← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18632

اجتماع الجيوش الإسلامية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (604 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

أقوال أئمة أهل (١) الكلام من أهل الإثبات المخالفين للجهمية والمعتزلة (٢) والمعطلة: قول الإمام أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب: إمام الطائفة الكُلَّابية، كان من أعظم أهل الإثبات للصفات والفوقية وعلو الله على عرشه، مُنكِرًا لقول الجهمية، وهو أول من عُرف عنه إنكار قيام الأفعال [ب/ق ٧٣ أ] الاختيارية بذات الرب تعالى، وأن القرآن معنى قائم بالذات، وهو أربعة معانٍ. ونصر طريقته أبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري؛ وخالفه في بعض الأشياء ولكنه على طريقته في إثبات الصفات والفوقية وعلو الله على عرشه، كما سيأتي حكاية كلامه بألفاظه. قال ابن كلاب في بعض كتبه: وأخرِجْ من الأثر والنظر [قول] (٣) من قال: إن الله سبحانه لا داخل العالم ولا خارجه. حكاه عنه شيخ الإسلام في عامة كتبه الكلامية (٤) [ظ/ق ٦٦ ب].

стр. 492

وحكى عنه (١) أبو الحسن الأشعري أنه كان يقول: إن الله مستوٍ على عرشه ـ كما قال ـ وأنه فوق كل شيء. هذا لفظ حكاية الأشعري (٢) عنه. وحكى عنه أبو بكر بن فورك فيما جمعه من مقالاته في كتابه (٣) «المجرد»: وأخرج من النظر والخبر قول من قال: لا هو (٤) في العالم ولا خارجًا منه (٥) فنفاه نفيًا مستويًا؛ لأنه لو قيل له: صِفْهُ بالعدم، ما قدر أن يقول أكثر من هذا. وردَّ أخبار الله نصًّا (٦)، وقال في ذلك ما لا يجوز في نص ولا معقول، وزعم أن هذا هو التوحيد الخالص، والنفي الخالص عندهم هو الإثبات الخالص، وهم عند أنفسهم قيَّاسون. قال: فإن قالوا: هذا إفصاح منكم بخلو الأماكن منه، وانفراد (٧) العرش به. قيل: إن كنتم تعنون خلو الأماكن من تدبيره، وأنه غير عالم بها

стр. 493

فلا (١)، وإن كنتم تريدون خلوها (٢) من استوائه عليها كما استوى على العرش، فنحن لا نحتشم أن نقول: استوى الله على العرش، ونحتشم أن نقول: استوى على الأرض، واستوى على الجدار، وفي صدر البيت. قال ابن كلاب: يقال لهم [أيضًا] (٣): أهو فوق ما خلق؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: ما تعنون بقولكم (٤) فوق ما خلق؟ فإن قالوا: بالقدرة والعزة، قيل لهم (٥): ليس هذا سؤالنا (٦)، وإن قالوا: المسألة خطأ، قيل لهم: أفليس هو فوق؟ فإن قالوا: نعم، ليس هو فوق، قيل لهم: وليس هو تحت، فإن قالوا: لا فوق ولا تحت، أعدموه؛ لأن ما كان لا تحت ولا فوق عدم. وإن قالوا: هو تحت وهو فوق. قيل لهم: فيلزم أن يكون تحت فوق، وفوق تحت (٧). ثم بسط [ب/ق ٧٣ ب] الكلام في استحالة نفي المباينة والمماسة عنه بالعقل، وأن ذلك يلحقه بالعدم المحض.

стр. 494

ثم قال: ورسول الله ﵌ ــ وهو صفوة الله من خلقه وخيرته من بريته أعلمهم جميعًا به ــ يجيز السؤال (١) بالأين، واستصوب قول القائل: إنه في السماء، وشهد له بالإيمان عند ذلك، وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون الأين ـ زعموا ـ ويحيلون القول به. قال: ولو كان خطأ لكان رسول الله ﵌ أحق بالإنكار له، وكان ينبغي أن يقول لها (٢): لا تقولي ذلك فتوهمي (٣) أنه محدود، وأنه في مكانٍ دون مكان، ولكن قولي: إنه في كل مكان (٤)؛ لأنه هو الصواب دون ما قلت. كلا فلقد أجازه رسول الله ﵌ مع علمه بما فيه، وأنه من الإيمان؛ بل الأمر الذي يجب به الإيمان لقائله، ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته. وكيف يكون الحق في خلاف ذلك، والكتاب ناطق بذلك وشاهد له؟ ولو لم يشهد لصحة مذهب الجماعة في هذا خاصة إلا ما ذكرناه (٥) [ظ/ق ٦٧ أ] من هذه الأمور لكان فيه ما يكفي؛ كيف وقد (٦) غُرِس في بُنْية الفطرة ومعارف الآدميين من ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد؟ لأنك لا تسأل

стр. 495

أحدًا من الناس عنه عربيًّا ولا عجميًّا ولا مؤمنًا ولا كافرًا فتقول أين ربك؟ إلا قال: في السماء إن (١) أفصح، أو أومأ بيده أو أشار بطرفه إن كان لا يفصح، ولا يُشير (٢) إلى غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل، ولا رأينا أحدًا إذا عَنَّ له دعاء إلا رافعًا يديه إلى السماء، ولا وجدنا أحدًا غير الجهمية يُسأل عن ربه؟ فيقول: في كل مكان، كما يقولون، وهم يدَّعون أنهم أفضل الناس كلهم، فتاهت العقول وسقطت الأخبار، واهتدى جهم وخمسون رجلًا معه، نعوذ بالله من مضلات الفِتَن (٣). هذا آخر كلامه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولما رجع الأشعري عن مذهب المعتزلة سلك طريق ابن كلاب، ومال في أهل السنة والحديث، وانتسب إلى الإمام أحمد كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها: «كالإبانة» و «الموجز» و «المقالات» وغيرها، وكان القدماء من أصحاب أحمد كأبي بكر بن عبد العزيز وأبي الحسن [ب/ق ٧٤ أ] التميمي وأمثالهما، يذكرونه في كتبهم على طريق الموافق للسنة في الجملة، ويذكرون ردَّه على المعتزلة وإبداء تناقضهم.

стр. 496

ثم ذكر ما بين الأشعري وقدماء أصحابه وبين الحنابلة من التآلف؛ لاسيَّما بين القاضي أبي بكر ابن الباقلاني وبين أبي الفضل ابن التميمي، حتى كان ابن الباقلاني يكتب في أجوبته في المسائل: كتبه محمد بن الطيب الحنبلي، ويكتب أيضًا الأشعري. قال: وعلى العقيدة التي صنفها أبو الفضل التميمي اعتمد البيهقي في الكتاب الذي صنفه في «مناقب أحمد» لما ذكر عقيدة أحمد (١) قال: وأما ابن حامد وابن بطة وغيرهما فإنهم مخالفون لأصل قول ابن كلاب قال: والأشعري وأئمة أصحابه كأبي الحسن (٢) الطبري، وأبي عبد الله محمد (٣) بن مجاهد، والقاضي أبي بكر (٤)، متفقون على إثبات الصفات الخبرية التي ذُكرت في القرآن كالاستواء والوجه واليدين، وإبطال تأويلها، وليس للأشعري في ذلك (٥) قولان أصلًا، ولم يذكر أحد عن الأشعري في ذلك قولين؛ ولكن لأتباعه قولان في ذلك، ولأبي المعالي الجويني في تأويلها قولان: أولها في «الإرشاد»، ورجع عن التأويل في «الرسالة النظامية» وحرّمه، ونقل إجماع السلف على

стр. 497

تحريمه، وأنه ليس بواجب ولا جائز (١). قول الإمام (٢) أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري [ظ/ق ٦٧ ب] إمام الطائفة الأشعرية: نذكر كلامه فيما وقفنا عليه من كتبه «كالموجز» و «الإبانة» و «المقالات» وما نقله عنه أعظم الناس انتصارًا له الحافظ أبو القاسم بن عساكر في الكتاب الذي سماه «تبيين كذب المفتري فيما نُسب إلى أبي الحسن الأشعري». ذكر قوله في كتاب «الإبانة في أصول الديانة»: قال أبو القاسم بن عساكر: إذا كان أبو الحسن مستصوب المذهب عند أهل العلم والمعرفة والانتقاد، يوافقه (٣) في أكثر ما يذهب إليه أكابر العباد، لا يقدح في معتقده غير أهل الجهل والعناد= فلا بد أن نحكي عنه معتقده على وجهه بالأمانة، ونجتنب أن نزيد فيه أو ننقص منه تركًا للخيانة؛ ليُعلم حقيقة حاله [ب/ق ٧٤ ب] في صحة عقيدته في أصول الديانة، فاسمع ما ذكره في أول كتابه الذي سماه «بالإبانة»: فإنه قال:

стр. 498

الحمد لله الأحد الواحد، العزيز الماجد، المتفرد (١) بالتوحيد، المتمجد بالتمجيد، الذي لا تبلغه صفات العبيد، وليس له مِثْل ولا نديد، وهو المبدئ المعيد ... جَلّ عن اتِّخاذ الصاحبة والأبناء، وتقدَّس عن ملامسة النساء، فليس له عزة تُنال، ولا حدٌّ يُضرب فيه الأمثال، لم يزل بصفاته أولًا (٢) قديرًا، ولا يزال عالمًا خبيرًا، سبق الأشياء علمه، ونفذت فيها إرادته؛ فلم تعزب عنه خفيات الأمور، ولم يغيره سوالف صروف الدهور، ولم يلحقه في خلق شيء مما خلق كلال ولا تعب، ولا مسه لغوب ولا نصب، خلق الأشياء بقدرته، ودبرها بمشيئته، وقهرها بجبروته، وذللها بعزته، فذل لعظمته المتكبرون، واستكان لعظم ربوبيته المتعظمون، وانقطع دون الرسوخ في علمه الممترون، وذلَّت له الرقاب، وحارت في ملكوته فِطَنُ (٣) ذوي الألباب، وقامت بكلمته السماوات السبع، واستقرت الأرض المهاد، وثبتت الجبال الرواسي، وجرت الرياح اللواقح، وسار في جو السماء السحاب، وقامت على حدودها البحار، وهو إله قاهر يخضع له المتعزِّزون، ويخشع له المترفعون، ويدين (٤) طوعًا وكرهًا له العالمون، نحمده كما حمد نفسه،

стр. 499

وكما هو أهله ومستحقه، ... ونستعينه استعانة من فوض إليه أمره، وأقر أنه لا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه، ونستغفره استغفار مقرٍّ بذنبه، معترف بخطيئته، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارًا بوحدانيته، وإخلاصًا لربوبيته، وأنه العالم بما تبطنه الضمائر، وتنطوي عليه السرائر، وما تخفيه النفوس، وما تجنُّ (١) البحار [ظ/ق ٦٨ أ]، وما تواري الأسوار (٢)، وما تغيض الأرحام وما تزداد، وكل شيء عنده بمقدار (٣). وساق خطبة طويلة بيَّن فيها مخالفة المعتزلة لكتاب الله وسنة رسوله ﵌ وإجماع الصحابة، إلى أن قال فيها: ودافعوا أن يكون لله وجه [ب/ق ٧٢ أ] مع قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن/٢٧]، وأنكروا أن يكون لله يدان مع قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص/ ٧٥]، وأنكروا أن يكون لله عينان (٤) مع قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر/ ١٤] وقوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه/٣٩]، ونفوا ما رُوي عنه ﵌ من قوله: «إن الله ينزل إلى سماء

стр. 500

الدنيا ... » (١) .... إلخ. وأنا ذاكر ذلك إن شاء الله تعالى بابًا بابًا، وبه المعونة والتأييد ومنه التوفيق والتسديد. فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرِّفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون. قيل له: قولنا الذي به نقول، وديانتنا التي بها ندين: التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ﵌، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضّر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون، ولمن خالفه لمجانبون (٢)؛ لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم وكبير مفهم، وعلى جميع أئمة المسلمين. وجملة قولنا: أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﵌، لا نرد من ذلك شيئًا.

стр. 501

وأن الله إله واحد، فرد أحد صمد لا إله غيره، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله. وأن الجنة حق والنار حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وأن الله تعالى مستوٍ على عرشه كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥]. وأن له وجهًا كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن/٢٧]. وأن له يدين كما قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة/٦٤] وكما قال تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص/٧٥]. وأن له عينين بلا كيف، كما قال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر/ ١٤]. وأن من زعم أن اسم الله غيره كان ضالًّا. وأن لله علمًا كما قال تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء/١٦٦]، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر/١١].

стр. 502

ونثبت لله قوة (١) كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ [ب/ق ٧٥ ب] الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت/١٥]. ونثبت لله السمع والبصر، ولا ننفي ذلك كما نفته المعتزلة والجهمية والخوارج. ونقول: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه لم يخلق شيئًا إلا وقد قال له: كن فيكون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢) [ظ/ق ٦٨ أ] [النحل/٤٠]. وأنه لا يكون في الأرض شيء من خيرٍ وشرٍ إلا ما شاء الله، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله، وأن أحدًا لا يستطيع أن يفعل شيئًا قبل أن يفعله الله، ولا يستغني عن الله، ولا نقدر على الخروج من علم الله، وأنه لا خالق إلا الله، وأن أعمال العباد مخلوقة لله مقدورة له (٣)، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات/٩٦]، وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئًا وهم يخلقون، كما قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾

стр. 503

[فاطر/٣]، وكما قال تعالى: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل/٢٠]، وكما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ ... ﴾ الآية [النحل/١٧]، وقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الطور/٣٥، ٣٦]، وهذا في كتاب الله كثير. وأن الله وفَّق المؤمنين لطاعته، ولطف بهم ونظر إليهم (١) وأصلحهم وهداهم. وأضل الكافرين ولم يهدهم ولم يلطف بهم بالإيمان، كما زعم أهل الزيغ والطغيان، ولو لطف بهم وأصلح لكانوا (٢) صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين، كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف/١٧٨]، وأن الله يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين، ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم، وأنه خذلهم وطبع على قلوبهم. وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره، وأنا نؤمن بقضاء الله وقدره، خيره وشره وحلوه ومره، ونعلم أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأنا لا نملك لأنفسنا (٣) نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله، وأنا نلجئ أمورنا إلى الله، ونثبت الحاجة والفقر في كل وقت إليه.

стр. 504

ونقول: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وإن من قال بخلق القرآن كان (١) كافرًا. وندين بأن الله يُرى بالأبصار يوم القيامة كما يُرى القمر ليلة البدر، ويراه المؤمنون كما جاءت به الروايات عن رسول الله ﵌، [ب/ق ٧٦ أ] ونقول: إن الكافرين إذا رآه المؤمنون عنه محجوبون، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين/١٥]، وإن موسى ﵇ سأل الله الرؤية في الدنيا، وإن الله تجلَّى للجبل فجعله دكًّا (٢)، فأعلم بذلك موسى أنه لا يراه في الدنيا. ونرى أن لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنبٍ يرتكبه كالزنا والسرقة وشرب الخمر، كما دانت بذلك الخوارج، وزعموا أنهم بذلك كافرون، ونقول: إن من عمل كبيرة من الكبائر وما أشبهها مستحلًّا لها كان كافرًا؛ إذا كان غير معتقد لتحريمها. ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيمانًا. وندين بأن الله تعالى يقلب القلوب، وأن القلوب بين إصبعين من أصابعه، وأنه يضع السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، كما

стр. 505

جاءت الرواية عن رسول الله ﵌ (١)، وندين بأن لا ننزل أحدًا من الموحدين المتمسكين بالإيمان جنة ولا نارًا [ظ/ق ٦٩ أ]؛ إلا من شهد له رسول الله ﵌ بالجنة، ونرجو الجنة للمذنبين، ونخاف عليهم أن يكونوا من أهل النار معذبين، ونقول: إن الله يخرج من النار قومًا بعدما امتحشوا بشفاعة محمد ﵌ .. ونؤمن بعذاب القبر، ونقول: إن الحوض والميزان حق، والصراط حق، والبعث بعد الموت حق، وإن الله يوقف العباد بالموقف، ويحاسب المؤمنين. وإن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونسلم بالروايات الصحيحة في ذلك عن رسول الله ﵌ التي رواها الثقات عدل عن عدل حتى تنتهي الرواية إلى رسول الله ﵌. وندين بحب السلف الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ﵌، ونثني عليهم بما أثنى الله عليهم، ونتولاهم أجمعين (٢)، ونقول: إن الإمام بعد رسول الله ﵌ أبو بكر، وإن الله أعز به الدين وأظهره على المرتدين وقَدّمه المسلمون للإمامة كما

стр. 506

قدمه رسول الله ﵌ للصلاة، ثم عمر بن الخطاب ﵁، ثم عثمان بن عفان نضَّر الله وجهه، قَتَلَهُ قاتلوه ظلمًا وعدوانًا، ثم علي بن أبي طالب ﵁، فهؤلاء الأئمة بعد رسول الله ﵌ [ب/ق ٧٦ ب] خلافتهم خلافة النبوة، ونشهد للعشرة بالجنة، الذين شهد لهم رسول الله ﵌ بها، ونتولى سائر أصحاب رسول الله ﵌، ونكف عما شجر بينهم، وندين الله أن الأئمة الأربعة راشدون (١) مهديون فضلاء، لا يوازيهم في الفضل غيرهم. ونصدق بجميع (٢) الروايات التي رواها (٣) أهل النقل من النزول إلى سماء الدنيا، وأن الرب تعالى يقول: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟، وسائر ما نقلوه وأثبتوه، خلافًا لما قاله أهل الزيغ والتضليل (٤). ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب الله وسنة رسول الله ﵌ وإجماع المسلمين وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله بدعة لم يأذن الله بها، ولا نقول على الله ما لا نعلم.

стр. 507

ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر/٢٢]، وإن الله يقرب من عباده كيف شاء، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق/١٦]، وكما قال تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم/٨، ٩]. ومن ديننا أن نُصلِّي الجمعة والأعياد (١) خلف كل برٍّ وفاجر، وكذلك سائر (٢) الصلوات والجماعات، كما روي عن عبد الله بن عمر: أنه كان يصلي خلف الحجاج (٣). وأن المسح على الخفين [سُنة] (٤) في الحضر والسفر خلافًا لمن أنكر ذلك. ونرى (٥) الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح، والإقرار بإمامتهم،

стр. 508

وتضليل من رأى الخروج عليهم؛ إذا (١) ظهر منهم ترك الاستقامة، وندين بترك الخروج عليهم بالسيف (٢)، وترك القتال في الفتنة. ونقر بخروج الدجال، كما جاءت به الرواية عن رسول الله ﵌. ونؤمن بعذاب القبر، ومنكر ونكير، ومساءلتهما (٣) للمدفونين [ظ/ق ٦٩ ب] في قبورهم. ونصدِّق بحديث المعراج. ونصحح كثيرًا من الرؤيا في المنام، و [نقر] (٤) أن لذلك تفسيرًا. ونرى الصدقة عن موتى المسلمين المؤمنين، والدعاء لهم، ونؤمن بأن الله ينفعهم بذلك. ونصدق بأن في الدنيا سَحَرة (٥)، وأن السحر كائن (٦) موجود في الدنيا.

стр. 509

وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة مؤمنهم (١) وفاجرهم وموارثتهم (٢). ونقرُّ أن الجنة والنار مخلوقتان. وأن من مات أو قتل (٣) فبأجله مات أو قتل. وأن الأرزاق من قِبَلِ الله يرزقها عباده حلالًا [ب/ق ٧٧ أ] وحرامًا. وأن الشيطان يوسوس للإنسان ويشكِّكه ويتخبطه (٤)؛ خلافًا لقول المعتزلة (٥) والجهمية، كما قال الله : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة/٢٧٥]، وكما قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس/٤ ـ ٦]. ونقول: إن الصالحين يجوز أن يخصّهم الله بآيات يظهرها عليهم. وقولنا في أطفال المشركين: إن الله يؤجِّج لهم نارًا في الآخرة، ثم

стр. 510

يقول لهم: اقتحموها كما جاءت الرواية بذلك. وندين بأن الله تعالى يعلم ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون، وما كان وما يكون، وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون. وبطاعة الأئمة ونصيحة المسلمين. ونرى مفارقة كل داعية إلى بدعة، ومجانبة أهل الأهواء، وسنحتج لما ذكرناه من قولنا، وما بقي منه مما لم نذكره بابًا بابًا، وشيئًا شيئًا (١)» (٢). قلت (٣): ثم ذكر الأبواب إلى أن قال: باب الاستواء (٤)، إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: إن الله مستوٍ على عرشه، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥]، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٥) [فاطر/١٠]، وقال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء/٥٨]، وقال تعالى حكاية عن فرعون ... ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ

стр. 511

مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر/٣٦، ٣٧]، كذَّب موسى في قوله: إن الله فوق السماوات. وقال الله : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك/١٦]، فالسماوات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق [السماوات قال: ﴿ءَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٧]، لأنه مستوٍ على العرش الذي فوق] (١) السماوات، وكان كل ما علا فهو سماء؛ [فالعرش أعلى السماوات] (٢)، وليس إذا قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ يعني: جميع السماوات ... وإنما أراد: العرش، الذي هو أعلى السماوات؛ ألا ترى أنه ذكر السماوات فقال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح/١٦]، ولم يرد أنه يملؤهن جميعًا، ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله تعالى مستوٍ على العرش الذي هو (٣) فوق السماوات، فلولا أن الله تعالى على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش. ثم قال: ومن دعاء أهل الإسلام إذا هم رغبوا إلى الله تعالى يقولون: يا ساكن العرش [ب/ق ٧٧ ب]. ومن حلْفِهم: لا والذي احتجب بسبع.

стр. 512

[ظ/ق ٧٠ أ] وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى استوى: استولى وملك وقهر، وإن الله في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة. فلو كان كما قالوا؛ كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة؛ لأن الله قادر على كل شيء، والأرض شيء (١)، فالله قادر عليها وعلى الحشوش، فلو كان مستويًا على العرش بمعنى الاستيلاء؛ لجاز أن يقال: إنه (٢) مستوٍ على الأشياء كلها، ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقال: إنه مستوٍ على الحشوش والأخلية، فبطل أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء» (٣). ثم بسط الأدلة على هذه المسألة من الكتاب والسنة والعقل، ولولا خشية الإطالة لسقناها بألفاظها. وقال الأشعري في كتاب «الأمالي» باب القول في الأماكن: زعمت النجَّارية (٤) أن الله بكل مكان، على معنى الصنع والتدبير.

стр. 513

واختلف أصحاب الصفات في ذلك: فقال أبو محمد عبد الله بن كُلَّاب: إن الله لم يزل لا في مكان، وهو اليوم لا في مكان. وقال آخرون منهم: إنه مستوٍ على عرشه بمعنى: أنه عالٍ عليه، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام/١٨]، وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥]، فامتدح نفسه بأنه على العرش استوى بمعنى: أنه علا عليه، وعلمنا أنه لم يزل عاليًا رفيعًا، قبل خلق الأشياء، وقبل خلق العرش، الذي هو عالٍ عليه سبحانه وبحمده. ذكر كلامه في كتابه الكبير في «إثبات الصفات»، وقد ذكر ترجمة هذا الكتاب في كتابه الذي سماه «العُمَد (١) في الرؤية» فقال: وألفنا كتابًا كبيرًا في الصفات، تكلمنا على أصناف المعتزلة والجهمية المخالفين لنا في نفيهم علم الله تعالى وقدرته وسائر صفاته، وعلى أبي الهذيل (٢) ومعمّر (٣)، والنظّام (٤)، وفي فنون كثيرة من فنون الصفات في إثبات الوجه

стр. 514

واليدين، وفي إثبات استواء [ب/ق ٧٨ أ] الرب سبحانه على العرش، ثم ساق مضمونه» (١). ذكر كلامه في كتاب «جمل المقالات»: قال: الحمد لله ذي العزة والإفضال، والجود والنوال، أحمده على ما خص وعم من نعمه، وأستعينه على أداء فرائضه، وأسأله الصلاة على خاتم رسله، أما بعد: فإنه لا بد لمن أراد معرفة الديانات والتمييز بينها من معرفة المذاهب والمقالات، ورأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات، ويصنِّفون (٢) في النحل والديانات، من بين مقصِّر فيما يحكيه، وغالط فيما يذكره من قول مخالفيه، ومن بين متعمد للكذب في الحكاية إذا أراد التشنيع على من يخالفه، ومن بين تارك للتقصي في روايته لما يرويه من اختلاف المختلفين، ومن بين من يضيف إلى قول مخالفيه ما يظن [ظ/ق ٧٠ ب] أن الحجة تلزمهم به. وليس هذا سبيل الربانيين (٣)، ولا سبيل الفُطَنَاء المميزين، فحداني ما رأيت من ذلك (٤) على شرح ما

стр. 515

ألتمس شرحه من أمر المقالات واختصار ذلك، وترك الإطالة والإكثار، وأنا مبتدئ بشرح (١) ذلك بعون الله وقوته. وساق حكاية مذاهب الناس إلى أن قال: هذه حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة: جملة ما عليه أهل الحديث والسنة: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﵌، لا يردون من ذلك شيئًا، وأن (٢) الله إله واحد، أحد فرد صمد، لا إله غيره، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله. وأن الجنة حق والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وأن الله على عرشه، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥]. وأن له يدين بلا كيف، كما قال تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص/٧٥]، وكما قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة/٦٤]. وأن له عينين بلا كيف، كما قال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر/ ١٤].

стр. 516

وأن له وجهًا كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن/٢٧]. إلى أن قال: وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، والكلام في الوقف واللفظ: من قال [ب/ق ٧٨ ب] باللفظ أو بالوقف فهو مبتدع عندهم، لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال: غير مخلوق. ويقولون: إن الله يُرى بالأبصار يوم القيامة، كما يُرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون، ولا يراه الكافرون؛ لأنهم عن الله محجوبون ... ، وأن موسى سأل الله الرؤية في الدنيا، وأن الله تجلَّى للجبل فجعله دكًّا، فأعلمه بذلك أن الله لا يرى في الدنيا (١)، ثم ساق بقيَّة قولهم (٢). وقال في هذا الكتاب: وقال أهل السنة أصحاب الحديث: ليس بجسم، ولا يشبه الأشياء، وأنه على العرش، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥] ولا نتقدم (٣) بين يدي الله في القول، بل نقول: استوى بلا كيف. وأنه نور كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور/٣٥].

стр. 517

وأن له وجهًا كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن/٢٧]. وأن له يدين كما قال تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص/ ٧٥]. وأن له عينين كما قال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر/ ١٤]. وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر/٢٢]. وأنه ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث، ولم يقولوا شيئًا إلا ما وجدوه في الكتاب أو جاءت به الرواية عن رسول الله ﵌. وقالت المعتزلة: إن الله استوى [ظ/ق ٧١ أ] على عرشه بمعنى (١): استولى. هذا نص كلامه (٢). وقال في هذا الكتاب أيضًا: وقالت المعتزلة في قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥] يعني: استولى، قال: وتأولت اليد بمعنى: النعمة، وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر/ ١٤]، أي: بعلمنا ... ، قال: وأما

стр. 518

الوجه، فإن المعتزلة قالت فيه قولين. قال بعضهم وهو أبو الهذيل: وجه الله هو الله، وقال غيره: معنى قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن/٢٧]، أي: ويبقى ربك (١)، من غير أن يكون يثبت (٢) وجهًا، يقال إنه هو الله، ولا يقال ذلك فيه» (٣). والأشعري إنما حكى تأويل الاستواء بالاستيلاء عن (٤) المعتزلة والجهمية، وصرح بخلافه وأنه خلاف قول أهل السنة، وكذلك قال محيي السنة الحسين بن مسعود البغوي في «تفسيره» (٥) تابعًا لأبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى. قول القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني الأشعري: قال في كتاب «التمهيد في أصول الدين» ـ وهو من أشهر كتبه ـ: «فإن قال قائل: فهل تقولون: إن الله في كل مكان؟ قيل: معاذ الله، بل هو مستوٍ على عرشه [ب/ق ٧٩ أ] كما أخبر في كتابه، فقال : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥]، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ

стр. 519

يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر/١٠]، وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك/١٦]، ولو كان في كل مكان لكان في جوف الإنسان وفي فمه (١)، وفي الحشوش وفي المواضع التي يرغب عن ذكرها، تعالى الله (٢) عن ذلك، ولو كان في كل مكان لوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن خلقه، وينقص بنقصانها (٣) إذا بطل منها (٤) ما كان، ولصح (٥) أن يُرغب إليه نحو الأرض، وإلى وراء ظهورنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا؛ وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه و تخطئة قائله (٦)» (٧). ثم قال في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف/٨٤] المراد: أنه إله عند أهل السماء، وإله عند أهل الأرض، كما تقول العرب: فلان نبيل مطاع في المِصْرَين. أي: عند أهلهما (٨)، وليس

стр. 520

يعنون ذات المذكور بالحجاز والعراق موجودة (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل/١٢٨]، يعني بالحفظ والنصر والتأييد، ولم يرد أن ذاته معهم تعالى، وقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه/٤٦]، محمول على هذا التأويل، وقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة/٧]، يعني أنه عالم بهم، وبما خفي من سرهم ونجواهم، وهذا إنما يستعمل كما ورد به القرآن، فلذلك لا يجوز أن يقال قياسًا على هذا: إن الله بالبردين مدينة السلام ودمشق، وإنه مع الثور والحمار، وإنه مع الفساق والمجَّان، ومع المصعدين [ظ/ق ٧١ ب] إلى حلوان؛ قياسًا على قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل/١٢٨] فوجب أن يكون (٢) التأويل على ما وصفناه، ولا يجوز أن يكون معنى استوائه على العرش هو: استيلاؤه، كما قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق لأن الاستيلاء هو: القدرة والقهر، والله تعالى لم يزل قادرًا قاهرًا عزيزًا مقتدرًا، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾، يقتضي استفتاح هذا الوصف بعد

стр. 521

أن لم يكن؛ فبطل ما قالوه. ثم قال: باب: فإن قال قائل: ففصِّلوا لي صفات ذاته من صفات أفعاله لأعرف ذلك؟ قيل له: صفات ذاته هي التي لم يزل ولا يزال موصوفًا [ب/ق ٧٩ ب] بها، وهي: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والبقاء والوجه واليدان والعينان والغضب والرضى. وصفات فعله هي: الخلق والرزق والعدل والإحسان والتفضل والإنعام والثواب والعقاب والحشر والنشر، وكل صفةٍ كان موجودًا قبل فعله لها. ثم ساق الكلام في الصفات (١). وقال (٢) في جواباته للمسائل التي سأله عنها أهل بغداد في رسالته التي بيَّن فيها اتفاق الحنابلة والأشاعرة: قد عرفت انزعاجكم واستيحاشكم واهتمامكم بما أفشاه قوم من عامة المنتحلين للسنة، وأتباع السلف الصالح من الأئمة، المظهرين للتخصيص بمذهب أبي عبد الله أحمد بن حنبل، من ادعائهم مخالفة شيخنا أبي الحسن علي الأشعري لأهل السنة وأصحاب الحديث في القرآن، وما يضيفونه إليه من أنه كان يقف في إكفار من يقول من المعتزلة والخوارج والنجارية

стр. 522

والجهمية والمرجئة بخلق القرآن، ولا يقطع بأنهم كفار. إلى أن قال: واعلموا أن مذهبنا ومذهب أبي الحسن الذي سطَّره في سائر كتبه الكبار والمختصرات هو مذهب الجماعة وسلف الأمة وما مضى عليه الصالحون من الأئمة: من أن كلام الله صفة من صفات ذاته، غير محدث ولا مخلوق، وأنه لم يزل متكلِّمًا، وذكر الحجة في ذلك. إلى أن قال: وكذلك قولنا في جميع المروي عن رسول الله ﷺ في صفات الله تعالى إذا ثبتت بذلك الرواية من إثبات الوجه له، واليدين، والعينين اللتين نطق بهما الكتاب (١). قال الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن/٢٧]. وقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص/ ٨٨]، وقال لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص/٧٥]، وقال [ظ/ق ٧٢ أ]: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة/ ٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه/٣٩]، وقال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر/ ١٤]، فأثبت لنفسه في نص كتابه: الوجه والعينين واليدين. وروي في الحديث من رواية ابن عمر أن النبي ﷺ ذكر الدجال، وأنه أعور، وقال: «إن ربكم ليس بأعور» (٢) فأثبت [ب/ق ٨٠ أ] له العينين.

стр. 523

وهذا حديث غير مختلف في صحته عند العلماء بالحديث، وهو في «صحيح البخاري». وقال: فيما رويَ عنه من الأخبار المشهورة: «وكلتا يديه يمين» (١)، يعني ﷺ أنه سبحانه (٢) لا يتعذَّر عليه بإحداهما ما يأتي بالأخرى، كالذي يتعذر على الأيسر ما يأتي بيمينه. ونقول: إنه يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام والملائكة، كما نطق بذلك القرآن (٣)، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا فيقول: «هل من سائل فيعطى أو مستغفر فيغفر له» (٤) الحديث. وأنه جل ثناؤه مستوٍ على عرشه، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥] وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان/٥٩]. وقد بينَّا أن ديننا ودين الأئمة وأهل السنة: أن هذه الصفات تُمَرُّ كما جاءت من غير تكييف ولا تحديد ولا تجسيم ولا تصوير، بل كما جاء بها الحديث، وكما رُوي عن ابن شهاب الزهري وغيره من أئمة

стр. 524

الحديث في وجوب إمرارها على ما جاء به الحديث من غير تكييف. وروى الثقات عن مالك: «أن سائلًا سأله عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥]؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» (١). فمن تجاوز هذا المروي من الأخبار عن التابعين ومن بعدهم من السلف الصالح وأئمة الحديث والفقه، وكيَّف شيئًا من هذه الصفات المروية، ومثَّلها بشيء من جوارحنا وآلتِنَا= فقد تعدَّى وأثِم، وضل وابتدع في الدين ما ليس منه. وقد روي عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي وهو من أئمة الحديث، أن الأمير عبد الله بن طاهر سأله فقال: يا أبا يعقوب ما هذا الحديث الذي تروونه ينزل ربنا إلى سماء الدنيا (٢)، كيف ينزل؟ فقال إسحاق: أيها الأمير، لا يقال لأمر الرب كيف؟ (٣)». ذكر قوله في كتاب «الإبانة» له: ذكر صفة الوجه واليدين والعينين،

стр. 525

وأثبتها كما ذكر في «التمهيد». ثم قال: فإن قال قائل: فهل تقولون إنه في كل مكان؟ قيل له: معاذ الله، بل هو (١) مستو على عرشه، كما أخبر في كتابه، ثم ذكر الأدلة على ذلك نقلًا وعقلًا قريبًا مما ذكر في «التمهيد». وقال في هذا الكتاب أيضًا: وصفات [ب/ق ٨٠ ب] ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفًا بها، وهي الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والبقاء والوجه واليدان والعينان والغضب والرضى (٢) .. [ظ/ق ٧٢ ب]. ذكر قوله في رسالة الحُرة (٣): قال ـ في كلام ذكره في الصفات ـ: وأن له وجهًا ويدين وأنه ينزل إلى سماء الدنيا، ثم قال: وأنه مستوٍ على عرشه فاستولى على خلقه، ففرق بين الاستواء الخاص وبين الاستيلاء العام. قول الحسين بن أحمد الأشعري المتكلم، من متكلمي أهل الحديث، صاحب «الجامع الكبير والصغير في أصول الدين»: قال في «جامعه الصغير»: فإن قيل: ما الدليل على أن الله تعالى على العرش بذاته؟ قلنا: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان/٥٩]، فإن قالوا: فإن

стр. 526

العرب تقول: استوى فلان على بلد كذا إذا استولى عليه وقهر؟ قلنا: لأصحابنا عن هذا أجوبة: أحدها: أنه لو كان استوى بمعنى: استولى؛ لم يكن لتخصيصه العرش بالاستواء معنى؛ لأنه مستولٍ على كل شيء غيره، فكان يجوز أن يقال: الرحمن على الجبل استوى، وهذا باطل. الثاني: أن العرب لا تدخل «ثُمَّ» إلا (١) لأمرٍ مستقبل سيكون، والله تعالى لم يزل قادرًا قاهرًا مستوليًا على الأشياء، فلم يكن بزعمهم لقوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ معنًى. الثالث: أن الاستواء بمعنى الاستيلاء لا يكون عند العرب إلا بعد أن يكون ثَمَّ مُغالبٌ يغالبه، فإذا غلبه وقهره قيل: قد استولى عليه، فلمَّا لم يكن مع الله مغالب لم يكن معنى استوائه على عرشه: استيلاءه عليه (٢)، وصح أن استواءه عليه (٣) هو: علوه وارتفاعه عليه بلا حدٍّ ولا كيف ولا تشبيه. ثم ذكر عن الخليل بن أحمد، وابن الأعرابي أن الاستواء في اللغة هو: العلو والرفعة؛ لأنهم يقولون: استوت الشمس: إذا تعالت، واستوى

стр. 527

الرجل على ظهر دابته: إذا علا عليها. وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود/٤٤] أي: ارتفعت عليه. وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص/١٤] أي: ارتفع عن حال النقصان إلى حال الكمال. استوى أمر فلان، أي: ارتفع وعلا عن الحال التي كان عليها من الضعف (١) وسوء [ب/ق ٨١ أ] الحال. وساق الكلام. ذكر قول فخر الدين الرازي في آخر كتبه: وهو كتاب (٢) «أقسام اللَّذَّات» الذي صنَّفه في آخر عمره، وهو كتاب مفيد، ذكر فيه: أقسام اللذات وبين أنها ثلاثة: الحِسِّية: كالأكل والشرب والنكاح واللباس. واللذة الخيالية الوهمية: كلذة الرياسة، والأمر والنهي، والترفع (٣) ونحوها. واللذة العقلية: كلذة العلوم والمعارف. وتكلَّم عن كل واحد من هذه الأقسام، إلى أن قال: وأما اللذة العقلية: فلا سبيل إلى الوصول [ظ/ق ٧٣ أ] إليها، والتعلق

стр. 528

بها، فلهذا السبب (١) نقول: يا ليتنا بقينا على العدم الأول، وليتنا (٢) ما شاهدنا هذا العالم، وليت النفس (٣) لم تتعلق بهذا البدن، وفي هذا المعنى قلت: نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا وكم قد رأينا من رجالٍ ودولةٍ ... فبادوا جميعًا مسرعين وزالوا وكم من جبالٍ قد علت شرفاتها ... رجال فزالوا والجبال جبال واعلم أنه بعد التوغل (٤) في هذه المضايق، والتعمق في الاستكشاف عن أسرار هذه الحقائق، رأيت الأصوب الأصلح في هذا

стр. 529

الباب: طريقة القرآن العظيم، والفرقان الكريم، وهو ترك التعمق، والاستدلال بأقسام أجسام السماوات والأرضين على وجود رب العالمين، ثم المبالغة في التعظيم من غير خوض في التفاصيل، فاقرأ في التنزيه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد/٣٨]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى/١١]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص/١]. واقرأ في الإثبات قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥]، وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (١) [النحل/٥٠]، وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر/١٠]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء/٧٨]. وفي تنزيهه عما لا ينبغي قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا [ب/ق ٨١ ب] أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء/٧٩] الآية، وعلى هذا القانون فقس. وختم الكتاب بالدعاء (٢).

стр. 530

قول متكلم السنة إمام الصوفية في وقته أبي العباس أحمد بن محمد (١) المظفر بن المختار الرازي صاحب كتاب (٢) «قرع (٣) الصَّفاة في تقريع نفاة الصفات» وهو على صغر حجمه كتاب جليل غزير العلم: قال فيه بعد حكاية مذاهب الناس: «وقالت الحنابلة وأصحاب الظواهر والسلف من أهل الحديث: إن الله على العرش. ثم قال: أما حجة المثبتين فمن حيث الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والمعقول، ثم ذكر بعض حجج القرآن والسنة، ثم حكى كلام الصحابة. إلى أن قال: ثم إن الصحابة ﵃ اختلفوا في النبي ﵌ هل رأى ربه ليلة المعراج أم لا؟ واختلافهم في الرؤية تلك الليلة اتفاق منهم على أن الله على العرش؛ لأن المخالفين لا يفرقون بين الأرض والسماء بالنسبة إلى ذاته، وهم فرَّقوا [ظ/ق ٧٣ ب]، حيث اختلفوا في أحدهما دون الآخر. قلت: مراده أنهم (٤) إنما اختلفوا في رؤيته لربه ليلة أُسْريَ به إلى عنده، فجاوز السبع الطباق، ولولا أنه على العرش لكان لا فرق في الرؤية نفيًا ولا إثباتًا في تلك الليلة وغيرها.
следующие страницы →