← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18632

اجتماع الجيوش الإسلامية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (604 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وقوله: «لا تقبِّحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن» (١)، وإثبات الكلام بالحرف والصوت وباللغات، وبالكلمات وبالسور، وكلامه تعالى لجبريل والملائكة، ولملك الأرحام وللرحم (٢)، ولملك الموت ولرضوان ولمالك، ولآدم ولموسى ولمحمد ﷺ ، وللشهداء (٣) وللمؤمنين عند الحساب وفي الجنة، ونزول القرآن إلى سماء الدنيا، وكون القرآن (٤) في المصاحف، وما أذن الله لشيء كأذَنه لنبي يتغنى بالقرآن، وقوله: «لله أشدُّ أذَنًا لقارئ القرآن من صاحب القينة إلى قينته» (٥)،

стр. 317

وأن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، وفرغ الله من الرزق والأجل، وحديث ذبح الموت، ومباهاة الله تعالى، وصعود الأقوال والأعمال [ب/ق ٤٢ أ] والأرواح إليه، وحديث معراج الرسول ﷺ ببدنه ونفسه، ونظره إلى الجنة والنار، وبلوغه إلى العرش إلى أن لم يكن بينه وبين الله تعالى إلا حجاب العزة، وعرض الأنبياء عليه، وعرض أعمال الأُمة عليه، وغير هذا مما صحَّ عنه ﷺ من الأخبار المتشابهة الواردة في صفات الله سبحانه، ما بلغنا وما لم يبلغنا مما صح عنه اعتقادنا فيه. وفي الآي (١) المتشابهة في القرآن أن نقبلها ولا نردها، ولا نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبِّهين، ولا نزيد عليها ولا ننقص منها ولا نفسرها ولا نُكَيِّفها، ولا نترجم عن صفاته بلغةٍ غير العربية، ولا نشير إليها بخواطر القلوب، ولا بحركات الجوارح، بل

стр. 318

نطلق ما أطلقه الله ، ونفسِّر الذي فسَّره النبي ﷺ وأصحابه والتابعون والأئمة المرضيُّون، من السلف المعروفين بالدين والأمانة، ونجمع على ما أجمعوا عليه (١)، ونمسك عمَّا أمسكوا عنه، ونسلم الخبر لظاهره، والآية لظاهر تنزيلها، لا نقول بتأويل المعتزلة والأشعرية والجهمية والملحدة والمجسِّمة والمشبِّهة والكرَّامية والمكيِّفة (٢)؛ بل نقبلها بلا تأويل، [ظ/ق ٤١ أ] ونؤمن بها بلا تمثيل، ونقول: الإيمان بها واجب، والقول بها سُنة، وابتغاء تأويلها بدعة» (٣). آخر كلام أبي العباس بن سريج الذي حكاه أبو القاسم سعد (٤) بن علي الزنجاني في أجوبته ثم ذكر باقي المسائل وأجوبتها. قول الإمام حجة الإسلام أبي أحمد بن الحسين (٥) الشافعي المعروف «بابن الحداد» (٦) رحمه الله تعالى:

стр. 319

قال الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين وسلم تسليمًا: أما بعد: فإنك وفقك الله تعالى لقول السداد، وهداك سُبل الرشاد، سألتني عن الاعتقاد الحق، والمنهج الصدق، الذي يجب على العبد المكلف أن يعتقدهُ ويلتزمه (١) ويعتمده. فأقول والله الموفق للصواب: الذي يجب على العبد اعتقاده، ويلزمه في ظاهره وباطنه اعتماده: ما دلَّ عليه كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﵌، وإجماع الصدر الأول، من علماء السلف [ب/ق ٤٢ ب] وأئمتهم، الذين هم أعلام الدين وقدوة من بعدهم من المسلمين. وذلك أن يعتقد العبد ويقرّ ويعترف بقلبه ولسانه: أن الله واحد أحد، فردٌ صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، لا إله سواه، ولا معبود إلا إياه، ولا شريك له، ولا نظير له، ولا وزير له، ولا ظهير له، ولا سميَّ له، ولا صاحبة له، ولا ولد له. قديم أبدي، أوَّل من غير بداية، وآخر من غير نهاية، موصوف بصفات الكمال من الحياة والقدرة، والعلم والإرادة، والسمع والبصر، والبهاء والجمال، والعظمة والجلال، والمن والإفضال، لا يعجزه شيء ولا يشبهه شيء، ولا يعزب عن علمه شيء، يعلم خائنة

стр. 320

الأعين وما تخفي الصدور، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين، منزَّهٌ عن كل نقص وآفة، ومقدَّس عن كل عيب وعاهة، الخالق الرازق، المحيي المميت، الباعث الوارث، الأول الآخر، الظاهر الباطن، الطالب الغالب، المثيب المعاقب، الغفور الشكور. قدَّر كل شيء وقضاه (١) وأبرمه وأمضاه، من خيرٍ وشرٍّ، ونفع وضُرٍّ، وطاعة وعصيان، وعمد ونسيان، وعطاء وحرمان، لا يجري في ملكه ما لا يريد، عدل في أقضيته، غير ظالم لبريَّته، لا رادَّ لأمره، ولا معقِّب لحكمه رب العالمين، إله الأولين والآخرين، مالك (٢) يوم الدين، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى/١١]، نَصِفُه بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان رسوله ــ ﵌ ــ الكريم، لا نجاوز ذلك ولا نزيد، بل نقف عنده، وننتهي إليه، ولا ندخل فيه برأي ولا قياس؛ لِبُعْده عن الأشكال والأجناس ﴿ذَلِكَ مِنْ [ظ/ق ٤١ ب] فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف/ ٣٨]. وأنه سبحانه مستوٍ على عرشه، وفوق جميع خلقه؛ كما أخبر في

стр. 321

كتابه، وعلى ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم، من غير تشبيه ولا تعطيل، ولا تحريف ولا تأويل، وكذلك كل ما جاء من الصفات نُمِرُّه كما جاء، من غير مزيد عليه، ونقتدي في ذلك بعلماء السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم أجمعين (١)، ونسكت عما سكتوا عنه، ونتأوَّل ما تأولوا، وهم القدوة في هذا الباب ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر/١٨]. ونؤمن بالقدر خيره [ب/ق ٤٣ أ] وشره وحلوه ومره أنَّه من (٢) الله ، لا معقِّب لِمَا حكم، ولا ناقض لِمَا أبرم، وأن أعمال العباد حسنها وسيئها خلق الله ومقدَّرة (٣) منه عليهم، لا خالق لها سواه، ولا مقدِّر لها إلا هو (٤)، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم/٣١]، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء/٢٣]، وأنه عدل في ذلك غير جائر، لا يظلمهم مثقال ذرة، ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء/٤٠]، وكذلك الأرزاق

стр. 322

والآجال مقدَّرة لا تزيد ولا تنقص. ونؤمن ونقرّ ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه (١)، وأنه خاتم النبيين، وسيد المرسلين، أرسله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. ونؤمن أن كل كتاب أنزله الله تعالى حق، وأن كل رسول أرسله الله تعالى حق، وأن الملائكة حق، وأن جبرائيل حق، وميكائيل حق، وإسرافيل حق، وعزرائيل حق (٢)، وحملة العرش والكرام الكاتبين من الملائكة حق، وأن الشياطين والجِنَّ حق، وأن كرامات الأولياء ومعجزات (٣) الأنبياء حق، والعين حق، والسحر له حقيقة وتأثير في الأجسام، ومساءلة منكر ونكير حق، وفتنة القبر حق ونعيمه حق، وعذابه حق، والبعث بعد الموت حق (٤)، وقيام الساعة والوقوف بين يدي الله تعالى يوم القيامة للحساب والقصاص والميزان حق، والصراط حق، والحوض حق (٥)، والشفاعة التي خُصَّ بها نبينا (٦) يوم القيامة

стр. 323

حق، والشفاعة من الملائكة والنبيين والمؤمنين حق، والجنة حق، والنار حق، وأنهما مخلوقتان لا تبيدان ولا تفنيان، وخروج المؤمنين من النار بعد دخولها حق، ولا يخلد فيها من في قلبه مثقال (١) ذرة من إيمان، وأهل الكبائر في مشيئة الله تعالى، لا يُقطع عليهم بالنار، بل (٢) يُخاف عليهم، ولا يُقطع للطائعين بالجنة بل نرجو لهم. وأن الإيمان: قول باللسان ومعرفة بالقلب وعمل بالجوارح، وأنه يزيد وينقص [ب/ق ٤٣ ب]. وأن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة من غير حجاب، وأن الكفار عن رؤيته محجوبون. وأن القرآن كلام الله رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب محمد خاتم النبيين ﵌، أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى [ظ/ق ٤٢ أ] بالله شهيدًا، وأنه غير مخلوق، وأن السور والآيات والحروف المسموعات والكلمات التامات التي عجزت (٣) الإنس والجن على أن يأتوا بمثله؛ ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا= ليس

стр. 324

بمخلوق كما قال المعتزلي (١)، ولا عبارة كما قال الكُلَّابي، وأنه المتلوّ بالألسنة، المحفوظ في الصدور، المكتوب في المصاحف، المسموع لفظه، المفهوم معناه، لا يتعدَّد بتعدد الصدور والمصاحف والآي (٢)، ولا يختلف باختلاف الحناجر والنغمات، أنزله إذ شاء، ويرفعه إذ شاء (٣)، وهذا معنى قول السلف: منه بدأ وإليه يعود. واللَّفظية الذين يقولون: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة؛ مبتدعة جهميَّة عند الإمام أحمد والشافعي. أخبرنا به الحسين بن أحمد بن إبراهيم الطبري، قال: سمعت أحمد ابن يوسف الشالنجي يقول: سمعت أبا عبد الله الحسين بن علي القطان يقول: سمعت علي بن الحسين (٤) بن الجنيد يقول: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: «من قال لفظي بالقرآن أو القرآن بلفظي مخلوق فهو جهمي». وحُكي هذا اللفظ عن أبي زرعة وعلي بن خشرم وغيرهم من أئمة السلف.

стр. 325

وأن الآيات التي تظهر (١) عند قرب الساعة من: الدجال ونزول عيسى ابن مريم ﵊ والدخان (٢) والدابة وطلوع الشمس من مغربها وغيرها من الآيات التي وردت بها الأخبار الصحاح= حق. وأن خير هذه الأُمة القرن الأول، وهم الصحابة ﵃، وخيرهم العشرة، الذين شهد لهم رسول الله ﵌ بالجنة، وخير هؤلاء العشرة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم. ونعتقد حب آل محمد ﵌ وأزواجه وسائر أصحابه رضوان الله عليهم، ونذكر محاسنهم وننشر فضائلهم ونمسك ألسنتنا وقلوبنا [ب/ق ٤٤ أ] عن التطلع فيما شجر بينهم، ونستغفر الله لهم، ونتوسل إلى الله ربهم باتباعهم (٣). ونرى الجهاد والجماعة ماضيًا (٤) إلى يوم القيامة، والسمع والطاعة لولاة الأمر من المسلمين واجب في طاعة الله تعالى دون معصيته، لا يجوز الخروج عليهم، ولا المفارقة لهم.

стр. 326

ولا نكفر أحدًا من المسلمين بذنب عمله ولو كبر، ولا ندع الصلاة عليهم؛ بل نحكم فيهم بحكم رسول الله ﵌، ونترحم (١) على معاوية، ونكل سريرة يزيد إلى الله تعالى، وقد روي عنه: أنه لما رأى رأس الحسين رضوان الله عليه قال: «لقد قتلك من كانت الرحم بينك وبينه قاطعة»، وتبرأ ممن قتل الحسين رضوان الله عليه وأعان عليه، أو أشار به ظاهرًا أو باطنًا، هذا اعتقادنا ظاهرًا، ونكل سريرته إلى الله تعالى. والعبارة الجامعة في باب التوحيد أن يُقال: إثبات من غير تشبيه، ونفي من غير تعطيل. قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى/١١]. [ظ/ق ٤٢ ب] والعبارة الجامعة في المتشابه من آيات الصفات أن يقال: آمنت بما قال الله تعالى، على ما أراده، وآمنت بما قال رسول الله ﵌، على ما أراده. فهذا اعتقادنا الذي نتمسك به وننتهي إليه، ونسأل الله تعالى أن يُحيينا، وأن يميتنا عليه، ويجعله وسيلتنا يوم الوقوف بين يديه، إنه جواد كريم. والحمد لله رب العالمين. هذا آخر كلامه (٢).

стр. 327

قول الإمام إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي: صاحب كتاب «الترغيب والترهيب»، و «كتاب الحجة في بيان المحجة ومذهب أهل السنة» ـ وكان إمامًا للشافعية في وقته رحمه الله تعالى، وجمع له أبو موسى المديني مناقب جليلة (١) لجلالته. قال في «كتاب الحجة»: «باب في بيان استواء الله على العرش. قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥] وقال في آية أُخرى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة/٢٥٥]، وقال: ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [الشورى/٤]، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى/١]. وقال أهل السنة: الله فوق السماوات لا يعلوه خلق من خلقه، ومن الدليل على ذلك: أن الخلق يشيرون إلى السماء بأصابعهم، ويدعونه ويرفعون إليه رؤوسهم وأبصارهم، وقال : ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام/١٨]. وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [تبارك/١٦، ١٧]، والدليل على ذلك الآيات التي فيها ذكر نزول [ب/ق ٤٤ ب] الوحي.

стр. 328

فصل في بيان أن العرش فوق السماوات، وأن الله فوق العرش. ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي في «البخاري»: «لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي» (١). وبسط الاستدلال على ذلك بالسنة ثم قال (٢): قال علماء السنّة: إن الله على عرشه بائن من خلقه. وقالت المعتزلة: هو بذاته في كل مكان. قال: وقالت الأشعرية: الاستواء عائد إلى العرش. قال: ولو كان كما قالوا لكانت القراءة برفع العرش، فلما كانت بخفض العرش دل على أنه عائد إلى الله . قال: وقال بعضهم: استوى بمعنى استولى، قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف و (٣) دم مهراق (٤)

стр. 329

والاستيلاء لا يوصف به إلا من قدر على الشيء بعد العجز عنه، والله تعالى لم يزل قادرًا على الأشياء ومستوليًا عليها؛ ألا ترى أنه لا يُوصف بِشْر بالاستيلاء على العراق إلا وهو عاجز عنه قبل ذلك. ثم حكى أبو القاسم عن ذي النون المصري: أنه قيل له: ما أراد الله سبحانه بخلق العرش؟ قال: أراد أن لا يُتَوِّه (١) قلوب العارفين. قال: ورويَ عن [ظ/ق ٤٣ أ] ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ ... ﴾ [المجادلة/٧]، قال: هو على عرشه (٢)، وعلمه في كل مكان. ثم ساق الاحتجاج بالآثار إلى أن قال وزعم هؤلاء أن معنى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أي: ملكه، وأنه لا اختصاص له بالعرش أكثر مما له بالأمكنة. وهذا إلغاء لتخصيص العرش (٣) وتشريفه. وقال أهل السنة: خلق الله تعالى السماوات وكان عرشه على الماء مخلوقًا قبل خلق السماوات والأرض، ثم استوى على العرش بعد خلق السماوات والأرض على (٤) ما ورد به النص، وليس معناه المماسة بل

стр. 330

هو مستوٍ على عرشه بلا كيف كما أخبر عن نفسه. قال: وزعم هؤلاء أنه لا تجوز الإشارة إلى الله سبحانه بالرؤوس والأصابع إلى فوق، فإن ذلك يوجب التحديد، وقد أجمع المسلمون أن الله سبحانه هو (١) العلي الأعلى، ونطق (٢) بذلك القرآن. وزعم هؤلاء أن ذلك بمعنى: علو (٣) الغلبة، لا علو الذات. وعند المسلمين أن لله علو الغلبة والعلو من سائر وجوه العلو؛ لأن العلو صفة مدح، فنثبت أن لله تعالى علوَّ الذات، وعلو الصفات، وعلو [ب/ق ٤٥ أ] القهر والغلبة. وفي منعهم الإشارة إلى الله من (٤) جهة الفوق خلاف منهم لسائر الملل؛ لأن جماهير المسلمين وسائر الملل قد وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله من جهة الفوق في الدعاء والسؤال، واتفاقهم بأجمعهم على ذلك حُجَّة، ولم يستجز أحد الإشارة إليه من جهة الأسفل، ولا من سائر الجهات سوى جهة الفوق. وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل/٥٠]. وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر/١٠].

стр. 331

وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج/٤]. وأخبر تعالى عن فرعون أنه قال: ﴿ ... يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر/ ٣٦، ٣٧]. فكان فرعون قد فهم عن موسى ﵊ أنه يثبت إلهًا فوق السماء، حين (١) رام بصرحه أن يطلع إليه، واتَّهم موسى ﵊ بالكذب في ذلك، والجهمية لا تعلم أن الله فوقها بوجود ذاته، فهم أعجز فهمًا من فرعون بل وأضل (٢). وقد صحَّ عن النبي ﵌ أنه سأل الجارية التي أراد مولاها عتقها: «أين الله»؟ قالت: في السماء. وأشارت برأسها. وقال: «من أنا»؟ فقالت: أنت رسول الله. فقال: «أعتقها فإنها مؤمنة»، فحكم النبي ﵌ بإيمانها حين قالت: إن الله في السماء، وحكم الجهمي بكفر من يقول ذلك. هذا كله كلام أبي (٣) القاسم التيمي (٤) رحمه الله تعالى (٥).

стр. 332

قول الإمام أبي عمرو عثمان بن أبي الحسن بن الحسين الشهرزوري (١) الفقيه المحدث من أئمة أصحاب الشافعي من أقران البيهقي وأبي عثمان الصابوني وطبقتهما: له كتاب في «أصول [ظ/ق ٤٣ ب] الدين». قال في أوله: «الحمد لله الذي اصطفى الإسلام على الأديان، وزين أهله بزينة الإيمان، وجعل السنة عصمة أهل الهداية، ومجانبتها أمارة أهل الغواية، وأعز أهلها بالاستقامة، ووصل عزَّهم بالقيامة، وصلى الله على محمد وسلم وعلى (٢) آله أجمعين وبعد: فإن الله تعالى لمَّا جعل الإسلام ركن الهدى، والسنة سبب النجاة من الردى، ولم يجعل لمن ابتغى غير الإسلام دينًا هاديًا، ولا من انتحل غير السنة (٣) نحلة ناجيًا= جمعت أصول السنة الناجي أهلها، التي لا يسع الجاهل نُكْرها، ولا العالم جهلها، ومن سلك غيرها من المسالك فهو في أودية البدع هالك» ـ إلى أن قال: ـ «ودعاني إلى جمع هذا المختصر [ب/ق ٤٥ ب] في اعتقاد أهل (٤) السُّنة على مذهب الشافعي وأصحاب الحديث؛ إذ هم أُمراء العلم وأئمة الإسلام= قول النبي صلى

стр. 333

الله عليه وآله وسلم: «تكون البدع في آخر الزمان (١)، فإذا كان كذلك فمن كان عنده علم فليظهره، فإن كاتم العلم يومئذ ككاتم ما أنزل الله على محمدٍ نبيه ﵌» (٢).

стр. 334

ثم ساق الكلام في الصفات إلى أن قال: «فصل: ومن صفاته ﵎ فوقيته واستواؤه على عرشه بذاته، كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﵌ بلا كيف، بدليل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان/٥٩]، وقوله في خمسة مواضع أُخر (١): ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢)، وقوله تعالى في قصة عيسى ﵇: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران/ ٥٥]»، وساق آيات العلو ـ ثم قال: ـ «وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف لم يختلفوا في أن الله سبحانه مستوٍ على

стр. 335

عرشه، وعرشه فوق سبع سماوات (١)» ــ ثم ذكر كلام عبد الله بن المبارك ــ: «نعرف ربنا بأنه فوق سبع سماواته؛ على عرشه بائن من خلقه» ـ وساق قول ابن خزيمة: «ومن لم يقر بأن الله تعالى على عرشه؛ قد استوى فوق سبع سماواته فهو كافر» = بإسناده من (٢) كتاب «معرفة علوم الحديث»، ومن كتاب «تاريخ نيسابور» للحاكم. ثم قال: وإمامنا في الأصول والفروع أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ــ رحمه الله تعالى ورضي عنه ــ احتجَّ في كتابه «المبسوط» على المخالف في مسألة إعتاق الرقبة المؤمنة في الكفارة، وأن الرقبة الكافرة لا يصح التكفير بها= بخبر معاوية بن الحكم السُّلمي ﵁: وأنه أراد أن يعتق الجارية السوداء عن الكفارة، وسأل النبي ﵌ عن إعتاقه إياها فامتحنها ﷺ (٣)؛ ليعرف أنها مؤمنة أم لا، فقال لها: «أين ربك؟» فأشارت إلى السماء، إذ كانت أعجمية، فقال لها: «من أنا؟» فأشارت إليه وإلى السماء: تعني أنك رسول الله الذي في السماء. فقال: «أعتقها، فإنها مؤمنة» (٤)، فحكم رسول الله ﵌ بإسلامها وإيمانها؛ لمَّا أقرَّت بأن ربها في السماء [ظ/ق ٤٤ أ]،

стр. 336

وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية». هذا لفظه (١). قول إمام الشافعية في وقته: الإمام أبي بكر محمد (٢) بن محمود ابن سورة التميمي فقيه نيسابور رحمه الله تعالى: قال الحافظ عبد القادر الرهاوي: أخبرنا أبو العلاء الحسن بن أحمد [ب/ق ٤٦ ب] الحافظ الهمداني قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن أبي علي الحافظ قال: سمعت الشيخ الفقيه أبا بكر محمد بن محمود ابن سورة التميمي النيسابوري يقول: «لا أُصلِّي خلف من ينكر الصفات، ولا خلف من يقول بقول أهل الفساد، ولا خلف من لم يُثْبت القرآن في المصحف، ولا يُثْبت النبوة قبل الماء والطين إلى يوم الدين، ولا يقرُّ بأن الله تعالى فوق عرشه بائن من خلقه. قال أبو جعفر: وسمعته يقول للشيخ أبي المظفَّر السمعاني بنيسابور: «إن أردت أن يكون لك درجة الإيمان (٣) في الدنيا والآخرة

стр. 337

فعليك بمذهب السلف الصالح، وإياك أن تداهن في ثلاث مسائل: مسألة القرآن، ومسألة النبوة، ومسألة استواء الرحمن على العرش= باستدلال النص من القرآن والسنة المأثورة عن النبي ﷺ ». حكاه الحافظ أبو منصور عبد الله بن محمد بن الوليد (١) في كتاب «إثبات العلو» له. قلت: ونظير ذكره (٢) هذه المسائل الثلاث (٣)، ما حكاه أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي قال: سمعت أحمد بن أميرجة القلانسي خادم شيخ الإسلام الأنصاري يقول: حضرت مع شيخ الإسلام عند (٤) الوزير أبي علي الحسن بن علي الطوسي ـ نظام المُلك ـ وكان أصحابه كلَّفوه بالخروج إليه، وذلك بعد المحنة ورجوعه من بلخ، فلمّا دخل عليه أكرمه وبجَّله، وكان في العسكر أئمة من (٥) الفريقين، فاتَّفقوا جميعًا

стр. 338

على أن يسألوه عن مسألة بين يدي الوزير يُعنتونه (١) بها؛ فإن أجاب بما كان (٢) يجيب بهراة سقط من عين الوزير، وإن لم يجب سقط من عيون (٣) أصحابه وأهل مذهبه، فلمَّا دخل واستقر به المجلس انتدب له رجل من الجماعة، فقال: يأذن الشيخ الإمام في أن أسأل مسألة؟ فقال: سل. فقال: لِمَ تلعن أبا الحسن الأشعري؟ فسكت. وأطرق الوزير لِمَا علم من جوابه، فلمَّا كان بعد ساعة قال له الوزير: أجِبْه. فقال: أنا (٤) لا ألعن الأشعري، وإنما ألعن من لم يعتقد أن الله في السماء، وأن القرآن في المصحف، وأن النبي ﵌ اليوم نبي. ثم قام وانصرف فلم يمكن أحدًا أن يتكلَّم بكلمة من هيبته وصولته وصلابته، فقال الوزير للسائل ومن [ب/ق ٤٧ أ] معه: هذا أردتم؟ كنا نسمع أنه يذكر هذا بهراة، فاجتهدتم (٥) حتى سمعناه بآذاننا، وما عسى أن أفعل به، ثم بعث خلفه خِلَعًا وصِلَة فلم يقبلها، وخرج من فوره إلى هراة (٦). وهذا القول في النبوة بناء على أصل الجهمية وأفراخهم: أن الروح

стр. 339

عَرَضٌ من أعراض البدن كالحياة، وصفات الحي مشروطة بها، فإذا زالت بالموت تبعتها صفاته فزالت بزوالها. ونجا متأخروهم من هذا الإلزام وفروا إلى (١) القول بحياة الأنبياء ﵈ في قبورهم، فجعلوا لهم (٢) معادًا يختص بهم قبل المعاد الأكبر، إذ لم يمكنهم التصريح بأنهم لم يذوقوا الموت. وقد أشبعنا الكلام على هذه المسألة واستيفاء الاحتجاج (٣) لهم وبيان ما في ذلك في كتاب «الشافية (٤) الكافية في الانتصار للفرقة الناجية» (٥).

стр. 340

قول أبي الخير (١) العمراني ـ صاحب «البيان» فقيه الشافعية ببلاد اليمن رحمه الله تعالى: له كتاب لطيف في السنة (٢) على مذهب أهل الحديث، صرَّح فيه بمسألة الفوقية والعلو، والاستواء حقيقة، وتكلّم الله بهذا القرآن العربي المسموع بالآذان حقيقة، وأن جبرائيل ﵊ سمعه من الله سبحانه حقيقة، وصرَّح فيه بإثبات الصفات الخبرية، واحتجَّ بذلك ونصره، وصرَّح بمخالفة الجهمية والنفاة. ذكر أقوال جماعة من أتباع الأئمة الأربعة ممن يُقْتدى بأقوالهم سِوى مَن تقدم: قول أبي بكر بن موهب (٣) المالكي شارح «رسالة ابن أبي زيد»:

стр. 341

قد تقدم ذكره عند ذكر (١) أصحاب مالك ﵀ وحكينا بعض كلامه في شرحه، ونحن نسوقه بعبارته قال: «وأما قوله: إنه فوق عرشه المجيد بذاته»: فإن معنى فوق وعلا عند جميع العرب واحد، وفي كتاب الله وسنة رسوله ﵌ تصديق ذلك ـ ثم ساق الآيات في إثبات العلو، وحديث الجارية، إلى أن قال ـ: وقد تأتي «في» في لغة العرب بمعنى: فوق، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك/١٥] يُريد: عليها وفوقها، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه/٧١] يريد: عليها. وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك/١٦] الآيات، قال أهل (٢) التأويل العالمون بلغة العرب: يُريد فوقها، وهو قول مالك، مما فهم (٣) عن جماعة ممن أدرك من [ب/ق ٤٧ ب] التابعين؛ مما فهموه عن الصحابة ﵃؛ مما فهموه عن النبي ﵌: أن الله (٤) في السماء، يعني (٥): فوقها وعليها، فلذلك (٦) قال

стр. 342

الشيخ أبو محمد: إنه فوق عرشه المجيد بذاته، ثم إنه بين أن علوَّه على عرشه إنما هو بذاته؛ لأنه بائن عن جميع خلقه بلا كيف، وهو في كل مكان من الأمكنة المخلوقة بعلمه لا بذاته؛ إذ لا تحويه (١) الأماكن؛ لأنه أعظم منها، وقد كان ولا مكان، ولم يحل بصفاته عما كان؛ إذ لا تجري عليه الأحوال، لكن علوه في استوائه على عرشه، وهو عندنا بخلاف ما كان قبل أن يستوي [ظ/ق ٤٥ أ] على العرش؛ لأنه قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢) و «ثُمَّ» أبدًا لا تكون إلا لاستئناف (٣) فعل يكون (٤) بينه وبين ما قبله فسحة ... إلى أن قال: وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥] فإنما معناه عند أهل السنة: على غير الاستيلاء والقهر والغلبة والملك (٥)، الذي ظنَّت المعتزلة ومن قال بقولهم: إنه معنى (٦) الاستواء، وبعضهم يقول: إنه على المجاز دون الحقيقة.

стр. 343

قال: ويبيِّن سوء تأويلهم في استوائه على عرشه على غير ما تأولوه من الاستيلاء وغيره: ما قد علمه أهل العقول أنه لم يزل مستوليًا على جميع مخلوقاته بعد اختراعه لها، وكان العرش وغيره في ذلك سواء، فلا معنى لتأويلهم بإفراد العرش بالاستواء الذي هو في تأويلهم الفاسد استيلاء وملك وقهر وغلبة. قال: وكذلك بَيّن أيضًا أنه (١) على الحقيقة بقوله : ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء/١٢٢] فلما رأى المُنْصِفون (٢) إفراد ذكره بالاستواء على عرشه بعد خلق سمواته وأرضه وتخصيصه بصفة الاستواء علموا أن الاستواء هنا غير الاستيلاء ونحوه، فأقروا بوصفه بالاستواء (٣) على عرشه، وأنه على الحقيقة لا على المجاز؛ لأنه الصادق في قِيله، ووقفوا عن تكييف ذلك وتمثيله؛ إذ ليس كمثله شيء من الأشياء» (٤).

стр. 344

وقد تقدم (١) قول القاضي عبد الوهاب إمام المالكية بالعراق: إن الاستواء استواء الذات (٢) على العرش، وأنه قول ابن (٣) الطيب الأشعري حكاه عنه عبد الوهاب نصًّا، وأنه قول أبي الحسن (٤) الأشعري بنفسه صرَّح به في بعض كتبه، وأنه قول الخطابي وغيره من الفقهاء والمحدثين. ذكر ذلك كله الإمام أبو بكر الحضرمي (٥) في رسالته التي سمَّاها

стр. 345

بـ «الإيماء إلى مسألة الاستواء» (١) فمن أراد الوقوف عليها (٢) فليقرأها. وقد تقدم (٣) قول أبي عمر ابن عبد البر: «وعلماء الصحابة، والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل (٤) قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة/٧]: إنه على العرش وعلمه في كل مكان. وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله» (٥). «وأهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن (٦) والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز؛ إلا أنهم لا يكيِّفُون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مُشَبِّه، وهم عند

стр. 346

من أقر بها نافون للمعبود (١)، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵌ وهم أئمة الجماعة» (٢). قول شيخ الإسلام موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد المقدسي [ظ/ق ٤٥ ب] الذي اتفقت الطوائف على قبوله وتعظيمه وإمامته؛ خلا جهمي أو معطِّل قال في كتاب «إثبات صفة العلو»: أما بعد: فإن الله تعالى وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك رسوله خاتم الأنبياء ﵊، وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة الأتقياء والأئمة من الفقهاء، وتواترت الأخبار في ذلك على وجهٍ حصل به اليقين، وجمع الله عليه قلوب المسلمين، وجعله مغروزًا في طبائع الخلق أجمعين، فتراهم عند نزول الكرب بهم يلحظون إلى (٣) السماء بأعينهم ويرفعون نحوها (٤) للدعاء أيديهم، وينتظرون مجيء الفرج من ربهم سبحانه وينطقون بذلك بألسنتهم، لا يُنكر ذلك إلا مبتدع غالٍ في بدعته أو مفتون بتقليده واتباعه في (٥)

стр. 347

ضلالته» (١). وقال في عقيدته: «ومن السنة قول النبي ﵌: «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا» (٢) وقوله ﵌ [ب/ق ٤٨ ب]: «لله أفرح بتوبة عبده» (٣) وقوله ﵌: «يعجب ربك» (٤)، ـ إلى أن قال ـ: فهذا وما أشبهه (٥) مما صح سنده وعدلت رواته نؤمن به ولا نرده ولا نجحده، ولا نعتقد فيه تشبيهه بصفات المخلوقين ولا سمات المحدثين، بل نؤمن بلفظه ونترك التعرض لمعناه، قراءته تفسيره (٦). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥] وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك/١٦]

стр. 348

وقول النبي ﵌: «ربنا الله (١) الذي في السماء» (٢)، وقوله للجارية: «أين الله»؟ قالت: في السماء. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» (٣). رواه مالك بن أنس وغيره من الأئمة. وروى أبو داود في «سننه» أن النبي ﵌ قال: إن ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا وكذا. وذكر الحديث إلى أن قال ـ: «وفوق ذلك العرش والله تعالى فوق ذلك» (٤). نؤمن بذلك ونتلقاه بالقبول من غير ردٍّ ولا تعطيل، ولا تشبيه ولا تمثيل (٥)، ولا نتعرض له بكيف. ولما سئل مالك بن أنس ﵀ فقيل له: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥] كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ثم أمر بالرجل فأُخرج» (٦).

стр. 349

قول إمام الشافعية في وقته ــ بل هو الشافعي الثاني ــ أبي حامد الإسفراييني رحمه الله تعالى، كان من كبار أئمة السنة المثبتين للصفات : قال: مذهبي ومذهب الشافعي رحمه الله تعالى وجميع علماء الأمصار: أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، وأن جبرائيل ﵇ سمعه من الله وحمله إلى محمد ﵌ (١) وسمعه محمد ﵌ من جبرائيل ﵇ وسمعه الصحابة ﵃ من النبي ﵌، وأن كل حرف منه كالباء والتاء (٢) كلام الله ليس بمخلوق [ظ/ق ٤٦ أ]. ذكره في كتابه في «أصول الفقه» وذكره عنه شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) في كتاب «الأجوبة المصرية». قال شيخنا ﵀: وكان الشيخ أبو حامد يصرِّح بمخالفة القاضي أبي بكر بن الطيب في مسألة القرآن (٤).

стр. 350

قول إمام الأئمة أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام السنة: قال (١) شيخ الإسلام الأنصاري (٢) سمعت يحيى بن عمار يقول: حدثنا محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: [ب/ق ٤٩ أ] حدثنا جدي إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (٣) قال: «نحن نؤمن بخبر الله سبحانه: أن خالقنا مستوٍ على عرشه، لا نبدِّل كلام الله، ولا نقول ــ غير الذي قيل لنا ــ كما قالت الجهمية المعطلة: إنه استولى على عرشه لا استوى، فبدَّلوا قولًا غير الذي قيل لهم، كفعل اليهود: كفروا بخبر الله (٤). وقال في كتاب «التوحيد»: باب ذكر استواء خالقنا العلي الأعلى الفعَّال لما يشاء على عرشه، فكان فوقه (٥) فوق كل شيء عاليًا. ثم ساق الأدلة على ذلك من القرآن والسنة. ثم قال: باب الدليل على أن الإقرار بأن الله فوق (٦) السماء من الإيمان، ثم ساق حديث الجارية.

стр. 351

ثم قال: باب ذكر أخبار ثابتة السند صحيحة القوام، رواها علماء الحجاز والعراق عن النبي ﵌ في نزول الرب إلى سماء الدنيا كل ليلة. ثم قال: نشهد شهادة مقر بلسانه مصدق بقلبه بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب ﵎، من غير أن نصف الكيفية. ثم ساق الأحاديث. ثم قال: باب كلام الله تعالى لكليمه موسى ﵊. ثم ساق الأدلة على ذلك. ثم قال: باب صفة تَكَلُّم الله تعالى بالوحي وشِدَّة خوف السماوات منه، وذكر صعقة أهل السماوات وسجودهم. ثم قال: باب البيان أن الله سبحانه يكلِّم عباده يوم القيامة من غير تَرْجُمان يكون بين الله تعالى وبين عباده. ثم ذكر الأحاديث في ذلك. ثم قال: باب ذكر بيان الفرق بين كلام الله تعالى الذي به يكون خلقه؛ وبين خلقه الذي يكون بكلامه. ثم قال: باب ذكر البيان أن الله تعالى ينظر إليه جميع المؤمنين يوم القيامة برُّهم وفاجرهم وإن رَغِمتْ أُنوف الجهمية المعطلة المنكرة لصفات الله (١).

стр. 352

وكتابه في «السنة» كتاب جليل. قال أبو عبد الله الحاكم في «علوم الحديث» (١) له، وفي كتاب «تاريخ نيسابور» (٢): سمعت محمد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت إمام الأئمة أبا بكر بن خزيمة يقول: من لم يقر بأن الله على عرشه استوى فوق سبع سماواته، وأنه بائن من خلقه؛ فهو كافر يستتاب (٣)، فإن تاب وإلا ضُرِبت عنقه، وأُلْقِي على مزبلةٍ لئلا يتأذَّى بريحه أهل القبلة وأهل الذمة. توفي الإمام ابن خزيمة سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة. ذكره (٤) الشيخ [ظ/ق ٤٦ ب] أبو إسحق الشيرازي في «طبقات [ب/ق ٤٩ ب] الفقهاء» (٥)، أخذ الفقه عن المزني، قال المُزني: «هو أعلم بالحديث مني»، ولم يكن في وقته مثله في العلم بالحديث والفقه جميعًا. وقال في كتابه: فمن ينكر رؤية الله تعالى في الآخرة فهم عند المؤمنين شر من اليهود والنصارى والمجوس، وليسوا بمؤمنين عند جميع المؤمنين.

стр. 353

قول الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري (١) الإمام في الفقه والتفسير والحديث والتاريخ واللغة والنحو والقرآن (٢): قال في كتاب «صريح السنة»: «وحسب امرئ أن يعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى، فمن تجاوز إلى غير ذلك فقد خاب وخسر (٣). وقال في تفسيره الكبير (٤) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف/٥٤] قال: علا وارتفع (٥). وقال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت/١١]: عن الربيع ابن أنس أنه يعني: ارتفع (٦). وقال في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾

стр. 354

[الإسراء/٧٩]، قال: يجلسه معه على العرش (١). وقال في قوله : ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر/ ٣٦، ٣٧] يقول: وإني لأظن موسى كاذبًا فيما يقول ويدَّعي أن له ربًّا في السماء أرسله إلينا (٢). وقال في كتاب «التبصير في معالم الدين» (٣) له (٤): القول فيما أدرك علمه من الصفات خبرًا، وذلك نحو إخباره أنه سميع بصير (٥). وأن له يدين بقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة/٦٤]. وأن له وجهًا بقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن/٢٧]. وأن له قدمًا بقول النبي ﵌: «حتى (٦) يضع

стр. 355

رب العزة فيها قدمه» (١). وأنه يضحك لقوله: «لقي الله وهو يضحك إليه» (٢). وأنه يهبط إلى سماء الدنيا بخبر النبي ﷺ بذلك (٣). وأن له إصبعًا بقول النبي ﵌: «ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن» (٤). فإن هذه المعاني التي وصفت (٥) ونظائرها مما (٦) وصف الله بها (٧) نفسه ورسوله مما لا يثبت حقيقة علمه بالفكر والروية؛ لا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهائها إليه». ذكر هذا الكلام عنه القاضي أبو يعلى في كتاب «إبطال التأويل». قال الخطيب: «كان ابن جرير أحد العلماء، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره،
следующие страницы →