (٣) الأئمة صرحت الجهمية النفاة بما كان سلفهم يحاولونه، ولا يتمكنون من إظهاره» (٤). قول سفيان الثوري ﵁: قال معدان: سألت سفيان الثوري عن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد/٤] قال: علمه. ذكره أبو عمر (٥).

стр. 254

قول وهب بن جرير رحمه الله تعالى: قال الأثرم: حدثنا أبو عبد الله الأوسي (١) قال: سمعت وهب بن جرير يقول: إنما يريد الجهمية [/ق ٢٩ ب] أنه ليس في السماء شيء (٢). قال: وقلت لسليمان بن حرب: أي شيء كان حماد بن زيد يقول في الجهمية؟ فقال: كان يقول: إنما يريدون أنه ليس في السماء شيء (٣). ذكر أقوال الأئمة الأربعة ﵃ (٤): قول الإمام أبي حنيفة قدس الله روحه (٥): قال البيهقي: حدثنا أبو بكر بن الحارث الفقيه حدثنا أبو محمد بن

стр. 255

حيَّان أخبرنا أحمد بن جعفر بن نصر حدثنا يحيى بن يعلى قال: سمعت نعيم بن حماد (١) يقول: سمعت نوح بن أبي مريم أبا عصمة يقول: كنا عند أبي حنيفة أول ما ظهر، إذ جاءته امرأة من ترْمِذ كانت تجالس جهمًا فدخلت الكوفة، فقيل لها: إن هاهنا رجلًا قد نظر في المعقول يقال له: أبو حنيفة فأتيه (٢)، فأتتهُ فقالت: أنت [ظ/ق ٣٠ ب] الذي تُعلِّم الناس المسائل، وقد تركت دينك؟ أين إلهك الذي تعبده؟ فسكت عنها، ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها، ثم خرج إلينا وقد وضع كتابًا: إن الله في السماء دون الأرض. فقال له رجل: أرأيت قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ قال: هو كما تكتب للرجل: إنِّي معك، وأنت عنه غائب. قال البيهقي: فقد (٣) أصاب أبو حنيفة رحمه الله تعالى فيما نفى عن الله تعالى وتقدَّس من الكون في الأرض، وفيما ذكر من تأويل الآية، وتبع مطلق السمع في قوله: إن الله في السماء (٤).

стр. 256

قال شيخ الإسلام (١): وفي كتاب «الفقه الأكبر» المشهور عند أصحاب أبي حنيفة الذي رووه بالإسناد عن أبي مُطيع البلخي الحكم ابن عبد الله قال: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر فقال: لا تكفِّرنَّ (٢) أحدًا بذنب، ولا تنف أحدًا من الإيمان به، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتعْلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولا تتبرأ من أحدٍ من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا توالي أحدًا دون أحدٍ، وأن تردَّ أمر عثمان وعلي ﵄ إلى الله تعالى. قال أبو حنيفة ﵀: الفقه الأكبر (٣) في الدين خيرٌ من الفقه في العلم، ولأن يتفقَّه الرجل كيف يعبد ربه خير من أن يجمع العلم الكثير. قال أبو مطيع قلت: فأخبرني عن أفضل الفقه؟ قال: تعلُّم (٤) الرجل الإيمان، والشرائع [ب/ق ٣٠ أ] والسنن، والحدود، واختلاف الأئمة ــ وذكر مسائل في الإيمان ثم ذكر مسائل في القدر ثم قال: ــ فقلت له: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، فيتبعه على ذلك أُناس

стр. 257

فيخرج من (١) الجماعة هل ترى ذلك؟ قال: لا. قلت: ولِمَ وقد أمر الله تعالى ورسوله ﵌ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو فريضة واجبة؟ قال: هو (٢) كذلك لكن ما يفسدون أكثر مما يصلحون، من سفك الدماء واستحلال الحرام ــ وذكر الكلام في قتال الخوارج والبغاة إلى أن قال ــ: قال أبو حنيفة: ومن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر، لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥]، وعرشه فوق سبع سماوات (٣) قلت: فإن قال: إنه على العرش ولكنه يقول (٤) لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء؛ لأنه تعالى في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل. وفي لفظٍ: سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف (٥) ربي [ظ/ق ٣١ أ] في السماء أو في الأرض قال: قد كفر لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥]. وعرشه فوق سبع سماوات قال: فإنه يقول على العرش

стр. 258

استوى ولكنه لا يدري العرش في الأرض أو في السماء، قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر» (١). وروى هذا عنه (٢) شيخ الإسلام أبو (٣) إسماعيل الأنصاري (٤) في كتابه «الفاروق» بإسناده. قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد (٥) رحمه الله تعالى: «ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة ﵀ عند أصحابه: أنه كفَّر الواقف الذي يقول: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض، فكيف يكون الجاحد النافي الذي يقول: ليس في السماء ولا في الأرض؟ واحتجَّ على كُفْره بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥] قال: وعرشه فوق سبع سماوات، وبيِّنٌ (٦) بهذا أن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ

стр. 259

عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ يُبيِّن أن الله فوق السماوات (١) فوق العرش، وأن الإستواء على العرش دلَّ على أن الله تعالى بنفسه (٢) فوق العرش. ثم أردف ذلك بكفر من توقف في كون العرش في السماء أو في الأرض. قال: لأنه أنكر أن يكون في السماء [ب/ق ٣٠ ب] وأن (٣) الله في أعلى علِّيين، وأنه يُدعى من أعلى لا من أسفل، واحتجَّ بأن الله في أعلى عليين، وأنه يُدعى من أعلى لا من أسفل. وكل من هاتين الحُجَّتين: فطرية عقلية، فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله في العلو، وعلى أنه يدعى من أعلى لا من أسفل» (٤). وكذلك أصحابه من بعده كأبي يوسف وهشام بن عبيد الله الرازي، كما روى ابن أبي حاتم وشيخ الإسلام بإسنادهما: أن هشام بن عبيد الله ـ صاحب محمد بن الحسن قاضي الرَّي ـ حبس رجلًا في التجهُّم فتاب، فجيء به إلى هشام ليمتحنه، فقال: الحمد لله على التوبة، فامتحنه هشام فقال: أتشهد (٥) أن الله على عرشه بائن من خلقه؟ فقال: أشهد أن الله

стр. 260

على عرشه، ولا أدري ما بائن من خلقه، فقال: ردُّوه إلى الحبس فإنه لم يتب» (١). وسيأتي قول الطحاوي عند أقوال أهل الحديث. قول إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵁: ذكر أبو عمر بن عبد البر في التمهيد: أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان (٢) بن مالك، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال: حدثنا سُريج (٣) ابن النعمان قال: حدثنا عبد الله بن نافع قال: قال مالك بن أنس: الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه مكان (٤). قال: وقيل لمالك: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥] كيف استوى؟ فقال مالك رحمه الله تعالى: «استواؤه معقول، وكيفيته مجهولة، وسؤالك عن هذا بدعة،

стр. 261

وأراك رجل سوء» (١). وكذلك أئمة أصحاب مالك من بعده. قال يحيى بن إبراهيم الطُّلَيْطِلي (٢) في كتاب «سير الفقهاء» ـ وهو كتاب جليل غزير العلم ـ: حدثني [ظ/ق ٣١ ب] عبد الملك بن حبيب عن عبد الله (٣) بن المغيرة عن الثوري عن الأعمش عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون قول الرجل: يا خيبة الدهر، وكانوا يقولون: الله هو الدهر. وكانوا يكرهون قول الرجل: رغم أنفي لله (٤)، وإنما

стр. 262

يرغم (١) أنف الكافر. وكانوا يكرهون قول الرجل: لا والذي خاتمه على فمي، وإنما يختم على فم الكافر. وكانوا يكرهون قول الرجل: والله حيث كان، أو إن الله بكل مكان». قال أصبغ (٢): وهو مستوٍ على عرشه، وبكل [ب/ق ٣١ أ] مكان علمه وإحاطته (٣). وأصبغ من أجَلِّ أصحاب مالك وأفقههم. ذكر قول أبي عمرو الطلمنكي (٤):

стр. 263

قال في كتابه في الأصول (١): «أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته». وقال في هذا الكتاب أيضًا: «أجمع أهل السنة على أن الله على العرش على الحقيقة (٢) لا على المجاز ـ ثم ساق بسنده (٣) عن مالك قوله: «الله في السماء، وعلمه في كل مكان» ثم قال في هذا الكتاب: «وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد/٤]، ونحو ذلك من القرآن: أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته، مستوٍ على عرشه كيف شاء» هذا لفظه في كتابه (٤). ذكر قول بخاري المغرب الإمام الحافظ أبي عمر بن عبد البر إمام السنة في زمانه رحمه الله تعالى: قال في كتابه «التمهيد» في شرح الحديث الثامن لابن شهاب: عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي صلى الله عليه وآله

стр. 264

وسلم قال: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟». هذا حديث ثابت من جهة النقل، صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته ... وفيه دليل على أن الله جل وعلا في السماء على العرش من فوق سبع سماوات، كما قالت الجماعة، وهو حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله في كل مكان وليس على العرش، والدليل على صحة (١) ما قاله أهل الحق في ذلك، قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥]. وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة/٤]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت/١١]. وقوله تعالى: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء/٤٢]. وقوله تبارك اسمه (٢): ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر/١٠]. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف/ ١٤٣].

стр. 265

وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك/ ١٦]. وقال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى/١]، وهذا من العلو. وكذلك قوله: ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة/ ٢٥٥]، و ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد/٩]، و ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر/١٥]، و ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل/ ٥٠]، والجهمي يقول إنه أسفل. وقال جل ذكره: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ [ب/ق ٣١ ب] ... ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة/٥]. وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (١) [المعارج/٤]. وقال لعيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ... ﴾ [آل عمران/ ٥٥]. وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء/١٥٨]. وقال: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [فصلت/٣٨]. وقال: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج/٢ ـ ٤]، والعروج هو الصعود. وأما قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك/١٦]، فمعناه مَنْ على

стр. 266

السماء يعني على العرش، وقد تكون في بمعنى: على، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة/٢] أي على الأرض، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه/٧١]، وهذا كله يعضده قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج/٤]. وما كان مثله مما تلونا من الآيات في هذا الباب، وهذه الآيات كلها واضحات في إبطال قول المعتزلة. وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء وقولهم في تأويل استوى: استولى، فلا معنى له لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، والله تعالى لا يغالبه أحد (١)، وهو الواحد الصمد. ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته، حتى تتفق الأمة أنه أُريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أُنزل إلينا من ربنا تعالى إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله على الأشهر والأظهر من وجوهه؛ ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادِّعاء المجاز لكل مدَّع ما ثبت شيء من العبادات وجلَّ الله أن يخاطِب إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتها؛ مما (٢) يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة مفهوم، وهو: العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكُّن فيه.

стр. 267

قال أبو عبيدة (١) في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: «علا. قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة، واستويت فوق البيت» (٢). وقال غيره: استوى: أي استقر، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص/١٤] أي: انتهى شبابه واستقر، فلم يكن في شبابه مزيد. قال ابن عبد البر: والاستواءُ: الاستقرارُ في العلو، وبهذا خاطبنا الله تعالى في كتابه فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف/١٣]. وقال تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود/٤٤]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون/٢٨]. وقال الشاعر: [ب/ق ٣٢ أ] فأوردتهم ماءً بفيفاء قفرةٍ ... وقد حَلَّق (٣) النجم اليماني فاستوى (٤)

стр. 268

وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد استولى لأن النجم لا يستولي. وقد ذكر النضر بن شميل ـ وكان ثقة مأمونًا جليلًا في علم الديانة واللغة ـ قال: حدثني الخليل ـ وحسبك بالخليل ـ قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي (١) ـ وكان من أعلم ما رأيت ـ فإذا هو على سطح، فسلَّمنا فرد علينا السلام، وقال لنا (٢): استووا. فبقينا متحيِّرين ولم ندر ما قال. فقال لنا أعرابي إلى جنبه: إنه أمركم أن ترتفعوا فقال الخليل: هو من قول الله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت/ ١١] فصعدنا إليه». قال (٣): وأما من نزع (٤) منهم بحديث يرويه: عبد الله بن داود الواسطي عن إبراهيم بن عبد الصمد [ظ/ق ٣٢ ب] عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال (٥): استولى على جميع بريته فلا يخلو منه مكان. فالجواب: أن هذا حديث (٦) منكر على ابن عباس ﵄، ونقَلَته مجهولون وضعفاء، فأما عبد الله بن داود الواسطي وعبدالوهاب

стр. 269

ابن مجاهد: فضعيفان، وإبراهيم بن عبد الصمد: مجهول لا يُعرف، وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا من الحديث لو عقلوا وأنصفوا، أمَا سمعوا الله حيث (١) يقول: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر/٣٦،٣٧] فدلَّ على أن موسى ﵊ كان يقول: إلهي في السماء، وفرعون يظنه كاذبًا. وقال الشاعر: فسبحان من لا يقدر الخلق قدره ... ومن هو فوق العرش فرد موحد مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنو الوجوه وتسجد وهذا الشعر لأمية بن أبي الصلت (٢)، وفيه يقول في وصف الملائكة: وساجدهم لا يرفع الدهر رأسه ... يعظم ربًّا فوقه ويمجد قال: فإن احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف/٨٤]، وبقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي [ب/ق ٣٢ ب] ... السَّمَاوَاتِ

стр. 270

وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام/٣]، وبقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة/٧] وزعموا أن الله سبحانه في كل مكان بنفسه وذاته، تبارك اسمه (١) وتعالى جده. قيل لهم: لا خلاف بيننا وبينكم وبين سائر الأمة أنه ليس في الأرض دون السماء بذاته، فوجب حمْل هذه الآيات على المعنى الصحيح المجمع (٢) عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود من أهل الأرض، وكذا قال أهل العلم بالتفسير، وظاهر هذا التنزيل يشهد أنه على العرش، فالاختلاف في ذلك ساقط، وأسعد الناس به من ساعده الظاهر، وأما قوله في الآية الأخرى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ فالإجماع والاتفاق قد بيَّن أن المراد بأنه معبود من أهل الأرض. فتدبر هذا فإنه قاطع. ومن الحجة أيضًا في أنه على العرش فوق السماوات السبع: أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم (٣) إذا كربهم أمرٌ ونزلت (٤) بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء، ونصبوا أيديهم رافعين

стр. 271

لها مشيرين بها إلى السماء، يستغيثون الله ربهم ﵎. وهذا أشهر وأعرف عند الخاصَّة والعامة من (١) أن يحتاج فيه إلى أكثر من (٢) حكايته؛ لأنه اضطرار [ظ/ق ٣٣ أ] لم يوقفهم (٣) عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم، وقد قال النبي ﷺ للأمَة التي أراد مولاها عتقها؛ إن كانت مؤمنة، فاختبرها رسول الله ﵌ بأن قال لها: «أين الله؟» فأشارت إلى السماء، ثم قال لها: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» (٤)، فاكتفى رسول الله ﵌ منها برفعها رأسها إلى السماء، واستغنى بذلك عما سواه. قال: وأما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة/٧] فلا حُجَّة لهم في ظاهر هذه الآية، لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حُمِل عنهم التأويل في القرآن، قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش، وعلمه في كل مكان، [ب/ق ٣٣ أ] وما خالفهم في ذلك أحد يُحْتج بقوله. وذكر سُنَيد عن مقاتل بن حيان عن الضحاك بن مزاحم في قوله

стр. 272

تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ ... ﴾ الآية، قال: هو على عرشه (١)، وعلمه معهم أينما كانوا. قال: وبلغني عن سفيان الثوري مثله. قال سُنَيد: وحدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ عن ابن مسعود ﵁ قال: «الله جل وعلا فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم» (٢). ثم ساق من طريق يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زِرٍّ عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام، وما بين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام، والعرش على (٣) الماء، والله ﵎ على العرش ويعلم أعمالكم» (٤) اهـ (٥). وذكَرَ هذا الكلام أو قريبًا منه في كتاب «الاستذكار» (٦).

стр. 273

ذكر قول الإمام مالك الصغير أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني: قال في خطبة رسالته المشهورة: باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات، من ذلك: الإيمان بالقلب، والنطق باللسان: أن الله إله واحد لا إله غيره ولا شبيه (١) له، ولا نظير له، ولا ولد له ولا والد ولا صاحبة له، ولا شريك له، ليس لأوليته ابتداء، ولا لآخريته انقضاء، ولا يبلغ كُنه صفته الواصفون، ولا يحيط بأمره المتفكرون. يعتبر المتفكرون بآياته، ولا يتفكرون في ماهية ذاته: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ العليم (٢) الخبير المدبر القدير السميع البصير العلي الكبير، وأنه فوق عرشه المجيد بذاته، وهو في كل (٣) مكان بعلمه (٤). وكذلك ذكر مثل هذا في «نوادره» وغيرها من كتبه. وذكر في كتابه المفرد (٥) في [ظ/ق ٣٣ ب] السنة تقرير العلو (٦)

стр. 274

واستواء الرب تعالى على العرش بذاته أتمَّ تقرير (١) فقال: «فصل فيما أجمعت عليه الأمة من [ب/ق ٣٣ ب] من أمور الديانة (٢) من السنن التي خلافها بدعة وضلالة: أنَّ الله اسمه له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، لم يزل بجميع صفاته (٣)، وهو سبحانه موصوف بأن له علمًا وقدرة وإرادة ومشيئة، لم يزل بجميع صفاته وأسمائه له الأسماء الحسنى، والصفات العُلى، أحاط علمًا بجميع ما بدأ قبل كونه، فطر الأشياء بإرادته وقوله، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس/٨٢]، وأن كلامه صفة من صفاته، ليس بمخلوق فيبيد، ولا صفة لمخلوق فينفد، وأن الله كلَّم موسى ﵊ بذاته، وأسمعه كلامه، لا كلامًا قام في غيره، وأنه يسمع ويرى، ويقبض ويبسط، وأن يديه مبسوطتان، ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر/٦٧] وأن يديه غير نعمته في ذلك، وفي قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص/٧٥]. وأنه يجيء يوم القيامة ـ بعد أن لم يكن جائيًا ـ والملك صفًّا

стр. 275

صفًّا (١)؛ لعرض الأمم وحسابها وعقابها وثوابها، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وأنه يرضى عن الطائعين، ويحب التوابين، ويسخط على من كفر به ويغضب، فلا يقوم شيء لغضبه. وأنه فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وأنه في كل مكان بعلمه، وأن لله سبحانه كرسيًّا، كما قال : ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، وكما (٢) جاءت به الأحاديث: أن الله سبحانه يضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء. وقال مجاهد: «كانوا يقولون ما السماوات والأرض في الكرسي إلا كحلقةٍ ملقاةٍ في فلاةٍ من الأرض» (٣).

стр. 276

وأن الله سبحانه يراه أولياؤه في المعاد بأبصارهم، لا يُضامون في رؤيته، كما قال في كتابه وعلى لسان نبيِّه ﷺ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة/٢٢]، وقال رسول الله ﷺ في قول الله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس/٢٦]: «هو النظر إلى وجهه الكريم» (١). وأنه يكلِّم عباده يوم القيامة ليس بينهم وبينه واسطة ولا ترجمان، وأن الجنة [ب/ق ٣٤ أ] والنار داران قد خُلِقتا، أُعدت الجنة للمتقين المؤمنين، والنار للكافرين الجاحدين، لا تفنيان [ولا تبيدان] (٢). والإيمان بالقدر خيره وشره، وكل ذلك قد قدَّره ربنا وأحصاهُ عِلْمه، وأن مقادير الأمور بيده، ومصدرها عن قضائه، تفضَّل على من أطاعه فوفَّقه، وحبَّب الإيمان إليه وزينه في قلبه، فيسَّره له، وشرح له صدره ونور به (٣) قلبه فهداه، و ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ

стр. 277

مُضِلٍّ﴾ [الزمر/٣٧] وخذل من عصاه وكفر به فأسلمه ويسَّره (١) لذلك فحجبه وأضله، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف/١٧]، وكلٌّ ينتهي إلى سابق علمه لا محيص لأحد عنه. وأن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح، يزيد ذلك بالطاعة وينقص ذلك بالمعصية؛ نقصًا عن حقائق الكمال؛ لا محبطًا للإيمان، ولا قول إلا بعمل ولا قول ولا عمل إلا بنيَّة، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بموافقة السنة. وأنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب وإن كان كبيرًا، ولا يحبط الإيمان غير الشرك بالله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر/٦٥]، و ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء/ ٤٨]. وأن على العباد حَفَظة يكتبون أعمالهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار/١٠، ١١]، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق/١٨]. وأن ملك الموت يقبض الأرواح كلها بإذن الله تعالى متى شاء، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة/١١]، وأن

стр. 278

الخلق ميِّتون بآجالهم، فأرواح أهل السعادة باقية منعَّمة إلى يوم القيامة، وأرواح أهل الشقاء في سجِّين معذَّبة إلى يوم الدين، وأن الشهداء أحياء عند ربهم يُرزقون، وأن عذاب القبر حق، وأن المؤمنين يفتنون في قبورهم ويضغطون ويسألون، ويثبت الله منطق من أحبَّ تثبيته. وأنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أُخرى فإذا هم قيام [ب/ق ٣٤ ب] ينظرون، كما بدأهم يعودون، حفاةً عراة (١) غرلًا، وأن الأجساد التي أطاعت أو عصت هي التي تبعث يوم القيامة لتجازى، والجلود التي كانت في الدنيا (٢)، والألسنة والأيدي والأرجل التي تشهد عليهم يوم القيامة على مَن تشهد عليه منهم. وتنصب الموازين لوزن أعمال العباد، فأفلح من ثقلت موازينه، وخاب وخسر من خفت موازينه، ويؤتون صحائفهم فمن أوتي كتابه بيمينه حوسب حسابًا يسيرًا، ومن أُوتيه بشماله فأولئك يصْلون سعيرًا، وأن الصراط جسر مورود (٣) يجوزه العباد بقدر أعمالهم، فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم، وقوم أوبقتهم أعمالهم فيها يتساقطون.

стр. 279

وأنه يخرج من النار من في قلبه شيء من الإيمان. وأن الشفاعة لأهل الكبائر من المؤمنين، ويخرج من النار بشفاعة رسول الله ﷺ قوم من أمته بعد أن صاروا حُمَمًا، فيُطْرحون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبَّة في حَميل السيل. والإيمان بحوض رسول الله ﷺ ترِده أُمَّته، لا يظمأ من شرب منه، ويذاد عنه مَن غيَّر وبدَّل (١) [ظ/ق ٣٤ ب]. والإيمان بما جاء من خبر الإسراء بالنبي ﷺ إلى السماوات على ما صحت به الروايات، وأنه ﷺ رأى من آيات ربه الكبرى. وبما ثبت من خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵊ حَكَمًا عدلًا، وقتله الدجال (٢)، وبالآيات التي بين يدي الساعة: من طلوع الشمس من مغربها (٣)، وخروج الدابة، وغير ذلك مما صحَّت به الروايات. ونصدق بما جاءنا عن الله تعالى في كتابه، وما (٤) ثبت عن رسول

стр. 280

الله ﷺ وأخباره، نوجب العمل بمحكمه ونقر بمشكله (١) ومتشابهه، ونكل ما غاب عنا من حقيقة تفسيره إلى الله تعالى، والله يعلم تأويل المتشابه من كتابه، ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران/٧]، وقال بعض الناس: الراسخون في العلم يعلمون مشكله. ولكن الأول قول (٢) أهل المدينة وعليه يدل الكتاب. وأن أفضل القرون [ب/ق ٣٥ أ] قرن الصحابة ﵃، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم كما قال النبي ﷺ (٣)، وأن أفضل الأُمة بعد نبيها: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم (٤) علي. وقيل: ثم عثمان وعلي، ونكف عن التفضيل بينهما، رُوي ذلك عن مالك، وقال: ما أدركت أحدًا أقتدي به يفضِّل أحدهما على صاحبه (٥). فرأى الكف عنهما، ورُويَ عنه القول (٦) الأول وعن سفيان وغيره وهو قول أهل الحديث، ثم بقية

стр. 281

العشرة، ثم أهل بدر من المهاجرين، ثم من الأنصار، ومن جميع الصحابة على قدر الهجرة والسابقة والفضيلة. وكل من صحبه ولو ساعة أو رآه ولو (١) مرة، فهو بذلك أفضل من التابعين، والكف عن ذكر أصحاب رسول الله ﷺ إلا بخير ما يُذكرون به، وأنهم أحق أن تُنشر محاسنهم، ويُلتمس لهم أفضل المخارج، ونظن بهم أحسن المذاهب. قال: قال النبي ﷺ : «لا تؤذوني في أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه» (٢). وقال ﷺ : «إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا» (٣)، قال أهل العلم: «لا يُذكرون إلا بأحسن ذكر». والسمع والطاعة لأئمة المسلمين، وكل من ولي أمر المسلمين عن رضًى أو عن غلبةٍ واشتدت وطأته من برٍّ أو فاجرٍ فلا يخرج عليه (٤) جار

стр. 282

أو عدل، ونغزو معه العدو، ونحج معه البيت، ودفع الصدقات إليهم مجزية إذا طلبوها، ونصلي خلفهم الجمعة والعيدين، قاله غير واحد من العلماء، وقال مالك: «لا نصلي خلف المبتدع منهم إلا أن نخافه فنصلي». واختُلف في الإعادة، ولا بأس بقتال من دافعك من الخوارج واللصوص من المسلمين وأهل الذمة عن [ظ/ق ٣٥ أ] نفسك ومالك. والتسليم للسنن لا تعارض برأي ولا تدافع بقياس، وما تأوله منها السلف الصالح تأولناه، وما عملوا به عملناه، وما تركوه تركناه، ويسعنا أن نمسك عما أمسكوا عنه، ونتبعهم فيما بينوا، ونقتدي بهم فيما استنبطوه ورأوه في الحوادث، ولا نخرج من جماعتهم فيما اختلفوا [ب/ق ٣٥ ب] فيه أو في تأويله. وكل ما قدمنا ذِكْره فهو قول أهل السنة، وأئمة الناس (١) في الفقه والحديث على ما بينَّاه، وكله قول مالك، فمنه منصوص من قوله، ومنه معلوم من مذهبه. قال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: «سَنّ رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سُننًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعته، وقوة على دين الله تعالى، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها ولا النظر فيما خالفها، من اهتدى

стр. 283

بها مهتدٍ (١)، ومن استنصر بها نُصر، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا» (٢). قال مالك: أعجبني عزم عمر ﵁ في ذلك (٣). فرضي الله عنه، ما كان أصلبه في السُّنَّة، وأقومه بها (٤). وقال في مختصر المدونة: «وأنه تعالى فوق عرشه بذاته فوق

стр. 284

سبع (١) سماواته دون أرضه». قول الإمام أبي بكر محمد بن موهب المالكي (٢) شارح رسالة ابن أبي زيد من المشهورين بالفقه (٣) والسنة رحمه الله تعالى: قال في شرحه للرسالة: «ومعنى فوق وعلا واحد عند جميع العرب وفي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ تصديق ذلك، وهو (٤) قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان/٥٩]. وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥]. وقال تعالى في وصف خوف الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل/٥٠]. وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ [فاطر/١٠]، ونحو ذلك كثير.

стр. 285

وقال رسول الله ﵌ للأعجمية: «أين الله» فأشارت إلى السماء (١). ووصف النبي ﵌ أنه عُرج به من الأرض إلى السماء ثم من السماء إلى سماء (٢) إلى سدرة المنتهى، ثم إلى ما فوقها حتى لقد قال: «لقد سمعت صريف الأقلام» (٣). ولما فرضت الصلوات جعل كلما هبط من مكانه تلقَّاه موسى ﵇ في بعض السماوات وأمره بسؤال التخفيف عن أمته، فيرجع صاعدًا مرتفعًا إلى الله يسأله حتى انتهت إلى خمس صلوات (٤) وسنذكر تمام كلامه (٥) إن شاء الله تعالى عن قرب. قول الإمام أبي القاسم خلف بن عبد الله (٦) المقري الأندلسي
следующие страницы →