← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18632

اجتماع الجيوش الإسلامية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (604 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أهل الجنة والنار أقبل الله في ظُلَل من الغمام والملائكة، فسلَّم على أهل الجنة في أول درجة، فيردون ﵇ ــ قال القرظي: وهذا (١) في القرآن: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس/٥٨] ــ فيقول: سلوني؟ يفعل ذلك بهم في دَرجِهم حتى يستوي على عرشه، ثم (٢) تأتيهم التحف من الله تحملها الملائكة إليهم (٣)» (٤). قول الحسن البصري: ذكر الشيخ موفق الدين بن قدامة المقدسي في كتابه «إثبات صفة (٥) العلو» عنه بإسناد صحيح قال: سمع يونس ﵇ تسبيح الحصا والحيتان فجعل يسبح، وكان يقول في دعائه: سيدي، في السماء مسكنك، وفي الأرض قدرتك وعجائبك ... إلهي، في الظلمات الثلاث حبستني ... فلما كان تمام الأربعين (٦) وأصابه الغمّ ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا

стр. 457

أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) [الأنبياء/٨٧]. وقال الحسن: ليس عند ربك شيء أقرب إليه من إسرافيل (٢). وذكر ابن منده: أخبرنا أحمد بن محمد بن عمر (٣) الوراق حدثنا إسماعيل بن أبي كثير حدثنا مكي بن إبراهيم حدثنا هشام عن الحسن (٤) قال: قال الله : «لما خلقت خلقي واستويت على عرشي كتبت: إن رحمتي سبقت غضبي، ولولا ذلك لهلكوا» (٥).

стр. 458

قول مسروق: صح عنه أنه كان إذا حدث عن عائشة قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة من فوق سبع سماوات (١). قول مقاتل: قد تقدم (٢) قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد/٤] قال: هو على العرش وهو معهم بعلمه (٣). ذكره ابن أبي حاتم في «تفسيره». قول عبيد بن عمير: ذكر عبد الله بن أحمد في كتاب «السنة» (٤) من رواية حجاج عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير قال: ينزل الرب شطر الليل إلى السماء، فيقول: من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى إذا كان الفجر صعد الرب ». [ظ/ق ٦١ ب]

стр. 459

قول كعب الأحبار: روى أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب «العظمة» (١) عنه بإسناد صحيح: أنه أتاه رجل فقال: يا أبا إسحاق حدثني عن الجبار ﷻ . فأعظم القوم ذلك، فقال كعب: دعوا الرجل، فإنه إن كان جاهلًا [ب/ق ٦٧ أ] تعلم، وإن كان عالمًا ازداد علمًا، ثم قال كعب: أخبرك أن الله خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن، ثم جعل ما بين كل سماءين كما بين سماء الدنيا والأرض وجعل كثفها مثل ذلك، ثم رفع العرش فاستوى عليه، فما في (٢) السماوات سماء إلا لها أطيط كأطيط الرحل في (٣) أول ما يرتحل من ثقل الجبار فوقهن». وروى (٤) أبو نعيم في كتابه «حلية الأولياء» (٥) بإسناده عن كعب الأحبار قال: «للذكْر دويٌّ حول العرش كدوي النحل بذكر صاحبه». وذكر عثمان بن سعيد الدارمي: حدثنا أبو الربيع ثنا جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن كعب قال: ما

стр. 460

نظر الله إلى الجنة إلا قال: طِيبي (١) لأهلك، فزادت طيبًا على ما كانت، وما من يوم كان عيدًا في الدنيا إلا يخرجون في مقداره إلى رياض الجنة ... تسفي عليهم الريح بالطيب (٢) والمسك، فلا يسألون ربهم شيئًا إلا أعطاهم، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا عما (٣) كانوا عليه من الحسن والجمال سبعين ضعفًا (٤). وروى (٥) الزهري عن سعيد بن المسيب عن كعب قال: «في التوراة: أنا الله فوق عبادي، وعرشي فوق جميع خلقي، وأنا على عرشي أدبِّر أمور (٦) عبادي، ولا يخفى عليَّ شيء في السماء ولا في الأرض» (٧).

стр. 461

رواه أبو الشيخ وابن بطة وغيرهما بإسناد صحيح عنه. وروى (١) أبو نعيم بإسناد صحيح (٢) عن كعب قال: قال الله تعالى: «أنا فوق عبادي، وعرشي فوق جميع خلقي، وأنا على عرشي أدبر أمر عبادي، لا يخفى عليّ شيء من أمر عبادي في سمائي ولا أرضي، وإن حجبوا عني فلا يغيب عنهم علمي، وإليّ مرجع كل خلقي فأثيبهم (٣) بما خفي عليهم من علمي، أغفر لمن شئت منهم بمغفرتي، وأعذب من شئت بعقابي» (٤). قول بشر بن عمر شيخ إسحاق عن جماعة ممن لقيهم من المفسرين: قال إسحاق بن راهويه: أخبرنا بشر بن عمر قال: سمعت غير واحد من المفسرين يقولون [ب/ق ٦٧ ب]: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أي: ارتفع (٥).

стр. 462

قول نوف البكالي: روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص (١) أنه قال: ذكر لنا أن الله قال للملائكة: ادعوا إليَّ عبادي، فقالوا: يا رب فكيف والسماوات السبع دونهم والعرش فوق ذلك، قال: إنهم إذا قالوا: لا إله إلا الله، فقد استجابوا (٢)»، رواه [ظ/ق ٦٢ أ] الدارمي (٣) عنه. قول يحيى بن رافع: قال أبو الشيخ في «كتاب العظمة» (٤): حدثنا الوليد بن أبان حدثنا أبو حاتم حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك حدثنا سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي عيسى: أن ملكًا لما استوى الرب على عرشه سجد فلم يرفع رأسه، ولا يرفعه حتى تقوم الساعة، فيقول: لم

стр. 463

أعبدك (١) حق عبادتك ... ». وهذا الإسناد كلهم أئمة ثقات. ورواه أبو أحمد العسال في كتاب «المعرفة». وأبو عيسى هو يحيى بن رافع من قدماء التابعين، ذكرناه هنا وإن لم يكن مشهورًا بالتفسير. قول عباس القُمِّي (٢): وإن لم يكن من المشهورين (٣) بالتفسير: روى ابن أبي شيبة في كتاب «العرش» (٤) بإسناد صحيح عنه قال: «بلغني أن داوُد كان يقول في دعائه: [سبحانك] (٥) اللهم أنت ربي تعاليت فوق عرشك، وجعلت خشيتك على من في السماوات والأرض».

стр. 464

قول محمد بن إسحاق الإمام في الحديث والتفسير والمغازي: قال: بعث الله ملكًا من الملائكة إلى بختنصر قال: هل تعلم يا عدو الله كم بين السماء والأرض؟ قال: لا. قال: بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة سنة (١)، وغلظها مثل ذلك» ـ وذكر الحديث إلى أن ذكر حملة العرش قال: «وفوقهم العرش عليه ملك الملوك ﵎، أي عدو الله فأنت تطلع إلى ذلك، ثم بعث الله عليه البعوضة فقتلته ... ». رواه أبو الشيخ في كتاب «العظمة» (٢) بإسناد جيد إلى ابن إسحاق. قول الإمام محمد بن جرير الطبري: قد تقدم (٣) من قوله ما فيه كفاية، وقد قال في «تفسيره» (٤) في قوله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان/٥٩] أي علا وارتفع.

стр. 465

قول الحسين بن مسعود البغوي محيي السنة الذي أجمعت الأُمة على تلقي [ب/ق ٦٨ أ] تفسيره بالقبول، وقراءته على رؤوس الأشهاد من غير نكير: قد أسلفنا (١) قوله عند ذكر أصحاب الشافعي، وإنكاره على من يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥] بمعنى استولى، وأن هذا مذهب الجهمية والمعتزلة. قول أبي عبد الله القرطبي المالكي صاحب التفسير المشهور: قال في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥]: هذه مسألة الاستواء، وللعلماء فيها كلام (٢). وذكر قول المتكلمين الذين يقولون: إذا وجب تنزيه الباري عن الحيز فمن ضرورة ذلك تنزيهه عن الجهة، فليس بجهة فوق عندهم .. لما يلزم عن المكان والحيِّز (٣) من الحركة والسكون، والتغيير والحدوث، قال: هذا قول المتكلمين، ثم قال: وقد كان السلف الأُول ﵃ لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة (٤) بإثباتها لله، كما نطق كتابه،

стр. 466

وأخبرت به رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة، وإنما [ظ/ق ٦٢ ب] جهلوا كيفية الاستواء، فإنه لا تعلم حقيقته، كما قال مالك: الاستواء معلوم ـ يعني في اللغة ـ والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. هذا لفظه في «تفسيره» (١) وهو من فقهاء المالكية وعلمائهم. أقوال أئمة أهل (٢) اللغة والعربية الذين يحتج بقولهم فيها (٣): ذكر قول أبي عُبيدة مَعْمر بن المثنى: ذكر البغوي عنه في «معالم التنزيل» (٤) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت/١١] قال أبو عبيدة: صعد. وحكاه عنه ابن جرير (٥) عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان/٥٩].

стр. 467

قول يحيى بن زياد الفراء إمام أهل الكوفة: قال في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥]: أي صعد، قاله ابن عباس. قال: وهو كقولك: الرجل كان قاعدًا فاستوى قائمًا، وكان قائمًا فاستوى قاعدًا. ذكره البيهقي عنه في «الأسماء والصفات» (١). قلت: مُراد الفرَّاء اعتدال القائم والقاعد في صعوده عن الأرض. قول أبي العباس ثعلب: روى الدارقطني عن إسحاق الكاذي قال: سمعت أبا العباس ثعلبًا يقول: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ علا. واستوى الوجه: اتصل. واستوى القمر: امتلأ، واستوى زيد وعمرو: تشابها. واستوى [ب/٦٨ ب] إلى السماء: أقْبَلَ، هذا الذي يُعْرف (٢) من كلام العرب (٣). قول أبي عبد الله محمد بن الأعرابي: قال ابن عرفة (٤) في كتاب «الرد على الجهمية»: حدثنا داود بن علي

стр. 468

قال: كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل فقال له: ما معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥] فقال: هو على عرشه كما أخبر. فقال: يا أبا عبد الله، إنما معناه: استولى. فقال: اسكت، لا يقال استولى على الشيء إلا ويكون (١) له مضاد، فإذا غلب أحدهما قيل: استولى، كما قال النابغة: إلَّا لِمثلِكَ أو من أنت سابقُه ... سبقَ الجواد إذا استولى على الأمد (٢) وقال محمد بن النضر: سمعت ابن الأعرابي صاحب اللغة يقول: أرادني ابن أبي دؤاد (٣) أن أطلب له في بعض لغات العرب ومعانيها:

стр. 469

﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥] استوى بمعنى: استولى، فقلت له: والله ما يكون هذا ولا وجدته (١). قول الخليل بن أحمد شيخ سيبويه: ذكر أبو عمر بن عبد البر عنه في «التمهيد» (٢) قال الخليل بن أحمد: استوى إلى السماء: ارتفع إلى السماء. قول إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي المعروف بنفطويه (٣): له كتاب في «الرد على الجهمية» أنكر فيه أن يكون استوى بمعنى

стр. 470

استولى، وحكى فيه عن ابن الأعرابي ما قدمنا حكايته عنه. ثم قال: وسمعت (١) داود بن علي يقول: كان المريسي يقول: سبحان ربي الأسفل. وهذا جهلٌ من قائله، وردٌّ لنص كتاب [ظ/ق ٦٣ أ] الله (٢)؛ إذ يقول الله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (٣) [الملك/١٦]. ورحمه الله لقد لَيَّن القول في المرّيسي صاحب هذا التسبيح، ولقد كان جديرًا بما هو أليق به من الجهل. قول الأخفش (٤): قال الأزهري في كتاب «التهذيب» (٥) له في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥]: قال الأخفش: استوى أي: علا. تقول: استويت فوق الدابة وعلى ظهر البيت أي: علوته.

стр. 471

أقوال الزهاد والصوفية أهل الاتباع وسلفهم: قول ثابت البناني شيخ الزهاد: قال محمد [ب/ق ٦٩ أ] بن عثمان في «رسالته» (١): صح عنه أنه قال: كان داود يطيل الصلاة ثم يركع ثم يرفع رأسه إلى السماء، ثم يقول: إليك رفعت رأسي نظر العبيد إلى أربابها، يا ساكن السماء (٢). رواه اللالكائي (٣) بإسناد صحيح عنه. ورواه (٤) الإمام أحمد أيضًا في كتاب «الزهد» (٥). وهذا الرفع إن كان في الصلاة فهو منسوخ بشرعنا (٦)، وإن كان بعد الصلاة فهو جائز، كرفع اليدين في الدعاء إلى الله . قول مالك بن دينار: قد أسلفنا عنه (٧) أنه كان يقول: خذوا، فيقرأ، ثم يقول: اسمعوا إلى

стр. 472

قول الصادق من فوق عرشه. رواه أبو نعيم في الحلية (١) بإسناد صحيح عنه (٢). وروى ابن أبي الدنيا (٣) عنه قال: قرأت في بعض الكتب: إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم خيري ينزل إليك، وشرُّك يصعد إليّ، وأتحبب إليك بالنعم وتتبغض إليّ بالمعاصي، ولا يزال ملك كريم يعرج إليّ منك بعمل قبيح. قول سليمان التيمي: قال البخاري في كتاب «خلق أفعال العباد» (٤) قال: ـ ضمرة بن ربيعة عن صدقة عن سليمان سمعته يقول: لو سئلت أين الله؟ لقلت: في السماء. ولو سئلت أين كان العرش قبل السماء؟ لقلت: على الماء. ولو سئلت: أين كان [عرشه] (٥) قبل الماء؟ لقلت: لا أدري. قول شريح بن عبيد: روى عنه أبو الشيخ بإسناد صحيح أنه كان يقول: ارتفع إليك

стр. 473

ثغاء (١) التسبيح، وصعد إليك وقار التقدس، سبحانك ذا الجبروت، بيدك الملك والملكوت، والمفاتيح والمقادير (٢). قول عبيد بن عمير: روى عبد الله بن أحمد في «كتاب السنة» (٣) له من حديث حجاج عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير أنه قال: ينزل الرب شطر الليل إلى سماء (٤) الدنيا، فيقول: من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى إذا كان الفجر صعد الرب . قول الفضيل بن عياض: قال الأثرم في كتاب «السنة»: حدثنا [ظ/ق ٦٣ ب] إبراهيم بن الحارث [ب/ق ٦٩ ب] يعني العبادي حدثني الليث بن يحيى قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول: قال أبو بكر صاحب الفضيل: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ليس لنا أن نتوهَّم في ذات (٥) الله كيف وكيف؛ لأن الله وصف نفسه فأبلغ فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ

стр. 474

يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، فلا صفة أبلغ مما وصف الله به نفسه، وكذا النزول والضحك والمباهاة والاطلاع: كما شاء أن ينزل، وكما شاء أن يباهي، وكما شاء أن يطلع (١)، وكما شاء أن يضحك، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، وإذا قال لك الجهمي: أنا كفرت برب يزول عن مكانه. فقل أنت: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء (٢). وقد ذكر هذا الكلام الأخير عن الفضيل البخاري في كتاب «خلق الأفعال» (٣) فقال: وقال الفضيل بن عياض: إذا قال لك الجهمي فذكره. قول يحيى بن معاذ الرازي: قال: الله تعالى على العرش بائن من الخلق، قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، ولا يشك في هذه المقالة إلا جهمي رديء ضليل، وهالك مرتاب، يمزج الله بخلقه، ويخلط منه الذات بالأقذار والأنتان (٤).

стр. 475

قول عطاء السُّلَيمي: ثبت أنه كان لا يرفع رأسه إلى السماء حياءً من الله (١)، ومن هذا نهي النبي ﵌ المصلي عن رفع بصره إلى السماء (٢)، تأدُّبًا مع الله ، وإطراقًا بين يديه وإجلالًا له، كما يقف العبيد بين يدي الملوك، ولا يرفعون رؤوسهم إليهم إجلالًا لهم، فإذا ضُمَّ هذا إلى رفع الأيدي في الرغبات والرهبات، وتوجه القلوب إلى العلو دون اليمنة واليسرة والخلف والأمام= أفاد العلم بأن هذا فطرة الله التي فطر الناس عليها. قول أبي عبيدة الخوَّاص: ذكر أبو نعيم (٣) وابن الجوزي (٤) عنه أنه مكث كذا وكذا سنة لم يرفع رأسه إلى السماء حياء من الله.

стр. 476

قول بشر الحافي: صحَّ عنه (١) أنه قال: «إني لأرفع يديَّ إلى الله ثم أردها، وأقول: إنما يفعل هذا من له جاه عنده» (٢). قول ذي النون المصري: روى أبو الشيخ في كتاب «العظمة» (٣) بإسناده عنه قال: أشرقت لنوره [ب/ق ٧٠ أ] السماوات، وأنار بوجهه الظلمات، وحجب جلاله عن العيون، وناجته على عرشه ألْسِنة الصدور. فإن قيل: فقد نقل القُشَيري (٤) عن ذي النون أنه سُئِل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥] فقال: أثبت ذاته ونفى مكانه، وهو موجود بذاته، والأشياء موجودة بحكمه (٥) كما شاء (٦).

стр. 477

قيل: القشيري لم يذكر لهذه الحكاية إسنادًا، وما ذكرناه (١) مسند عنه، وفي كتب التصوف من الحكايات المكذوبة ما الله به عليم. قال شيخ الإسلام (٢): وهذا النقل باطل، فإن هذا الكلام ليس [ظ/ق ٦٤ أ] فيه مناسبة للآية؛ بل هو مناقض لها، فإن هذه الآية لم تتضمن إثبات ذاته ونفي مكانه بوجه من الوجوه، فكيف تفسَّر بذلك؟ قال: وأما قوله: هو موجود بذاته، والأشياء موجودة بحكمه (٣) = فحق، ولكن ليس هو معنى الآية». قول الحارث بن أسد (٤) المحاسبي: قال: وأما قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥]، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام/١٨]، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك/١٦]، ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء/٤٢]، فهذه وغيرها مثل قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج/٤]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر/ ١٠]. هذا يوجب أنه فوق العرش وفوق الأشياء كلها، متنزه عن الدخول في خلقه، لا يخفى

стр. 478

عليه منهم خافية، لأنه أبان في هذه الآيات [أنَّ ذاته بنفسه] (١) فوق عباده؛ لأنه قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك/١٦] يعني: فوق العرش، والعرش على السماء، لأن من كان فوق شيء على السماء، فهو في السماء وقد قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة/٢]، يعني: على الأرض، لا يريد الدخول في جوفها (٢)، وكذلك قوله: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة/٢٦]، يعني: على الأرض، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه/٧١] يعني: فوقها عليها (٣). وقال في موضع آخر: «فبيَّن عروج الأمر وعروج الملائكة، ثم وصف وقت عروجها بالارتفاع صاعدة إليه، فقال: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ﴾ [المعارج/٤]، فذكر صعودها إليه ووصولها بقوله (٤) إليه، كقول القائل: اصعد إلى فلان في ليلة [ب/ق ٧٠ ب] أو يوم، وذلك أنه في العلو وأن صعودك إليه في يوم، فإذا صعدوا إلى العرش فقد صعدوا إلى الله ، وإن كانوا لم

стр. 479

يروه ولم يساووه (١) في الارتفاع في علوه، فإنهم صعدوا من الأرض وعرجوا بالأمر إلى العلو الذي الله تعالى فوقه. وقال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء/١٥٨] ولم يقل عنده. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ ثم استأنف فقال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر/٣٦، ٣٧] يعني: فيما قال إن إلهه فوق السماوات، فبيَّن الله أن فرعون ظنّ بموسى أنه كاذب فيما قال له، وعمد إلى طلبه حيث قال له؛ مع الظن بموسى أنه كاذب. ولو أن موسى قال: إنه في كل مكان بذاته لطلبه في نفسه (٢)، فتعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، ولم يجهد نفسه ببناء الصرح (٣)» (٤). قول إمام الصوفية في وقته (٥) الإمام العارف أبي عبد الله عمرو (٦) ابن عثمان المكي: قال في كتابه «آداب المريدين والتعرف لأحوال العباد (٧)» في باب:

стр. 480

ما يجيء به الشياطين للتائبين من الوسوسة. «وأما الوجه الثالث الذي يأتي به الناس إذا هم امتنعوا عليه واعتصموا بالله: فإنه يوسوس لهم [ظ/ق ٦٤ ب] في أمر الخالق؛ ليفسد عليهم أصول التوحيد ــ وذكر كلامًا طويلًا إلى أن قال: ــ فهذا من أعظم ما يوسوس به في التوحيد بالتشكيك، أو في (١) صفات الرب بالتشبيه والتمثيل، أو بالجحد لها والتعطيل، وأن يدخل عليهم مقاييس عظمة الرب بقدر عقولهم فيهلكوا (٢)، أو يضعضع أركانهم إن لم (٣) يلجأوا في ذلك إلى العلم وتحقيق المعرفة بالله من حيث أخبر عن نفسه ووصف به نفسه ووصفه به رسوله، فهو تعالى القائل: أنا الله، لا الشجرة، الجائي هو لا أمره، المستوي على عرشه بعظمة جلاله (٤) دون كل مكان، الذي كلَّم موسى تكليمًا وأراه من آياته عظيمًا، فسمع موسى كلام الله الوارث لخلقه، السميع لأصواتهم، الناظر بعينه إلى أجسامهم، يداه مبسوطتان وهما غير نعمته وقدرته، خلق آدم بيده»، ثم ساق كلامًا

стр. 481

طويلًا في السنة (١). وهو ﵀ من نظراء الجُنَيد [ب/ق ٧١ أ]، وأعيان مشايخ القوم، توفي سنة إحدى وتسعين ومائتين ببغداد (٢). قول أبي جعفر الهمداني الصوفي: ذكر محمد بن طاهر المقدسي محدّث الصوفية في كتابه عنه أنه حضر مجلس أبي المعالي الجويني وهو يقول: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان عليه (٣)، وكلامًا من هذا المعنى ... فقال: يا شيخ دعنا من ذكر العرش، وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قط: يا الله إلا وجد في (٤) قلبه ضرورة بطلب (٥) العلو لا (٦) يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ قال: فصرخ أبو المعالي ولطم على رأسه، وقال: حيَّرني الهمداني، حيَّرني

стр. 482

الهمداني ... » (١). قول الإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهاني شيخ الصوفية في أواخر المائة الرابعة: قال في رسالة له: أحببت أن أُوصي أصحابي بوصية من السنة، وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر، وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين، قال فيها: وأن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف مجهول، وأنه بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، بلا حلول ولا ممازجة ولا اختلاط ولا ملاصقة؛ لأنه الفرد البائن من الخلق، الواحد الغني عن الخلق، وأن الله سميع بصير عليم خبير، يتكلم ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب، ويتجلى لعبادة يوم القيامة ضاحكًا، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء، فيقول: هل من داع فأستجيب له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر. ونزول الرب [ظ/ق ٦٥ أ]

стр. 483

إلى السماء بلا كيف (١) ولا تشبيه ولا تأويل، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال (٢). قول الشيخ الإمام العارف قدوة العارفين الشيخ عبد القادر الجيلي قدس الله روحه: قال في كتابه «تحفة المتقين وسبيل العارفين» في باب: اختلاف المذاهب [ب/ق ٧١ ب] في صفات الله ، وفي ذكر اختلاف الناس في الوقف عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران/٧] إلى أن قال: والله تعالى بذاته فوق العرش، وعلمه محيط بكل مكان، والوقف عند أهل الحق على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، وقد رُويَ ذلك عن فاطمة (٣) بنت رسول الله ﵌، وهذا الوقف حسن لمن اعتقد أن الله بذاته على العرش، ويعلم ما في السماوات والأرض ــ إلى أن قال: ــ ووقف جماعة من منكري استواء الرب على قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [طه/٥] وابتدأوا بقوله: ﴿اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يريدون بذلك نفي

стр. 484

الاستواء الذي وصف (١) به نفسه، وهذا خطأ منهم؛ لأن الله تعالى استوى على العرش بذاته. وقال في كتابه «الغنية»: أما معرفة الصانع (٢) بالآيات والدلالات على وجه الاختصار فهو: أن يُعرف بتيقن أن الله واحد أحد ــ إلى أن قال: ــ وهو بجهة العلو، مستو على العرش، محتوٍ على الملك، محيط علمه بالأشياء: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر/١٠]، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة/٥]» (٣). «ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال: إنه في السماء على العرش استوى، [كما] (٤) قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥] ــ وساق آيات وأحاديث ثم قال: ــ وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش، ثم قال: وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف». وهذا نص كلامه في «الغنية» (٥).

стр. 485

قول أبي (١) عبد الله بن خفيف الشيرازي إمام الصوفية في وقته: قال في كتابه الذي سمَّاه «اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات». قال في آخر خطبته: فاتفقت أقوال المهاجرين والأنصار في توحيد الله ومعرفة أسمائه وصفاته وقضائه وقدره قولًا واحدًا وشرطًا (٢) ظاهرًا، وهم الذين نقلوا عن رسول الله ﵌ ذلك حين قال: «عليكم بسنتي» (٣)، فكانت كلمة الصحابة على الاتفاق من غير اختلاف، وهم الذين أُمِرنا بالأخذ عنهم، إذ لم يختلفوا بحمد الله في أحكام التوحيد وأصول الدين من الأسماء [ظ/ق ٦٥ ب] والصفات [ب/ق ٧٢ أ] كما اختلفوا في الفروع، ولو كان منهم في ذلك اختلاف لنُقل إلينا كما نُقل إلينا سائر الاختلاف. ثم ذكر حديث «يُلقى في النار وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع الجبار فيها رجله (٤)» (٥)، وحديث: «الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدُر قدره إلا الله»، ثم

стр. 486

ذكر حديث الصورة، إلى أن قال: ونعتقد أن الله قبض قبضتين فقال: «هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار» (١) ــ إلى أن قال: ــ ومما نعتقد: أن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، فيبسط يديه ويقول: هل من سائل؟» الحديث (٢)، وليلة النصف (٣) وعشية عرفة وذكر الحديث في ذلك، ونعتقد أن الله يتولى حساب الخلق بنفسه (٤)، ونعتقد أن الله خص محمدًا ﵌ بالرؤية واتخذه خليلًا (٥). قول شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله الأنصاري صاحب كتاب «منازل السائرين» و «الفاروق» و «ذم الكلام» وغيره. صرَّح في كتابه (٦): بلفظ الذات في العلو، وأنه استوى بذاته على عرشه، قال: «ولم تزل أئمة السلف تصرح بذلك». ومن أراد معرفة صلابته في السنة والإثبات فليطالع كتابيه «الفاروق» و «ذم الكلام».

стр. 487

قول شيخ الصوفية والمحدثين أبي نعيم صاحب كتاب «حلية الأولياء» (١): قال في «عقيدته»: «وأن الله سميع بصير، عليم خبير، يتكلم ويرضى، ويسخط ويضحك (٢) ويعجب، ويتجلَّى لعباده يوم القيامة ضاحكًا، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف يشاء، فيقول: هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر، ونزول الرب تعالى إلى سماء الدنيا بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال، وسائر الصفوة العارفين على هذا. ثم قال: وأن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، فالاستواء معقول، والكيف مجهول، وأنه سبحانه بائن من خلقه، وخلقه بائنون منه، بلا حلول ولا ممازجة، ولا اختلاط ولا ملاصقة؛ لأنه الفرد البائن من الخلق، الواحد الغني عن الخلق» (٣).

стр. 488

وقال أيضًا: طريقنا (١) طريق السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأُمة ــ وساق ذكر اعتقادهم ثم قال: ــ وإن مما اعتقدوه أن الله في سمائه دون أرضه، وساق بقيته (٢). قول الإمام يحيى بن عمار [ب/ق ٧٢ ب] السجزي، شيخ أبي (٣) إسماعيل الأنصاري إمام الصوفية في وقته: قال في رسالته في السنة بعد كلام: بل نقول: هو بذاته على العرش، وعلمه محيط بكل شيء، وسمعه وبصره وقدرته مدركة لكل شيء [ظ/ق ٦٦ أ] وهو معنى قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد/٤]، ورسالته موجودة مشهورة.

стр. 489

قول (١) عتبة الغلام (٢): قال محمد بن فهد المديني: كان عتبة يصلي هذا الليل الطويل، فإذا فرغ رفع رأسه إلى السماء، وقال: سيدي إن تعذبني فإني أحبك، وإن تعف عني فإني أحبك (٣). أقوال الشارحين لأسماء الله الحسنى: قول القرطبي في شرحه (٤): قال: وقد كان الصدر الأول لا ينفون الجهة، بل نطقوا هم والكافَّة بإثباتها لله تعالى، كما نطق كتابه وأخبر رسوله ﵌، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على العرش حقيقة، وخص العرش بذلك دون غيره؛ لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء، فإنه لا تُعلم حقيقته كما قال مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عن الكيف بدعة. وكذلك قالت أم سلمة.

стр. 490

ثم ذكر كلام أبي بكر الحضرمي (١) في رسالته التي سمَّاها: «بالإيماء إلى مسألة الاستواء»، وحكايته عن القاضي عبد الوهاب أنه استواء الذات على العرش. وذكر أن ذلك قول القاضي أبي بكر بن الطيب الأشعري كبير الطائفة، وأن القاضي عبد الوهاب نقله عنه نصًّا، وأنه قول الأشعري وابن فورك في بعض كتبه، وقول الخطابي ... وغيره من الفقهاء والمحدثين. قال القرطبي: وهو قول أبي عمر بن عبد البر والطلمنكي وغيرهما من الأندلسيين. ثم قال ـ بعد أن حكى أربعة عشر قولًا ــ: وأظهر الأقوال ما تظاهرت عليه الآي والأخبار، وقاله (٢) الفضلاء الأخيار: أن الله على عرشه كما أخبر في كتابه وعلى لسان نبيه بلا كيف، بائن من جميع خلقه. هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقات (٣).

стр. 491

أقوال أئمة أهل (١) الكلام من أهل الإثبات المخالفين للجهمية والمعتزلة (٢) والمعطلة: قول الإمام أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب: إمام الطائفة الكُلَّابية، كان من أعظم أهل الإثبات للصفات والفوقية وعلو الله على عرشه، مُنكِرًا لقول الجهمية، وهو أول من عُرف عنه إنكار قيام الأفعال [ب/ق ٧٣ أ] الاختيارية بذات الرب تعالى، وأن القرآن معنى قائم بالذات، وهو أربعة معانٍ. ونصر طريقته أبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري؛ وخالفه في بعض الأشياء ولكنه على طريقته في إثبات الصفات والفوقية وعلو الله على عرشه، كما سيأتي حكاية كلامه بألفاظه. قال ابن كلاب في بعض كتبه: وأخرِجْ من الأثر والنظر [قول] (٣) من قال: إن الله سبحانه لا داخل العالم ولا خارجه. حكاه عنه شيخ الإسلام في عامة كتبه الكلامية (٤) [ظ/ق ٦٦ ب].

стр. 492

وحكى عنه (١) أبو الحسن الأشعري أنه كان يقول: إن الله مستوٍ على عرشه ـ كما قال ـ وأنه فوق كل شيء. هذا لفظ حكاية الأشعري (٢) عنه. وحكى عنه أبو بكر بن فورك فيما جمعه من مقالاته في كتابه (٣) «المجرد»: وأخرج من النظر والخبر قول من قال: لا هو (٤) في العالم ولا خارجًا منه (٥) فنفاه نفيًا مستويًا؛ لأنه لو قيل له: صِفْهُ بالعدم، ما قدر أن يقول أكثر من هذا. وردَّ أخبار الله نصًّا (٦)، وقال في ذلك ما لا يجوز في نص ولا معقول، وزعم أن هذا هو التوحيد الخالص، والنفي الخالص عندهم هو الإثبات الخالص، وهم عند أنفسهم قيَّاسون. قال: فإن قالوا: هذا إفصاح منكم بخلو الأماكن منه، وانفراد (٧) العرش به. قيل: إن كنتم تعنون خلو الأماكن من تدبيره، وأنه غير عالم بها

стр. 493

فلا (١)، وإن كنتم تريدون خلوها (٢) من استوائه عليها كما استوى على العرش، فنحن لا نحتشم أن نقول: استوى الله على العرش، ونحتشم أن نقول: استوى على الأرض، واستوى على الجدار، وفي صدر البيت. قال ابن كلاب: يقال لهم [أيضًا] (٣): أهو فوق ما خلق؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: ما تعنون بقولكم (٤) فوق ما خلق؟ فإن قالوا: بالقدرة والعزة، قيل لهم (٥): ليس هذا سؤالنا (٦)، وإن قالوا: المسألة خطأ، قيل لهم: أفليس هو فوق؟ فإن قالوا: نعم، ليس هو فوق، قيل لهم: وليس هو تحت، فإن قالوا: لا فوق ولا تحت، أعدموه؛ لأن ما كان لا تحت ولا فوق عدم. وإن قالوا: هو تحت وهو فوق. قيل لهم: فيلزم أن يكون تحت فوق، وفوق تحت (٧). ثم بسط [ب/ق ٧٣ ب] الكلام في استحالة نفي المباينة والمماسة عنه بالعقل، وأن ذلك يلحقه بالعدم المحض.

стр. 494

ثم قال: ورسول الله ﵌ ــ وهو صفوة الله من خلقه وخيرته من بريته أعلمهم جميعًا به ــ يجيز السؤال (١) بالأين، واستصوب قول القائل: إنه في السماء، وشهد له بالإيمان عند ذلك، وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون الأين ـ زعموا ـ ويحيلون القول به. قال: ولو كان خطأ لكان رسول الله ﵌ أحق بالإنكار له، وكان ينبغي أن يقول لها (٢): لا تقولي ذلك فتوهمي (٣) أنه محدود، وأنه في مكانٍ دون مكان، ولكن قولي: إنه في كل مكان (٤)؛ لأنه هو الصواب دون ما قلت. كلا فلقد أجازه رسول الله ﵌ مع علمه بما فيه، وأنه من الإيمان؛ بل الأمر الذي يجب به الإيمان لقائله، ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته. وكيف يكون الحق في خلاف ذلك، والكتاب ناطق بذلك وشاهد له؟ ولو لم يشهد لصحة مذهب الجماعة في هذا خاصة إلا ما ذكرناه (٥) [ظ/ق ٦٧ أ] من هذه الأمور لكان فيه ما يكفي؛ كيف وقد (٦) غُرِس في بُنْية الفطرة ومعارف الآدميين من ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد؟ لأنك لا تسأل

стр. 495

أحدًا من الناس عنه عربيًّا ولا عجميًّا ولا مؤمنًا ولا كافرًا فتقول أين ربك؟ إلا قال: في السماء إن (١) أفصح، أو أومأ بيده أو أشار بطرفه إن كان لا يفصح، ولا يُشير (٢) إلى غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل، ولا رأينا أحدًا إذا عَنَّ له دعاء إلا رافعًا يديه إلى السماء، ولا وجدنا أحدًا غير الجهمية يُسأل عن ربه؟ فيقول: في كل مكان، كما يقولون، وهم يدَّعون أنهم أفضل الناس كلهم، فتاهت العقول وسقطت الأخبار، واهتدى جهم وخمسون رجلًا معه، نعوذ بالله من مضلات الفِتَن (٣). هذا آخر كلامه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولما رجع الأشعري عن مذهب المعتزلة سلك طريق ابن كلاب، ومال في أهل السنة والحديث، وانتسب إلى الإمام أحمد كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها: «كالإبانة» و «الموجز» و «المقالات» وغيرها، وكان القدماء من أصحاب أحمد كأبي بكر بن عبد العزيز وأبي الحسن [ب/ق ٧٤ أ] التميمي وأمثالهما، يذكرونه في كتبهم على طريق الموافق للسنة في الجملة، ويذكرون ردَّه على المعتزلة وإبداء تناقضهم.
следующие страницы →