← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18645

تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل

ابن تيمية

Полный текст (694 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

انفصالٌ عن معارضته، بل يُوجب انقطاعك. نعم، لو كانت هذه المعارضة من السائل كَفَتْ، لأن غرض السائلِ وقف الدلالة، وذلك يحصل بمجرد المعارضة. ثم إنه إذا قاس على الواقع فالواقع إمّا الرجحان أو عدمُه، فإن كان الأول فقد قاس مع وجود الفارق المانع، وإن كان الثاني فقد قاس الشيء على نفسه. والقياس كلُّه يدور على هذه النكتة، وإن كان في ظاهر الأمر إنما يريد به أن الحكم في أحدهما هو ثابت إمّا في نفس الأمر أو على ذلك التقدير، وأيهما كان فأنا أقيسُ الحكمَ في الأصل إذا لم يكن راجحًا على الحكم في أحدهما، سواء كان ثابتًا في نفس الأمر أو على ذلك التقدير. وهذا القياس سالم عن معارضة القطعي، وهو عدم الحكم فيهما، لأن عدم الحكم عن الفرع عليه وعن الأصل في الواقع، وعلى ذلك التقدير ليس قطعيًّا. فهذا أيضًا ليس بجيد، لأنه إذا ثبت الحكم إما في نفس الأمر أو على ذلك التقدير وقاس عليه، فإما أن يقيس على أحدهما مبهمًا أو على كلٍّ منهما بعينه أو عليهما مجتمعين: فإن قاس على كلٍّ منهما بعينه عادت الحال الأولى جذعةً، لأن المعترض يمنع الحكم على التقدير، فلا يكون القياس على كل منهما، بل على أحدهما، وهو القياس على الحكم المتحقق في الواقع. وذلك لا ينفعه كما تقدم، لأن المعترض يقول: هو واقع في الواقع، وليس واقعًا على تقدير عدمِ الرجحان.

стр. 212

وإن قاس عليهما مجتمعَين فهو أبعدُ عن الصحة كذلك. وإن قاس [ق ٧٨] على أحدهما لا بعينه، وهو مقصوده، فإن قال (١): الحكم ثابت في نفس الأمر أو ثابتٌ على ذلك التقدير، وأيهما كان فأنا أقيس عليه. قيل له: إنما ينفعك القياسُ على أيهما كان إذا كان القياس يفيدك على كل واحدٍ من التقديرين، أعني تحققَ الحكم في نفس الأمر وتحقُّقه على ذلك التقدير، لأنه لو كان متحققًا على ذلك التقدير ولم يكن متحققًا في نفس الأمر، أو كان متحققًا في نفس الأمر ولم يكن متحققًا على التقدير= لم ينفعْك القياس على أحدهما غير معيَّن، لأنه حينئذٍ يجوز أن يكون الحكم متحققًا، ويجوز أن يكونَ غير متحقق، والقياسُ على حكم متردّدٍ بين التحقق وعدمِه غيرُ جائز، لأن العلم بثبوت حكم الأصل المقيس عليه أول شروط صحة القياس، وإذا اشترط في القياس على أحدهما تحققُه للحكم على التقديرين، فالخصم المعترض قد منعه الحكم على التقدير، وإن كان مسلِّمًا له الحكم في نفس الأمر لم يدلّ على ثبوته على ذلك التقدير إلّا بالدليل الأول الذي قد عارضه المعترض وأخذ هو يعارض المعترض بما لا يتم إلّا بالدليل الأول، وذلك غير جائز، كما تقدم مثلُ ذلك. وهذا اعتراض قادح ليس عنه جواب محقَّقٌ، لأن غاية ما يقول: الحكم ثابت في نفس الأمر أو على التقدير، فأقيسُ حكم الأصل عليه. فيقال له: لا نسلِّم أنه ثابت على التقدير، وثبوته في نفس الأمر لا ينفعك

стр. 213

إذا منعتُك ثبوتَه على التقدير الذي قِسْتَ عليه، وأنا قد بينتُ أنه تقدير غير واقع، فتكون قد قستَ على تقدير غير واقع، فلا يكون الحكم ثابتًا على تقدير غير واقع، فلا ينفعك ثبوته في نفس الأمر حينئذٍ. فتبيَّن بهذا أن أصل التقدير وإن كان غيرَ واقعٍ مقبولٌ على ما بيَّناه، لكن إذا قُبِل فالسؤال الوارد عليه من جنسه جيّد، والتفصِّي عنه غير مستقيم، بل السؤال يَقدح في ذلك التقدير. قال المصنف (١): (على أن الأصل لا يكون راجحًا، إذ لو كان راجحًا لكان الرجحان مختصًّا بالأصل، على معنى أنه يكون راجحًا على الغير فرعًا ونقضًا، بخلافِ كلّ واحدٍ منهما، ولا يكون الرجحان مختصًّا بالأصل، لأن الغير راجح أو هو غير راجح، لقيام الدليل على أحدهما، وهو المناسبة مثلًا) (٢). هذا جوابٌ ثانٍ من المستدل للمعترض عما قرَّره من أن الحكم في الأصل لا يُضاف [ق ٧٩] إلى المشترك، لما فيه من الرجحان على الفرع، ومعناه أنه لو كان الأصل راجحًا لكان الرجحانُ مختصًّا به، بمعنى أنه راجحٌ على صورة الفرع وراجحٌ على صورة النقض، وهو الحُلِيُّ وثياب البِذْلة مثلًا. أما رجحانُه على صورة النقض فبالاتفاق، وأما رجحانه على الفرع فلأن التقدير ذلك هو تقدير رجحانِه على الفرع، فعُلِمَ أنه لو كان راجحًا على الغير الذي هو الفرع والذي هو صورة النقض بخلاف كلّ واحدٍ منهما فإنه

стр. 214

غير راجح، فإن الفرع على هذا التقدير لا يكون راجحًا على الأصل ولا على صورة النقض، لمساواة صورة النقض في العدم، وكذلك موضع النقض لا يكون راجحًا على الأصل بالضرورة، ولا على الفرع لاستوائهما في عدم الحكم، فثبتَ أنه هو الراجح دون كلّ منهما، ولا معنى للاختصاص إلّا الانفراد بالشيء وانقطاع الشركة. وقول المصنف «فرعًا ونقضًا» ليس بجيّد في العربية، لأن النقض ليس هو الحكم ولا محل الحكم، وإنما هو التخلف، وذلك معنى لا يترجح عليه، بخلاف الفرع. وإنما حقه أن يقول: راجح على الغير فرعًا وصورةَ نقضٍ، على أن النصب في «فرع ونقض» ليس في فصيح الكلام، وإنما يثبت بنوع تكلف، [و] لو كان المصنف ممن يجري في كلامه على سنن العربية لتكلَّفنا له وجهًا، وإنما ألحقناه بنظائره. ثم قال: واللازم منتفٍ فإن الرجحان ليس بمختصّ بالأصل، لأن الغير راجح، والأصل غير راجح، وإذا كان الغير راجحًا والأصل غير راجح على الأصل لم يكن الرجحان مختصًّا به. وإنما قلت: الغير راجح والأصل غير راجح، لقيام الدليل على أحدهما، وهو المناسبة مثلًا. واعلم أن المستدلّ متى أقام دليلًا صحيحًا على رجحان الغير الذي هو الفرع أو الذي هو أحد الأمرين ــ إما الفرع أو صورة النقض ــ أو على رجحان صورة النقض على الأصل بتقدير رجحان الأصل على الفرع أو على عدم رجحان الأصل= فقد أقام دليلًا على المساواة بينه وبين الفرع أو برجحان الفرع عليه، وذلك يُبطِل ما ادعاه المعترض من إضافة الحكم إلى المختص، ويُحقق ما ادعاه المستدلّ من إضافة الحكم إلى المشترك،

стр. 215

وذلك دخول في فقه المسألة، ولم يذكره المصنّف، لأنه يحتاج إلى بحث عن مادة المسألة ومأخذها، بأن يقول المستدلّ: ليس المضروب راجحًا على الحُليِّ، إذ لو كان راجحًا لكان الرجحانُ مختصًّا به، وليس مختصًّا به، لأن الغير الذي هو الفرع راجح بأن الحليّ فضل هو [ق ٨٠] مستغنًى عنه، إذ ليس هو من الحاجات الأصلية، بخلاف المضروب، فإنه قد يكون معدًّا للنفقة مظنّة الحاجة إليها. أو يقول: ليس المضروب راجحًا، لأن الزكاة إنما وجبت باعتبار حقيقة النقدين، لا باعتبار صيغهما وصورهما، فيجب في جميع أنواعهما، كالربا الواجب فيهما، فإنه لا يختلف باختلاف صورهما. وإذا كان الموجب للزكاة هو الحقيقة الذهبية أو الفضية، وتلك لا تختلف ولا تتفاضل، فلا رجحان للمضروب على التِّبر. أو يقول: المناسبة دلَّت على المساواة بين الأصل والفرع، وما دلَّ على المساواة دلَّ على عدم الرجحان. ونحو ذلك من الكلام الذي هو بحث عن المآخذ الحكمية والمدارك العلمية من المناسبات والتأثيرات ودلالات النصوص. واعلم أن قوله: «لا يكون راجحًا إذ لو كان (١) راجحًا لكان راجحًا على الغير فرعًا ونقضًا»، ثم قال: «ولا يكون الرجحان مختصًّا بالأصل» يدلُّ ظاهره على أنه لا يختصّ بالرجحان عن الفرع وصورة النقض. أما كونه لا يختص عن الفرع فهذا نفس موجب الدليل، فلا كلام فيه. وأما كونه لا

стр. 216

يختص به عن صورة النقض فهذا باطل بل مخالف للإجماع، لأنه لو لم يختص بالرجحان عن صورة النقض للَزِمَ أن يساويها، ولو ساواها لم يختلف الحكم بينهما، واختلاف القضيتين في الحكم بالإجماع يدلُّ على تفاوتهما في الموجِب والمقتضي. فإن قال: قد يستويان في الموجب، وتمتاز صورة النقض بمانعٍ يمنع الوجوب. قيل: عدم ذلك المانع في الأصل إما أن يكون نفسه رجحانًا أو يوجب له معنى ثبوتيًّا يقتضي الرجحان، على الاختلاف بين القائلين بتخصيص العلة والمانعين منه، وعلى التقدير [ين] فلا يجوز أن يقال: إن الأصل راجح في الجملة، سواء كان هو الفرع أو موضع النقض، ويكفي في ذلك عدم الرجحان على الفرع. وهذا كلام صحيح. قال المصنف (١): (أو نقول: الأصل لا يكون راجحًا، لكونه قاصرًا أو مساويًا، لما مرّ). هذه عبارة ثانية في توجيه المعارضة التي قبل هذه، وهو كلام صحيح، لكن الشأن كل الشأن في تمكّن المستدلِّ من تقرير قصورِه أو مساواته، فإن هذا إذا صحَّ فهو القياس الصحيح الذي يجب القول به، ولا ينكره أحدٌ من القياسيين، والدالُّ على رجحان الفرع دالٌّ على قصوره، والدالُّ على عدم رجحانِه دالٌّ على مساواته كما مرَّ.

стр. 217

قال المصنف (١): (أو نقول ابتداءً كما قال [ق ٨١] السائل في التلازم). معناه ــ والله أعلم ــ أن المستدلّ يقول: يجب في الأصل بتقدير عدم الرجحان، لأجل المقتضي لوجوبها الواقع في الواقع، فإن المقتضي لوجوبها لو لم يكن واقعًا في الواقع لما وجبت للنافي لوجوبها السالم عن معارضة المقتضي، وقد وجبت، فثبتَ وجود المقتضي لوجوبها، وأنه واقع في الواقع، وإذا كان المقتضي لوجوبها موجودًا في الواقع ثبت الوجوب. أو يقول: الوجوب ثابت في الأصل على هذا التقدير بما يدلّ عليه في الأول، وهذا مثل السؤال الذي أورده في التلازم حيث منعه عدمُ الوجوب على الفقير على تقدير الوجوب على المدين، فقال السائل: «المانع المستمر واقعٌ في الواقع» إلى آخره. وفي الحقيقة هذا هو الجواب الأول ... (٢) ثبت الحكم في الأصل إذا لم يكن راجحًا بالمقتضي، فإن كلاهما (٣) يعود إلى استصحاب الواقع، وذلك بأن نقول: ما يدلُّ على الوجوب في الواقع فلا بدّ أن يكون مستمرًّا، والمستمرّ هو النافي على التقدير، إذ لو لم يكن كذلك لما ثبت الوجوب فيه بالنافي السالم عن معارضة الموجب المستمر، وقد وجب، فيكون منتقضًا بالاستمرار، فينفى على التقدير، فيكون الموجب ثابتًا على ذلك التقدير. ثم يمكن السائل أن يقول هنا كما قال المستدل هنالك وهو أن ما ذكرتم

стр. 218

من الدليل وإن دلَّ على وجود الموجب على ذلك التقدير، لكن عندنا ما ينفيه، لأن الدليل على عدم الوجوب متحقق على تقدير عدم الرجحان، فلو تحقق الدالُّ على الوجوب للَزِمَ التعارض على ذلك التقدير، وهو على خلاف الأصل، لاستلزامه تركَ العمل بأحد الدليلين. وقد مضى الكلام على مثل ذلك في التلازم، وبيّنا فسادَه، وأنه لا يلزم من قيام المقتضي أو المانع إثباته لموجبه على كل تقدير، بل على كل تقدير واقع أو جائز، أو على كل تقدير لا ينافيه، فعلى المستدلّ به أن يبيّن وقوع ذلك التقدير أو جوازه أو عدم منافاته، وحينئذٍ لا يمكنه بيان ذلك إلّا ببيان أن الواقع عدم الرجحان، ولو بيَّن ذلك لاستغنى عن الاستدلال بالمقتضي وعن استصحاب الواقع. ثم للمعترض أن يقول: الموجب موجب له على كلّ تقدير واقع، وعدم الرجحان غير واقع لما ثبت في المعارضة. قال المصنف (١): (ولئن قال: الحكم في الأصل يُضاف إلى ما هو جائز العدم في إحدى الصورتين، وذاك (٢) لا يكون مشتركًا، إذ المشترك ما (٣) هو الثابت فيهما قطعًا. فنقول: الحكم يضاف [ق ٨٢] إلى ما هو اللَّازم فيهما قطعًا (٤) أو في الفرع على تقدير اللزوم في الأصل، وأنه هو المشترك بينهما). هذا سؤال ثانٍ من المعترض، وهو معارضة في كون المشتركِ مناطَ الحكم وكونِ الحكم مضافًا إليه. قال المستدل: الحكم في الأصل لا

стр. 219

يضاف إلى المشترك بينه وبين صورة النزاع، لأنه إنما يضاف إلى ما هو جائز العدم في إحدى الصورتين، وذلك لأن الحكم في الأصل مضاف إلى ما هو موجود فيه من المناسبة، لأن المقتضي للحكم لا بدَّ أن يكون موجودًا فيه لامتناع ثبوت الحكم بدون المقتضي، ولأن ما في الأصل من المصالح المتعلقة بالوجوب أمر مطلوب، والوجوب طريق صالح لتحصيله، فيضاف الوجوب إلى تلك المناسبة الحاصلة في الأصل، وتلك المناسبة يجوز أن تكون معدومة في الفرع المتنازع فيه، لأنه محلّ خلافٍ بين العلماء، فيجوز أن يكون الحكم فيه ثابتًا، ويجوز أن لا يكون ثابتًا، وبتقدير عدم الثبوت لا تكون المناسبة الموجودة في الأصل موجودةً فيه، بل معدومة. فعُلِمَ أن الحكم المضاف إلى ما هو جائز العدم في إحدى الصورتين ــ وهو الفرع المشترك بينهما ــ ليس جائز العدم في إحداهما، لأنه لو جاز عدمُه في إحداهما لم يكن مشتركًا، والتقدير أنه مشترك، فعُلِمَ أنه ثابت فيهما قطعًا، وإذا كان الحكم إنما يضاف إلى ما هو جائز العدم في إحداهما، والمشترك ليس جائز العدم في إحداهما، لم يكن الحكم مضافًا إلى المشترك. وقد أجاب المصنف عن هذا بأن قال: نحن ندَّعي إضافة الحكم إلى ما هو اللازم فيهما قطعًا، أي هو ثابت فيهما قطعًا في نفس الأمر، أو إلى ما هو لازم في الفرع على تقدير لزومه في الأصل، أي إلى ما هو حاصلٌ في الفرع قطعًا على تقدير حصولِه في الأصل. وما هو حاصل فيهما قطعًا أو هو حاصل في الفرع قطعًا على تقدير حصوله في الأصل فهو مشترك بينهما قطعًا، وهو جائز العدم في إحدى الصورتين، لأنه إذا لم يكن لازمًا فيهما قطعًا فهو جائز العدم، لأنه جائز العدم على تقدير.

стр. 220

فإن قال المعترض: إنما يكون هذا مشتركًا على تقدير اللزوم في الأصل، أي على تقدير أن يلزم في الأصل ما يلزم من حصوله فيه حصوله في الفرع، وهذا غير لازم في الأصل. قال له المستدل: هو مشترك بينهما في الجملة، والمدَّعَى الإضافة إلى المشترك في الجملة. فإن قال المعترض: المشترك بينهما في الجملة لا [ق ٨٣] يكون لازمًا في الأصل لزومًا قطعيًّا، والحكم في الأصل يضاف إلى ما هو لازم فيه لزومًا قطعيًّا، فلا يضاف إلى المشترك في الجملة. قال له المستدل: إنما يضاف إلى ذلك إذا كان اللازم مختصًّا بالأصل، أما إذا لم يكن فلا احتمال أن يكون مضافًا إلى اللازم فيها. وأيضًا فإن اللازم فيهما على الإطلاق متعدد، فيدعي المستدل الإضافة إلى لازمٍ بعد لازم، كما ادَّعى المعترض عدمَ الإضافة إلى المشترك. واعلم ــ أصلحك الله ــ أن هذا الكلام باطلٌ سؤالًا وجوابًا. أما السؤال فهو مبنيٌّ على مقدمتين باطلتين: إحداهما قوله: «الحكم يضاف إلى ما هو جائز العدم [في] إحدى الصورتين». والثانية قوله: «والمشترك بينهما ليس جائز العدم في إحداهما (١)». بيان ذلك أن قوله: «إنما يضاف إلى ما هو جائز العدم في إحداهما»، قلنا: لا نُسلِّم، وذلك لأن حاصله أنه لا بدَّ أن يُقطعَ بوجودِه وبعلِّيتِه في الأصل، ولا يُقطع بهذين في الفرع. فإن أردتَ أنه لابدّ أن يُقطع به على سبيل

стр. 221

التعيين بحيث يقطع أن الحكم في الأصل مضاف إلى الوصف الفلاني المقطوع بوجوده وعلّيته= فهذا خلاف إجماع المسلمين، بل قدا (١) الغالبُ في مسائل الفروع أنه لا يُقطَع على وصفٍ بعينه أنه هو العلَّة في الأصل. وإن أردتَ أنه لا بدَّ أن يقطع أن في الأصل علة موجودة في الجملة فهذا مسلَّمٌ، لكن إذا قطعنا أن في الأصل علة فقد قطعنا بوجودِها فيه وبأنها علة، وتلك العلة يجوز أن لا تكون علة في الفرع إما لعدمها أو عدم علّيتها، فإن تجويزَ عدم الحكم فيه إنما يُفيد تجويز عدم العلة، إما لعدم ذاتها أو لعدم صفة العلّية، وحينئذٍ فالمشترك بينهما إنما ثبت قطعًا وجودُه لا علّيتُه، فإذا أضفنا الحكم إليه فقد أضفناه إلى علة يجوز عدمُ علّيتها في إحداهما، وإن كانت ذاتها لا يجوز عدمها في إحداهما. فقوله: «إلى ما هو جائز العدم»، إن أراد به: إلى ما يجوز عدم ذاته في أحدهما فهذا ليس بمشترط بالإجماع كما تقدم، لجواز أن تكون العلة في الأصل ما يقطع بوجودها في الأصل والفرع، وإن لم يقطع بعلّيتها في واحدٍ منهما، إذ القطع في الأصل إنما هو بمطلق العلة لا بعين العلة، وذلك لأنّنا في الشك في تعينها في (٢) جميع مسائل القياس. وإذا [ق ٨٤] قسنا الفرع على الأصل بوصفٍ حسّي أو عقلي أو شرعي منصوص أو بجميع علية (٣) فإنا نقطع بوجودِه في الموضعين، وإن لم نقطع بعلّيته مع قطعنا بوجود علة الحكم في الأصل، وبكونها لا بدّ أن تكون علة.

стр. 222

وإن أراد به: إلى ما هو جائز عدم الإضافة إليه في أحدهما إما (١) لعدم ذاته أو لعدم علّيته فقط، فهذا قد نُسلِّم، لكن المشترك بينهما وإن كان موجودًا فيهما قطعًا لكنه جائز عدم الإضافة إليه في إحداهما، لجواز أن لا يكون علة، وهذا الجواز يكفي في صحة الإضافة. فانظر إلى استعمال اللفظ المبهم كيف راجَ به هذا التلبيس، فإن جواز العدم من لوازم العلة الظنية، والمشترك غير جائز العدم، لكن جواز عدم العلة غير جواز عدم الذات، وهو في كلّ مقدمة بمعنى غير الآخر. الوجه الثاني: أن هذا الكلام يُعارَض بمثله، فإن الحكم لا يُضاف إلى المختص، فتتعين إضافته إلى المشترك. وإنما قلنا: لا يضاف إلى المختص؛ لأنه إنما يُضاف إلى ما هو جائز الوجود فيهما، فإن الحكم يجوز أن يكون ثابتًا في الفرع، لوقوع الخلاف فيه. وعلى ذلك التقدير فعلة الحكم موجودة فيه وفي الأصل، فالعلة في الأصل لا بدَّ أن تكون جائزة الوجود والعلّية في الفرع، والمختصّ بالأصل لا يجوز وجودُه ولا عليته في الفرع، فلا يكون علة، فيكون المشترك علة. الوجه الثالث: أنا لا نُسلِّم أن المشترك بينهما لا يجوز عدمُه عن أحدهما، فإنه يجوز أن يكون من الصفات العارضة للذات، وحينئذٍ فيجوز أن يُعدَم عنهما فضلًا عن أحدهما. وإن قال: أردت أنه حال إضافة الحكم إليه لا يجوز أن يكون معدومًا. قلنا: بل في حال الإضافة يجوز أن يكون معدومًا إذا كان الطريق التي

стр. 223

بها عُلِمَ وجودُه ظنيًّا. فقوله: «المشترك ما هو الثابت فيهما قطعًا» غير مسلَّم، بل يكفي ثبوتُه قطعًا أو ظنًّا بإجماع القائسين. وإن شاء المستدلُّ قال: أنا أضفتُ الحكم إلى أمرٍ يجوز عدمُه في إحدى الصورتين، وهي صورة النزاع، لأن الحكم فيها ليس بقطعي بل ظني، وإذا كان ظنيًّا جاز أن لا يكون ثابتًا، وإذا انتفى الحكم انتفى المناط الذي أضيفَ إليه الحكم، لأن وجودَه مستلزم لوجود الحكم، وانتفاءُ اللازم دليلٌ على انتفاء الملزوم. وإذا كان عدمُ ما أضفتَ إليه الحكم جائزًا في (١) صورة النزاع مع كونه مشتركًا= بَعُدَ (٢) قوله: «إذ المشترك بينهما هو الثابت في الصورتين قطعًا». وإن شاء قال: ما أضفتَ إليه الحكم يجوز [ق ٨٥] أن يكون موجودًا في صورة الإجماع، ويجوز أن يكون معدومًا. وإذا كان موجودًا جاز أن يكون علةً للحكم وجاز أن لا يكون، وإذا كان علةً للحكم جاز أن يكون موجودًا في الفرع وجاز أن لا يكون، فكيف يصح أن يُقال: المشترك ما هو الثابت فيهما قطعًا. الوجه الرابع: أنا لا نعلم أنه لا بدَّ أن يُضاف الحكم إلى ما هو جائز العدم في إحدى الصورتين، فإن الأقيسة تنقسم إلى يقينية وظنية، فإنه إذا عُلِمَ ثبوتُ العلّة في الأصل والفرع، وعُلِمَ أنها علةٌ، عُلِمَ أن الحكم مضاف إليها،

стр. 224

والأقيسة المجمع عليها من هذا الباب، فليس هذا شرطًا على الإطلاق. وإن قال: هو شرط في هذه الصورة. قلنا: هذا أمر اتفاقي، والأمور الاتفاقية لا تكون شروطًا في الأدلة الشرعية. الوجه الخامس: أن هذا الكلام يقدح في القياس القطعي والظني، وما قَدَح فيهما فهو باطلٌ ، يقدح فيهما لأنه إذا اشترط جواز العدم في أحدهما قدح في اليقيني، وإذا كان هو يجوِّزُ عدمَه والمشترك لا يجوز عدمه قَدَحَ في كل قياس جاز عدم العلة فيه عن أحدهما، وذلك قدحٌ في جميع الأقيسة الظنية، بل نفس هذا الكلام يقتضي فسادَ كلِّ قياسٍ يُعلَم أنه باطل. الوجه السادس: أن قوله: «إلى ما هو جائز العدم والمشترك ثابت قطعًا» إشارة إلى كون العلة قطعية وظنية، والدليل عليه إجماع الناس على أنه يجوز أن يكون ثبوت المشترك في الأصل والفرع قطعيًّا، بمعنى أنه يجب أن يقطع بوجوده فيهما (١) وبأن الحكم مضافٌ إليه فيهما، فإن ذلك إذا وُجِد يكون القياس يقينيًّا، وحينئذٍ لا يخالف فيه أحد. وما سوى ذلك فهو القياس الظني، وهو حجة عند القياسيين في الجملة، فلا يُقبَل منعُ الاحتجاج به ممن شرع في الكلام عليه، إذ شروعُه في الكلام عليه تسليمٌ لأصل الاحتجاج به، ثم هو على الخلاف إجماع الفقهاء المعتبرين. وكون الشيء قطعيًّا وظنيًّا نسبةٌ له إلى اعتقاد العباد، وذلك لا يؤثر فيه، فإن حقيقته في نفسه لا تتغيَّر بتغيُّر اعتقاد الناس فيه، وإنما يتغير حكم الناس بتغيُّر اعتقادهم، فإن كان اعتقادهم

стр. 225

لإضافة الحكم إلى المشترك ولثبوته فيهما قطعيًّا فالقياس قطعي، وإن كان ظنّيًّا فالقياس ظنّي. لكن هذه أمور خارجة عن نفس العلة وصفاتها، فلا يجوز التعويل عليها في نفي علة المشترك. السابع: أن قولك «الحكم مضاف إلى ما هو جائز العدم في إحدى الصورتين» [ق ٨٦] لفظ مشترك، فإن الجواز من عوارض الماهيات ومن عوارض الاعتقادات، فإذا قيل: العالم جائز أو ممكن، فذلك حكمٌ على ماهيته بقبولها للوجود والعدم. وإذا سُئل الرجل عن وجوب الزكاة في الحليّ فقال: يحتمل أن يكون واجبًا ويحتمل أن يكون غير واجب؛ أو سئل عن رؤية الله بالأبصار، فقال: ليس في العقل ما يوجبها ولا ما يُحيلها، بل يجوز أن تكون واجبةً ويجوز أن تكون ممتنعةً، لكن لمّا دلَّ السمعُ على وقوعها علمَ (١) العقل أنها جائزة. وكذلك كل الأمور التي هي من مواقف العقل ومَحَاراته، فإن الجواز هنا معناه أن الإنسان ليس له علمٌ بما الأمرُ عليه في نفسه، فهو يُجوِّز النقيضين والضدَّين، فالجواز بالمعنى الأول عِلمٌ بحقيقة الأمر، والثاني عدمُ علمٍ بحقيقة الأمر، بل وَقْفٌ وشكٌّ. والأول صفة ثابتة للماهيَّة كانت نسبيةً أو ثبوتيةً أو عدميةً، والثاني (٢) تردُّدٌ ذهني وتجويزٌ عقليٌّ. والجواز الأول لا يجوز عليه التبدُّل والتغيُّر، بل هو هو في علم كل عالم، والتجويز الذهني لو انكشفت الحقائقُ لصاحبه لظهر أحدُ الأمرين. والفرق بين الجواز الوجودي العيني والجواز العلمي الذهني ظاهر.

стр. 226

فقولك: «الحكم يضاف إلى ما هو جائز العدم» تَعْنِي به أنه في حقيقته يجوز أن يكون موجودًا، ويجوز أن يكون معدومًا؟ أم تَعني به أنه في اعتقاده يجوز أن يكون معدومًا؟ إن عَنَيتَ الأوَّلَ فلا نُسلِّمه فجاء الدليل عليه، ثم نقول: لا يجوز أن يكون معدومًا لأنه حكم الله، وحكمُ اللهِ قديم، وهو مضافٌ إلى علمِه القديم، وما ثبتَ قِدَمُه استحالَ عدمُه. فبتقدير أن يكون الحكم ثابتًا لا يجوز عدمُه ولا عدمُ ما يُضاف إليه. ثم لا فرق على هذا التفسير، ثم لا فرق بين الأول والثاني. ثمّ هَبْ أنه قابلٌ للعدم إذا عني صفة الفعل، لكنه صار موجودًا، والموجود بعد وجودِه لا يجوز أن يكون معدومًا، إذ الجمع بين الوجود والعدم محالٌ. وإن قال: نحن نُجوِّز أن يكون معدومًا لتجويزنا عدمَ الحكم في الفرع، وكون هذا الجواز ملزومًا لجواز عدم الوصف الذي أضيف إليه الحكم في الأصل. قيل لك: تجويزنا لعدمِه مستندٌ إلى عدم عِلْمِنا به هل هو موجود أو معدوم، وعدمُ علمنا به لا يجوِّز أن يكون مانعًا من كونه علةً للحكم في الأصل، ولا عِلمُنا بوجودِه يُجوِّز أن يكون جزءًا من العلة في الأصل، ولا شرطًا (١) في العلة، لأن العلّة هي الوصف الذي لأجله أثبتَ الله ذلك الحكم، وذلك [ق ٨٧] المناط إذا ما ثبت في علم الله لا يجوز أن يختلف (٢)، وهو ثابت في علم رسولِه ﷺ قبل وجودنا وقبل اعتقادنا، فلو جاز أن يكون

стр. 227

علمنا مؤثّرًا فيه وجودًا وعدمًا للَزِمَ أن تكون عقائدنا مؤثرةً فيما ثبتَ في علم الله وعلم رسوله ﷺ ، وذلك لا يجوز. فإن قال: يجوز أن يكون اعتقادنا علَمًا على الحكم ودليلًا عليه، وعند ذلك يختلف باختلاف كونه قطعيًّا أو ظنّيًّا. قلت: الأدلة ما يُوجب الاعتقادات، فلو كانت الاعتقادات أدلةً لَزِمَ أن يكون الشيءُ دليلًا على نفسه. ثم الاعتقادات لا بدّ أن تستندَ إلى أدلة، والدليل هو العلة ونحوها، فكيف تستند الأدلةُ إلى الاعتقادات؟ ولو جاز أن يكون الاعتقاد جزءًا من العلة لكان إثباتُ الأحكام ونفيها باعتقادنا، وهذا باطل. ولسنا نمنع أن يكون الاعتقاد دليلًا على اعتقاد آخر وموجبًا له، وإنما نمنع أن يكون الاعتقاد دليلًا على صحة نفسه أو دليلًا على أن العلة في نفس الأمر هي ذلك الاعتقاد، كما يقال: شرط العلة في الأصل القطعُ بها فيه وعدمُ القطع بكونها في الفروع، فإن القطع وعدمه يتبع دليلَ العلة، فلا يكون دليل العلة. الثامن: أنه يجوز أن يكون ثبوت الوصف في الأصل قطعيًّا والإضافة إليه ظنية، كعلل الربا من القدر والطعم والقوت، ويجوز أن يكون في الفرع ظنيًّا والإضافة إليه قطعية، كالاتفاق على أن أقرب العصبات أولى بالميراث، فإن هذه الأولوية مضافة إلى كونه أقرب بالاتفاق. ثم اختلفوا في الجدّ أقرب أو هو والأخ مستويان؟ ونحو ذلك. فقوله بعد ذلك: «وما يضاف إلى ما هو جائز العدم في أحدهما،

стр. 228

والمشترك ثابت فيهما قطعًا» (١) غير صحيح، فإن ثبوت المشترك له ثلاث (٢) اعتبارات: أحدها: ثبوته في الأصل. والثاني: إضافة الحكم إليه في الأصل. والثالث: ثبوته في الفرع. وشيء من هذه الاعتبارات لا يعتبر فيه القطع بالاتفاق إلّا عند شذوذ لا مبالاة بهم، زعموا أنه لا بدّ أن يكون ثبوت الوصف في الأصل وفي الفرع قطعًا، وبطلانُ هذا ظاهر، وهو خلاف ما عليه المعتبرون من الفقهاء. فبطل قوله على كل تقدير، وقد تقدم ما يُشبِه هذا الوجه وحَلُّ الشبهة في الوجه الأول، فإن قوله: «إلى ما هو جائز العدم في أحدهما» يعني به جواز عدم علِّيته، والمشترك لا تكون علّيتُه ثابتةً فيهما قطعًا. وإنما حصل التمويه [ق ٨٨] لما في قوله «جائز العدم» من العموم والإطلاق، وأنه في كل مقدمة بمعنى يخالف معناه في المقدمة الأخرى. هذا هو الجواب المحقق عن هذا السؤال، وقد أجاب عنه المصنّف بجوابٍ غير مزيلٍ للشبهة، وإنما فيه مجرد دعوى وتغيير عبارة، فقال: «الحكم يضاف إلى ما هو اللازم فيهما قطعًا أو في الفرع على تقدير اللزوم في الأصل وأنه هو المشترك بينهما». فقال: المشترك لا يجب أن يكون ثابتًا فيهما قطعًا، وإنما يشترط أن يكون ثابتًا فيهما قطعًا، فقد صار مشتركًا بينهما،

стр. 229

وإن كان لازمًا في الفرع على تقدير لزومِه في الأصل، فإنه إذا حصل لزومُه في الأصل فقد حصل لزومُه في الفرع، وذلك يُوجب اشتراكهما فيه، فيعلم الاشتراك بأحد أمرين: إما بثبوته فيهما قطعًا أو بثبوتِه في الفرع عند ثبوته في الأصل. وقد تقدم تقرير هذا الجواب. واعلم أن هذا الجواب مغلطة (١)، وإن كان السؤال ليس بحق، لكنه أجود توجيهًا من الجواب، وذلك أن قوله: «يضاف إلى ما هو اللازم فيهما قطعًا أو في الفرع على تقدير اللزوم في الأصل وأنه هو المشترك»، يقال له: تقدير ثبوته في الأصل حاصلٌ قطعًا أو ليس بحاصلٍ قطعًا، فإن قال: حاصلٌ قطعًا فهو حاصلٌ في الفرع قطعًا، لأنه ثابت في الفرع بتقدير ثبوته في الأصل، فيكون هو القسم الأول بعينه. وإن كان تقدير ثبوته في الأصل ليس بحاصل قطعًا، بل حاصلٌ ظنًّا أو ليس بحاصلٍ أصلًا، لكن هذا لا يجوز أن يكون هو مستند الحكم في الأصل، لأن ما يضاف إليه الحكم في الأصل لا بدَّ أن يكون حاصلًا (٢) قطعًا، لامتناع عدم الحكم فيه أو وجودِ الحكم بلا موجب. فقد عاد السؤال بعينِه. وأيضًا الأسولة التي ذكرناها للسائل متوجهة، وهي قوله: اللازم في الفرع على تقدير لزومه في الأصل إنما يكون مشتركًا على تقدير اللزوم في الأصل، وهذا ظاهر، فإن لزومه في الفرع موقوف على لزومه في الأصل. ونحن لا نسلِّم أن في الأصل ما يلزم منه لزومُ الحكم في الفرع.

стр. 230

قوله: «هذا مشترك في الجملة، والمدّعى (١) الإضافة إلى المشترك في الجملة». قلنا: عنه أجوبة: أحدها أنه إنما ادَّعَى الإضافة إلى المشترك مطلقًا، ولم يدَّعِ الإضافة إلى ما هو مشترك على بعض التقادير، فلا يقبل الرجوع عن دعواه. الثاني: أنه إن عَنَى بالمشترك في الجملة ما يجوز أن يكون مشتركًا على بعض التقادير، فهذا خلاف [ق ٨٩] الإجماع، بل خلاف ضرورة العقل، فإن ما يجوز أن يكون مشتركًا على تقدير لا يعلم أنه مشترك إلّا بعد العلم بذلك التقدير، وربما كان ذلك التقدير ممتنعًا أو غيرَ واقع، فلا يكون في نفس الأمر مشتركًا. وإذا لم يكن مشتركًا في نفس الأمر لم يلزم من إضافة الحكم إليه ثبوتُه في الفرع. وإن عَنَى بالمشترك في الجملة شيئًا آخر فلا بدَّ من تفسيره بما يعود إلى هذا. الثالث: أن المشترك في الجملة يجوز أن لا يكون حاصلًا في الأصل، [والحكم] إنما يضاف إلى ما لا يجوز عدمُه فيه، وقد تقدم هذا الكلام أنّ ما (٢) يضاف إلى ما هو لازم فيه لزومًا قطعيًّا، فلا يضاف إلى المشترك في الجملة. قوله: إنما يضاف إلى ذلك إذا كان اللازم مختصًّا بالأصل، أما إذا لم يكن فلا احتمال أن يكون مضافًا إلى اللازم فيهما.

стр. 231

قلنا: يضاف إلى ما هو لازم فيه لزومًا قطعيًّا بكل حال، لما تقدم، سواء كان مختصًّا بالأصل أو مشتركًا، فإنه على التقديرين يضاف إلى ما هو لازم في الأصل لزومًا قطعيًّا. وقوله: «اللازم فيهما متعدد». قلنا: ويمكن تعديد الجواب بتعديد الدعوى، وقد تقدم أن تكرير الدعاوي غير نافع. وأيضًا فإنه وإن كان متعددًا، لكن ما ذكرنا من الدليل ينفي الإضافة إلى اللازم فيهما بكل حال. وأيضًا فإن الدعوى الأولى إمّا أن يَدَّعِيَها مع الثانية أو لا يدّعيها، فإن ادَّعاها لم يصحّ لما تقدم. وإن لم يَدَّعِها فقد رجع عمّا ادَّعاه أولًا، وانفساد دعوى ثانية غير الأولى، وذلك انقطاعٌ وعجزٌ عن إتمام الكلام. وأيضًا فإن إضافة الحكم إلى المشترك أو إلى اللازم في الفرع بتقدير لزومه في الأصل إما أن يكون هو المشترك الذي أضاف الحكم إليه أو لا، فإن كان هو إيَّاه فما وَرَدَ على الأول يَرِد عليه، وإن لم يكن إيّاه فإن استلزمه وَرَد عليه ما ورد على الأول، وإن لم يكن هو الأول ولا هو مستلزمًا للأول لم يكن مشتركًا بحال. وأيضًا فقولك: لازمٌ في الفرع على تقدير لزومه في الأصل، ولزومه في الأصل والفرع هل هو قطعي أو ظنّي، فإن كان اللزوم قطعيًّا لم يجز ذلك، لوقوع الخلاف. وإن كان ظنيًّا فقد جاز عدمُه، والمشترك ثابتٌ فيهما قطعًا لا يجوز عدمُه. فقد عادَ السؤالُ بعينه.

стр. 232

وأيضًا فلزومُ هذا اللازم في الأصل إن كان ثابتًا فهو لازم فيهما، فيكون هو القسم الأول، وهو قولك: «إلى ما هو اللازم فيهما»، ويكون القسمان قسمًا واحدًا. وقد تقدم الكلام عليه. وإن لم يكن ثابتًا فليس بلازم في [ق ٩٠] الأصل ولا في الفرع، وذلك لا يجوز إضافة الحكم إليه. وهذا تقسيمٌ حاصرٌ. قال الجدلي (١): (ولئن قال: الحكم في الأصل يضاف إلى ما هو المختصّ بالأصل أو لا يضاف إلى المشترك، وأيًّا ما كان (٢) لا يضاف إلى المشترك. فنقول: لا يضاف إلى ما يكون مختصًّا بالأصل أصلًا، أو يُضاف إلى المشترك، ويلزم من لزوم أيِّهما كان إضافةُ الحكم إلى المشترك، فإن الحكم في الأصل يضاف إلى ما هو الثابت به قطعًا). هذا الكلام إن قُرِنَ به دليلٌ من الطرفين هو من نمط الذي قبلَه، ونتكلم عليه. وإن لم يُقْرَن به دليلٌ فهو دعوى (٣) عارية عن الأدلة، وتلك لا نتكلم عليها البتة، لعدم الفائدة فيه، وكون كلّ أحدٍ يُحسِن مثل هذا، وما هو إلّا بمثابة من قال: الزكاة تجب في الحليِّ، قال الآخر: لا تجب في الحليّ. قال المستدل: الوجوب في الحليّ ثابت، فيلزم وجوبها في الحليّ. قال المعترض: عدم الوجوب متحقق، فينتفي الوجوب. قال المستدل: قد قام الدليل على وجوبها في الحليّ. فيقول الآخر: قد قام الدليل على انتفاء وجوبها في الحليّ.

стр. 233

فيقول الآخر: وجوبها في الحليّ منضمًّا إلى الأمور الواقعة واقع في الواقع. فيقول الآخر: عدمُ الوجوب منضمًّا إلى الأمور الواقعة واقعٌ في الواقع. فيقول الأول: الوجوب ثابت في الحليّ بالمناسبة والدوران. فيقول الثاني: الوجوب منتفٍ فيها بالمناسبة والدوران. فيقول الأول: عدم الوجوب ملزوم ما وجوده ملزوم لما هو معدوم، وإذا كان اللازم معدومًا فملزومه كذلك، وملزوم ملزومِه كذلك، فيلزم عدم عدم الوجوب، فثبت الوجوب. فيعارضه الثاني بمثل هذه العبارة. إلى أمثال هذه العبارات التي ليس لها حاصلٌ سِوى تكرير الدعوى ومعارضتها بمثلها بعد تغيير العبارة، وهذا من أقبح ما تَنطق به الألسنة وأَسْمَج ما يخاطب به العاقل، فإن قول المعترض: «يضاف إلى المختص، أو لا يُضاف إلى المشترك، وأيًّا ما كان لا يضاف إلى المشترك» قد علم أنه ثبت أحد الأمرين، وهو ثبوت إضافته إلى المختص بالأصل فقط أو انتفاء إضافته إلى المشترك، فقد لزم انتفاء إضافته إلى المشترك، لكن الشأن في ثبوت أحد الأمرين، فلم يذكر عليه حجة من بينة ولا شبهة. ولما كان هذا الكلام مبناه على الدعوى المحضة عارضَه المجيب بمثله فقال: «لا يضاف إلى ما يكون مختصًّا بالأصل أصلًا أو يضاف إلى المشترك، ويلزم من [ق ٩١] لزوم أيّهما كان إضافةُ الحكم إلى المشترك، فإن الحكم في الأصل يضاف إلى ما هو الثابت به قطعًا»، وذلك لقيام الدلائل

стр. 234

الدالة على كل واحدٍ منهما، أمّا الإضافة فبالمناسبة مثلًا، وأما عدم الإضافة إلى المختصّ بتوسُّط الإضافة إلى المشترك أن يقول: المختص بالأصل مقصور عليه، والعلة القاصرة لا يجوز إضافة الحكم إليها، والخلاف في ذلك مشهور بين الفقهاء، فإن المشهور عند الحنفية المنع، وعند المالكية والشافعية الجواز، وللحنبلية وجهان، والصواب أنه جائز في الجملة، وليس هذا موضع ذكره. أو بالأدلة النافية للوجوب على تقدير الإضافة إلى المختص السالم عن معارضة الإضافة إلى المشترك، أو بالأدلة النافية للإضافة إلى المختص من الاستصحاب ونحوه. والمغايرة بين عدم الإضافة إلى المختص والإضافة إلى المشترك ظاهرة، لوجود الأول دون الثاني فيما إذا لم يكن الحكم مضافًا إلى شيء، وأيّهما لزم لزمت الإضافة إلى المشترك. أما على الثاني فظاهر، فإنه عين المدَّعى، وأما على الأول فكذلك، لأن الحكم في الأصل يضاف إلى ما الحكم ثابت به قطعًا، فإن ما ثبت به الحكم أضيف إليه الحكم. ومعنَى «ما ثبت به» أي كان علةً وموجبًا لثبوته، فإذا لم يضف إلى المختص لزم أن يضاف إلى المشترك، لأن ما ثبت به الحكم في الأصل إن كان موجودًا في الأصل والفرع فهو المشترك، وإن كان موجودًا في الأصل دون الفرع فهو المختصّ. وعلى هذا الجواب عدة مناقشات: أحدها: قوله: «يلزم من لزوم أيهما كان إضافة الحكم»، فإن اللزوم لذات أيهما يكون فلا حاجة إلى توسُّط لزومِه، فإنها زيادة لا تنفع، وقد تضر، فيعتقد أن لزوم الإضافة إنما هو للزوم أحدهما لنفس وجوده، حتى يظن أن

стр. 235

في ذلك معنًى زائدًا. نعم لو قال: يلزم من لزوم أيهما كان لزوم إضافة الحكم، فجعل اللزوم من لوازم اللزوم. الثاني: قوله «لا يضاف إلى ما يكون مختصًّا بالأصل أو يضاف إلى المشترك، ويلزم من أيّهما كان إضافة الحكم إلى المشترك» ليس كذلك، فإنه إذا لم يضف إلى ما يختص بالأصل جاز أن يضاف إلى المشترك بينه وبين الفرع المتنازع فيه، وجاز أن يضاف إلى المشترك بينه وبين فرع آخر. ويجوز أن يكون تعبديًّا، فلا يضاف إلى علةٍ أصلًا. ويجوز أن يجوز هذا وهذا وهذا وهذا، ومع تردُّد عدّة احتمالاتٍ كيف يلزمُ من عدم أحدهما وجود آخر. لم يبقَ إلّا قوله: «أو يضاف إلى المشترك»، ويلزم [ق ٩٢] منه إضافته إلى المشترك، وهذا لا فائدة فيه. وهذا مناقشة في تفسير المختص، فإن ظاهره أنه ما يختص بالأصل، فلا يوجد في غيره. وإنما المراد به ما لا يوجد في الفرع المتنازع فيه، وأيضًا فلو أضيف إلى مجموع المشترك والمختص كان المقصود حاصلًا، والعبارة لا تدل عليه. الثالث: قوله: «الحكم في الأصل يضاف إلى ما هو الثابت به قطعًا» ظاهرُه مخالفٌ للإجماع، لأنه إن عَنَى أنّ وجود الوصف في الأصل مقطوعٌ به فهذا لا يُشترط وفاقًا، وإن عَنَى أن إضافَة الحكم في الأصل إلى الوصف مقطوع به فهو أبعدُ وأبعدُ، بل الدعوى تُحِيلُ وجودَ قياسٍ مختلفٍ فيه. فحاصله أن إضافة الحكم في الأصل إلى الوصف وثبوت الحكم بالوصف لا يحتاج أن يكون قطعيًّا بالإجماع، بل هو خلاف الواقع في عامّة الأقيسة.

стр. 236

وإن عَنَى أن ما ثبت به الحكم يقع (١) بإضافته إليه فهذا صحيح كما تقدم، لكن في اللفظ احتمال. قال الجدلي (٢): (ولئن قال: الحكم في الأصل لا يضاف إلى ما لا يكون مختصًّا بالأصل (٣)، أو لا يضاف إلى المشترك، وأيّهما كان لزم (٤) عدم الإضافة إلى المشترك (٥). فنقول: الحكم [في الأصل] (٦) يضاف إلى المشترك أو إلى ما يُحقِّق الإضافة إلى المشترك). هذا الكلام من نمط الذي قبله، بل هو بعينه في المعنى، لكن غيَّر الدعوى، لأنه في الأول أضاف الحكم إلى المختص، وهنا نفاه عمّا ليس بمختص، ويلزم من نفيه عما ليس بمختصٍّ ثبوتُه للمختص، والمستدلُّ غيَّر الدعوى، وهو قوله: «أو إلى ما يُحقِّق الإضافة إلى المشترك»، وهو تغيير عبارة، فإن الإضافة إلى تحقق (٧) الإضافة للمشترك يُوجب الإضافة إلى المشترك. فإن قيل: إنما سأل هذا السؤال لأنه قد ادَّعى أوَّلًا عدمَ الإضافة إلى المشترك بما ذكره من اختصاص الأصل بما يمنع الإضافة إلى المشترك، ومن أن المشترك ليس جائز العدم في أحدهما، ومناط الحكم جائز العدم

стр. 237

في أحدهما. ثم ادّعى عدم الإضافة بأحدهما مبهمًا، والطريق المبهم غير الطريق المعيَّن، وذلك أن يقال: أحد الأمرين لازم، وهو إضافة الحكم في الأصل إلى ما هو مختصٌّ به أو عدم الإضافة إلى المشترك بينه وبين الفرع، وعلى التقديرين لا يكون الحكم في الأصل مضافًا إلى المشترك. بيان الأول: أن الأدلة قد قامت على كلِّ واحدٍ منهما. أما الأول فإن [ق ٩٣] المناسبة تدلُّ على الإضافة إلى المختص بالأصل من المعاني المناسبة للحكم، فإن ذلك أمرٌ مطلوبٌ، والوجوب طريقٌ صالحٌ لحصول ذلك الأمر المطلوب، فيكون الوجوب مضافًا إلى ذلك الأمر المطلوب. وأما الثاني فإن ما تقدم من الأدلة الدالة على عدم الإضافة إلى المشترك يَدُلُّ عليه، وهو كون المشترك ثابتًا فيهما قطعًا، ومناط الحكم في الأصل جائز العدم أو بما ينفي الوجوب على هذا التقدير أو بالنافي لهذه الإضافة إلى المشترك. أما إذا لزم الأول فإنه إذا أضيف إلى المختص لم يكن مضافًا إلى المشترك، إذ المشترك يمتنع أن يختصّ بالأصل، وذلك لأن إضافته إليه إنما معناها أن الحكم ثبتَ به ولأجلِه، سواء فُسِّر بالمضاف أو فُسِّر بأنه الموجب للحكم، أو أن العلم به هو الموجب للحكم. ومتى ثبت به ولأجله لم يكن ثابتًا بغيره ولأجل غيره، لأن قولك «ثبت به» يُنافي (١) قولك ثبت بغيره، وإذا لم يكن ثابتًا بغيره فلا يكون مضافًا إلى المشترك، ولا إلى القدر المجموع من المشترك والمختص، لأن ذلك غير المختص.

стр. 238

وأما إذا لزم الثاني وهو عدم الإضافة إلى المشترك فظاهرٌ أنه يلزم عدم الإضافة إلى المشترك. فيقال: هنا مناقشة جدلية ومناظرة علمية: أما المناقشة فإن الرجل إنما يقول: أحد الأمرين لازمٌ، إذا كان الدليل إنما يدلُّ على أحدهما، فأما إذا دلَّ على كلٍّ منهما دليلٌ مستقل فالواجب أن يقال: كلا الأمرين لازمٌ. وأيضًا فإن ما ذكره ثانيًا من الدلالة على الإضافة إلى المختصّ وعدم الإضافة إلى المشترك كلاهما يدلُّ على المقصود به دون توسُّط المقدمة الأولى، فتكون ضائعة، لأنه أدخل في الدليل ما ليس منه. وأيضًا فإنه لو عارض بما يدلُّ على الإضافة إلى المختص وبما ينفي الإضافة إلى المشترك كانتا معارضتين مستقلتين، فلا تُجعَل معارضة واحدة. وأيضًا فإنه لو عارض بما يدلُّ على الإضافة إلى المختص وحده كان كافيًا، لأن ما ينفي الإضافة إلى المشترك قد تقدم. واعلم أن مقصود هؤلاء بإبهام الدعاوي وتغيير عباراتها أن يُظَنّ أن الدعوى الثانية غير الأولى، وأن يعجز الخصمُ عن مقابلتها بمثلها، فإذا حُقِّقَ الأمرُ عليهم انكشفَ أن الإبهام والتغيير لا يُفيد إلّا ما أفادته الدعوى الأولى المعينة. ثمّ المصنِّف لم يذكر في مقدمته ما يُقرِّر هذه المعارضة، فبقيت [ق ٩٤] دعوى قادحة مُقابَلة بمثلها. وأما الكلام العلمي فمن وجوه:

стр. 239

أحدها: أنّا لا نُسلِّم تحقُّق واحدٍ من الأمرين. قوله: «المناسبة تدلّ على الإضافة إلى المختص بالأصل من المعاني المناسبة». قلنا: لا نُسلِّم أن في الأصل معانيَ مختصّةً به مناسِبةً للحكم، ومعلوم أن ذلك ادّعاءٌ يفتقر إلى دليل. وهذا بخلاف المستدلّ، فإنه زعم أن مصالح المشترك مناسبةٌ للإيجاب، لأن الإيجاب في الجملة يُحصِّل مصالح في الأصل خاصّةً دون الفرع. فهذا لا يُعلَم بدليل إجمالي، فإن بين في الأصل معاني مختصة به فذلك كلامٌ صحيح، وهو استدلالٌ بالأدلة الفقهية، والكلام فيه. الثاني: أنه وإن كان فيه معاني (١) مناسبة مختصة ففيه معاني مناسبة مشتركة، والوجوب طريقٌ صالح لتحصيل مجموع ذلك، فيضاف الحكم إلى المجموع، لا إلى أحدهما دون الآخر. وهذا الكلام يمنع القياس أيضًا، وإنما ذكرناه لبيان أن الإضافة إلى المختص وحده لا يجوز. الثالث: أنه إذا أضيف إلى القدر المشترك فقد حصل بالوجوب المصالح المطلوبة المختصَّة والمشتركة، أما إذا أضفناه إلى المختصّ وحده لم تحصُل المصالح المطلوبة المشتركة، فتكون إضافته إلى المشترك أولى. وهذا كلامٌ جملي، وإلّا فالمرضيُّ عندنا أنه لو ثبت مناسبة الجميع لم يضفه إلى أحدهما إلّا بدليل يختصُّه، بل يضيفه إليهما. وهذا يقول به من يرى ترجيح العلة المتعدية على القاصرة، وفيه خلاف مشهور.

стр. 240

الرابع: أنا نضيفه إلى المختص وإلى المشترك، لأن إضافته إلى أحدهما لا تقدح في إضافته إلى الآخر. أما إن قلنا: إن تعليل الحكم الواحد بعلتين جائز ــ كما هو قول الجمهور ــ فظاهرٌ، لأن الحكم في الأصل يكون ثابتًا لكلِّ واحدٍ من المختصّ والمشترك. وإن قلنا: إنه غير جائز، فنقول: ندّعي أنه ثبتَ في الأصل وصفانِ كلٌّ منهما لو انفرد لثبتَ به الحكم استقلالًا، ولا خلافَ في جواز مثل هذا. وهذا الكلام يقوله من لا يرى سؤال الفرق قادحًا. والمرضيُّ عندنا أنه كلامٌ غير صحيح إلّا أن يثبت كون كل واحدٍ من الوصفين علةً للحكم بنصٍّ أو تنبيه أو إجماع أو ثبوتِ [الحكم] به على انفرادِه في موضعٍ آخر، فأما بمجرّد المناسبة فلا، لأن الحكم اقترن بالوصفين، فدعوى أنه لو اقترن بأحدهما يثبت الحكم لا بدَّ له من دليل، ومجرّدُ المناسبة ليست دليلًا إلا بالاقتران، والاقتران إنما حصلَ لهما لا لأحدهما. الخامس: [ق ٩٥] وأما قوله: «ما تقدم من الأدلة الدالة على عدم الإضافة إلى المشترك»، فنقول: قد بيَّنا فيما مضى أنه ليس في شيء مما ذكره السائل ما يدلُّ على عدم الإضافة إلى المشترك. قال الجدلي (١): (ولئن قال: هذا مُعارَضٌ بمثلِه (٢)، فنقول: بعد المنع المدعى إضافة الحكم في الأصل إلى المشترك أو الحكم في الفرع، وبهذا يندفع ما ذكرتم). أما قول السائل: «هذا مُعارَضٌ بمثله» فكلامٌ صحيح في هذا الموضع،

стр. 241

إذ يقدر أن يقول: الحكم لا يضاف إلى المشترك، أو يضاف إلى ما يُحقِّق إضافتُه إليه عدمَ الإضافة إلى المشترك. وقد أجاب عنه بجوابين: أحدهما: منع المعارضة بالمثل، إذ لم يكن المشترك معينًا، بأن يقول: سلَّمنا أنه لا يُضاف إلى المشترك، ولا ينافي ذلك إضافته إلى المشترك إذا كان هناك عدة مشتركات، يضاف إلى بعضها ولا يُضاف إلى بعض. والثاني: بتغيير الدعوى. أما الجواب الأول ففاسدٌ من وجوهٍ: أحدها: أن قوله: «لا يضاف إلى المشترك» اسم جنس مُحَلًّى باللام يقتضي الاستغراق. الثاني: أن جميع الكلام الذي مضى إنما هو في جميع أنواع المشترك، وإلّا لما انحصرت الصفات في المختص والمشترك. الثالث: أنه يمكنه أن يقول: لا يضاف إلى مشترك، أو يضاف إلى ما يُحقِّقُ إضافتُه إليه عدمَ إضافته إلى مشترك، أو يقال: يضاف إلى المختص، أو إلى ما يُحقِّق إضافتُه إليه الإضافةَ إلى المختصّ. الرابع: أن اللام للجنس أو للعهد، وعلى التقديرين فلا يصح ما ذكره. الخامس: أن المعيَّن لا يمكن هذا المنع فيه اتفاقًا. وأما الجواب الثاني فهو عامٌّ، وهو متعين إذا كان المشترك معيَّنًا. فإن قيل: هذه الدعوى مغايرةٌ للأولى، لأن ما لا يكون مختصًّا بالأصل

стр. 242

يجوز أن يكون وجوديًّا، ويجوز أن يكون عدميًّا، بخلاف المشترك فإنه وجوديّ، فصار الأول أعمَّ من الثاني، وقد قام الدليل على كلٍّ منهما، وهو المقتضي إضافةَ الحكم في الأصل إلى المختص، وأيهما كان لزمَ عدم إضافة الحكم إلى المشترك. أما على الثاني فظاهر، وأما على الأول فإنه إذا لم يضف الحكم إلى ما ليس مختصًّا بالأصل لم يضف إلى المشترك قطعًا، لأن المشترك ليس مختصًّا بالأصل، سواء قدر عدم إضافته إلى شيء أصلًا، أو قدر إضافته (١) إلى شيء؛ وليس هو مضافًا إلى غير المختصّ، فإنه يكون مضافًا إلى المختصّ، فلا يكون مضافًا إلى المشترك. قلنا: ما لا يكون [ق ٩٦] مختصًّا بالأصل وإن جاز أن يكون عدميًّا، لكنه هنا وجوديّ، لأن الدليل على الحصر المقتضي لإضافة الحكم إلى المختص، فعُلِم أنه مدعى على التقديرين، لإضافة الحكم إلى المختص، ولأن الحكم يضاف إلى ما ثبت به قطعًا، وهو أمرٌ وجوديّ لا محالةَ، وأنه لا يجوز أن لا يكون مضافًا إلى شيء، لأنه لا بدَّ لكل حكم في نفس الأمر من موجب، وحينئذٍ فالموجب الذي لا يكون مختصًّا يكون مشتركًا. لكن قد يتوجّه للسائل أن يمنع كون الحكم معلَّلًا أو مضافًا إلى شيء البتةَ، وعلى هذا فيكون السؤال مغايرًا للأول من بعض الوجوه، لكن ليس هذا مبنيًّا على أصول القياسيين، فإن الأحكام عندهم معلَّلةٌ في نفس الأمر، سواء علمنا العلل أو لم نعلمها، وحينئذٍ فإذا كان مضافًا إلى شيء وليس مضافًا إلى غير المختصّ لزمَ أن يكون مضافًا إلى المختص، فلا يكون بينه

стр. 243

وبين الأول [فرق] (١) على تقدير صحة القياس، والكلام مبنيٌّ عليه. فإن قلت: من الأحكام ما هو بعيدٌ. قلتُ: البعيد هو ما لم تُعلَم عِلَّتُه، فأما أن لا تكون له علةٌ في نفس الأمر فلا. وهنا بحوثٌ كثيرة ليس هذا موضعَ ذكرها. ولما ادَّعى السائل عدمَ الإضافة إلى المشترك أو عدمَ إضافةٍ [إلى ما] يلزم منه عدم الإضافة إلى المشترك، قابله المستدلُّ بمثل ذلك، فادَّعى الإضافةَ إلى المشترك أو إلى ما يحقق الإضافة إلى المشترك، أي ما تكون الإضافة إليه محقِّقةً للإضافة إلى المشترك، وهو ما كان ملازمًا له، بحيث يلزم من وجودِه وجودُ المشترك، أو أن يكون سببًا (٢) للمشترك أو حكمة للمشترك أو سبب سببٍ أو حكمة حكمةٍ، فإن الإضافة إلى واحدٍ من هؤلاء لا ينافي الإضافة إلى الآخر بل يُحقِّقها، فإن السبب متضمن لحصول الحكمة بالحكم، والحكمة إنما يتحقق حصولُها بالحكم عند تحقق السبب. وهذا كما يقال: أَكلَ لأنه جائعٌ، وأكلَ للشِّبَع، فإضافة الأكل إلى الشبع الذي هو الحكمة تُحقِّق الإضافة إلى الجوع الذي هو منشأ كون الحكم محصِّلًا للحكمة، والإضافة إلى الجوع الذي هو السبب تُحقِّق الإضافة إلى الشبع الذي هو الحكمة التي بها صار الجوعُ سببًا للأكل، كما لم يَصِرْ سببًا

стр. 244

لأكل ما لا يُشبع. والمناسبة المذكورة أولًا تدلُّ على الإضافة إلى المشترك وإلى ما يُحقِّق الإضافة إليه، فإنه وإن كان غير المشترك، لكنه لا يمنع الإضافة إليه كما تقدم. واعلم أن ما دلَّ على ثبوت وصفٍ فقد دلَّ على ثبوت لوازمه، وما دلَّ على انتفائه فقد دلَّ على انتفاء ملزوماتِه، فإذا ادَّعى المدَّعي أن العلَّةَ في الحكم هي المشترك فقد ادَّعَى أن المشترك متى حصل حصلَ [ق ٩٧] الحكمُ، سواء اقتضاه بنفسه أو بواسطة، وقد ادعى ثبوت لوازم المشترك المساوية وكونها من لوازم العلة وتوابعها، فإذا ادعى بعد ذلك الإضافةَ إلى تلك اللوازم كانت إضافته إلى اللازم المساوي الذي هو ملزوم إضافة إلى ملزومه المساوي، لتلازم الوصفين وتصاحبهما. فقوله: «إن هذه الدعوى تغاير الأولى» إن قال: تغايرها في الصورة فقد صدق، لكن ليس ذلك بمغايرة. وإن زعم أنها تغايرها في الحقيقة فليس كذلك، وإذا كان كذلك فكل من عارض بدليل هو من لوازم الأول لم يكن في الحقيقة معارضًا إلا بالأول، فلا تكون المعارضة متعددة إلا في الصورة، فتكون المعارضات مجرد تكريرٍ، فلا تُقبل، لأن تعدد المعارضة إنما فائدتُها تقوية الأول بالثاني، فإذا كان الثاني قد انضم إلى الأول فليس فيه قوة زائدة على قوة الأول، وكثيرٌ من كلام هؤلاء مبني على هذا. وتقريره أن يقال: إنا ندّعي أحد الأمرين، وهو إما إضافة الحكم إلى المشترك أو ثبوت الحكم في الفرع، وأيهما كان لزم ثبوت المدَّعى، لأنه إن حصلت إضافة الحكم إلى المشترك ثبت الحكم في الفرع، وإن ثبت الحكم في الفرع فقد ثبت المدّعى، وهذا مغايرٌ لما تقدم من الدعاوي، وكذلك إن

стр. 245

قال: المدّعَى إضافة الحكم إلى المشترك أو استلزام الحكم في الأصل للحكم في الفرع أو ملزوميته، أو يقول: المدَّعي الإضافة يدَّعي الإضافة إلى المشترك أو مدارية المشترك. وهذا الجواب أيضًا باطل من وجوهٍ: أحدها: أن يقال: هَبْ أنك ادعيتَ الإضافة إلى المشترك أو الحكم في الفرع، لكن لا دليل يدل على الحكم في الفرع بدون الإضافة إلى المشترك إلّا أن يذكر دليلًا آخر. الثاني: أن المعترض يمكنه أن يقول: المدَّعى إضافة الحكم إلى المختص أو انتفاء الحكم في الفرع، أو المدَّعَى انتفاء الإضافة إلى المشترك أو انتفاء الحكمة في الفرع، وتقرير دعواه أسهل. الثالث: أن يقال: هَبْ أنك تدَّعي أحد الأمرين الإضافة أو الحكم في الفرع، أو الإضافة أو التلازم، أو الإضافة أو الدوران، لكن إذا لم يكن مع الدعوى بينة، فأيّ حجة لصاحبها؟ فليس في هذا الكلام إلّا أنك حكيتَ مذهبك، فبارك الله لك فيما تعتقد، أيَّ شيء نَصنَع إذا كنت مدّعيًا لهذا؟ فإنا نسلِّم أنك تدَّعي هذا، لكن لا نُسلِّم بصحة الدعوى، ولم تَقْرِن بهذه الدعوى ما يدلُّ على صحتها، فيجب ردُّها من حيث بدأَتْ [ق ٩٨] منكوسة على أمِّ رأسها، فإنّ ما تقدم من الكلام إن دلَّ فإنما يدلُّ على الإضافة إلى المشترك، ولم يدل على أحد الأمرين، وحينئذٍ فلا يثبت أحد الأمرين إلا بعد ثبوت الإضافة إلى المشترك، فيكون قد ادّعى الإضافة إلى المشترك عينًا أو دعوى لا دليل عليها، وعلى التقديرين لا يصحّ الجواب. الرابع: أن دعوى أحد الأمرين إن كانت هي الدعوى الأولى أو ملزومة

стр. 246

للدعوى الأولى فما ينفي الأولى ويعارضها ينفيه وينفي ملزوماتِه، وإن لم تكن هي ولا ما يستلزم ثبوتها (١). وأيضًا فإن من ادعى شيئًا لا يُقبل منه بعد ذلك الرجوعُ عنه ودعوى ما يستلزمه، ومتى بقي على الدعوى الأولى لزم عليها ما تقدم، وإن ادَّعى ما يغاير الأول ولا يستلزم الأول فذاك لا ينفعه، والنكتة أن الدعوى إن غُيِّرتْ لفظًا لم تَنفع، وإن غيّرت في المعنى لم تُقْبل. الخامس: أن مقابلة الدعوى بالدعوى لا تُجدِي ولا تُفِيد، بل هو بابٌ لا يَنْسَدّ. فإن قال الخصم: لما عارضني بدعوى عارضتُه بمثلها، ومهما عارضني بدعوى عارضتُه بمثلها، حتى أعارضه بدعوى لا يَقدِرُ على أن يعارضني بمثلها. قيل له: بل يقدر أن يعارضك بمثلها، فإن المعارضة بالدعاوي بابٌ لا ينسدُّ، إلّا أن يُغلق. وليس أحدٌ من العقلاء مؤمنهم وكافرهم يحتاج أن يعارض الدعوى بالدعوى على سبيل المحاجة والمناظرة، ثم إن كان هو المبتدئ بالمعارضة فيكفيك أن تقابله بدعوى مقابلةً للفاسد بالفاسد إن كنت ترضى بسلوك هذا الطريق الحائد، ولا تزالان هكذا إلى أن تقوم القيامة أو أن يعجز أحدكما عن أن يتم كلامه، فإذا قال لك: هذا مُعارَضٌ بمثله، قُلْ له: وهذا معارَضٌ بمثله. السادس: أنه يمكنه أن يقول: لا يتحقق أحدهما أصلًا، لأنه لو تحقق أحدهما للزم إضافة الحكم إلى المشترك، فإن اشتراك الأصل والفرع في

стр. 247

الحكم يُوجِب اشتراكهما في الموجب وإضافته إليه، ولا يتحقق الإضافة إلى المشترك لما تقدم. وهذا سؤال المعترض كما سيأتي. قال صاحب الجدل الباطل (١): (ولئن قال: لا يتحقق أحدهما أصلًا، وإلا لتحقق إضافة الحكم في الأصل (٢) إلى المشترك، ولا يكون مضافًا إلى المشترك (٣) لما بيناه، ولأنه لو كان مضافًا إلى المشترك لكان المشترك علة، والمانع عن (٤) الحكم متحقق في الفرع، فيتحقق التعارض بينهما، وأنه على خلاف الأصل على ما عُرِف). حاصل هذا السؤال أنه يقول: لا يتحقق أحد الأمرين، لأنه لو تحقق أحدهما لتحققت الإضافة [ق ٩٩] إلى المشترك، لأن اللازم منهما لا يخلو إما أن يكون هو الإضافة أو ما قُرِن به من الحكم في الفرع ونحوه، فإن كان الأول فظاهر، وإن كان الثاني فالحكم إذا ثبت في الفرع يلزم الإضافة إلى المشترك لوجوهٍ: أحدها: مناسبة المشترك السالمة عن معارضة تخلف الحكم في الفرع. الثاني: أن الاتفاق في الحكم دليلُ الاتفاق في المصلحة، إذ [لو] لم يكن كذلك للزمَ إما إلغاء المصلحة الزائدة أو عدم الحكم عند عدمها، وكلاهما ممتنع.

стр. 248

الثالث: إذا ثبت الحكم في الفرع فالمشترك بينه وبين الأصل إن لم يكن هو العلة، فالعلةُ: إما ما يختصّ به الفرع، وهو خلاف الإجماع، ولأنه لو كانت العلة ما يختص به الفرع لم تكن إضافة (١) الحكم إليها أصلًا يشهد له بالاعتبار؛ وإما ما يختصُّ به الأصل، ولو [كان] ذلك لامتنع إلحاق الفرع به، فلا بدَّ أن يكون المشترك علة على هذا التقدير، وكذلك على تقدير مدارية المشترك، أو على تقدير ملزومية الحكم في الأصل الحكمَ في الفرع، فإنه لا بدّ أن تتحقق الإضافة إلى المشترك على هذه التقادير لما تقدم، أو لا تتحقق الإضافة إلى المشترك إليه لما مرّ، فلا يتحقق أحدهما، إذ المراد به ما يناقض شمولَ العدم لهما في الدلالة على عدم الإضافة، وأنه لو أضيف الحكم إلى المشترك لكان مقتضيًا للحكم المتنازع فيه، فيلزم أن يعارضه المانع من الحكم المتنازع فيه، والتعارض على خلاف الأصل، فلا يكون المقتضي موجودًا، فلا يكون مضافًا إلى المشترك. واعلم أنه يمكن إقامة الدلالة على عدم الإضافة إلى المشترك من وجوهٍ متعددة من هذا الجنس الذي أثبت به المستدل الإضافة إلى المشترك، لأن عدم الإضافة إلى المشترك من لوازم عدم كون الحكم في الأصل مضافًا إلى شيء، بأن يكون تعبديًّا ونحوه، [و] من لوازم عدم الحكم بما الحكم مضاف إليه في نفس الأمر، ومن لوازم عدم الحكم إلى ما يختص بالأصل، ومن لوازم الإضافة إلى غير المشترك، ومن لوازم علة اختصاص الحكم بالأصل، ومن لوازم رجحان العلة في الأصل على الفرع، ومن لوازم اختصاص الفرع بمانع يمنع الحكم، إلى غير ذلك من الأمور التي يستلزم

стр. 249

كلٌّ منها عدمَ الإضافة إلى المشترك. فيمكن المعترضَ أن يدَّعيَ واحدًا منهما أو أحد أمرين منهما أيهما شاء أو واحدًا منهما على تقدير عدم الآخر، بأن يدعي الأول على تقدير عدم الثاني أو تقدير عدم الثالث، وكذلك أنها عينه على تقدير أنها عين عدمه غير الأول، أو يدّعي أحدهما أولًا على تقدير عدم أحدهما. [ق ١٠٠] وكذلك يدّعي أحدهما ثانيًا على تقدير عدم أحدهما بعدد تلك (١) الأمور التي تستلزم عدم الإضافة، وقد عددنا منها سبعة، فإن شاء ذكرها أو ذكر أربعة منها أو أقل أو أكثر، أو يدّعي أحدهما أولًا على تقدير عدم أحدهما ثانيًا، وبالعكس. وكذلك يدَّعي أحدهما ثانيًا وما بعده من المرات. وذلك لأن هذه الأمور المستلزمة للعدم يثبت بالمدَّعَى بكل واحد منها على التعيين، وبكل واحدٍ منها على الإبهام، وبالمبهم في اثنين أو ثلاثة أو نحو ذلك منها، وبأحدها على تقدير عدم الآخر معينًا ومبهمًا، وبأحدهما أولًا على تقدير عدمه ثانيًا، لأنه يمكنه أن يعدّد المعارضات بعددها، فإذا ثبت الحكم به في مرة من المرات ثبت المدَّعى. وإذا تبيَّن لك ذلك علمتَ أن جنس ما ينفي الإضافة إلى الأمر المشترك من هذه الأمور العامة أكثر من جنس ما يثبت الإضافة إليه، فيكون جانب المعترض هو الراجح في هذه الطريقة. وهذا كما ذكرناه في التلازم أن ما ينفيه من هذا الجنس أكثر مما يثبته، وهذا من رحمة الله سبحانه، فإنه لم يكن دليل مغلطي مموّه إلّا نصبَ الله من جنسه ما ينفي مقتضاه غير منع مقدماته، فيفيد ذلك مقابلة المستدل به بمثل دليله، فينقطع، ويعلم أن الشيء الواحد

стр. 250

إذا دلَّ على نوعه على النقيضين كان نوعُه باطلًا. وهذا مما يُبيِّن فسادَ جميع ما يُستدلُّ به من هذا الجنس من الحجج المموّهة، فلما كان الأمر كذلك احتالوا لإتمام كلام المستدل بما سيأتي ذكره وبيانُ فسادِه وعدمِ تمامِه. واعلم أن هذا السؤال المذكور في الجواب فاسدٌ عند التحقيق لوجوهٍ، وذلك أن مبناه على أن يقال: لا يتحقق أحدهما، وهو إضافة الحكم إلى المشترك أو الحكم في الفرع، لأنه لو تحقق أحدهما لتحقق إضافة الحكم في الأصل إلى المشترك، لأنه إن كان الثابت إضافة الحكم إلى المشترك فقد لزم إضافة الحكم في الأصل إليه، وإن كان الثابت هو الحكم في الفرع فثبوته في الفرع إنما هو لأجل القدر المشترك، إذ ليس في الفرع ما يوجب اختصاصَه به بالإجماع. ولأن الأصل عدم علة زائدة، ولأنه إذا ثبت في الفرع لزم إضافته إلى المشترك بنفس الدليل الذي دلَّ على أنه ثبت في الأصل، ثبت لأجل القدر المشترك أولى، لأن عامة الأسولة مندفعة عنده. وإذا كان للمشترك فقد لزمت إضافة الحكم إلى المشترك، وهو المدَّعى. ثم قال: واللازم منتفٍ، وهو إضافته إلى المشترك، لما بيّنا. قال: «ولأنه لو كان مضافًا إلى المشترك [ق ١٠١] لكان المشترك علة، والمانع عن الحكم متحقق في الفرع، فيتحقق التعارض بينهما، وأنه على خلاف الأصل على ما عُرِفَ»، لأن علة الحكم ما أضيف الحكم إليه، وذلك يوجب ثبوته في الفرع، وفي الفرع ما يمنع ثبوته، فيتعارض المقتضي والمانع، وتعارضُ الأدلة على خلاف الأصل، لاستلزامِه تركَ العمل بأحد الدليلين. وذلك فاسدٌ من وجوه: أحدها: قوله: «وإلا لتحقق إضافة الحكم في الأصل إلى المشترك، ولا
следующие страницы →