العرب تقول: استوى فلان على بلد كذا إذا استولى عليه وقهر؟ قلنا: لأصحابنا عن هذا أجوبة:
أحدها: أنه لو كان استوى بمعنى: استولى؛ لم يكن لتخصيصه العرش بالاستواء معنى؛ لأنه مستولٍ على كل شيء غيره، فكان يجوز أن يقال: الرحمن على الجبل استوى، وهذا باطل.
الثاني: أن العرب لا تدخل «ثُمَّ» إلا (١) لأمرٍ مستقبل سيكون، والله تعالى لم يزل قادرًا قاهرًا مستوليًا على الأشياء، فلم يكن بزعمهم لقوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ معنًى.
الثالث: أن الاستواء بمعنى الاستيلاء لا يكون عند العرب إلا بعد أن يكون ثَمَّ مُغالبٌ يغالبه، فإذا غلبه وقهره قيل: قد استولى عليه، فلمَّا لم يكن مع الله مغالب لم يكن معنى استوائه على عرشه: استيلاءه عليه (٢)، وصح أن استواءه عليه (٣) هو: علوه وارتفاعه عليه بلا حدٍّ ولا كيف ولا تشبيه.
ثم ذكر عن الخليل بن أحمد، وابن الأعرابي أن الاستواء في اللغة هو: العلو والرفعة؛ لأنهم يقولون: استوت الشمس: إذا تعالت، واستوى
стр. 527
الرجل على ظهر دابته: إذا علا عليها. وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود/٤٤] أي: ارتفعت عليه. وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص/١٤] أي: ارتفع عن حال النقصان إلى حال الكمال. استوى أمر فلان، أي: ارتفع وعلا عن الحال التي كان عليها من الضعف (١) وسوء [ب/ق ٨١ أ] الحال. وساق الكلام.
ذكر قول فخر الدين الرازي في آخر كتبه:
وهو كتاب (٢) «أقسام اللَّذَّات» الذي صنَّفه في آخر عمره، وهو كتاب مفيد، ذكر فيه: أقسام اللذات وبين أنها ثلاثة:
الحِسِّية: كالأكل والشرب والنكاح واللباس.
واللذة الخيالية الوهمية: كلذة الرياسة، والأمر والنهي، والترفع (٣) ونحوها.
واللذة العقلية: كلذة العلوم والمعارف.
وتكلَّم عن كل واحد من هذه الأقسام، إلى أن قال:
وأما اللذة العقلية: فلا سبيل إلى الوصول [ظ/ق ٧٣ أ] إليها، والتعلق
стр. 528
بها، فلهذا السبب (١) نقول: يا ليتنا بقينا على العدم الأول، وليتنا (٢) ما شاهدنا هذا العالم، وليت النفس (٣) لم تتعلق بهذا البدن، وفي هذا المعنى قلت:
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وكم قد رأينا من رجالٍ ودولةٍ ... فبادوا جميعًا مسرعين وزالوا
وكم من جبالٍ قد علت شرفاتها ... رجال فزالوا والجبال جبال
واعلم أنه بعد التوغل (٤) في هذه المضايق، والتعمق في الاستكشاف عن أسرار هذه الحقائق، رأيت الأصوب الأصلح في هذا
стр. 529
الباب: طريقة القرآن العظيم، والفرقان الكريم، وهو ترك التعمق، والاستدلال بأقسام أجسام السماوات والأرضين على وجود رب العالمين، ثم المبالغة في التعظيم من غير خوض في التفاصيل، فاقرأ في التنزيه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد/٣٨]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى/١١]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص/١].
واقرأ في الإثبات قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥]، وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (١) [النحل/٥٠]، وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر/١٠]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء/٧٨].
وفي تنزيهه عما لا ينبغي قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا [ب/ق ٨١ ب] أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء/٧٩] الآية، وعلى هذا القانون فقس. وختم الكتاب بالدعاء (٢).
стр. 530
قول متكلم السنة إمام الصوفية في وقته أبي العباس أحمد بن محمد (١) المظفر بن المختار الرازي صاحب كتاب (٢) «قرع (٣) الصَّفاة في تقريع نفاة الصفات» وهو على صغر حجمه كتاب جليل غزير العلم:
قال فيه بعد حكاية مذاهب الناس: «وقالت الحنابلة وأصحاب الظواهر والسلف من أهل الحديث: إن الله على العرش.
ثم قال: أما حجة المثبتين فمن حيث الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والمعقول، ثم ذكر بعض حجج القرآن والسنة، ثم حكى كلام الصحابة.
إلى أن قال: ثم إن الصحابة ﵃ اختلفوا في النبي ﵌ هل رأى ربه ليلة المعراج أم لا؟ واختلافهم في الرؤية تلك الليلة اتفاق منهم على أن الله على العرش؛ لأن المخالفين لا يفرقون بين الأرض والسماء بالنسبة إلى ذاته، وهم فرَّقوا [ظ/ق ٧٣ ب]، حيث اختلفوا في أحدهما دون الآخر.
قلت: مراده أنهم (٤) إنما اختلفوا في رؤيته لربه ليلة أُسْريَ به إلى عنده، فجاوز السبع الطباق، ولولا أنه على العرش لكان لا فرق في الرؤية نفيًا ولا إثباتًا في تلك الليلة وغيرها.
стр. 531
ثم قال: وأما المعقول فمن وجوه خمسة:
أحدها: إطباق الناس كافَّة، وإجماع الخلق عامَّة من الماضين والغابرين والمؤمنين والكافرين على رفع الأيدي إلى السماء عند السؤال والدعاء، بخلاف السجود فإنه تواضع متعارف، وبخلاف التوجه إلى الكعبة فإنه تعبُّد غير معقول، أما رفع الأيدي بالسؤال نحو المسؤول فأمر معقول متعارف، قال: ومن نظر في قصص الأنبياء، وأخبار الأوائل القدماء، وأنباء الأمم الماضية والقرون الخالية اتضحت له هذه المعاني، واستحكمت له هذه المباني».
ثم قرر العلو، وساق شبه النفاة ونقضها نقض من لم يقلع عروشها كل القلع (١) رحمة الله تعالى عليه».
قول شعراء الإسلام من الصحابة رضي الله تعالى عنهم:
قول حسان بن ثابت شاعر رسول الله ﵌ (٢):
قال محمد بن عثمان الحافظ (٣): صح عن حبيب بن أبي ثابت عن
стр. 532
حسان أنه [ب/ق ٨٢ أ] أنشد النبي ﵌ شعرًا (١):
شهدت بإذن الله أن محمدًا ... رسول الذي فوق السماوات من علُ
وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما ... له عمل من ربه (٢) متقبَّلُ
وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم ... يقول بذات الله فيهم ويعدلُ
فقال النبي ﵌: «وأنا».
وقال حسان أيضا في قصيدته (٣) الدَّالية في مدحه:
ألم تر أن الله أرسل عبده ... ببرهانه والله أعلى وأمجدُ
وضمَّ الإله اسم النبي إلى اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذن: أشهدُ
وشقَّ له من اسمه لِيُجلّه ... فذو العرش محمود وهذا محمدُ
أغرُّ عليه للنبوة خاتم ... من الله ميمون يلوح ويشهدُ (٤)
стр. 533
قول عبد الله بن رواحة الأنصاري (١):
قال أبو عمر بن عبد البر (٢): صح عن عبد الله بن رواحة أن امرأته رأته مع جارية، فذهبت لتأخذ سكينًا، فقال: ما فعلت، فقالت: بلى قد رأيتك قال: فإن رسول الله ﵌ قد (٣) نهى الجُنب عن قراءة القرآن، [ظ/ق ٧٤ أ] قالت: فاقرأ. فقال شعرًا (٤):
شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طافٍ ... وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة شداد ... ملائكة الإله مسومينا
فقالت: صدق الله وكذب بصري. فجاء إلى النبي ﵌ فأخبره فضحك حتى بدت نواجذه.
قال محمد بن عثمان الحافظ (٥): رويت هذه القصة من وجوهٍ صِحَاحٍ (٦) عن ابن رواحة.
стр. 534
قول العباس بن مرداس السُّلَمي:
قال عوانة بن الحكم: لما استخلف عمر بن عبد العزيز وفد إليه الشعراء، فأقاموا ببابه أيامًا لا يؤذن لهم، فبينما هم كذلك مرَّ بهم عدي ابن أرطاة فدخل على عمر فقال: الشعراء ببابك يا أمير المؤمنين، فقال: ويحك مالي وللشعراء؟ [ب/ق ٨٢ ب] قال: فإن النبي ﵌ قد امْتُدِحَ فأعطى، فامتدحه العباس مرداس السلمي فأعطاه حُلَّة. قال: أوَتروي من شعره شيئًا؟ قال: نعم، فأنشده عدي بن أرطاة قوله في النبي ﵌:
رأيتك يا خير البرية كلها ... نشرت كتابًا جاء بالحق معلما
شرعت لنا دين الهدى بعد جورنا ... عن الحق لما أصبح الحق مظلما
وفيها:
تعالى علوًّا فوق سبع إلهنا ... وكان مكان الله أعلى وأعظما (١)
стр. 535
قول لبيد (١) بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة (٢) العامري الشاعر:
أحد شعراء الجاهلية (٣) والإسلام، أسلم وصحب النبي ﵌ ومن شعره:
لله نافلة الأجلِّ الأفضل ... وله العلى وأثيث (٤) كل مُؤثَّلُ
لا يستطيع الناس محو كتابه ... أنَّى وليس قضاؤه بمبدّلُ
سَوّى فأغلق دون عِزَّة (٥) عرشه ... سبعًا طباقًا دون (٦) فرع المعقل
والأرض تحتهم مهادًا راسيًا ... ثبتت جوانبها بصم الجندل (٧)
стр. 536
ذكر ما أنشد للنبي ﵌ من شعر أمية بن أبي الصلت الذي شهد لشعره بالإيمان ولقلبه بالكفر (١):
فمن شعره:
مجِّدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرًا [ظ/ق ٧٤ ب]
بالبناء الأعلى الذي سبق الخلْـ ... ـق وسوّى فوق السماء سريرا
стр. 537
شَرْجعًا لا يناله بصر العَيْـ ... ـن ترى دونه الملائك صورا (١)
شرجعًا (٢): أي طويلًا، وصُورًا: جمع أصور، وهو المائل العنق.
ومن شعره (٣) قوله في داليَّتِه المشهورة، ذكره ابن عبد البر وغيره، قوله (٤):
لك الحمد والنعماء والملك ربنا ... فلا شيء أعلى منك جدًّا وأمجدُ
مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزَّته تعنو الوجوه وتسجدُ
عليه حجاب النورِ والنورُ حولَه ... وأنهار نور حوله تتوقَّدُ [ب/ق ٨٣ أ]
فلا بشر يسمو إليه بطرفه ... ودون حجاب النور خلْق مؤيَّدُ (٥)
стр. 538
وفيها في وصف الملائكة (١):
وساجدهم لا يرفع الدهر رأسه ... يعظِّم ربًّا فوقه ويمجِّد (٢)
ذكر القصيدة التي أنشدها إسماعيل بن فلان الترمذي (٣) للإمام أحمد في محبسه:
قال إبراهيم بن إسحاق البعلي (٤): أخذت هذه القصيدة من أبي بكر المرُّوذي، وذكر أن إسماعيل بن فلان الترمذي قالها وأنشدها أحمدَ بن حنبل رحمه الله تعالى وهو في سجن المحنة:
تبارك من لا يعلم الغيبَ غيرُه ... ومن لم يزل يثنى عليه ويذكرُ
стр. 539
علا في السماوات العُلى فوق عرشه ... إلى خلقه في البر والبحر ينظرُ
سميع بصير لا نشكُّ مدبر ... ومن دونه عبد ذليل مدبَّرُ
يدا ربنا مبسوطتان كلاهما ... تسحَّان والأيدي من الخلق تَقْتِرُ (١)
وساق القصيدة، وهي من أحسن القصائد، لم ينكرها أحد من أهل الحديث، بل أثنوا على ناظمها ومدحوه.
قول حسان السنة في وقته، المتفق على قبوله، الذي سار شعره مسيرة الشمس في الآفاق، واتفق على قبوله الخاص والعام أي اتفاق، ولم يزل ينشد في الجوامع العظام، ولا ينكره أحد من أهل الإسلام يحيى بن يوسف بن يحيى بن منصور الصرصري (٢) الأنصاري الإمام في اللغة والفقه والسنة والزهد والتصوف:
قال في قصيدته العينية التي أولها:
تواضع لرب العرش علَّك ترفع ... فقد فاز عبدٌ للمهيمن يخْضعُ
стр. 540
وداوِ بذكر الله قلبَك إنه ... لأعلى دواء للقلوب وأنفعُ
وخُذ من تُقَى الرحمن أمنًا وعدَّةً ... ليومٍ به غير التَّقِيّ مروَّعُ
إلى أن قال [ظ/ق ٧٥ أ]:
سميع بصير ما له في صفاته ... شبيه يَرَى من فوق سبعٍ ويسمعُ
قضى خلقه ثم استوى فوق عرشه ... ومن علمه لم يخْل في الأرض موضعُ [ب/ق ٨٣ ب]
وقال في «لاميَّته» التي أولها:
ألذ وأحلى من شمول وشَمْأل ... ثناء على الرحمن في كل محفلِ (١)
ويوم ينادي العالمين فيسمع ... القَصِيّ كدانٍ في المقال (٢) المطوَّل
стр. 541
أنا الملكُ الديان والنقلُ ثابتٌ ... فهل هاهنا ينساغ تأويل جُهَّل
وينظره أهل البصائر في غدٍ ... بأبصارهم لا ريب فيه لمجتلٍ
كما ينظرون الشمس ما حال دونها ... سحاب ألا بُعْدًا لأهل التعزُّل
توحَّد فوق العرش والخلق دونه ... وأحْكَمَ ما سوَّاه إحكام مُكملِ (١)
وقال في قصيدته «تحفة المريدين» (٢) التي أولها:
أسِير وقلبي في رُباك أسيرُ ... فهل لي من جَوْر الفراق مجيرُ (٣)
يقول فيها (٤):
وأستجلب السلوى وفي القلب حسرة ... فيرتد عنك الطرف (٥) وهو حسيرُ
стр. 542
وما ذاك إلا أنَّ فيك لناظري ... بدا غصن غض النبات نضيرُ
إذا ما تجلَّى سافرًا فجماله ... إلى القلب من جيش الغرام سفيرُ
وفيها (١):
إذا ما اجتمعنا والتَقى الشمل فالتُّقى ... رقيب علينا والعفاف غيورُ
يؤكِّدُ عقد الوُدِّ بيني وبينه ... اعتقاد عليه للهداية نورُ
كلانا محبٌّ للإمام ابن حنبل ... لأسيافنا في شانئيه هَبِيرُ
إلى أن قال (٢):
نُقِرُّ بأن الله جلَّ ثناؤه (٣) ... سميع لأقوال العباد بصير
стр. 543
وفيها (١):
ويطوي السماوات العُلى بيمينه ... وذلك في وصف القوي يسيرُ
وخاطب موسى بالكلام (٢) مكلِّمًا ... فخرَّ صريعًا إذ تقطَّعَ طورُ
وخطَّ له التوراة فيها مواعظ ... فلاحت على الألواح منه سُطُورُ (٣)
وأن قلوب الخلق بين أصابع ... الإله فمنها ثابت ونفورُ
ونُثْبت في الأخرى لرؤية ربنا ... حديثًا رواه في الصحيح جَريرُ
وأيُّ (٤) نعيم في الجنان لأهلها ... وأنى لهم لو لم يروه سرورُ
стр. 544
إلى أن قال (١) [ب/ق ٨٤ أ]:
ونؤمن أن العرش من فوق سبعةٍ ... تطوف به أملاكه وتدورُ
قضى خلقه ثم استوى فوق عرشه ... تقدَّس كرسي له وسريرُ (٢) [ظ/ق ٧٥ ب]
هو الله ربي في السماء مُحجَّبٌ ... وليس كمخلوقٍ (٣) حوته قطورُ
إليه تعالى طيب القول صاعدٌ ... وينزل منه بالقضاء أُمورُ
لقد صحَّ إسلامُ الجويرية التي ... بإصبعها نحو السماء تشيرُ (٤)
وقال ﵀ في قصيدته «المنامية» التي يقول فيها:
رأيت رسول الله في النوم مرَّةً ... فقبَّلت (٥) فاه العذب تقبيل مشتاق
стр. 545
ولو أنني أُوتيت رشدي نائمًا ... لقبَّلت ممشاه الكريم بآماقي
فبشَّرني منه بأزكى شهادة ... بها جَبْرُ كسري يوم فَقْري وإملاقي
بموتٍ سعيدٍ في كتابٍ وسنةٍ ... فلانت لبشراه شَرَاسة أخلاقي
وها أنا ذا والحمد لله وحده ... مقرٌ لبشراه بأثبت مِصْداق
بأنِّي على حسن اعتقاد ابن حنبل ... مقيمٌ وإن قام العِدى لي على ساق
أقرُّ بأن الله من فوق عرشه ... يقدِّر آجالًا ويقضي بأرزاق
سميع بصير ليس شيء كمثله ... قديم الصفات الواحد الأحد الباقي
أُمِرُّ أحاديث الصفات كما أتت ... أتابع فيها كل أزهر سبَّاق
ولست إلى التشبيه يومًا بجانحٍ ... ولا قائلٍ تأويل أشدق نهَّاقِ (١)
стр. 546
وقال ﵀ في قصيدته «اللَاّميَّة» (١) التي نظم (٢)
فيها اعتقاد الشافعي ﵁:
أيشعر حزب الجهم ذاك المضلِّل ... بأني حرب للعدى غير أنكل
تشنُّ عليهم غَيْرتي وحمِيَّتي ... لدين الهدى غارات أشوس مقبل
لَوَقْعُ قَرِيْضِي في صميم قلوبهم ... أشدُّ عليهم من سنان ومنصل
أفوق منه حين أنظر نحوهم ... مقاتل تصمي منهم كل مقتَل
هُمُ انحرفوا عن منهج الحق سالكي ... مهالك من تحريفهم والتأوُّل
لقد برئ الحبر ابن إدريس منهم ... براءة موسى من يهود مُخوَّل
стр. 547
وفيها (١):
وتعقد عند الشافعي يمين من ... غدا حالفًا بالمصحف المتقبل
وهذا دليلٌ منه إذ كان لا يرى ... انعقادًا لمحلوفٍ (٢) بِحلْفِه (٣) مُؤْتَلِ (٤)
ومذهبه في الاستواء كمالك ... وكالسلف الأبرار أهل التفضل
وقل مستوٍ بالذات من فوق عرشه ... ولا تقلِ استولى فمن قال يبطل [ب/ق ٨٤ ب]
فذاك لذي ضِدٍّ يقال قسوة ... لذي خطل راوٍ (٥) بعيث (٦) وأخطلِ [ظ/ق ٧٦ أ]
стр. 548
وقد بان منه خلقه وهو بائن ... من الخلق يحصي للخفيِّ وللجلي
وأقرب من حبل الوريد مفسَّر ... وما كان في معناه بالعلم فاعقل
علا في السماء اللهُ فوق عباده ... دليلك في القرآن غير مقلل
وإثبات إيمان الجويرية اتَّخِذ ... دليلًا عليه مسندٌ غير مرسل
وقال ﵀ في قصيدته «اللامية» يهجو ابن خَنْفَر الجهمي الخبيث، أولها (١):
أطعِ الهدى لا ما يقول العذل ... فالحب ذو أمرٍ يجور ويعدلُ
واتبع لسلمى ما استطعت مسالمًا ... فالحسن ينصرها وصبرك يخذلُ
بيضاء دون مرامها لمحبها ... بِيْض الصوارم والرماح الذبلُ
стр. 549
تخفى فيعرفها الوشاة بعرفها ... وتضيء والظلماء ستر مسبلُ
تضحي الدماء بجورها هدرًا وهل ... يخشى قصاص القتل طرف أكحلُ
كيف البقاء لعاشق أودى (١) به ... سهم اللِّحاظ وقد أُصيب المقتلُ
وفيها (٢):
نبذ الكتاب وراء ظهره، وابتدى ... شيخ الضلالة للصفات يعطِّلُ
الحقُّ أثبتها تعالى جدُّه ... والتيس ينكرها فمن ذا يقبلُ (٣)
وعقيدة الملعون أن المصحف ... المكنون منبوذ تطأَه الأرجل
ما قالت الكفار مثل مقالِه ... وكذا اليهود أو النصارى الضُّلَّلُ
стр. 550
آل الجحود به إلى واد لظى ... للغاية السفلى فبئس الموئلُ
ويقول فيها (١):
وزعمت أن الحنبلي مجسِّمٌ ... حاشا لمثل الحنبلي يمثِّلُ
بل يورد الأخبار إذ كانت تصحِّـ ... حُها الرواة عن الثقات وتنقلُ
إن المهيمن ليس تمضي ليلة ... إلا وفي الأسحار فيها ينزلُ
قد قالها خير الورى في سادة ... لم ينكروا هذا ولم يتأولوا
وتقبَّلوها مع غزارة علمهم ... أفأنت أم تلك العصابة أعقلُ (٢)
стр. 551
[ب/ق ٨٥ أ] وقال ﵀ في «داليته» التي أولها (١):
واهًا لفرط حرارة لا تبرد ... ولواعج بين الحشا تتردَّدُ (٢)
وفيها (٣):
في كل يوم سُنَّة مدروسة ... بين الأنام وبدعة تتجدَّدُ
صدق النبي ولم يزل متسربلا (٤) ... بالصدق إذ يَعِدُ الجميل ويوعدُ
إذ قال يفترق الضلَّال ثلاثة ... زيدًا (٥) على السبعين قولًا يُسْنَدُ [ظ/ق ٧٦ ب]
وقضى بأسباب النجاة لفرقةٍ ... تسعى بسُنَّتهِ إليه وتحفِدُ
стр. 552
فإن ابتغيت إلى النجاة وسيلةً ... فاقْبَل مقالةَ ناصحٍ يتقلَّدُ
إيَّاك والبدع المضلَّة إنها ... تهدي إلى نار الجحيم وتوردُ
وعليك بالسُّنن المنيرة (١) فاقفُها ... فهي المحجَّة والطريق الأقصدُ
فالأكثرون (٢) بمبدعات عقولهم ... نبذوا الهدى فتنصَّروا وتهوَّدوا
منهم أُناس في الضلال تجمَّعوا ... وبسَبِّ أصحاب النبي تفرَّدوا
قد فارقوا جمع (٣) الهدى وجماعة ... الإسلام واجتنَبوا التُّقى (٤) وتمرَّدوا
بالله يا أنصار دين محمدٍ ... نوْحُوا على الدين الحنيف وعدِّدُوا
стр. 553
لعِبتْ بدينكم الروافض جهرةً ... وتألَّبوا (١) في دحضه وتحشَّدوا
نصبوا حبائلهم بكل مكيدةٍ ... وتغلغلوا في المعْضِلات وشدَّدوا
ورموا خيار الخلق بالكذب الذي ... هم أهله لا مَن رموه وأسندوا (٢)
نقضوا مراتب هُنَّ أشرف منصبًا ... في الفخر من أُفق السماء وأمجدُ
ألِرُتْبة الصديق جفَّ لسانهم ... يبغون وهي من التناول أبعدُ؟
أو ما هو السباق في غرر العُلى ... ولقد زكا من قبل منه المحتدُ
ولقد أشاد بذكره رب العُلى ... فثناؤه في المكرمات مشيَّدُ
نطق الكتاب بمجده الأعلى ففي ... آي الحديد مناقب لا تنقدُ
стр. 554
«لا يستوي منكم» (١) وفيها مقنع ... «والليل» (٢) يثبت فضله ويؤكِّدُ
«وبراءة» (٣) تثني بصحبته وهل ... يوهي رفيع علاه إلا ملحدُ
أو ما هو «الأتقى» (٤) الذي استولى على ... الإخلاص طارف ماله والمتلَّدُ
أوَما هو السَّامي بأبعد غاية ... في جمع شمل الدين وهو مبدَّدُ (٥)
لما مضى لسبيله خير الورى ... وحوى شمائله صفيح ملحدُ
منع الأعاريب الزكاة لفقده ... وارتدَّ منهم حائر متردِّدُ
стр. 555
وتوقَّدت نار الضلال وخالطت ... إبليس أطماع كوامن رصَّدُ
فسما (١) أبو بكر بصدق عزيمة ... وثبات إيمان ورأيٌّ يُحمدُ [ب/ق ٨٥ ب]
فتمزَّقت عُصُب الضلال وأشرقت ... شمس الهدى وتقوم المتأوَّدُ
أم رتبة الفاروق في إظهاره ... للدين تلك فضيلة لا تُجحدُ
وهو الموفَّق للصواب كأنما ... ملك يصوِّب قوله ويسدِّدُ
بوفاقه آي الكتاب تنزَّلت ... وبفضله نطق المشفَّعُ أحمدُ
لو كان من بعدي نبيٌّ (٢) كنته ... خبر صحيح (٣) في الرواية مسندُ
стр. 556
وبِعَدله الأمثال تضرب في الورى ... وفتوحه في كل قطرٍ توجدُ
وتمام فضلهما جوار المصطفى ... في تربة فيها الملائك تحشدُ
وتعمَّقوا في سبِّ عثمان الذي ... ألفاهُ كفوًا لابنتيه محمَّدُ
ولبيعة الرضوان مدَّ شماله ... عوض اليمين وهي منها (١) أوكدُ
وحَبَاهُ في بدرٍ بسهم مجاهد ... إذ فاته بالعذر ذاك المشهدُ
مَن هذه مِنْ بعض غُرِّ صفاته ... ما ضرَّهُ ما قال فيه الحُسَّدُ
ثم ادَّعوا حُبَّ الإمام المرتضى ... هيهات مطلبه (٢) عليهم يبعدُ
أنى وقد جحدوا الذين بفضلهم ... أثنى أبو الحسن الإمام السيدُ
стр. 557
ما في علاه (١) مقالة لمخالفٍ ... فمسائل الإجماع فيه تعقدُ
ولنحن أولى بالإمام وحبِّه ... عقد ندين به الإله مؤكَّدُ
وولاؤه لا يستقيم ببغضهم ... واضرب لهم مثلًا يغيظ ويكمدُ (٢) [ظ/ق ٧٧ أ]
مثل الذي جحد ابن مريم وادَّعى ... حُبَّ الكليم وتلك دعوى تفسدُ
وبقذف عائشة الطهور تجشَّموا ... أمرًا تظل له الفرائص ترعدُ
تنزيهها في سبع عشرة آيةً (٣) ... والرافضي بِضدِّ ذلك يشهدُ
стр. 558
ومنها (١):
لو أن أمر المسلمين إليهمُ ... لم يبق في هذي (٢) البسيطة مسجدُ
ولو استطاعوا لا سَعَتْ بمرامهم ... قَدَمٌ ولا امتدَّت بكفِّهم يَدُ
لم يبق للإسلام ما بين الورى ... علم يسود (٣) ولا لواء يعقدُ
عَلِقوا بحبل الكفر واعتصموا به ... والعالقون بحبله لن يسعدوا
وأشدُّهم كفرًا جهول يدَّعي ... علم الأُصول وفاسق متزهدُ
فَهُما وإن وهنا أشدُّ مضرة ... في الدين من فأر السَّفين وأفسدُ
стр. 559
وإذا سألت فقيههم عن مذهب ... قال (١) اعتزال في الشريعة يلحدُ
كالخائض الرمضاء أقلقه اللَّظى ... منها ففرَّ إلى جحيم توقدُ
إن المقال بالاعتزال لخُطة ... عمياء حلَّ بها الغواة المُرَّدُ
هجموا على سُبُل الهدى بعقولهم ... ليلًا فعاثوا في الديار وأفسدوا [ب/ق ٨٦ أ]
صُمٌ إذا ذُكِرَ الحديث لديهمُ ... نفروا كأن لم يسمعوه وعرَّدوا (٢)
واضرب لهم مثل الحمير إذا رأت ... أسَدَ العرين فهنَّ منه شُرَّدُ (٣)
جحدوا الشفاعة والصراط وأنكروا ... الميزان والحوض الذي هو يوردُ (٤)
стр. 560
والمحنة العظمى مقالهم الذي ... من عِظَم فرِيَّته يذوب الجلمدُ
إن المهيمن لا يراه موحدٌ ... والنص يثبت ما نفوا واستبعدُوا
حُرِموا بذلك رؤيةً وشفاعةً ... والحوض ليس لهم عليه موردُ
ومنها (١):
والجاحد الجهمي أسوأ منهم ... حالًا وأخبث في القياس وأفسدُ
أمسى لربِّ العرش قال منزها ... من أن يكون عليه ربٌّ يعبدُ (٢)
ونفى القُرَان برأيه والمصحفُ ... الأعلى المطهر عنده يُتَوسَّدُ
стр. 561
وإذا ذكرت له «على العرش استوى» ... قال (١) هو استولى يحيد ويخلدُ
فإلى من الأيدي تُمَدُّ تضرُّعًا ... وبأي شيء في الدُّجى يتهجَّدُ
ومن الذي هو للقضاء منزل ... وإليه أعمال البريَّة تصعدُ
وبما تنزَّل جبرئيل مصدِّقًا ... ولأي معجزة (٢) الخصوم (٣) تبلدُ
ومن الذي استولى عليه بقهره ... إن كان (٤) فوق العرش ضِدٌّ أيِّد
جلَّت صفات الحق عن تأويلهم ... وتقدَّست عما يقول الملحدُ
стр. 562
لَّما نفوا تنزيهه بقياسهم ... ضلُّوا وفاتهم الطريق الأرشدُ
ويقول لا سمع ولا بصر ولا ... وجه لربك ذي الجلال ولا يَدُ
من كان هذا وصفه لإلهه ... فأراه للأصنام سِرًّا يسجدُ
الحقُّ أثبتها بنصِّ كتابه ... ورسوله وغدا المنافق يجحدُ
فمن الذي أولى بأخذ كلامه ... جَهْمٌ أم الرحمن قولوا وارشدوا (١)
والصَّحب لم يتأوَّلوا لسماعها ... فهم إلى التأويل أم هو أرشدُ
هو مشرك ويظن جهلًا أنه ... في نفي أوصاف الإله موحِّدُ
يدعو من اتَّبع الحديث مشبِّهًا ... هيهات ليس مشبِّهًا من يسندُ
стр. 563
لكنه يروي الحديث كما أتى ... من غير تأويل ولا يتأوَّد (١)
وإذا العقائد بالضلال تخالفت ... فعقيدة المهدي أحمدَ أحمدُ
هي حجة الله المنيرة فاعتصم ... بحبالها لا يُلْهِينَّك مفسدُ (٢)
إن ابن حنبلٍ اهتدى لما اقتدى ... ومخالفوه لزيفهم (٣) لم يهتدوا
ما زال أحمد يقتفي (٤) أثر الهدى ... ويروم أسباب النجاة ويجهدُ
حتى ارتقى في الدين أشرف ذروة ... ما فوقها لأخي ارتقاء مصعدُ
نصر الهدى إذ لم يقل ما لم يقل ... في فتنة (٥) نيرانها تتوقَّدُ
стр. 564
ما صدَّه ضرب السِّياط ولا ثنى (١) ... عزماته ماضي (٢) الغرار مهنَّدُ
نهواهُ حُبًّا ليس فيه تعصُّب ... لكن محبة مخلص يتودَّدُ
وودادنا للشافعي (٣) ومالك ... وأبي حنيفة ليس فيه تردُّدُ (٤) [ب/ق ٨٦ ب]
وهذا باب واسع جدًّا لا يتسع لذكره مجلد كبير، ويكفي أن شعراء (٥) الجاهلية مقرَّة به على فطرتهم الأولى، كما قال عنترة في قصيدته:
يا عبلُ أين من المنيَّة مهربي ... إنْ كان ربي في السماء قضاها (٦)
ذكر أقوال الفلاسفة المتقدِّمين والحكماء الأولين:
فإنهم كانوا مثبتين لمسألة العلو والفوقية، مخالفين لأرسطو وشيعته. وقد نقل ذلك أعلم الناس بكلامهم، وأشهرهم اعتناءً
стр. 565
بمقالاتهم ابن رشد الحفيد (١).
قال في كتابه «مناهج (٢) الأدلة»: القول في الجهة: وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة في أول الأمر يثبتونها لله حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية (٣) كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله.
وظواهر الشرع كلها تقتضي إثباتها لله تعالى، مثل قوله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥]، وقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة/٢٥٥]، وقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة/١٧]، وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ الآية [السجدة/٥]، وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج/٤]، وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك/١٦]، إلى غير ذلك من الآيات التي إن سُلِّط التأويل عليها عاد الشرع كله مُؤوَّلًا (٤)، وإن قيل فيها: إنها من المتشابهات عاد الشرع كله متشابهًا؛ لأن الشرائع