← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18632

اجتماع الجيوش الإسلامية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (604 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ثم قال: باب ذكر أخبار ثابتة السند صحيحة القوام، رواها علماء الحجاز والعراق عن النبي ﵌ في نزول الرب إلى سماء الدنيا كل ليلة. ثم قال: نشهد شهادة مقر بلسانه مصدق بقلبه بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب ﵎، من غير أن نصف الكيفية. ثم ساق الأحاديث. ثم قال: باب كلام الله تعالى لكليمه موسى ﵊. ثم ساق الأدلة على ذلك. ثم قال: باب صفة تَكَلُّم الله تعالى بالوحي وشِدَّة خوف السماوات منه، وذكر صعقة أهل السماوات وسجودهم. ثم قال: باب البيان أن الله سبحانه يكلِّم عباده يوم القيامة من غير تَرْجُمان يكون بين الله تعالى وبين عباده. ثم ذكر الأحاديث في ذلك. ثم قال: باب ذكر بيان الفرق بين كلام الله تعالى الذي به يكون خلقه؛ وبين خلقه الذي يكون بكلامه. ثم قال: باب ذكر البيان أن الله تعالى ينظر إليه جميع المؤمنين يوم القيامة برُّهم وفاجرهم وإن رَغِمتْ أُنوف الجهمية المعطلة المنكرة لصفات الله (١).

стр. 352

وكتابه في «السنة» كتاب جليل. قال أبو عبد الله الحاكم في «علوم الحديث» (١) له، وفي كتاب «تاريخ نيسابور» (٢): سمعت محمد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت إمام الأئمة أبا بكر بن خزيمة يقول: من لم يقر بأن الله على عرشه استوى فوق سبع سماواته، وأنه بائن من خلقه؛ فهو كافر يستتاب (٣)، فإن تاب وإلا ضُرِبت عنقه، وأُلْقِي على مزبلةٍ لئلا يتأذَّى بريحه أهل القبلة وأهل الذمة. توفي الإمام ابن خزيمة سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة. ذكره (٤) الشيخ [ظ/ق ٤٦ ب] أبو إسحق الشيرازي في «طبقات [ب/ق ٤٩ ب] الفقهاء» (٥)، أخذ الفقه عن المزني، قال المُزني: «هو أعلم بالحديث مني»، ولم يكن في وقته مثله في العلم بالحديث والفقه جميعًا. وقال في كتابه: فمن ينكر رؤية الله تعالى في الآخرة فهم عند المؤمنين شر من اليهود والنصارى والمجوس، وليسوا بمؤمنين عند جميع المؤمنين.

стр. 353

قول الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري (١) الإمام في الفقه والتفسير والحديث والتاريخ واللغة والنحو والقرآن (٢): قال في كتاب «صريح السنة»: «وحسب امرئ أن يعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى، فمن تجاوز إلى غير ذلك فقد خاب وخسر (٣). وقال في تفسيره الكبير (٤) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف/٥٤] قال: علا وارتفع (٥). وقال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت/١١]: عن الربيع ابن أنس أنه يعني: ارتفع (٦). وقال في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾

стр. 354

[الإسراء/٧٩]، قال: يجلسه معه على العرش (١). وقال في قوله : ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر/ ٣٦، ٣٧] يقول: وإني لأظن موسى كاذبًا فيما يقول ويدَّعي أن له ربًّا في السماء أرسله إلينا (٢). وقال في كتاب «التبصير في معالم الدين» (٣) له (٤): القول فيما أدرك علمه من الصفات خبرًا، وذلك نحو إخباره أنه سميع بصير (٥). وأن له يدين بقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة/٦٤]. وأن له وجهًا بقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن/٢٧]. وأن له قدمًا بقول النبي ﵌: «حتى (٦) يضع

стр. 355

رب العزة فيها قدمه» (١). وأنه يضحك لقوله: «لقي الله وهو يضحك إليه» (٢). وأنه يهبط إلى سماء الدنيا بخبر النبي ﷺ بذلك (٣). وأن له إصبعًا بقول النبي ﵌: «ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن» (٤). فإن هذه المعاني التي وصفت (٥) ونظائرها مما (٦) وصف الله بها (٧) نفسه ورسوله مما لا يثبت حقيقة علمه بالفكر والروية؛ لا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهائها إليه». ذكر هذا الكلام عنه القاضي أبو يعلى في كتاب «إبطال التأويل». قال الخطيب: «كان ابن جرير أحد العلماء، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره،

стр. 356

وكان عارفًا [ب/ق ٥٠ أ] بالقرآن، بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسنن وطرقها صحيحها (١) وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة والتابعين في الأحكام والحلال والحرام» (٢). قال أبو حامد الإسفراييني: «لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له (٣) كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن كثيرًا». وقال ابن خزيمة: «ما أعلم على أديم الأرض أعلم [ظ/ق ٤٧ أ] من محمد بن جرير». وقال الخطيب: سمعت علي بن عبد الله اللغوي: يحكي أن محمد ابن جرير مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة». قلت: وكان له مذهب مُستقل، له أصحاب عليه (٤) منهم: أبو الفرج المعافى بن زكريا (٥). ومن أراد معرفة أقوال الصحابة والتابعين في هذا الباب فليطالع ما قاله

стр. 357

عنهم في تفسير (١) قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف/١٤٣]، وقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ [الشورى/٥]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف/٥٤] يتبين له أيّ الفريقين أولى بالله ورسوله: الجهمية المعطلة أو أهل السنة والإثبات، والله المستعان. قول إمام الشافعية في وقته سعد بن علي الزِّنْجاني (٢): صرَّح بالفوقية بالذات فقال: «وهو فوق عرشه بوجود ذاته» هذا لفظه. وهو إمام في السنة، له قصيدة فيها (٣) معروفة أوّلها: تمسَّكْ بحبل الله واتبعِ الأثَر (٤) وقال في شرح هذه القصيدة: والصواب عند أهل الحق: أن الله تعالى خلق السماوات والأرض، وكان عرشه على الماء مخلوقًا قبل خلق السماوات والأرض، ثم استوى على العرش بعد خلق السماوات والأرض، على ما ورد به النص ونطق به القرآن.

стр. 358

وليس معنى استوائه أنه مَلَكَهُ واستولى عليه، لأنه كان مستوليًا عليه قبل ذلك، وهو أحدَثَه، لأنه مالك جميع الخلائق ومستولٍ عليها. وليس معنى الاستواء أيضًا أنه ماسَّ (١) العرش أو اعتمد عليه أو طابقه؛ فإن كل ذلك ممتنع في صفته جل ذكره، ولكنه مستوٍ بذاته على عرشه بلا كيف، كما أخبر عن نفسه. وقد أجمع المسلمون على (٢) أن الله هو العلي الأعلى، ونطق بذلك القرآن بقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى/١]، وأن لله علو الغلبة، والعلو الأعلى من سائر وجوه العلو [ب/ق ٥٠ ب]؛ لأن العلو صفة مدح عند كل عاقل، فثبت بذلك أن لله علو الذات وعلو الصفات وعلو القهر والغلبة. وجماهير المسلمين وسائر الملل قد وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله جل ثناؤه من جهة الفوق في الدعاء والسؤال، فاتفاقهم بأجمعهم على الإشارة إلى الله سبحانه من جهة الفوق= حُجَّة، ولم يستجز أحد الإشارة إليه من جهة الأسفل، ولا من سائر الجهات سوى جهة الفوق، وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل/٥٠] وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر/١٠]، ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج/٤] وأخبر عن فرعون أنه قال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦)

стр. 359

أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر/ ٣٦، ٣٧] وكان فرعون قد فهم [ظ/ق ٤٧ ب] عن موسى أنه يثبت إلهًا فوق السماء حتى رام بِصَرْحه أن يطَّلع إليه، واتهم موسى بالكذب في ذلك، ومخالفنا ليس يعلم أن الله فوقه بوجود ذاته، فهو أعجز فهمًا من فرعون. وقد صحَّ عن رسول الله ﵌ أنه سأل الجارية التي أراد مولاها عتقها: «أين الله؟»، قالت: في السماء وأشارت برأسها، وقال: «من أنا؟»، قالت: أنت رسول الله. فقال: «أعتقها فإنها مؤمنة» (١)، فحكم النبي ﷺ بإيمانها حين قالت: إن الله في السماء. وقال الله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف/٥٤] وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة/٥] وذكر النبي ﷺ ما بين كل سماء إلى سماء، وما بين السماء السابعة وبين العرش، ثم قال: «ثُمَّ الله فوق ذلك» (٢) (٣). وله أجوبة سُئِل عنها في السنة، فأجاب عنها بأجوبة أئمة السنة، وصدَّرها بجواب إمام وقته أبي العباس بن سريج (٤).

стр. 360

قول الإمام أبي القاسم الطبري اللالكائي أحد أئمة (١) أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه في السنة (٢)، وهو من أجلِّ الكتب: «سياق ما جاء في قوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥] وأن الله على عرشه في السماء، ثم ذكر قول مَنْ هذا قوله من الصحابة والتابعين والأئمة قال: وهو قول عمر، وعبد الله بن مسعود وأحمد بن حنبل وعدَّد (٣) جماعة يطول ذكرهم، ثم ساق الآثار في ذلك عن: عمر وعلي [ب/ق ٥١ أ] وابن مسعود وعائشة وابن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن عمر وغيرهم (٤). قول الإمام محيي السنة الحسين بن مسعود البغوي قدس الله روحه: قال في تفسيره ـ الذي هو شجًى في حلوق الجهمية والمعطلة ـ في سورة الأعراف (٥) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال الكلبي ومقاتل: استقر. وقال أبو عبيدة: صعد. قال: وأوَّلت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء، قال: وأما أهل السنة فيقولون: الاستواء على العرش صفة

стр. 361

الله بلا كيف، يجب على العبد (١) أن يؤمن بذلك ويكل العلم فيه إلى الله تعالى، ثم حكى قول مالك: الاستواء غير مجهول (٢). ومراد السلف بقولهم: بلا كيف، هو نفي التأويل (٣)، فإنه التكييف الذي يزعمه أهل التأويل، فإنهم هم الذين يثبتون كيفية تخالف الحقيقة فيقعون (٤) في ثلاثة محاذير: نفي الحقيقة، وإثبات التكييف بالتأويل، وتعطيل الرب تعالى عن صفته التي أثبتها لنفسه. وأما أهل الإثبات فليس أحد منهم يُكيِّف ما أثبته الله تعالى لنفسه، ويقول: كيفيته كذا وكذا حتى يكون قول السلف بلا كيف ردًّا عليه وإنما ردوا على أهل التأويل الذي يتضمن التحريف والتعطيل: تحريف اللفظ، وتعطيل معناه. فصل في ذكر [ظ/ق ٤٨ أ] قول الإمام أحمد وأصحابه رحمه الله تعالى: قال الخلال في كتاب «السنة»: حدثنا يوسف بن موسى قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد قال: قيل لأبي: ربنا ﵎ فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه، وقدرته وعلمه بكل مكان؟ قال: نعم، لا

стр. 362

يخلو شيء من علمه (١). قال الخلال: وأخبرني عبد الملك بن عبد الحميد الميموني قال: سألت أبا عبد الله أحمد عمَّن يقول (٢): إن الله تعالى ليس على العرش؟ فقال: كلامهم كله يدور على الكفر (٣). وروى أبو القاسم الطبري (٤) الشافعي في كتاب «السنة» له بإسناده: عن حنبل قال: قيل لأبي عبد الله: ما معنى قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة/٧] وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد/٤]؟ قال: علمه محيط بالكل، وربنا على العرش بلا حدٍّ ولا صفةٍ (٥)، وسع كرسيه السماوات والأرض (٦).

стр. 363

وقال أبو طالب (١): سألت أحمد بن حنبل عن رجل قال إن الله معنا، وتلا قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ [ب/ق ٥١ ب] ... إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾؟ قال: يأخذون بآخر الآية ويَدَعُون أوَّلها، هلا قرأت عليه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ فعلمه (٢) معهم، وقال في «ق» (٣) [آية/١٦]: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾» (٤). وقال المرُّوذي: قلت لأبي عبد الله إن رجلًا قال: أقول كما قال الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة/٧] أقول هذا ولا أجاوزه إلى غيره، فقال أبو عبد الله: هذا كلام الجهمية. قلت: فكيف نقول: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ (٥) قال: علمه في كل مكان وعلمه معهم قال: أول الآية يدل على أنه علمه (٦).

стр. 364

وقال في موضعٍ آخر: وإن الله على عرشه فوق السماء السابعة، يعلم ما تحت الأرض السفلى، وأنه غير مُمَاسٍّ (١) لشيء من خلقه، هو ﵎ بائن من خلقه، وخلقه بائنون منه (٢). وقال في كتاب «الرد على الجهمية» الذي رواه عنه الخلال من طريق ابنه عبد الله. قال: «باب بيان ما أنكرت الجهمية أن يكون الله تعالى على العرش. قلنا لهم: ما أنكرتم أن يكون الله تعالى على العرش، وقد قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٣) [طه/٥]؟ فقالوا: هو تحت الأرض السابعة كما هو على العرش، وفي السماوات والأرض (٤) وفي كل مكان، وتلوا (٥): ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام/٣] قال أحمد: فقلنا: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظمة الرب شيء: أجسامكم وأجوافكم (٦) ... والحشوش والأماكن القذرة ليست فيها من عظمته تعالى شيء، وقد أخبرنا الله : أنه في السماء

стр. 365

فقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ... ﴾ الآية [الملك/١٦، ١٧]، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر/١٠]، وقال: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران/ ٥٥]، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء/١٥٨]، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل/٥٠]». ذكر هذا الكتاب كله [ظ/ق ٤٨ ب] أبو بكر الخلال في كتاب «السنة» له (١) الذي جمع فيه نصوص أحمد وكلامه. وعلى منواله جمع البيهقي في كتابه الذي سمَّاه «جامع النصوص من كلام الشافعي». وهما كتابان جليلان لا يستغني عنهما عالم. وخطبة كتاب الإمام (٢) أحمد بن حنبل (٣): «الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترةٍ من الرسل عليهم الصلاة والسلام بقايا من أهل العلم، يدعون من ضلّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى (٤)، ويبصّرون بنور الله تعالى أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائهٍ قد هدوه، فما أحسن آثارهم (٥) على الناس

стр. 366

وما أقبح آثار (١) الناس [ب/ق ٥٢ أ] عليهم، ينفون عن كتاب الله تعالى تحريف الغالين (٢) وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، الذين (٣) عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مخالفة الكتاب، يقولون على الله تعالى وفي الله تعالى وفي كتاب الله تعالى بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون الجهال بما يشبِّهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين». ثم (٤) قال: «باب بيان ما ضلت فيه الجهمية الزنادقة من متشابه القرآن، ثم تكلَّم على قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء/٥٦]. قال: «قالت الزنادقة: فما بال جلودهم التي قد (٥) عصت قد احترقت وأبدلهم الله جلودًا غيرها، فلا نرى إلا أن الله يعذِّب جلودًا بلا ذنب حين يقول: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء/٥٦]، فشكّوا في القرآن وزعموا أنه متناقض.

стр. 367

فقلنا: إن قول الله : ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ ليس يعني جلودًا أُخرى غير جلودهم، وإنما يعني بتبديلها: تجديدها (١)، لأن جلودهم إذا نضجت جددها الله». ثم تكلَّم على آياتٍ من مشكل القرآن، ثم قال: «مما (٢) أنكرت الجهمية الضُّلّال أن الله على العرش، وقد قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان/٥٩]، ثم ساق أدلة القرآن ثم قال: ووجدنا كل شيء أسفل مذمومًا، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ... ﴾ [النساء/١٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت/٢٩]». ثم قال: «ومعنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام/٣]، يقول: هو إله مَنْ في السماوات، وإله مَنْ في الأرض، وهو على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، لا يخلو من علمه مكان، ولا

стр. 368

يكون علم الله تعالى في مكان دون مكان [ظ/ق ٤٩ أ]، وذلك قوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق/١٢]». قال الإمام أحمد: «ومن الاعتبار في ذلك: لو أن رجلًا كان في يده قدح من قوارير وفيه شيء (١)، كان بصر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح، فالله سبحانه ـ وله المَثَل الأعلى [ب/ق ٥٢ ب] ـ قد أحاط بجميع ما خلق، وقد علم كيف هو وما هو، من غير أن يكون في شيء مما خلق». قال: «وخَصْلة أُخرى: لو أن رجلًا بنى دارًا بجميع مرافقها، ثم أغلق بابها كان لا يخفى عليه كم بيتًا في داره، وكم سعة كل بيت، من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار، فالله سبحانه قد أحاط بجميع ما خلق، وقد علم كيف هو وما هو، وله المَثَل الأعلى، وليس هو في شيء مما خلق (٢)». قال الإمام أحمد: «ومما تأولت الجهمية من قول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة/٧]، فقالوا: إن الله معنا وفينا.

стр. 369

فقلنا لهم: لِمَ قطعتم الخبر من أوله؟ إن الله تعالى يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة/٧]، يعني علمه فيهم أينما كانوا (١): ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة/٧] ففتح الخبر بعلمه، وختمه بعلمه». قال الإمام (٢) أحمد: «وإذا (٣) أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أنه في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، فقل له: أليس كان الله ولا شيء؟ فيقول: نعم. فقل له: فحين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجًا عن نفسه؟ فإنه يصير إلى أحد ثلاثة أقوال (٤): إن زعم أن الله تعالى خلق الخلق في نفسه: كفر حين زعم أن الجن والإنس والشياطين وإبليس في نفس الله (٥). وإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه ثم دخل فيهم: كفر أيضًا حين

стр. 370

زعم أنه دخل في كل مكان وحشٍّ وقذر (١). وإن قال: خلقهم خارجًا من (٢) نفسه ثم لم يدخل فيهم: رجع عن قوله كله أجمع، وهو قول أهل السنة (٣)». قال الإمام (٤) أحمد: «باب بيان ما ذكر في القرآن ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ وهذا (٥) على وجوه: قال الله تعالى (٦) لموسى وهارون ﵉: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه/٤٦] يقول في الدفع عنكما. وقال: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة/٤٠]، يعني في الدفع عنا. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة/٢٤٩] يعني في النصرة لهم على عدوهم.

стр. 371

وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد/٣٥] يعني في النصرة لكم (١) على عدوكم (٢). وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء/١٠٨]، يقول: بعلمه فيهم. وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء/٦٢]، يقول: في العون على فرعون [ب/ق ٥٣ أ]. فلما ظهرت الحجة على الجهمي بما ادعى على الله سبحانه أنه مع خلقه قال: هو في كل شيء غير مماس (٣) لشيء ولا مباينٌ له (٤). فقلنا له: فإذا كان غير مبائن للبشر أهو مماس لهم؟ قال: لا. قلنا: فكيف يكون [ظ/ق ٤٩ ب] في كل شيء غير مماس لشيء ولا مباينٌ لشيء (٥)؟ فلم يحسن الجواب. فقال: بلا كيف، ليخدع الجهال بهذه الكلمة ويموِّه عليهم.

стр. 372

ثم قلنا له: إذا (١) كان يوم القيامة أليس إنما تكون الجنة والنار والعرش والهواء؟ فقال: بلى. فقلنا: فأين يكون ربنا؟ قال: يكون في كل شيء، كما كان حيث كانت الدنيا. قلنا: ففي مذهبكم أن ما كان من الله تعالى على العرش فهو على العرش، وما كان من الله تعالى في الجنة فهو في الجنة (٢)، وما كان من الله تعالى في النار فهو في النار، وما كان منه في الهواء فهو في الهواء، فعند ذلك تبين للناس كذبهم على الله (٣)». قال الإمام (٤) أحمد: «وقلنا للجهمية حين زعموا (٥) أن الله تعالى في كل مكان، قلنا: أخبرونا عن قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف/١٤٣]، أكان في الجبل بزعمكم؟ فلو كان فيه كما تزعمون لم يكن تجلَّى لشيء هو فيه (٦)؛ بل كان سبحانه على العرش

стр. 373

فتجلى لشيء لم يكن فيه، ورأى الجبل شيئًا لم يكن رآه قط قبل ذلك (١)». قال الإمام (٢) أحمد: «وقلنا للجهمية: الله نور؟ فقالوا: هو نور كله. فقلنا لهم: قال الله : ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر/٦٩]، فقد أخبر جَلَّ ثناؤه أن له نورًا. وقلنا لهم: أخبرونا حين زعمتم أن الله سبحانه في كل مكان وهو نور؛ فلم لا يضيء البيت المظلم بلا سراج؟ وما بال السراج إذا دخل البيت المظلم (٣) يضيء؟ فعند ذلك تبين للناس كذبهم على الله تعالى (٤)». قال الإمام (٥) أحمد ﵀: «كان جهم وشيعته كذلك دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث، فضلوا وأضلوا بكلامهم بشرًا كثيرًا (٦). وكان فيما بلغنا: أن الجهم ـ عدو الله (٧) ـ كان من أهل خراسان، وكان صاحب خصومات وكلام، وكان أكثر كلامه في الله تعالى، فلقي

стр. 374

أُناسًا من الكفار يقال لهم: السُّمَنِيَّة (١)، فعرفوا الجهم، فقالوا له: نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا، وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك، وكان فيما (٢) كلموا جهمًا، قالوا: ألست تزعم أن لك إلهَا؟ قال الجهم [ب/ق ٥٣ ب]: نعم. قالوا له: فهل رأت عينك إلهك؟ قال: لا. قالوا: فهل سمعت كلامه؟ قال: لا. قالوا: فهل شممت له رائحة؟ قال: لا. قالوا: فهل وجدت له حِسًّا؟ قال: لا. قالوا: فهل وجدت له مَجَسًّا؟ قال: لا. قالوا: فما يدريك أنه إله؟ قال: فتحيَّر الجهم فلم يدر مَنْ يعبد (٣) أربعين يومًا، ثم إنه استدرك حُجَّة من جنس حُجج (٤) زنادقة النصارى، وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح الذي (٥) في عيسى ابن مريم روح الله ومن ذات الله، فإذا أراد أن يُحْدِث أمرًا دخل في بعض خلقه؛ فتكلم على لسانه، فيأمر بما يشاء وينهى عما يشاء، وهو روح غائب عن الأبصار، فاستدرك الجهم حجة (٦) مثل هذه الحجة، فقال للسُّمَني: ألست تزعم أن فيك روحًا؟ [ظ/ق ٥٠ أ] قال: نعم. قال: فهل رأيت روحك؟ قال: لا. قال: فهل سمعت كلامه؟ قال:

стр. 375

لا. قال: فهل وجدت له مجسًّا أو حِسًّا؟ قال: لا. قال: فكذلك الله، لا يرى له وجه، ولا يسمع له صوت، ولا يشمّ له رائحة، وهو غائب عن الأبصار، ولا يكون في مكان دون مكان. ووجد (١) ثلاث آيات في القرآن من المتشابه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى/١١]، ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام/٣]، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام/١٠٣] فبنى أصل كلامه (٢) على هؤلاء الآيات، وتأول القرآن على غير تأويله، وكذّب بأحاديث (٣) النبي ﵌، وزعم أن من وصف الله تعالى بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدّث عن (٤) النبي ﵌ كان كافرًا أو كان من المشبّهة، فأضلَّ بَشَرًا كثيرًا، وتبعه على قوله رجال من أصحاب عمرو بن عبيد وأصحاب فلان، ووضع دين الجهمية. فإذا سألهم الناس عن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى/١١] ما تفسيره؟ يقولون: ليس كمثله شيء من الأشياء، هو تحت الأرض السابعة، كما هو على العرش، لا يخلو منه مكان، ولا هو في

стр. 376

مكان دون مكان، ولا يتكلم ولا يكلم، ولا ينظر إليه أحد؛ لا (١) في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يوصف، ولا يعرف بصفة، ولا يعْقِل ولا يغفَل (٢) ولا له غاية ولا منتهى، ولا يدرك بعقل وهو وجه كله، وهو علم كله، وهو سمع كله، وهو بصر كله، وهو نور كله، وهو قدرة كله، لا يوصف بوصفين [ب/ق ٥٤ أ] مختلفين، وليس بمعلوم ولا معقول، وكل ما خطر بقلبك أنه شيء تعرفه فهو على خلافه. فقلنا لهم: فمن تعبدون؟ قالوا: نعبد من يدبر أمر هذا الخلق. قلنا: فالذي يدبر أمر هذا الخلق مجهول لا يعرف بصفةٍ؟ قالوا: نعم. قلنا (٣): قد عرف المسلمون أنكم لا تُثْبِتون شيئًا، إنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون. ثم قلنا لهم: هذا الذي يدبر هو الذي كلَّم موسى؟ قالوا: لم يكلم ولا يتكلم، لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة، والجوارح منفية عن الله . فإذا سمع الجاهل قولهم ظن أنهم من (٤) أشد الناس تعظيمًا لله سبحانه، ولم يعلم أن كلامهم إنما يعود إلى ضلالة وكفر

стр. 377

فلعنهم الله (١)». قال الخلّال: كتبت هذا الكتاب من خطِّ عبد الله، وكتبه عبد الله من خط أبيه. واحتج القاضي أبو يعلى في كتابه «إبطال التأويل» (٢) بما نقله منه عن أحمد. وذكر ابن عقيل في كتابه بعض ما فيه عن أحمد. ونقل منه أصحابه قديمًا وحديثًا، ونقل منه البيهقي وعزاه إلى أحمد، وصححه شيخ الإسلام [ظ/ق ٥٠ ب] ابن تيمية عن أحمد، ولم يُسْمَع من أحدٍ من متقدمي أصحابه ولا متأخريهم طعن فيه. فإن قيل: هذا الكتاب يرويه أبو بكر عبد العزيز غلام الخلال عن الخلال عن الخضر بن المثنى عن عبد الله بن أحمد عن أبيه. وهؤلاء كلهم أئمة معروفون إلا الخضر بن المثنى (٣) فإنه مجهول، فكيف تثبتون هذا الكتاب عن أحمد بروايةِ مجهولٍ (٤)؟!

стр. 378

فالجواب من وجوه: أحدها: أن الخضر هذا قد عرفه الخلال وروى عنه، كما روى كلام أبي عبد الله عن أصحابه وأصحاب أصحابه، ولا يضر جهالة غيره له. الثاني: أن الخلال قد قال: كتبته (١) من خطِّ عبد الله بن أحمد، وكتبه عبد الله من خطِّ أبيه، والظاهر أن الخلال إنما رواه عن الخضر لأنه أحب أن يكون متصل السند على طريق أهل النقل، وضم ذلك إلى الوِجادة، والخضر كان صغيرًا حين سمعه من عبد الله، ولم يكن من المعمرين المشهورين بالعلم، ولا (٢) هو من الشيوخ. وقد روى الخلال عنه غير هذا في «جامعه» فقال في كتاب الأدب من «الجامع» فقال: دفع إليَّ الخضر بن المثنى بخط عبد الله بن أحمد أجاز لي أن أرويه (٣) عنه، قال الخضر [ب/ق ٥٤ ب] حدثنا مهنا، قال: سألت أحمد بن حنبل: عن الرجل يبزق عن يمينه في الصلاة؟ فقال: يكره أن يبزق الرجل عن يمينه في الصلاة وفي غير الصلاة. فقلت له: لمَ يُكره أن يبزق الرجل عن يمينه في غير الصلاة (٤)؟ قال: أليس عن يمينه الملك؟ فقلت: وعن يساره أيضًا مَلَك. فقال: الذي عن يمينه

стр. 379

يكتب الحسنات، والذي عن يساره يكتب السيئات» (١). قال الخلال: «وأخبرنا الخضر بن المثنى الكندي قال: حدثنا عبدالله بن أحمد قال: قال أبي: «لا بأس بأكل ذبيحة المرتد، إذا كان ارتداده إلى يهودية أو نصرانية ولم يكن إلى المجوسية» (٢). قلت: والمشهور في مذهبه خلاف هذه الرواية، وأن ذبيحة المرتد حرام، رواها عنه جمهور أصحابه ولم يذكر أكثر أصحابه غيرها. ومما يدل على صِحَّة هذا الكتاب: ما ذكره القاضي أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى، فقال: قرأتُ في كتاب أبي جعفر محمد بن أحمد بن صالح بن أحمد بن حنبل قال: قرأت على أبي: صالح بن أحمد بن حنبل هذا الكتاب، وقال: هذا كتاب عمله أبي في محبسه، ردًّا على من احتج بظاهر القرآن، وترك ما فسره رسول الله ﵌ وما يلزم اتباعه (٣). وقال الخلال في كتاب «السنة»: «أخبرني عبيد الله (٤) بن حنبل

стр. 380

أخبرني أبي حنبل بن إسحاق قال: قال عمِّي ــ يعني أحمد بن حنبل ــ: نحن نؤمن أن الله تعالى على العرش استوى (١) كيف شاء وكما يشاء، بلا حدٍّ ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد، فصفات [ظ/ق ٥١ أ] الله له ومنه، وهو كما وصف نفسه، لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية، وهو يدرك الأبصار، وهو عالم الغيب والشهادة وعلّام الغيوب (٢). قال الخلال: وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلًا حدثهم، قال: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تُروى: أن الله سبحانه ينزل إلى سماء الدنيا، وأن الله يُرى، وأن الله يضع قدمه، وما أشبه هذه الأحاديث؟ فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها ولا نرد منها شيئًا، ونعلم أن ما جاء به رسول (٣) الله ﵌ حق إذا كانت بأسانيد صحاح (٤)، ولا نرد على الله قوله، ولا يوصف بأكثر مما وصف به نفسه؛ بلا حدٍّ ولا غاية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٥) [الشورى/١١].

стр. 381

وقال حنبل في موضع آخر عن أحمد: ليس كمثله شيء في ذاته (١)، كما وصف نفسه، قد أجمل الله ﵎ الصفة لنفسه، فحدّ لنفسه صفة ليس يشبهه شيء، وصفاته غير محدودة ولا معلومة [ب/ق ٥٥ أ] إلا بما وصف به نفسه. قال: فهو سميع بصير بلا حدٍّ ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، ولا نتعدَّى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه بما وصف نفسه ولا نتعدى ذلك، ولا يبلغ صفته الواصفون. نؤمن بالقرآن كله، محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، وما وصف به نفسه من كلامٍ ونزولٍ وخلوةٍ بعبده يوم القيامة ووضعه كنفه عليه؛ فهذا كله يدل على أن الله يُرى في الآخرة، والتحديد في هذا كله بدعة، والتسليم فيه بغير صفة ولا حدٍّ إلا ما وصف به نفسه. سميع بصير، لم يزل متكلمًا عالمًا غفورًا عالم الغيب والشهادة علّام الغيوب، فهذه صفات وصف بها نفسه لا تُدفع ولا تُردُّ، وهو على العرش بلا حدٍّ، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان/٥٩]، كيف شاء، المشيئة إليه والاستطاعة إليه (٢)، ليس كمثله شيء، وهو خالق كل شيء، وهو [كما وصف نفسه] (٣)، سميع بصير بلا حدٍّ ولا تقدير، لا نتعدى القرآن والحديث ـ تعالى عما تقول الجهمية، والمشبهة.

стр. 382

قلت له (١): والمشبهة ما تقول؟ قال: من قال: بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي؛ فقد شبَّه الله سبحانه بخلقه. وكلام أحمد في هذا كثير فإنه امُتِحن بالجهمية، وجميع المتقدمين من أصحابه على مثل منهاجه في ذلك؛ وإن كان بعض المتأخرين منهم دخل (٢) في نوع من البدعة التي أنكرها الإمام أحمد، ولكن الرعيل الأول من أصحابه كلهم وجميع أئمة الحديث قولهم قوله. أقوال أئمة أهل الحديث الذين رفع الله تعالى منارهم (٣) في العالمين وجعل لهم لسان صدق في الآخرين ذكر قول إمامهم وشيخهم (٤): الذي روى له (٥) كل محدِّث: أبي هريرة ﵁: روى الدارمي [ظ/ق ٥١ ب] عنه في كتاب «النقض» بإسنادٍ جيدٍ قال لما أُلقيَ إبراهيم ﵊ في النار قال: «اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في الأرض واحد أعبدك» (٦).

стр. 383

ذكر قول إمام الشام (١) في وقته، أحد أئمة الدنيا الأربعة: أبو عمرو الأوزاعي رحمه الله تعالى: روى البيهقي عنه في «الصفات» أنه قال: «كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله فوق عرشه. ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته»، وقد تقدم حكاية ذلك عنه (٢). ذكر (٣) قول إمام أهل (٤) الدنيا [ب/ق ٥٥ ب] في وقته: عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: وقد صح عنه صحةً قريبة من التواتر أنه قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: «بأنه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه». ذكره البيهقي، وقبله الحاكم، وقبله عثمان الدارمي (٥) وقد تقدم (٦).

стр. 384

قول حماد بن زيد إمام وقته رحمه الله تعالى: تقدم عنه قوله في (١) الجهمية: «إنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء شيء. وكان من أشد الناس على الجهمية» (٢). قول يزيد بن هارون رحمه الله تعالى: قال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب «السنة»: حدثنا عباس (٣) حدثنا شاذ (٤) بن يحيى قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يَقِرُ (٥) في قلوب العامة فهو جهمي (٦). قال شيخ الإسلام: والذي يَقِرُ (٧) في قلوب العامة: هو ما فطر الله تعالى عليه الخليقة من توجهها لربها تعالى (٨) عند النوازل والشدائد

стр. 385

والدعاء والرغبات إليه تعالى= نحو العلو لا تلتفت يمنة ولا يسرة، من غير مُوقفٍ وَقفهم عليه، لكن (١) فطرة الله التي فطر الناس عليها، وما من مولود إلا وهو يولد على هذه الفطرة (٢)، حتى يجهمه وينقله إلى التعطيل مَنْ يُقَيَّض له (٣). قول عبد الرحمن بن مهدي ﵀: روى عنه غير واحدٍ بإسنادٍ صحيحٍ أنه قال: إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن الله كلَّم موسى، وأن يكون على العرش، أرى أن يُستتابوا؛ فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم (٤). قال علي بن المديني: لو حُلِّفت لحلفت بين الركن والمقام أني ما رأيت أعلم (٥) من عبد الرحمن بن مهدي (٦).

стр. 386

قول سعيد بن عامر الضُّبَعي إمام أهل البصرة على رأس المائتين رحمه الله تعالى: روى ابن أبي حاتم عنه في كتاب «السنة» أنه ذُكِر عنده الجهمية فقال: هم شر قولًا من اليهود والنصارى، وقد أجمع أهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش، وقالوا هم: ليس على العرش شيء (١). قول عبَّاد بن العوَّام أحد أئمة الحديث بواسط ﵀: قال: كلَّمت بشرًا المريسي وأصحابه فرأيت آخر كلامهم يقولون: ليس في السماء شيء. أرى والله أن لا يُناكحوا ولا يُوارثوا (٢). قول عبد الله بن مسلمة القعنبي شيخ البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى: قال بيان بن أحمد: كنا عند القعنبي [ظ/ق ٥٢ أ] فسمع رجلًا من الجهمية يقول: الرحمن على العرش استولى. فقال القعنبي: من لا

стр. 387

يوقن (١) أن [ب/ق ٥٦ أ] الرحمن على العرش استوى كما تقرر في قلوب العامة فهو جهمي (٢). قال البخاري محمد بن إسماعيل رحمه الله تعالى في كتاب «خلق أفعال العباد»: عن يزيد بن هارون مثله سواء، وقد تقدم (٣). قول علي بن عاصم شيخ الإمام أحمد رحمهما الله تعالى: صحَّ عنه أنه قال: ما الذين قالوا: إن لله سبحانه ولدًا أكفر من الذين قالوا: إن الله سبحانه لم يتكلم (٤). وقال: احذروا من المريسي وأصحابه فإن كلامهم الزندقة، وأنا كلمت أستاذهم فلم يُثْبت أن في السماء إلاهًا (٥). حكاه عنه غير واحد ممن صنّف في «السنة». وقال يحيى بن علي بن عاصم: كنت عند أبي فاستأذن عليه

стр. 388

المريسي فقلت له: يا أبت (١) مثل هذا يدخل عليك! فقال: وما له؟ فقلت: إنه يقول: إن القرآن مخلوق، ويزعم أن الله معه في الأرض، وكلامًا ذكرته، فما رأيته اشتد عليه مثل ما اشتد عليه قوله: إن القرآن مخلوق وقوله إن الله معه في الأرض (٢). ذكر هذين الأثرين عنه عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب «الرد على الجهمية». قول وهب بن جرير رحمه الله تعالى: صحَّ عنه أنه قال: إياكم ورأي جهم؛ فإنهم يحاولون أن ليس في السماء شيء، وما هو إلا من وحي إبليس، وما هو إلا الكفر. حكاه محمد بن عثمان الحافظ (٣) في رسالته في «السنة». وقال البخاري رحمه الله تعالى في كتاب «خلق الأفعال» (٤): وقال وهب بن جرير: الجهمية الزنادقة إنما يريدون أنه ليس على العرش استوى.

стр. 389

قول عاصم بن علي أحد شيوخ النَّبَل، شيخ البخاري وغيره، أحد الأئمة الحفَّاظ الثقات حدَّث عن شعبة، وابن أبي ذئب، والليث رحمهم الله تعالى: قال الخطيب: وجَّه المعتصم مَنْ يحزر (١) مجلسه في جامع الرصافة، وكان عاصم يجلس على سطح الرحبة، ويجلس الناس في الرحبة وما يليها (٢)، فعظم الجمع مرةً (٣) جدًّا حتى قال أربع عشرة مرةً: حدثنا الليث بن سعد، والناس لا يسمعون لكثرتهم، فحزر المجلس فكان عشرين ومائة ألف رجل (٤). قال يحيى بن معين فيه: هو سيد المسلمين (٥). قال عاصم: ناظرت جهميًا فتبين من كلامه أنه لا يؤمن أن في السماء ربًّا (٦). قال شيخ الإسلام: كان الجهمية يدورون على هذا [ب/ق ٥٦ ب]،

стр. 390

ولم يكونوا يصرحون به لوفور السلف والأئمة وكثرة أهل السنة، فلما بَعُد العهد وانقرض الأئمة صرَّح أتباعهم بما كان أولئك يشيرون إليه ويدورون حوله، قال: وهكذا [ظ/ق ٥٢ ب] ظهرت البدع، كلما طال الأمر وبعد العهد اشتد أمرها وتغلظت. قال: وأول بدعة ظهرت في الإسلام بدعة القدر والإرجاء، ثم بدعة التشيع، إلى أن انتهى الأمر إلى الاتحاد والحلول وأمثالهما. قول الإمام عبد العزيز بن يحيى الكناني صاحب الشافعي رحمهما الله تعالى: له كتاب في «الرد على الجهمية» قال فيه: باب قول الجهمي في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾! زعمت الجهمية أن معنى استوى: استولى، مِن قول العرب: استوى فلان على مصر يريدون استولى عليها، قال: فيقال له: هل يكون خلْقٌ من خلق الله أتت عليه مدة ليس بمستولٍ عليه (١)؟ فإذا قال: لا. قيل له: فمن زعم ذلك فهو كافر. فيقال له: يلزمك أن تقول: إن العرش أتت عليه مدة ليس الله بمستولٍ عليه، وذلك لأنه أخبر سبحانه أنه (٢) خلق العرش قبل السماوات والأرض، ثم استوى عليه بعد خلقهن، فيلزمك أن تقول: المدة التي
следующие страницы →