← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18632

اجتماع الجيوش الإسلامية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (604 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

العشرة، ثم أهل بدر من المهاجرين، ثم من الأنصار، ومن جميع الصحابة على قدر الهجرة والسابقة والفضيلة. وكل من صحبه ولو ساعة أو رآه ولو (١) مرة، فهو بذلك أفضل من التابعين، والكف عن ذكر أصحاب رسول الله ﷺ إلا بخير ما يُذكرون به، وأنهم أحق أن تُنشر محاسنهم، ويُلتمس لهم أفضل المخارج، ونظن بهم أحسن المذاهب. قال: قال النبي ﷺ : «لا تؤذوني في أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه» (٢). وقال ﷺ : «إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا» (٣)، قال أهل العلم: «لا يُذكرون إلا بأحسن ذكر». والسمع والطاعة لأئمة المسلمين، وكل من ولي أمر المسلمين عن رضًى أو عن غلبةٍ واشتدت وطأته من برٍّ أو فاجرٍ فلا يخرج عليه (٤) جار

стр. 282

أو عدل، ونغزو معه العدو، ونحج معه البيت، ودفع الصدقات إليهم مجزية إذا طلبوها، ونصلي خلفهم الجمعة والعيدين، قاله غير واحد من العلماء، وقال مالك: «لا نصلي خلف المبتدع منهم إلا أن نخافه فنصلي». واختُلف في الإعادة، ولا بأس بقتال من دافعك من الخوارج واللصوص من المسلمين وأهل الذمة عن [ظ/ق ٣٥ أ] نفسك ومالك. والتسليم للسنن لا تعارض برأي ولا تدافع بقياس، وما تأوله منها السلف الصالح تأولناه، وما عملوا به عملناه، وما تركوه تركناه، ويسعنا أن نمسك عما أمسكوا عنه، ونتبعهم فيما بينوا، ونقتدي بهم فيما استنبطوه ورأوه في الحوادث، ولا نخرج من جماعتهم فيما اختلفوا [ب/ق ٣٥ ب] فيه أو في تأويله. وكل ما قدمنا ذِكْره فهو قول أهل السنة، وأئمة الناس (١) في الفقه والحديث على ما بينَّاه، وكله قول مالك، فمنه منصوص من قوله، ومنه معلوم من مذهبه. قال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: «سَنّ رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سُننًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعته، وقوة على دين الله تعالى، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها ولا النظر فيما خالفها، من اهتدى

стр. 283

بها مهتدٍ (١)، ومن استنصر بها نُصر، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا» (٢). قال مالك: أعجبني عزم عمر ﵁ في ذلك (٣). فرضي الله عنه، ما كان أصلبه في السُّنَّة، وأقومه بها (٤). وقال في مختصر المدونة: «وأنه تعالى فوق عرشه بذاته فوق

стр. 284

سبع (١) سماواته دون أرضه». قول الإمام أبي بكر محمد بن موهب المالكي (٢) شارح رسالة ابن أبي زيد من المشهورين بالفقه (٣) والسنة رحمه الله تعالى: قال في شرحه للرسالة: «ومعنى فوق وعلا واحد عند جميع العرب وفي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ تصديق ذلك، وهو (٤) قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان/٥٩]. وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥]. وقال تعالى في وصف خوف الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل/٥٠]. وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ [فاطر/١٠]، ونحو ذلك كثير.

стр. 285

وقال رسول الله ﵌ للأعجمية: «أين الله» فأشارت إلى السماء (١). ووصف النبي ﵌ أنه عُرج به من الأرض إلى السماء ثم من السماء إلى سماء (٢) إلى سدرة المنتهى، ثم إلى ما فوقها حتى لقد قال: «لقد سمعت صريف الأقلام» (٣). ولما فرضت الصلوات جعل كلما هبط من مكانه تلقَّاه موسى ﵇ في بعض السماوات وأمره بسؤال التخفيف عن أمته، فيرجع صاعدًا مرتفعًا إلى الله يسأله حتى انتهت إلى خمس صلوات (٤) وسنذكر تمام كلامه (٥) إن شاء الله تعالى عن قرب. قول الإمام أبي القاسم خلف بن عبد الله (٦) المقري الأندلسي

стр. 286

المالكي (١) ﵀: قال في الجزء الأول من كتاب «الاهتداء لأهل الحق والاقتداء» من [ب/ق ٣٦ أ] تصنيفه (٢) في شرح «الملخَّص» للشيخ أبي الحسن القابسي رحمه الله تعالى: عن (٣) مالك عن ابن شهاب عن أبي عبد الله الأغر وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ ومن يسألني فأعطيه؟ ومن يستغفرني فأغفر له؟» (٤). في هذا الحديث دليل على أنه تعالى في السماء على العرش من (٥) فوق سبع سماوات من غير مماسَّة ولا تكييف، كما قال أهل العلم.

стр. 287

ودليل قولهم أيضًا من القرآن: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة/٤] وقوله تعالى: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء/٤٢] وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة/٥] وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج/٤] وقوله تعالى لعيسى ﵊: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران/ ٥٥]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣)﴾ [المعارج/٢ ـ ٣] والعروج هو الصعود. وقال مالك بن أنس: الله في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو من علمه (١) مكان (٢). يريد ــ والله أعلم ــ بقوله [ظ/ق ٣٥ ب] في السماء: على السماء، كما قال تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه/٧١] وكما قال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك/١٦] أي من على السماء يعني على العرش وكما قال تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة/٢] أي على الأرض.

стр. 288

وقيل لمالك: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥] كيف استوى؟ قال مالك رحمه الله تعالى لقائله: استواؤه معقول، وكيفيته مجهولة، وسؤالك عن هذا بدعة، وأراك رجل سوء (١). قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥] أي: علا، قال: وتقول العرب: استويت (٢) فوق الدابة وفوق البيت. وكل ما قدمت دليل واضح في إبطال قول من قال بالمجاز في الاستواء، وأن استوى بمعنى استولى، لأن الاستيلاء في اللغة: المغالبة، وإنه لا يغالبه أحد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أُريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أُنزل إلينا من ربنا إلا على [ب/ق ٣٦ ب] ذلك، وإنما يُوجَّه كلام الله تعالى إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع ذلك ما يوجب له التسليم، ولو ساغ ادِّعاء المجاز لكل مدَّعٍ ما ثبت شيء (٣) من العبادات (٤)، وجلّ الله تعالى أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين. والاستواء معلوم في اللغة وهو: العلو

стр. 289

والارتفاع والتمكُّن في الشيء. ومن الحجة أيضًا في أنه الله على العرش فوق السماوات السبع: أن الموحِّدين أجمعين إذا كربهم أمر رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون الله ربهم. وقوله ﵌ للأمَة التي أراد مولاها أن يعتقها: «أين الله؟» فأشارت إلى السماء. ثم قال لها: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» (١). فاكتفى رسول الله ﵌ منها برفع رأسها إلى السماء. ودل على ما قدمناه أنه على العرش، والعرش فوق السماوات السبع. ودليل قولنا أيضًا: قول أُمية بن أبي الصلت في وصف الملائكة: وساجدهم (٢) لا يرفع الدهر رأسه ... يعظم ربًّا فوقه ويمجد فسبحان من لا يقدر الخلق قدره ... ومن هو فوق العرش فرد موحد

стр. 290

مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنو الوجوه وتسجد (١) وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر/ ٣٦] فدل على أن موسى ﵊ كان يقول: إن إلهي (٢) في السماء. وفرعون يظنه كاذبًا. فإن احتج أحد (٣) علينا فيما قدمناه، وقال: لو كان كذلك لأشبه المخلوقات؛ لأن (٤) ما أحاطت به الأمكنة واحتوته، فهو مخلوق= فشيء لا يلزم ولا معنى له، لأنه تعالى ليس كمثله شيء من خلقه، ولا يُقاس بشيء من بريته، ولا (٥) يُدرَك [ظ/ق ٣٦ أ] بقياس، ولا يقاس بالناس، كان قبل الأمكنة، ويكون (٦) بعدها، لا إله إلا هو، خالق كل شيء لا شريك له، وقد اتفق المسلمون وكل ذي لبٍّ أنه لا يعقل كائن إلا في مكان ما، وما ليس في مكانٍ فهو عدم، وقد صح في العقول وثبت بالدلائل أنه كان في الأزل لا في مكان، وليس بمعدوم، فكيف

стр. 291

يقاس [ب/ق ٣٧ أ] على شيء من خلقه؟ أو يجري بينه وبينهم تمثيل أو تشبيه؟ تعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا. فإن قال قائل: إذا وصفنا ربنا تعالى بأنه كان في الأزل لا في مكان، ثم خلق الأماكن فصار في مكان، وفي ذلك إقرار منَّا فيه بالتغيير والانتقال؛ إذ زال عن صفته في الأزل، وصار في مكان دون مكان. قيل له: وكذلك زعمت أنت (١) أنه كان لا في مكان، ثم صار في كل مكان، فنقل صفته من الكون لا في مكان إلى صفة هي الكون في كل مكان، فقد تغيَّر عندك معبود وانتقل من لا مكان إلى كل مكان. فإن قال: إنه كان في الأزل في كل مكان ـ كما هو الآن ـ فقد أوجب الأماكن والأشياء (٢) معه في أزليته، وهذا فاسد. فإن قال: فهل (٣) يجوز عندك أن ينتقل من لا مكان في الأزل إلى مكان. قيل (٤) له: أما الانتقال وتغير الحال فلا سبيل إلى إطلاق ذلك

стр. 292

عليه، لأن (١) كونه في الأزل لا يوجب مكانًا، وكذلك نقلته لا توجب مكانًا، وليس في ذلك كالخلق، لأن كون ما كوَّنه يوجب مكانًا (٢) من الخلق ونقلته توجب مكانًا ويصير منتقلًا من مكانٍ إلى مكان، والله تعالى ليس كذلك، ولكنا نقول: استوى من لا مكان إلى مكان، ولا نقول: انتقل، وإن كان المعنى في ذلك واحدًا، كما نقول: له عرش، ولا نقول: له سرير، ونقول: هو الحكيم، ولا نقول: هو العاقل، ونقول: خليل إبراهيم، ولا نقول: صديق إبراهيم، وإن كان المعنى في ذلك واحدًا، لأنا لا نسميه ولا نصفه ولا نطلق عليه إلا ما سمَّى (٣) به نفسه على ما تقدم، ولا ندفع ما وصف به نفسه؛ لأنه دفْعٌ للقرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر/٢٢]، وليس مجيئه حركة ولا زوالًا ولا انتقالًا (٤)، لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسمًا أو جوهرًا، فلما ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض لم يجب أن يكون مجيئه حركة ولا نقْلة، ولو اعتبرت ذلك بقولهم: جاءت فلانًا قيامته، وجاءه الموت، وجاءه المرض، وشبْه ذلك [ب/ق ٣٧ ب] مما هو

стр. 293

وجود نازل به ولا مجيء (١)، [ظ/ق ٣٦ ب] لبان لك وبالله العصمة والتوفيق. فإن قال: إنه لا يكون مستويًا (٢) على مكان إلا مقرونًا بالكيف. قيل له: قد يكون الاستواء واجبًا والتكييف مرتفع، وليس رفع التكييف يوجب (٣) رفع الاستواء، ولو لزم هذا لزم التكييف في الأزل، لأنه (٤) لا يكون كائنًا في مكان (٥) إلا مقرونًا بالتكييف. فإن قال: إنه (٦) كان ولا مكان وهو غير مقرون بالتكييف. قيل له: وكذلك هو مستوٍ على العرش، وهو غير مقرون بالتكييف، وقد (٧) عقَلْنا وأدركنا بحواسنا أن لنا أرواحًا في أبداننا ولا نعلم كيفية ذلك، وليس جهلنا بكيفية الأرواح يوجب أن ليس لنا أرواح، وكذلك ليس جهلنا بكيفيته على عرشه يوجب أن ليس على عرشه. وقد روي عن أبي رَزين العُقَيلي قال: قلت: يا رسول الله: أين كان

стр. 294

ربنا ﵎ قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: «كان في عماء، ما فوقه هواء وما تحته هواء» (١). قال أبو القاسم: العماء ممدود وهو السحاب، والعمى مقصور: الظلمة. وقد روي الحديث بالمدِّ والقصْر، فمن رواه بالمدِّ فمعناه عنده: كان في عماء (٢): سحاب ما تحته هواء؛ ولا (٣) فوقه هواء. والهاء راجعة على العماء. ومن رواه بالقصر فمعناه عنده: كان في عمًى عن خلقه، لأنه من عمِيَ عن شيءٍ؛ فقد أظلم عنه (٤). قال سُنَيد بسنده عن مجاهد قال: «إن (٥) بين العرش وبين الملائكة

стр. 295

لسبعين (١) حجابًا، حجابٌ من نور وحجابٌ من ظلمة» (٢). وروى أيضًا سُنَيد بسنده عن ابن مسعود ﵁ قال: «ما بين السماء إلى الأرض (٣) مسيرة خمسمائة عام [وما بين كل سماء إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام] (٤) وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام [وما بين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام] (٥)، والعرش على الماء والله على العرش ويعلم أعمالكم» (٦).

стр. 296

وقال ابن مسعود ﵁ أيضًا: «إنه فوق العرش (١)، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم» (٢). قال أبو القاسم: يريد فوق العرش؛ لأن العرش آخر المخلوقات، ليس فوقه مخلوق، والله تعالى على (٣) المخلوقات دون تكييف ولا مماسة، ولا أعلم في هذا الباب حديثًا مرفوعًا؛ إلا حديث عبد الله بن عميرة عن الأحنف عن العباس [ب/ق ٣٨ أ] بن عبد المطلب ﵁ أن رسول الله ﷺ نظر إلى سحابة فقال: «ما تسمون هذه؟» قالوا: السحاب. قال: «والمزن». قالوا: والمزن. قال: «والعنان». قالوا: والعنان (٤). قال: «كم ترون بينكم وبين السماء؟» قالوا: لا ندري، قال: «بينكم وبينه إما واحد أو اثنان أو ثلاث وسبعون (٥) سنة، والسماء فوقها كذلك بينهما مثل ذلك، حتى عدَّ سبع سموات، ثم فوق السماء [ظ/ق ٣٧ أ] السابعة بحر [بين] (٦) أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، بين أظلافهم

стр. 297

وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، على ظهورهم العرش، بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله تعالى إلى فوق ذلك». هذا حديث صحيح (١) خرَّجه أبو داود (٢). قول الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي زمنين، المالكي المشهور رحمه الله تعالى: قال في كتابه الذي صنفه في «أصول السنة» (٣): باب الإيمان بالعرش: ومن قول أهل السنة: أن الله خلق العرش، واختصَّه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء، كما أخبر عن نفسه في قوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥] وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد/٤]. وذكر حديث أبي رزين العقيلي قال (٤): قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: كان في عماء، ما فوقه هواء

стр. 298

وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء» (١). ثم ذكر الآثار في ذلك إلى أن قال: باب الإيمان بالحُجُب قال: ومن قول أهل السنة: أن الله تعالى بائن من خلقه، محتجب عنهم بالحُجُب، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف/٥] إلى أن قال: باب الإيمان بالتَّنزُّل قال: ومن قول أهل السنة: أن الله ينزل إلى سماء الدنيا، وذكر حديث النزول (٢) ... ، ثم قال: وهذا الحديث يُبيِّن أن الله تعالى على عرشه في السماء دون الأرض، وهو أيضًا بَيِّنٌ في كتاب الله [ظ/ق ٣٧ ب] تعالى وتقدَّس، وفي غير ما حديث عن رسول الله ﵌. قال الله : ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة/٥] وساق الآيات في العلو. وذكر من طريق مالك: «قول النبي ﷺ للجارية: أين الله؟ (٣) ... ثم قال: والحديث في مثل هذا كثير» اهـ. قول القاضي عبد الوهاب إمام المالكية بالعراق: من كبار أهل السنة رحمه الله تعالى صرَّح بأن الله سبحانه استوى

стр. 299

على عرشه بذاته، نقله شيخ الإسلام عنه في غير موضع من كتبه (١)، ونقله عنه القرطبي في شرح الأسماء الحسنى (٢). ذكر قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي، قدَّس الله روحه (٣): قال الإمام ابن الإمام (٤) عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: حدثنا أبو شعيب وأبو ثور عن أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى قال: القول في السنة التي أنا عليها، ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم وأخذت عنهم، مثل سفيان ومالك وغيرهما: الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الله تعالى على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء، وأن الله تعالى ينزل إلى سماء (٥) الدنيا كيف شاء (٦). قال عبد الرحمن: وحدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت أبا عبد الله (٧) محمد بن إدريس الشافعي يقول وقد سُئِل عن صفات الله وما

стр. 300

يؤمن به فقال: لله تعالى أسماء وصفات، جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه أمته، لا يسع أحدًا من خلق الله قامت عليه الحجة ردها (١)؛ لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسول الله ﵌ القول بها فيما روى عنه العدل (٢). فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، فأما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل؛ لأن علْم ذلك لا يُدرك بالعقل ولا بالروية والفكر (٣). ولا نكفر (٤) بالجهل بها أحدًا إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها. ونُثبت هذه الصفات وننفي عنها التشبيه، كما نفى التشبيه عن نفسه، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى/١١]. وصح عن الشافعي أنه قال: خلافة أبي بكر الصديق ﵁ حق (٥)، قضاها الله في سمائه وجمع عليها قلوب عباده (٦)، ومعلوم أن المقضي في الأرض، والقضاء فعله المتضمن لمشيئته وقدرته.

стр. 301

وقال في خطبة «رسالته» (١): «الحمد لله الذي هو [ب/ق ٣٩ أ] كما وصف به نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه». فجعل صفاته سبحانه إنما تتلقى بالسمع. وقال يونس بن عبد الأعلى: قال لي محمد بن إدريس الشافعي ﵁: «الأصل قرآن وسُنة، فإن لم يكن فقياس عليهما، وإذا اتصل الحديث عن رسول الله ﵌ وصح الإسناد منه فهو سنة (٢)، والإجماع [ظ/ق ٣٨ أ] أكبر من الخبر الفرد (٣)، والحديث على ظاهره، وإذا احتمل المعاني فما أشبه منها ظاهره فهو أولاها (٤) به». قال الخطيب في «الكفاية» (٥): أخبرنا أبو نعيم الحافظ حدثنا عبدالله بن محمد بن جعفر بن حيان حدثنا عبد الله بن محمد بن يعقوب حدثنا أبو حاتم الرازي حدثني يونس بن عبد الأعلى فذكره، به. ومن (٦) كلام الإمام الشافعي أيضًا ـ وقد سُئل عن صفات الله ، وما ينبغي أن يؤمن به العبد ـ فقال: لله تعالى أسماء وصفات جاء

стр. 302

بها كتابه، وأخبر بها نبيه ﷺ أُمته، لا يَسَع أحدًا من خلق الله ﵎ قامت عليه الحجة ردُّها وإنكارها؛ فإن القرآن نزل بها، وصحَّ عن النبي ﷺ الخبر بها، فيما روى العدل عن العدل عنه. فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، فأما قبل ثبوت الحجة عليه (١) من جهة الخبر فهو معذور بالجهل، فإن علم الله تعالى لا يُدرك بالعقل ولا بالروية والفكرة ونحو ذلك، فإن الله ﵎ أخبر أنه سميع وأن له يدين، بقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة/٦٤]. وأن له يمينًا بقوله سبحانه: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر/ ٦٧]. وأن له وجهًا بقوله سبحانه: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن/٢٧]. وأن له قدمًا بقول النبي ﷺ : «حتى يضع الرب فيها قدمه» (٢)، يعني: في جهنَّم. وأنه سبحانه يضحك من عبده المؤمن بقول النبي ﷺ للذي قُتِل في

стр. 303

سبيل الله أنه لقي الله وهو يضحك إليه» (١). وأنه سبحانه يهبط كل ليلة إلى سماء الدنيا بخبر رسول الله ﷺ (٢). وأنه سبحانه ليس بأعور، لقول رسول الله ﷺ ـ إذْ ذكر الدَّجال ـ فقال: «إنه أعور؛ وإن ربكم ليس بأعور» (٣). وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم، كما يرون القمر ليلة البدر بخبر الصادق ﷺ (٤). وأن له أصابع، بقول النبي ﷺ : «ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن » (٥).

стр. 304

فإن هذه المعاني الذي وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله ﷺ ؛ لا تُدرك حقيقة ذلك بالفكرة والروية، ولا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها، فإن كان الوارد بذلك خبرًا يقوم في الفهم مقام الشهادة والسماع وجبت الدينية (١) به على سامعه بحقيقته والشهادة عليه، كما عاين وسمع من رسول الله ﷺ ؛ ولكن نثبت هذه الصفات وننفي التشبيه كما نفى ذلك سبحانه عن نفسه تعالى ذِكْره فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى/١١] (٢) [ظ/ق ٣٨ ب]. قول صاحبه إمام الشافعية في وقته أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المُزَني: في رسالته في «السنة» التي رواها أبو طاهر السِّلَفي عنه بإسناده، ونحن نسوقها بلفظها كلها: «بسم الله الرحمن الرحيم. عصمنا الله وإياكم بالتقوى ووفقنا الله (٣) وإياكم لموافقة الهدى، أما بعد: فإنك

стр. 305

سألتني أن أوضح لك من السنة أمرًا تصبر (١) نفسك على التمسك به (٢)، وتدرأ به عنك شبه الأقاويل، وزيغ محدثات الضالين، فقد شرحت لك (٣) منهاجًا موضحًا (٤)، لم آل نفسي (٥) وإياك فيه نصحًا، بدأت فيه بحمد الله ذي الرشد والتسديد، الحمد لله أحق ما بُدئ وأولى من شُكِر، وعليه أُثني الواحد الصمد، ليس له صاحبة ولا ولد، جلَّ عن المِثْل فلا شبه (٦) له ولا عديل، السميع البصير العليم الخبير المنيع الرفيع، عالٍ على عرشه، وهو دانٍ بعلمه من خلقه، أحاط علمه بالأمور، ونفذ في خلقه سابق المقدور، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فالخلق عاملون بسابق علمه، ونافذون لما خلقهم له من خير وشر، لا يملكون لأنفسهم من الطاعة نفعًا، ولا يجدون إلى صرف المعصية عنها دفعًا. خلق الخلق بمشيئته من غير حاجة كانت به، فخلق الملائكة جميعًا لطاعته، وجبلهم على عبادته، فمنهم: ملائكة بقدرته للعرش حاملون، وطائفة منهم حول عرشه [ب/ق ٣٩ ب] يسبحون، وآخرون بحمده يقدسون، واصطفى منهم رسلاً إلى رسله، وبعض مدبرون لأمره. ثم

стр. 306

خلق آدم بيده وأسكنه جنته، وقبل ذلك للأرض خلقه، ونهاه عن شجرة قد نفذ قضاؤه عليه بأكلها، ثم ابتلاه بما نهاه عنه منها، ثم سلَّط عليه عدوه فأغواه عليها، وجعل أكله [إلى الهبوط] (١) إلى الأرض سببًا، فما وجد إلى ترك أكلها سبيلًا، ولا عنه لها مذهبًا. ثم خلق للجنة من ذريته أهلاً، فهم بأعمالها (٢) بمشيئته عاملون، وبقدره وإرادته منفذون (٣). وخلق من ذريته للنار أهلًا، فخلق لهم أعيُنًا لا يبصرون بها، وآذانًا لا يسمعون بها، وقلوبًا لا يفقهون بها، فهم بذلك عن الهدى محجبون، وبأعمال أهل النار بسابق قدره يعملون. والإيمان قول وعمل، وهما شيئان ونظامان وقرينان، لا يفرق بينهما، لا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بإيمان، والمؤمنون في الإيمان متفاضلون (٤)، وبصالح الأعمال هم مَزيدون (٥)، ولا يخرجون بالذنوب من الإيمان، ولا يكفرون بركوب كبيرة ولا عصيان، ولا يوجب لمحسنهم غير ما أوجب له النبي ﵌، ولا يشهد

стр. 307

على مسيئهم بالنار. والقرآن كلام الله ، ومن الله، وليس بمخلوق فيبيد، وقدرة الله ونعْتُه وصفاته كلها غير مخلوقات، دائمات أزلية ليست بمحدثاتٍ [ظ/ق ٣٩ أ] فتبيد، ولا كان ربنا ناقصًا فيزيد. جلَّت صفاته عن شبه المخلوقين، وقصرت عنه فِطَن الواصفين. قريب بالإجابة (١) عند السؤال، بعيد بالتعزُّز (٢) لا يُنال، عالٍ على عرشه، بائن عن (٣) خلقه، موجود ليس بمعدوم ولا مفقود. والخلق ميتون بآجالهم عند نفاد أرزاقهم، وانقطاع آثارهم، ثم هم بعد الضغطة في القبور مسؤولون، وبعد البِلَى منشورون، ويوم القيامة إلى ربهم محشورون (٤)، وعند العرض عليه محاسبون بحضرة الموازين، ونشر صحف الدواوين (٥)، أحصاه الله ونَسُوه، في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة؛ لو كان غير الله الحاكم بين خلقه، فالله يلي الحكم بينهم بِعدْله (٦) بمقدار القائلة في الدنيا، وهو أسرع الحاسبين.

стр. 308

[ب/ق ٤٠ أ] كما بدأهم له من (١) شقاوة وسعادة يومئذ يعودون، فريق في الجنة، وفريق في السعير. وأهل الجنة يومئذ في الجنة يتنعَّمون (٢)، وبصنوف اللذات يتلذذون، وبأفضل الكرامة يُحبَرون، فهم حينئذ إلى ربهم ينظرون، لا يمارون في النظر إليه، ولا يشكُّون، فوجوههم بكرامته ناضرة، وأعينهم بفضله إليه ناظرة، في نعيم مقيم، لا يمسهم فيها نَصَبُ وما هم منها بمخرجين، أُكُلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار. وأهل الجحد عن ربهم يومئذ محجوبون، وفي النار مسجورون (٣) ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة/ ٨٠] لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها إلا من شاء الله إخراجه من الموحدين منها. والطاعة لأولي الأمر فيما كان عند الله مرضيًّا، واجتناب ما كان مسخطًا، وترك الخروج عند تعدِّيهم وجَورهم، والتوبة إلى الله كيما يَعْطِف بهم على رعيتهم. والإمساك عن تكفير أهل القبلة والبراءة منهم فيما أحدثوا، ما لم

стр. 309

يبتدعوا ضلالة، فمن ابتدع منهم ضلالة كان عن (١) أهل القبلة خارجًا، ومن الدين مارقًا، ويُتَقرَّب إلى الله بالبراءة منه، ونهجره ونتجنَّب عُرَّتهُ (٢)، فهي أعدى من عُرَّة الجرب. ويقال بفضل (٣) خليفة رسول الله ﵌، ثم عمر فهما وزيرا رسول الله ﷺ وضجيعاه، ثم عثمان، ثم علي ﵃ أجمعين، ثم الباقين من العشرة الذين أوجب لهم رسول الله ﷺ الجنة، ويخلص لكل رجل منهم (٤) من المحبة بقدر الذي أوجبه له رسول الله ﷺ من التفضيل، ثم لسائر أصحابه من بعدهم ﵃ أجمعين (٥)، ويقال بفضلهم، ويذكرون بمحاسن أفعالهم، ويمسك عن الخوض فيما شجر بينهم، وهم خيار أهل الأرض بعد نبيهم، اختارهم الله [ظ/ق ٣٩ ب] وجعلهم (٦) أنصارًا لدينه، فهم أئمة الدين، وأعلام المسلمين ﵃ أجمعين.

стр. 310

ولا نترك حضور الجمعة، وصلاتها مع برِّ هذه الأُمة [ب/ق ٤٠ ب] وفاجرها؛ ما كان من البدعة بريًّا. والجهاد مع كل إمام عدلٍ أو جائرٍ، والحج وإقصار الصلاة في الأسفار والتخيير فيه بين الصيام والإفطار. هذه مقالات اجتمع عليها الماضون الأولون من أئمة الهدى، وبتوفيق الله اعتصم بها (١) التابعون قدوة ورضًا، وجانبوا التكلُّف فيما كفوا فسُدِّدوا بعون الله ووُفِّقوا، لم يرغبوا عن الاتباع فيقصروا، ولم يجاوزوا فيعتدوا، فنحن بالله واثقون، وعليه متوكلون، وإليه في اتباع آثارهم (٢) راغبون. فهذا شرح السنة، تحرَّيت كشفها وأوضحته، فمن وفقه الله للقيام بما أبنْته (٣) مع معونته له بالقيام على أداء فرائضه بالاحتياط في النجاسات، وإسباغ الطهارات على الطاعات، وأداء الصلوات على الاستطاعات، وإيتاء الزكاة على أهل الجِدَات، والحج على أهل الجِدَة والاستطاعات، وصيام شهر رمضان لأهل الصِّحَّات. وخمس صلوات سنَّها رسول الله ﷺ : صلاة الوتر في كل ليلة، وركعتا الفجر، وصلاة

стр. 311

الفطر، والنحر، وصلاة الكسوف، وصلاة الاستسقاء. واجتناب المحارم والاحتراز من النميمة والكذب والغيبة والبغي بغير الحق، وأن يقول على الله ما لم (١) يعلم، كل هذه كبائر محرمات. والتحري في المكاسب والمطاعم والمحارم والمشارب والملابس واجتناب الشهوات فإنها داعية لركوب المحرمات، فمن رعى حول الحِمَى فإنه (٢) يوشك أن يواقع الحمى= فمن يُسِّر لهذا فإنه من الدين على هُدى، ومن الرحمة على رجاء. وفقنا الله وإياك إلى سبيله الأقوم بمنِّه الجزيل الأقدم، وجلاله العلي الأكرم، والسلام عليك (٣) ورحمة الله وبركاته، وعلى من قرأ علينا السلام، ولا ينال سلام الله الضالون، والحمد لله رب العالمين» (٤). قول إمام الشافعية في وقته أبي العباس بن سُريج ﵁ (٥): ذكر أبو القاسم سعد بن علي بن محمد الزنجاني في «جوابات المسائل» التي سئل عنها بمكة فقال: «الحمد لله أولًا وآخرًا، وظاهرًا

стр. 312

وباطنًا، وعلى كل حال، وصلى الله على سيدنا محمد المصطفى وعلى الأخيار الطيبين من الأصحاب والآل. سألتَ أيَّدك الله تعالى بتوفيقه [ب/ق ٤١ أ] بيان ما صحَّ لديَّ وتأدَّى حقيقته إليَّ من مذهب السلف وصالحي الخلف في الصفات الواردة في الكتاب المنزل والسنة المنقولة بالطرق الصحيحة، برواية الثقات الأثبات عن النبي ﷺ المرسَل (١) بوجيزٍ من القول واختصارٍ في الجواب، فاستخرت الله وأجبت عنه بجواب بعض الأئمة الفقهاء، وهو أبو العباس [ظ/ق ٤٠ أ] أحمد بن عمر بن سُريج ﵀، وقد سُئل عن مثل هذا السؤال فقال: «أقول وبالله التوفيق، حرام على العقول (٢) أن تمثِّل الله ، وعلى الأوهام أن تحدَّه، وعلى الظنون أن تقطع، وعلى الضمائر أن تعمق، وعلى النفوس أن تفكر، وعلى الأفكار أن تحيط، وعلى الألباب أن تصف إلا ما وصف به (٣) نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ . وقد صح وتقرر (٤) واتَّضح عند جميع أهل الديانة والسنة والجماعة من السلف الماضين والصحابة والتابعين من الأئمة المهديين (٥) الراشدين

стр. 313

المشهورين إلى زماننا هذا= أن جميع الآي الواردة عن الله تعالى في ذاته وصفاته، والأخبار الصادقة الصادرة عن رسول الله ﷺ في الله وفي صفاته (١)، التي صححها أهل النقل وقبِلَها النقاد الأثبات= يجب على المرء المسلم المؤمن الموقن (٢) الإيمانُ بكل واحدٍ منه كما ورد، وتسليم أمره. إلى الله كما أمر ذلك مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة/ ٢١٠]، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر/٢٢]، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥]، وقوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر/٦٧]، ونظائرها مما (٣) نطق به القرآن: كالفوقية والنفْس واليدين والسمع والبصر والكلام والعين والنظر، والإرادة والرضى والغضب والمحبة والكراهة والعناية والقرب والبعد والسخط والاستحياء، والدنو كقاب قوسين أو أدنى وصعود الكلام الطيب إليه (٤) وعروج الملائكة والروح إليه ونزول القرآن منه وندائه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقوله للملائكة وقبضه وبسطه وعلمه ووحدانيته وقدرته

стр. 314

ومشيئته وصمديته وفردانيته وأوَّليته [/ق ٤١ ب] وآخريته وظاهريته وباطنيته وحياته وبقائه وأزليته وأبديَّته ونوره وتجلِّيه والوجه وخلق آدم ﵇ بيده، ونحو قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك/١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف/٨٤]، وسماعه من غيره (١) وسماع غيره منه، وغير ذلك من صفاته المتعلقة به (٢) المذكورة في كتابه المنزل (٣) على نبيه ﷺ ، وجميع ما لفظ به المصطفى ﷺ من صفاته: كغرسه جنة الفردوس بيده، وشجرة طوبى بيده، وخطِّ التوراة بيده، والضحك والتعجب، ووضعه القدم على النار فتقول: قط قط، وذكر الأصابع، والنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا، وليلة الجمعة، وليلة النصف من شعبان، وليلة القدر (٤)، وكغيرته وفرحه بتوبة العبد، واحتجابه بالنور وبرداء الكبرياء، وأنه ليس بأعور، وأنه يعرض عما يكره ولا ينظر إليه [ظ/ق ٤٠ ب]، وأن كلتا يديه يمين واختيار آدم بقبضته اليُمنى، وحديث القبضة، وله كل يوم كذا وكذا نظرة في اللوح المحفوظ، وأنه يوم القيامة يحثو ثلاث حثيات من حثياته (٥) فيدخلهم الجنة، ولما خلق آدم عليه

стр. 315

الصلاة والسلام مسح ظهره بيمينه فقبض قبضة، فقال: «هذه للجنة ولا أُبالي: أصحاب اليمين، وقبض قبضةً أخرى وقال: هذه للنار ولا أبالي: أصحاب الشمال»، ثم ردَّهم في صلب أبيهم (١) آدم (٢)، وحديث القبضة التي يخرج بها من النار قومًا لم يعملوا خيرًا قط، عادوا حُمَمًا فيُلْقَون في نهر من الجنة يقال له نهر (٣) الحياة (٤)، وحديث خلق آدم على صورته،

стр. 316

وقوله: «لا تقبِّحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن» (١)، وإثبات الكلام بالحرف والصوت وباللغات، وبالكلمات وبالسور، وكلامه تعالى لجبريل والملائكة، ولملك الأرحام وللرحم (٢)، ولملك الموت ولرضوان ولمالك، ولآدم ولموسى ولمحمد ﷺ ، وللشهداء (٣) وللمؤمنين عند الحساب وفي الجنة، ونزول القرآن إلى سماء الدنيا، وكون القرآن (٤) في المصاحف، وما أذن الله لشيء كأذَنه لنبي يتغنى بالقرآن، وقوله: «لله أشدُّ أذَنًا لقارئ القرآن من صاحب القينة إلى قينته» (٥)،

стр. 317

وأن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، وفرغ الله من الرزق والأجل، وحديث ذبح الموت، ومباهاة الله تعالى، وصعود الأقوال والأعمال [ب/ق ٤٢ أ] والأرواح إليه، وحديث معراج الرسول ﷺ ببدنه ونفسه، ونظره إلى الجنة والنار، وبلوغه إلى العرش إلى أن لم يكن بينه وبين الله تعالى إلا حجاب العزة، وعرض الأنبياء عليه، وعرض أعمال الأُمة عليه، وغير هذا مما صحَّ عنه ﷺ من الأخبار المتشابهة الواردة في صفات الله سبحانه، ما بلغنا وما لم يبلغنا مما صح عنه اعتقادنا فيه. وفي الآي (١) المتشابهة في القرآن أن نقبلها ولا نردها، ولا نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبِّهين، ولا نزيد عليها ولا ننقص منها ولا نفسرها ولا نُكَيِّفها، ولا نترجم عن صفاته بلغةٍ غير العربية، ولا نشير إليها بخواطر القلوب، ولا بحركات الجوارح، بل

стр. 318

نطلق ما أطلقه الله ، ونفسِّر الذي فسَّره النبي ﷺ وأصحابه والتابعون والأئمة المرضيُّون، من السلف المعروفين بالدين والأمانة، ونجمع على ما أجمعوا عليه (١)، ونمسك عمَّا أمسكوا عنه، ونسلم الخبر لظاهره، والآية لظاهر تنزيلها، لا نقول بتأويل المعتزلة والأشعرية والجهمية والملحدة والمجسِّمة والمشبِّهة والكرَّامية والمكيِّفة (٢)؛ بل نقبلها بلا تأويل، [ظ/ق ٤١ أ] ونؤمن بها بلا تمثيل، ونقول: الإيمان بها واجب، والقول بها سُنة، وابتغاء تأويلها بدعة» (٣). آخر كلام أبي العباس بن سريج الذي حكاه أبو القاسم سعد (٤) بن علي الزنجاني في أجوبته ثم ذكر باقي المسائل وأجوبتها. قول الإمام حجة الإسلام أبي أحمد بن الحسين (٥) الشافعي المعروف «بابن الحداد» (٦) رحمه الله تعالى:

стр. 319

قال الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين وسلم تسليمًا: أما بعد: فإنك وفقك الله تعالى لقول السداد، وهداك سُبل الرشاد، سألتني عن الاعتقاد الحق، والمنهج الصدق، الذي يجب على العبد المكلف أن يعتقدهُ ويلتزمه (١) ويعتمده. فأقول والله الموفق للصواب: الذي يجب على العبد اعتقاده، ويلزمه في ظاهره وباطنه اعتماده: ما دلَّ عليه كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﵌، وإجماع الصدر الأول، من علماء السلف [ب/ق ٤٢ ب] وأئمتهم، الذين هم أعلام الدين وقدوة من بعدهم من المسلمين. وذلك أن يعتقد العبد ويقرّ ويعترف بقلبه ولسانه: أن الله واحد أحد، فردٌ صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، لا إله سواه، ولا معبود إلا إياه، ولا شريك له، ولا نظير له، ولا وزير له، ولا ظهير له، ولا سميَّ له، ولا صاحبة له، ولا ولد له. قديم أبدي، أوَّل من غير بداية، وآخر من غير نهاية، موصوف بصفات الكمال من الحياة والقدرة، والعلم والإرادة، والسمع والبصر، والبهاء والجمال، والعظمة والجلال، والمن والإفضال، لا يعجزه شيء ولا يشبهه شيء، ولا يعزب عن علمه شيء، يعلم خائنة

стр. 320

الأعين وما تخفي الصدور، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين، منزَّهٌ عن كل نقص وآفة، ومقدَّس عن كل عيب وعاهة، الخالق الرازق، المحيي المميت، الباعث الوارث، الأول الآخر، الظاهر الباطن، الطالب الغالب، المثيب المعاقب، الغفور الشكور. قدَّر كل شيء وقضاه (١) وأبرمه وأمضاه، من خيرٍ وشرٍّ، ونفع وضُرٍّ، وطاعة وعصيان، وعمد ونسيان، وعطاء وحرمان، لا يجري في ملكه ما لا يريد، عدل في أقضيته، غير ظالم لبريَّته، لا رادَّ لأمره، ولا معقِّب لحكمه رب العالمين، إله الأولين والآخرين، مالك (٢) يوم الدين، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى/١١]، نَصِفُه بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان رسوله ــ ﵌ ــ الكريم، لا نجاوز ذلك ولا نزيد، بل نقف عنده، وننتهي إليه، ولا ندخل فيه برأي ولا قياس؛ لِبُعْده عن الأشكال والأجناس ﴿ذَلِكَ مِنْ [ظ/ق ٤١ ب] فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف/ ٣٨]. وأنه سبحانه مستوٍ على عرشه، وفوق جميع خلقه؛ كما أخبر في
следующие страницы →